الفصل التاسع

لكن في تلك الليلة حين ذهب جرانت إلى النوم، فكَّر في الأمر. ليس باعتباره احتمالًا، ولكن كضرب من ضروب التكهُّن. كيف سيكون الحال عند التقاعد؟ أن يتقاعد وهو شابٌّ بما يكفي ليبدأ شيئًا آخر؟ وإن بدأ شيئًا آخر، فماذا سيكون؟ مزرعة خِراف مثل تومي؟ ستكون تلك حياةً طيبة. لكن هل بإمكانه أن يحقق النجاح من عيشه في الريف؟ كان يشك في ذلك. وإن لم يكن سيُحقق النجاح، فماذا يمكنه أن يفعل غير ذلك؟

راح يلعب بهذه اللعبة الجديدة اللطيفة حتى غلبه النوم وأخذها معه إلى النهر في الصباح التالي. كانت إحدى أوجُه اللعبة الساحرة حقًّا هي فكرة وجه برايس حين يقرأ استقالته. لن يكون لدى برايس نقص في الطاقم لمجرد أسبوع أو اثنين؛ سيجد نفسه محرومًا منه للأبد، وكذلك جميع المرءوسين الأكثر قيمة له. كانت هذه فكرةً ممتعة.

راح يصطاد في بركته المفضَّلة؛ تحت الجسر المتأرجح، وأجرى محادثاتٍ ممتعة مع برايس. لأنه بالطبع سيكون ثَمة محادثة. سيمنح نفسه الفرحة التي لا توصف، المتمثلة في وضع تلك الاستقالة المكتوبة على المكتب أمام عينَي برايس؛ وضعها على المكتب بنفسه، بشخصه. ثم ستدور محادثةٌ مُرضية حقًّا، وسيخرج إلى الشارع رجلًا حرًّا.

حرًّا ليفعل ماذا؟

ليكون نفسه، لن يكون طوع بنان أحد.

ليفعل الأشياء التي طالما أراد فِعلها ولم يكن لديه متَّسَع من الوقت لها. ليعبث في الأرجاء في قواربَ صغيرة، على سبيل المثال.

ليتزوج، ربما.

أجل، ليتزوج. بوجود وقت فراغ سيكون لديه متَّسَع من الوقت ليشارك حياته مع امرأة. متسع من الوقت ليُحِب ويُحَب.

أبقته هذه الفكرة سعيدًا للغاية طيلةَ ساعةٍ أخرى.

وقُرْب الظهيرة أدرك أنه لم يكن وحيدًا. رفع ناظرَيه فرأى أن رجلًا كان يقف على الجسر يراقبه. كان يقف بعيدًا عن الضفة ببضع ياردات فقط، وحيث إن الجسر لم يكن يتحرك، فلا بد أنه كان هناك لبعض الوقت. كان الجسر عبارة عن ممر أسلاك عادي أرضيَّته من ألواحٍ خشبية، وله هيكلٌ خفيف جدًّا لدرجة أنه حتى الرياح كانت قادرة على تحريكه. كان يشعر بالعِرفان للغريب لأنه لم يَمشِ إلى منتصف الجسر ويتأرجح به فيُربك الأسماك الموجودة في الجوار كلها.

أومأ إلى الرجل برأسه على سبيل التعبير عن استحسانه.

فسأله الرجل: «اسمك جرانت؟»

بعد الإسهاب والإطناب الملازمَين لشعب يتَّصف بالمراوغة والمواربة؛ بحيث لم يكن لديه في لغته كلمةٌ مكافئة لكلمة «لا»، كان من السارِّ لجرانت أن يُطرح عليه سؤالٌ مباشر بلغةٍ إنجليزيةٍ بسيطة.

فقال جرانت متحيرًا بعض الشيء: «أجل.» بدا من لهجة الرجل أنه قد يكون أمريكيًّا.

«أنت من نشرَ ذلك الإعلان في الصحيفة؟»

هذه المرة لم يكن لديه شكٌّ حيال جنسية الرجل.

«أجل.»

أزاح الرجل قبَّعته بأطراف أصابعه نحو الخلف من رأسه قليلًا، وقال بنبرة إذعان: «أوه، حسنًا. أظن أنني أنا الآخر مجنون، وإلا ما أتيتُ إلى هنا.»

هنا بدأ جرانت يستدرجه.

«ألن تأتي إلى هنا سيد …؟»

ابتعد الرجل عن الجسر ونزل إلى الضفة نحوه.

كان شابًّا يافعًا، حسن الملبس، لطيف المظهر.

قال: «اسمي كولين. تاد كولين. وأنا أعمل طيارًا. إذ أطير بالبضائع لصالح شركة أوه سي إيه إل. شركة أورينتال كوميرشال إيرلاينز ليمتد، كما تعرف.»

كان يقال إن كل ما تحتاجه من أجل الطيران لصالح هذه الشركة هو شهادة بأنك تستطيع الطيران، وألا تبدو عليك أيُّ علامة من علامات مرض الجذام. لكن تلك كانت مبالغة. بالفعل، كان هذا تشويهًا. كان يتعين أن تكون ماهرًا حتى تعمل طيارًا في هذه الشركة. ففي خطوط طيران الركاب الكبيرة المميزة، إن ارتكبتَ خطأً ستتعرَّض للوم والتوبيخ. أما في شركة أورينتال كوميرشال، فإن ارتكبت خطأً فستُطرَد من العمل. كانت شركة أورينتال كوميرشال تحظى بعددٍ هائل من الموظفين. ولم تكن الشركة تلتفت مطلقًا إلى مهارتك في التحدث بقواعد النحو، أو إلى لون بشرتك، أو أسلافك، أو أخلاقك، أو جنسيتك، أو مظهرك؛ ما دمت تستطيع الطيران. يتحتم على المرء أن يكون قادرًا على الطيران في هذه الشركة. نظر جرانت إلى السيد كولين باهتمامٍ مُضاعَف.

«اسمع يا سيد جرانت، أعرف أن ذلك الإعلان — تلك الكلمات التي نشرتَها في الصحيفة — أعرف أنها كانت مجرد اقتباس من نوع ما كنت تريد معرفة مصدره، أو شيئًا من هذا القبيل. وبالطبع لا أستطيع أنا أن أحدِّد مصدره. لم أكُن بارعًا قط فيما يتعلق بالكتب. لم آتِ إلى هنا لأكون ذا نفع لك. بل في ظني أن الأمر على العكس من ذلك تمامًا. لكنني كنت قلقًا كثيرًا، وفكَّرت حتى إن قطع مسافةٍ طويلة كهذه قد يستحق المحاولة. لقد ذكر بيل — وهو صديقي — كلمات كهذه في إحدى الليالي حين كان مُنتشيًا قليلًا، وفكَّرت أنها قد تشير إلى مكانٍ ما. أقصد أن الوصف قد يشير إلى مكانٍ بعينه. حتى ولو كان اقتباسًا. أخشى ألا يكون ما أقوله واضحًا.»

ابتسم جرانت وأجاب بأنه ليس واضحًا، حتى الآن، لكن اقترح أن يجلسا معًا ويسوِّيا الأمر. «هل أفهم من هذا أنك أتيت إلى هنا بحثًا عني؟»

«أجل، في الواقع أتيت ليلة أمس. لكن مكتب البريد كان مغلقًا؛ لذا حصلت على سرير في النُّزل. يطلقون عليه اسم مويمور. ثم ذهبت إلى مكتب البريد هذا الصباح وسألتهم أين يمكنني أن أجد إيه جرانت الذي وصله الكثير من الخطابات. كنت واثقًا من أنك ستتلقى كثيرًا من الخطابات، كما ترى، بعد نشر ذلك الإعلان. وقالوا لي إنني إن كنت أريد السيد جرانت فسأجده في مكانٍ ما عند النهر. في الواقع، أتيت إلى هنا لأبحث، ولم أجد أحدًا آخر عند النهر سوى امرأة؛ لذا خمَّنت أنك لا بد أن تكون السيد جرانت. كما ترى، لم يكن من المجدي أن أرسل لك خطابًا لأنني حقًّا لم يكن لديَّ شيء يبدو مستحقًّا لأن أخطه على الورق. أقصد، كان الأمر مجرد أمل سخيف. ويمكنك ألا تتكبَّد عناء الإجابة على أي حال؛ أقصد أن الأمر لم يكن له علاقة بك.». سكت الرجل لحظةً، ثم أضاف بنبرة تنمُّ عن التعلق بالأمل وعدم الاعتماد عليه في الوقت ذاته: «ليس ملهًى ليليًّا، صحيح؟»

سأله جرانت مندهشًا: «ما الذي ليس كذلك؟»

«ذلك المكان الذي على بابه وحوشٌ مُتكلمة. والمشهد الغريب. بدا مثل مدينةٍ ترفيهية. كما تعلم: من نوعية الأماكن التي تمضي فيها عبر أنفاق وأنت على متن قارب في الظلام، وترى أشياء سخيفة ومخيفةً فجأة. لكن بيل ما كان سيُبدي اهتمامًا بمكانٍ كهذا. لذا فكَّرت في أنه ملهًى ليلي. كما تعرف؛ أحد تلك الأماكن التي تصنع أشياءَ غريبةً لإبهار الزبائن. يبدو ذلك أقرب كثيرًا إلى توليفة بيل. خاصةً في باريس. وكنت سألتقي به في باريس.»

للمرة الأولى ظهر شعاعُ أمل.

«أتقصد أنك كنت على مَوعد مع بيل هذا لتلتقيا؟ ولم يأتِ في موعده؟»

«لم يأتِ على الإطلاق. وذلك ليس من شيم بيل على الإطلاق. إن قال بيل إنه سيفعل شيئًا، أو سيكون في مكانٍ ما، أو سيتذكَّر شيئًا، صدِّقني إنه سيُنفذ ما قاله. ذلك هو السبب في شعوري بالقلق البالغ. ولم يترك أي تفسير. لم يترك رسالة في الفندق أو أي شيء. بالطبع ربما يكونون قد نسوا أن يُسجلوا الرسالة؛ فهذه هي طبيعة الفنادق. لكن، حتى لو نسوا، كان بيل سيُتابع الأمر معهم. أقصد أنني إذا لم أُبدِ ردة فعل، كان بيل سيتصل هاتفيًا مرةً أخرى ليقول: ماذا ستفعل أيها العجوز كذا وكذا، ألم تصلك رسالتي؟ لكن لم يكن يوجد أي شيء كهذا. الأمر غريب، أليس كذلك، أن يحجز غرفة ولا يأتي ليشغلها ولا يرسل كلمةً واحدة تفسِّر ذلك؟»

«غريبٌ جدًّا بالفعل. وخاصةً أنك تقول إن صديقك من النوع الذي يُعتمد عليه. لكن لماذا أبديتَ اهتمامًا بالإعلان الذي نشرته؟ أقصد: فيما يتعلق ببيل؟ اسمه بيل ماذا، بالمناسبة؟»

«بيل كينريك. إنه طيارٌ مثلي. يعمل لحساب شركة أورينتال كوميرشال. نحن صديقان منذ عام أو عامَين. لا أمانع أن أقول إنه أفضل صديق حظيتُ به على الإطلاق. كان الأمر معي كالتالي يا سيد جرانت. حين لم يظهر، وحين لم يبدُ أن أحدًا يعرف عنه شيئًا أو سمع بأخباره — ولم يكن لديه معارف في إنجلترا يمكنني أن أكتب إليهم — فكَّرت في الطرق الأخرى المتاحة للتواصل بين الناس. بخلاف مكالمات الهاتف والخطابات والبرقيات وما إلى ذلك. وهكذا هداني تفكيري إلى ما تطلقون عليه عمود الشكاوى. في الصحف كما تعلم. لذا حصلت على طبعة باريس من صحيفة «كلاريون» — أقصد ملفاتهم في مكتبهم بباريس — واطَّلعت عليها ولم يكن يوجد أي شيء. ثم حاولت مع صحيفة «ذا تايمز»، ولم أجد بها شيئًا أيضًا. كان هذا بعد مرور بعض الوقت بالطبع؛ لذا اضطُررت أن أراجع الملفات القديمة، لكن لم يكن يوجد أي شيء. كنت على وشك أن أتخلى عن الأمر لأنني كنت أظن أن هاتين هما فقط الصحيفتان الإنجليزيتان اللتان تُصدران طبعاتٍ دورية لباريس، لكن قال لي أحدهم لم لا أطَّلع على صحيفة «مورنينج نيوز». فذهبت إليها، ولم يبدُ أن بها أي شيء من بيل، لكن كان بها إعلانك الذي ذكَّرني بشيءٍ ما. إن لم يكن بيل مفقودًا، فلا أظن أنني كنت سأعيد التفكير في الأمر، لكن إذ كنت قد سمعت بيل يتمتم بشيءٍ ما يتماشى مع تلك الأبيات، لاحظت الأمر وأصبحت مهتمًّا. كما يقول بيل، هل أنت معي؟»

«معك تمامًا. أكمل. متى تحدث بيل عن ذلك المشهد الغريب؟»

«لم يتحدث عنه على الإطلاق. كل ما في الأمر أنه ثرثر في إحدى الليالي حيث كنا ثملَين قليلًا. بيل لا يعاقر الكحوليات يا سيد جرانت. لا أريدك أن تكوِّن فكرةً خاطئة. أقصد: يعتاد شرب الكحوليات. قلة من الرجال في مجموعتنا يفعلون، أعترف بذلك، لكنهم لا يستمرون طويلًا في الشركة. لا يستمرون طويلًا على أي حال. هذا هو سبب طرد شركة أورينتال كوميرشال لهم. إن الشركة لا تُمانع إن قتلوا أنفسهم، لكن البضائع التي ننقلها في الصناديق غالية الثمن. لكننا نحظى بفرصة الخروج لليلة بين الحين والآخر مثل الأناس الآخرين. وفي إحدى تلك الليالي التي خرجنا فيها أخذ بيل يُثرثر. كنا جميعًا ثملين قليلًا؛ لذا لا أتذكَّر أي شيء بالتفصيل. أعرف أننا كنا نشرب أنخابًا، وكانت مواضيع الحديث قد نفدت في ذلك الوقت. فكنا نتناوب التفكير في نخب لأشياء غير محتملة. مثل: «الابنة الثالثة لعمدة بغداد» أو «إصبع قدم جون كاي الأيسر الصغير». فقال بيل: «نخب الفردوس!» ثم ثرثر بشيء عن وحوشٍ متكلمة ورمالٍ مغنية وما إلى ذلك.»

«ألم يسأله أي أحد عن فردوسه هذا؟»

«لا! كان الشخص التالي ينتظر دوره ليُدلي بدلوه. لم يكن أي أحد ينتبه لأي شيء. لقد ظنوا فقط أن النخب الذي اقترحه بيل كان مملًّا. ما كنت سأتذكره أنا نفسي لو لم أصادف الكلمات في الصحيفة حين كان ذهني مشغولًا على بيل.»

«ولم يذكره مجددًا أبدًا؟ لم يتحدث قَط عن أي شيء كهذا في الأوقات التي كان فيها واعيًا.»

«لا. إنه ليس كثير الكلام غالبًا.»

«أتظن أنه ربما كان سيحتفظ بالشيء لنفسه لو كان مهتمًّا به اهتمامًا كبيرًا؟»

«أوه، أجل، إنه يفعل ذلك، يفعله بالفعل. إنه ليس منغلقًا، إنما هو حذرٌ بعض الشيء. في معظم الأحوال هو أكثر شخص منفتح يمكنك أن تتخيَّله. إنه كريم مع القريبين منه، ولا يبالي بأشيائه، وعلى استعداد لفعل أي شيء لأي شخص. لكن في الأمور التي … في الأمور الشخصية، إن كنت تعرف ما أقصد، يغلق الباب في وجهك نوعًا ما.»

«هل كان مرتبطًا بفتاة؟»

«حاله لا يختلف عن حال أيٍّ منا في ذلك. لكن ذلك مثالٌ جيد جدًّا على ما أقصد. فحين يخرج بقيتنا من أجل قضاء أمسية، فإننا نرضى بما هو موجود. لكن بيل سيذهب وحده إلى جزءٍ آخر من المدينة حيث يكون قد حصل لنفسه على شيءٍ أقرب إلى ما يريد.»

«أيَّ مدينة تقصد؟»

«أي مدينة نكون فيها. الكويت، مسقط، القطيف، المُكلا. أي مدينة من عدن إلى كراتشي، إن تطلَّب الأمر. فمعظمنا يطير في مساراتٍ مُجدوَلة، لكن البعض يطير في رِحلاتٍ غير منتظمة. يأخذ أي شيء لأي مكان.»

«أين كان … أين يطير بيل؟»

«لقد طار في الأنحاء كافة. لكن مؤخَّرًا كان يطير بين الخليج والساحل الجنوبي.»

«تقصد شبه الجزيرة العربية.»

«أجل. إنه مسارٌ كئيبٌ ملعون، لكن يبدو أن بيل كان يحبه. أظنُّ أنه أمضى فيه وقتًا طويلًا. فإن أمضيت وقتًا طويلًا على مسارٍ واحد تصبح مبتذلًا.»

«لمَ تظن أنه أمضى فيه وقتًا طويلًا؟ هل تغير بأي شكل؟»

هنا تردَّد السيد كولين. وقال: «ليس بالضبط. كان بيل الذي نعرفه، ليِّن العريكة ولطيفًا. لكنه انغمس بحيث لم يستطِع أن يرمي الأمر وراء ظهره.»

«أتقصد يرمي عمله وراء ظهره؟»

«أجل. معظمنا — في الواقع، كلنا — يرمي العمل وراء ظهره حين نسلِّم الطائرة إلى الطاقم الأرضي. ولا نتذكَّر عنها شيئًا حتى نلقي التحية في الصباح التالي على الميكانيكي المسئول. لكن بيل كان منغمسًا في العمل حتى إنه كان ينكبُّ على خرائط المسارات وكأنه لم يَطِر الرحلة من قبلُ.»

«في رأيك، ما سبب هذا الاهتمام بالمسار؟»

«في الواقع، ظننت أنه كان يحاول إيجاد طريقة لتجنُّب المناطق السيئة الطقس. لقد بدأ الأمر — وبالأمر هنا أقصد اهتمامه بالخرائط — ذات مرة حين وصل في ساعةٍ متأخرة جدًّا بعد أن قذفه أحد تلك الأعاصير المرعبة، التي تظهر من العدم في تلك البلاد، عن مساره. كنا قد كِدنا نفقد الأمل في عودته في ذلك الوقت.»

«ألا تطيرون على ارتفاعاتٍ أعلى من أحوال الطقس؟»

«في الرحلات الطويلة بالطبع نفعل. لكن حين تطير بطائرات الشحن فإنه يتعين عليك أن تحطَّ في أغرب الأماكن. لذا أنت دائمًا تحت رحمة الطقس بطريقة أو بأخرى.»

«فهمت. وهل تظنُّ أن بيل تغيَّر بعد تلك التجربة؟»

«في الواقع، أظن أنها تركت فيه أثرًا. كنت موجودًا حين وصل. أقصد بالطائرة. كنت أنتظره، في المهبط. وبدا لي مهزوزًا بعض الشيء، إن كنت تفهم ما أعنيه.»

«يعاني صدمةً.»

«أجل. كان لا يزال يخوض تلك التجربة، إن كنت تعرف ما أقصد. لا يصغي حقًّا لما يُقال له.»

«وبعد ذلك بدأ يدرس الخرائط. ليُخطط لمساره، كما تظن.»

«أجل. منذ تلك اللحظة وهذه التجربةُ هي الشغل الشاغل لذهنه بدلًا من أن تكون شيئًا تصرف ذهنك عنه وأنت تخلع عنك ملابس العمل. بل إنه أصبح معتادًا على الوصول بالطائرة متأخرًا. وكأنه خرج عن طريقه ليبحث عن مسارٍ أسهل.» توقف الرجل لحظة، وأضاف بنبرةٍ تحذيريةٍ سريعة: «أرجوك، افهم يا سيد جرانت، أنا لا أقول إن بيل فقد شجاعته.»

«لا، بالطبع لا.»

«فقدانك لشجاعتك لا يأخذك في هذا الطريق على الإطلاق، صدِّقني. بل تصبح على العكس تمامًا. لا تريد أن تفكِّر في الطيران مطلقًا. ويُصبح مزاجك حادًّا، وتُفرِط في معاقرة الشراب وفي أوقاتٍ مبكِّرة للغاية من اليوم، وتحاول أن تتحايل للحصول على رِحلاتٍ قصيرة، وتدَّعي أنك مريض بينما ليس بك أي خطب. لا يوجد غموض بشأن فقدان الشجاعة يا سيد جرانت. بل إنه يعلن عن نفسه وكأنه اسم على سرادق. لم يظهر على بيل أي شيء مشابه لذلك … ولا أظن أنه سيظهر أبدًا. الأمر فقط أنه لم يستطِع أن يترك الأمر وراءه.»

«أصبح هوسًا لديه.»

«هكذا تقريبًا، على ما أظن.»

«هل كانت لديه اهتماماتٌ أخرى؟»

قال السيد كولين بنبرةٍ آسفة، مثل شخص يعترف بشيءٍ ذي غرابةٍ ما في صديق له: «إنه يقرأ الكتب، وقد ظهر هذا عليه حتى في قراءته للكتب.»

«كيف ظهر؟»

«أقصد، بدلًا من أن تكون الكتب هي الروايات القصصية المعتادة، كان من المرجح أن تكون عن شبه الجزيرة العربية.»

قال جرانت وهو غارق في التفكير: «حقًّا؟» منذ أتى الغريب لأول مرة على ذكر شبه الجزيرة العربية، كان جرانت «يتفق معه» تمامًا. كانت شبه الجزيرة العربية تعني للعالم كله شيئًا واحدًا؛ الرمال. وعلاوةً على ذلك، أدرك أنه حين خالجه ذلك الشعور، في ذلك الصباح الذي قضاه في فندق بلدة سكون، بأن «الرمال المغنية» موجودة بالفعل في مكانٍ ما، كان ينبغي عليه أن يربط بينها وبين شبه الجزيرة العربية. في مكانٍ ما في شبه الجزيرة العربية كانت توجد في الواقع رمال يُزعم أنها تغني.

قال السيد كولين: «لذا كنت مسرورًا حين أخذ «إجازته» في وقتٍ أبكر مما كان يريد. كنا قد خططنا للذهاب معًا وقضاء إجازتنا في باريس. لكنه غيَّر رأيه وقال إنه يريد قضاء أسبوع أو أسبوعَين في لندن أولًا. فهو إنجليزي. لذا رتَّبنا أن نلتقي في فندق سانت جاك في باريس. كان من المقرر أن يقابلني هناك في الرابع من شهر مارس.»

قال جرانت: «متى؟» وسكن فجأة. سكن عقله وسكن جسده، وكأنه كلب صيد يرى طريدته أمام ناظرَيه، وكأنه رجلٌ هدفه أمام ناظرَيه.

«الرابع من مارس. لماذا؟»

كانت الرمال المغنية مبعثَ اهتمام أي أحد. إن الرجال الذين يطيرون لحساب شركة أورينتال كوميرشال كانوا كُثر. لكن المسألة المتشعبة المبهمة غير المحددة المتعلقة ببيل كينريك، الذي كان مهووسًا بالجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية ولم يأتِ في موعده إلى باريس، انحصرت فجأة في نقطة مركَّزة واحدة. انحصرت في تاريخ.

في الرابع من مارس، حين كان ينبغي على بيل كينريك أن يظهر في باريس، كان قطار بريد لندن قد أتى إلى سكون يحمل جثةَ شابٍّ كان مهتمًّا بالرمال المغنية. شابٌّ ذو حواجبَ جامحة. شابٌّ كان يبدو من مظهره أنه كان من المرجح جدًّا أنه كان سيصبح طيارًا ماهرًا. تذكَّر جرانت أنه كان قد حاول في مخيلته أن يضعه على برج قيادة سفينةٍ صغيرة؛ سفينةٍ صغيرةٍ سريعة، جَهنَّمية في أي بحر. بدا أنه ينسجم مع هذه الصورة. لكنه سيبدو ملائمًا بالمثل أمام لوحة التحكم في طائرة.

«لماذا اختار بيل باريس؟»

«لماذا يختارها أي أحد؟!»

«ألم يكن هذا لأنه فرنسي؟»

«بيل؟ لا، بيل إنجليزي. حتى النخاع.»

«هل رأيت جواز سفره من قبل؟»

«ليس بحسب ما أتذكر. لماذا؟»

«ألا تظن أنه ربما كان فرنسي المولد؟»

لم يكن الأمر سينجح على أي حال. كان الرجل الفرنسي يُدعى مارتن. إلا إذا كانت تربيته الإنجليزية جعلته يتبنى اسمًا إنجليزيًّا؟

«ألا يتصادف أنك تحمل صورةً لصديقك؟»

لكن انتباه السيد كولين كان منصبًّا على شيءٍ آخر. التفت جرانت لينظر، ووجد أن زوي كانت قادمة نحوهما على ضفة النهر. فنظر إلى ساعته.

وقال: «بحق الجحيم! لقد وعدت أن أشعل نار الموقد!» ثم التفت إلى حقيبته وأخرج منها موقد الكيروسين.

سأله السيد كولين بصراحةٍ غير معتادة: «أهي زوجتك؟» في الجزر الغربية، كان الأمر سيتطلَّب محادثةً مدتُها خمس دقائق لاستخراج تلك المعلومة منه.

«لا. تلك الليدي كينتالين.»

«ليدي؟ أهذا لقب؟»

قال جرانت وهو مشغول بالموقد: «أجل. إنها الفيكونتيسة كينتالين.»

أخذ السيد كولين يفكِّر في ذلك في صمت لوقتٍ قصير.

«أظن أنها كونتيسة من مستوًى متدنٍّ نوعًا ما.»

«لا. على العكس. إنها ذات مقامٍ رفيع جدًّا. فهي عمليًّا ماركيزة. اسمع يا سيد كولين، لنؤجِّل أمر صديقك هذا بعض الوقت. إنه أمرٌ يثير اهتمامي أكثر مما يمكنني أن أصف، لكن …»

«أجل، بالطبع سأغادر. متى يمكنني أن أتحدَّث معك مرةً أخرى بشأن هذا الأمر؟»

«بالطبع لن تغادر! ستبقى وستتناول معنا شيئًا من الطعام.»

«أتقصد أنك تريدني أن أقابل هذه الماركيزة، هذه … الفيكونتيسة كما تُطلق عليها؟»

«ولمَ لا؟ إنها شخص من اللطيف جدًّا مقابلته. أحد ألطف الأشخاص الذين أعرفهم.»

«حقًّا؟» ونظر السيد كولين باهتمام إلى زوي وهي تقترب. «من المؤكَّد أنها بهية الطلعة جدًّا. لم أكن أعرف أن أعضاء طبقتها يتصفون بهذا. لقد تخيلت بطريقةٍ ما أن كل الأرستقراطيين لهم أنوفٌ طويلة.»

«أظن أنهم حصلوا عليها خصوصًا من أجل النظر إلى الناس باستعلاء.»

«شيء من هذا القبيل.»

«لا أعرف إلى أي مدًى على المرء أن يتعمَّق في التاريخ الإنجليزي من أجل أن يجد أنفًا أرستقراطيًّا لم ينظر صاحبه إلى أحد باستعلاء. أشك أن المرء سيجد واحدًا على الإطلاق. المكان الوحيد الذي تجد فيه أنفًا لم ينظر صاحبه إلى أحد باستعلاء هو الضواحي. فيما يُعرف بالدوائر الدنيا من الطبقة المتوسطة.»

بدا السيد كلوين مُتحيرًا. «لكن الأرستقراطيين منعزلون وينظرون إلى بقية الناس باستعلاء، أليس كذلك؟»

«لم يكن من الممكن قَط في إنجلترا لأي طبقة أن تنعزل، على حد وصفك. إنهم يتزوجون من طبقاتٍ أخرى على كل المستويات طيلة ألفَي عام. لم توجد قَط طبقاتٌ منفصلة ومتمايزة — أو طبقة أرستقراطية على الإطلاق بالمعنى الذي تقصده.»

فأشار السيد كولين قائلًا، غير مصدق بعض الشيء: «أظن أن الكفَّات آخذة في التوازن في هذه الآونة.»

«أوه، لا. إن هذه المسألة دائمًا ما كانت مائعة. حتى العائلة الملكية لدينا. لقد كانت إليزابيث الأولى حفيدة لأحد حكام المدن. وستجد أن الأصدقاء الشخصيين للعائلة الملكية لا يحملون ألقابًا على الإطلاق؛ أقصد الأشخاص الذين يتسنى لهم الاتصال بقصر بكنجهام. في حين أنه ربما يكون البارون الأصلع الخبيث، الذي يجلس إلى جوارك في مطعمٍ باهظ الثمن، قد بدأ حياته كمصفِّح للصفائح المعدنية في السكك الحديدية. لا يوجد في إنجلترا انعزالٌ طبقي، وهذا فيما يتعلق بالطبقات الاجتماعية. لا يمكن أن يحدث هذا. يمكن فقط أن تفعله السيدة جونز التي تستخفُّ بجارتها السيدة سميث وتقلل من شأنها؛ لأن ما تجنيه السيدة جونز في الأسبوع أكثر بجنيهَين مما تجنيه السيدة سميث.»

أشاح بجسده عن الأمريكي المتحيِّر ليلقي التحية على زوي. «أنا آسف حقًّا بشأن الموقد. أخشى أنني أوقدته متأخرًا جدًّا وليس جاهزًا. كنا نخوض محادثةً شيقة للغاية. هذا هو السيد كولين، وهو يطير بطائرات بضائع لصالح شركة أورينتال كوميرشال.»

صافحته زوي، وسألته عن نوع الطائرة التي يقودها.

ومن نبرة صوته حين أخبرها، استنتج جرانت أن السيد كولين ظن أن زوي إنما تُبدي اهتمامًا مُتعاليًا ليس غير. فالتعالي هو ما يتوقعه من شخص «أرستقراطي».

علَّقت زوي بتعاطف: «إن التحكم في ذلك النوع من الطائرات صعب جدًّا، أليس كذلك؟ كان أخي يقود واحدةً حين كان في جولة أستراليا. كان دائمًا ما يلعنها.» ثم بدأت تفتح أكياس الطعام. وتابعت: «لكن بعد أن أصبح يعمل في مكتب في سيدني صار يمتلك طائرةً صغيرة. من طراز بيمش ٨. إنها طائرةٌ جميلة. كنت أطير بها حين اشتراها، قبل أن يأخذها إلى أستراليا. وكنا نحلم أنا وديفيد — زوجي — بأن نمتلك واحدةً أيضًا، لكننا لم نستطِع قط أن نتحمَّل كلفتها.»

فبادَرها السيد كولين: «لكن طائرة من طراز بيمش ٨ لا تكلف سوى أربعمائة جنيه.»

لعقَت زوي أصابعها التي كانت بها آثار تسريب من فطيرة التفاح، وقالت: «أجل، أعرف، لكننا لم نتمكن مطلقًا من توفير أربعمائة جنيه.»

سعى السيد كولين للعودة إلى أرضٍ صلبة بعد أن شعر وكأنه انجرف نحو البحر.

فقال: «لا ينبغي أن أتناول طعامكما بهذه الطريقة. سيكون لديهم كثير من الطعام لي في الفندق. يتعين عليَّ العودة حقًّا.»

قالت زوي ببساطةٍ أصيلة اخترقت دفاعات السيد كولين: «أوه، لا تذهب. يوجد من الطعام ما يكفي عدة أشخاص.»

وهكذا مكث السيد كولين، وهو ما أسعد جرانت لأكثر من سبب. كانت زوي غير مدرِكة أنها تقدم عرضًا منقَّحًا للجنس الإنجليزي الأرستقراطي في أعين الولايات المتحدة، فأخذت تأكل كتلميذ مدرسة جائع، وتتحدث إلى الغريب بصوتها الرقيق وكأنها تعرفه طيلة حياتها. وبحلول مرحلة تناول فطيرة التفاح، كان السيد كولين قد تحرَّر من تحفُّظه. وبحلول الوقت الذي كانوا يوزِّعون فيه على بعضهم الشوكولاتة، التي كانت لورا قد وضعتها، كان قد استسلم بلا قيد أو شرط.

جلسوا معًا تحت أشعة شمس الربيع، ممتلئي البطون ومسرورين. كانت زوي مستلقيةً تسند ظهرها إلى الضفة العشبية وقدماها متقاطعتان، ويداها خلف رأسها، وعيناها مغلقتان في مواجهة الشمس. وكان ذهن جرانت مشغولًا براكب المقصورة «بي ٧»، وبالمعلومات التي أمدَّه بها تاد كولين. أما السيد كولين فقد جثم على صخرة ينظر بامتداد النهر نحو بطن الوادي الأخضر حيث تنتهي الأراضي السبخة وتبدأ الحقول.

وقال: «إنه بلدٌ صغيرٌ جميل. إنه يروق لي. إن قررتم يومًا ما أن تحاربوا من أجل حريتكم، فأنا معكم.»

قالت زوي وهي تفتح عينَيها: «حرية؟ حرية ممن أو من ماذا؟»

«من إنجلترا بالطبع.»

بدت زوي عاجزةً عن الفهم، لكن جرانت راح يضحك. وقال: «أظن أنه لا بد أنك قد تحدَّثت إلى رجلٍ أسودَ ضئيل الحجم يرتدي تنورةً اسكتلندية.»

قال السيد كولين: «كان يرتدي تنورةً اسكتلندية بالفعل لكنه لم يكن أسمر البشرة.»

«لا، كنت أقصد أسود الشعر. لقد تحدَّثت إلى آرتشي براون.»

سألته زوي: «من هو آرتشي براون؟»

«إنه الرجل الذي نصَّب نفسه مدافعًا عن اسكتلندا، وملكنا ومفوَّضنا ورئيسنا المستقبلي وما إلى ذلك، حين تتحرر اسكتلندا من نير العبودية الإنجليزية المهلك.»

قالت زوي بنبرةٍ معتدلة وهي تتعرف على آرتشي في ذهنها: «أوه، أجل. ذلك الرجل. إنه فاقد لصوابه بعض الشيء، أليس كذلك؟ أيعيش في الجوار هنا؟»

«حسب فهمي إنه نزيل في الفندق في مويمور. يبدو أنه انخرط في أعمال تبشير مع السيد كولين.»

ابتسم السيد كولين في خجلٍ بعض الشيء وقال: «في الواقع، كنت أتساءل عما إن كان يبالغ قليلًا في التعبير عن الأمور. لقد قابلت في شبابي بعض الاسكتلنديين ولم يبدُ لي أنهم من نوعية الأشخاص الذين يتحملون المعاملة التي كان السيد براون يصفها. في الواقع، إذا سمحت لي يا سيد جرانت، بدوا دائمًا من نوعية الأشخاص الذين يحصلون على أفضل ما يمكن من الصفقة التي كانت تجري.»

فقال جرانت لزوي: «هل سمعتِ من قبلُ بوصف أفضل للاتحاد؟»

قالت زوي بارتياح: «لم أعرف مطلقًا أي شيء عن الاتحاد، عدا أنه حدث عام ١٧٠٧.»

فسأل السيد كولين: «هل وقعت معركةٌ حينها؟»

فقال جرانت: «لا، لحسن الحظ استقلت اسكتلندا عربة إنجلترا، وورثت كل المنافع والاستحقاقات. المستوطنات، وشكسبير، والصابون، والسعة والغنى، وما إلى ذلك.»

قالت زوي وهي شبه نائمة: «آمل ألا يذهب السيد براون في جولة لإلقاء المحاضرات في الولايات المتحدة الأمريكية.»

فقال جرانت: «سيفعل. سيفعل. كل الأقليات الصاخبة تسافر في جولات لإلقاء المحاضرات في الولايات المتحدة الأمريكية.»

قالت زوي بلطف: «سيقدِّم لهم هذا أفكارًا خاطئة، أليس كذلك؟» فكَّر جرانت في أي جملةٍ عنيفة كانت لورا ستستخدمها من أجل التعبير عن الفكرة نفسها. «لديهم أغرب الأفكار. فحين كنت هناك أنا وديفيد، في العام السابق لمقتله، كنا دائمًا ما نُسأل عن سبب عدم توقُّفنا على فرض الضرائب على كندا. وحين قلنا إننا لم نفرض قَط الضرائبَ على كندا كانوا فقط ينظرون إلينا وكأننا نكذب. ولم تكن حتى أكاذيب جيدة.»

من تعبيرات وجه السيد كولين استنتج جرانت أنه هو الآخر كانت لديه أفكارٌ «غريبة» حيالَ فرض الضرائب على كندا، لكن عينَي زوي كانتا مغمضتَين. وتساءل جرانت عما إذا كان السيد كولين قد أدرك أن زوي غير مدرِكة لأنه أمريكي لدرجة أنه لم يخطر ببالها أن تتأمل لكْنته وجنسيته وملابسه أو أي شيءٍ شخصي عنه. لقد قبلته بهيئته على ما هي عليه كشخص. كان مجرد طيار كأخيها؛ شخص ظهرَ في الوقت المناسب ليشاركهم نزهتهم، وكان الحديث معه باعثًا على السرور والمتعة. لم يخطر ببالها أن تصنِّفه وتضعه في فئةٍ خاصة. لو كانت مُتنبهةً بأي حال لطريقة نطقه الضيقة لحرف «إيه»، فلا شك أنها ستدرك أنه مواطن من الشمال.

نظر جرانت إليها وهي مغمضةٌ عينَيها تحت الشمس، وفكَّر في مدى جمالها. ثم نظر إلى السيد كولين ورأى أنه أيضًا كان ينظر إلى زوي كينتالين ويفكِّر في مدى جمالها. التقت نظراتهما فتحاشيا أن يتبادلا النظر.

لكن جرانت، الذي لم يكن يتخيَّل ليلة أمس أنه توجد سعادةٌ أكبر من الجلوس والنظر إلى زوي كينتالين، كان مدرِكًا الآن أنه يعتريه شيء من نفاد الصبر بشأن زوي، وقد صدمه هذا كثيرًا حتى إنه أخرجه ليفحصه بطريقته في التحليل الذاتي. ما العيب الذي يمكن أن يوجد في هذا المخلوق السامي؟ ما نواقص أميرة القصص الخيالية هذه؟

قال الصوت العاق بداخله: «أنت تعرف جيدًا ما الخطب. تريدها أن تغادر من هنا حتى يتسنى لك أن تكتشف أمر راكب المقصورة «بي ٧».»

ولأول مرة لم يحاول جرانت أن يعارض الصوت. كان بالفعل يرغب بشدة في أن «تغادر» زوي. زوي التي كان وجودها عصر يوم أمس قد حوَّل اليوم إلى شيءٍ ساحر، كانت الآن تمثِّل عبئًا وعائقًا. راحت وخزاتٌ صغيرة للغاية من شعوره بالسأم تطارد بعضها بعضًا في عموده الفقري. هيَّا يا زوي الجميلة البسيطة الرائعة. يا سرَّ بهجتي وأميرة أحلامي، اغربي عن هنا.

كان يتدرَّب على الجُمَل التي سيقولها من أجل أن يغادر، حين تنهَّدت هي نصف تنهيدة وتثاءبت كالأطفال وقالت: «توجد أسماك تزن سبعة أرطال في بركة كودي، التي لا بد أنها تجد الحياة مملة من دوني.» وكعادتها في عدم إثارة جلبة أو حديث، أخذت أشياءها ورحلت في عصر اليوم الربيعي.

نظر إليها السيد كولين باستحسان، وانتظر جرانت تعليقًا. لكن بدا أن السيد كولين هو الآخر كان ينتظر مغادرة «الكونتيسة المنتقص من قدرها». راح يشاهدها من بعيد ثم قال في الحال:

«سيد جرانت، لماذا سألتني إن كان لديَّ صورةٌ فوتوغرافية لبيل؟ أيعني ذلك أنك تظن أنك تعرفه؟»

«لا. لا. لكن من شأن هذا أن يستبعد الأشخاص الذين لا يمكن أن يكونوا بيل.»

«أوه. أجل. حسنًا، ليس لديَّ صورة معي في جيبي الآن، لكن لديَّ صورة في الفندق. ليست صورةً جيدة جدًّا، لكن من شأنها أن تعطيك الفكرة العامة. أيمكنني أن أحضرها لك عما قريب؟»

«لا. سأسير معك إلى مويمور.»

«أحقًّا؟ بالتأكيد هذا لطفٌ كبير منك يا سيد جرانت. أتظن أنك تعرف شيئًا عن هذا الأمر؟ لم تخبرني بماهية تلك الكلمات. ذلك الاقتباس أو أيًّا كان. في الواقع ذلك ما أتيت أسألك عنه. أتساءل ما هو المغزى من أمر الوحوش المتكلمة. إن كان مكانًا كان شغوفًا به، فربما يكون قد ذهب إلى هناك، ويمكنني أن أذهب إلى هناك أيضًا، وبتلك الطريقة يتقاطع دربي مع دربه.»

«يهمك أمرُ بيل هذا كثيرًا، أليس كذلك؟»

«في الواقع، نحن معًا منذ وقتٍ طويل نوعًا ما، وعلى الرغم من أننا مختلفان في معظم الأمور فإننا على وفاقٍ حسن. حسن جدًّا. لا أحب أن يقع أي مكروه لبيل.»

غيَّر جرانت مسار الحديث وسأل تاد كولين عن حياته. وبينما كانا يسيران على طول الوادي نحو مويمور أخبره عن المدينة الصغيرة النظيفة التي كانا يعيشان فيها في الولايات المتحدة، وأنها بدت مكانًا مملًّا وكئيبًا لشابٍّ يمكنه الطيران، وأن الشرق بدا رائعًا من بعيد، وغير ممتع عن قرب.

قال السيد كولين: «فقط شارع رئيسي مع وجود بعض الروائح.»

«ماذا فعلت في باريس أثناء انتظارك الطويل لظهور بيل؟»

«أوه، جُبت بعض الأماكن وتصرَّفت بجموح. لم يكن الأمر ممتعًا كثيرًا من دون بيل. وقد قابلت شابَّين كنت أعرفهما في الهند، وذهبنا إلى بعض الأماكن معًا، لكنني طوال الوقت كنت أنتظر بفارغ الصبر أن يأتي بيل. ثم انفصلت عنهما بعد قليل، وذهبت أبحث عن بعض الأماكن الواردة في المنشورات السياحية. بعض تلك الأماكن القديمة رائع فعلًا. من بينها مكانٌ مبني فوق الماء — أقصد قلعة — على أحجار مقوَّسة، بحيث يتدفق النهر من أسفل. كان ذلك رائعًا. وكان سيلائم الكونتيسة كثيرًا. أتلك هي نوعية الأماكن التي تعيش فيها؟»

قال جرانت وهو يفكِّر في الاختلاف بين شينونسو وكينتالين: «لا. تعيش في منزلٍ مقيتٍ مسطَّحٍ كئيبٍ ذي نوافذَ صغيرة وغرفٍ غير أنيقة ودَرجٍ ضيِّق وبابٍ أمامي ضيق كمخرج أنبوب غسيل. وبه برجان صغيران على مستوى الطابق الرابع، بجوار سطح المنزل، وهذا التصميم في اسكتلندا يجعل منه قلعة.»

«يبدو كسجن. لماذا تمكث فيه؟»

«سجن! لن تأخذه أي لجنة من لجان السجون بعين الاعتبار ولو للحظة؛ إذ ستُطرح في الحال أسئلة في المجلس عن افتقاره إلى الإضاءة والتدفئة والمرافق الصحية، وألوانه، وجماله، ومساحته، وما إلى ذلك. إنها تقيم في ذلك المكان لأنها تحبه. لكني أشكُّ أن بإمكانها أن تقيم وقتًا أطول من ذلك. فضرائب التركات كانت ثقيلة عليها جدًّا لدرجة أنها ستُضطر إلى البيع.»

«لكن هل سيشتريه أحد؟»

«ليس بغرض السكنى. لكن أحد المضاربين سيشتريه، وسيقطع الأشجار. ربما يأتي الرصاص على سطحه بشيء من المال، وسيتحتَّم عليهم أن يُزيلوا السطح على أي حال ليتجنَّبوا دفع ضرائب على المنزل.»

علَّق السيد كولين قائلًا: «هاه! أمورٌ مماثلة لفترة قصعة الغبار في الولايات المتحدة. ألا يتصادف أن هذا المنزل يحتوي على خندقٍ مائي حوله؟»

«لا. لماذا؟»

«لا بد أن أرى خندقًا مائيًّا قبل أن أعود إلى شركة أورينتال كوميرشال.» ثم قال بعد برهة من الصمت: «أنا قلق حقًّا على بيل يا سيد جرانت.»

«أجل، الأمر غريب جدًّا بالتأكيد.»

قال السيد كولين فجأةً ومن دون توقُّع: «كانت هذه لفتةً طيبة منك.»

«ماذا كانت؟»

«إنك لم تقل: «لا تقلق، سيظهر وسيكون على ما يرام!» إنني بالكاد أتحكم في يديَّ مع الأشخاص الذين يقولون: «لا تقلق، سيظهر.» يمكنني أن أخنقهم.»

كان فندق مويمور نسخةً مصغَّرة من منزل كينتالين، من دون الأبراج. لكن جدرانه كانت مطليَّة بالأبيض وباعثة على البهجة، وكانت الأشجار خلفها على وشك أن تُورِق. وفي ردهة الدخول الصغيرة المرصوفة تردَّد السيد كولين.

«ألاحظ في بريطانيا أن الناس لا يطلبون منك أن تصعد معهم إلى غرفتهم. فهل قد ترغب في الانتظار في غرفة الجلوس؟»

«أوه، لا، سأصعد. لا أظن أن لدينا أي شعور حيال غرف النوم في الفنادق. ربما الفكرة أن غرف الجلوس في فنادقنا قريبةٌ جدًّا من غرف النوم فلا يوجد داعٍ للصعود؛ لذا لا نقترح ذلك. وحين تكون غرفة الجلوس العامة على مسافة رحلة يوم من غرفتك، فأظن أن من الأسهل أن تصحب الضيف معك. بهذه الطريقة تكونان في نصف الكرة الأرضي نفسه على الأقل.»

كانت غرفة السيد كولين أمامية، وتطل على الطريق المؤدِّي إلى الحقول والنهر والتلال من خلفهم. ولاحظ جرانت بعينٍ محترفة أن نار المدفأة كانت مشتعلة، كما لاحظ أزهار النرجس على النافذة؛ كان لفندق مويمور بعض المعايير، وكان ذهنه منشغلًا بتاد كولين، الذي قطع إجازته وجاء إلى براري كاليدونيا من أجل أن يعثر على صديق كان يعني له الكثير. ومع كل خطوة كان يخطوها تجاه مويمور كان يتنامى بداخله نذير شؤم لم يستطِع أن يتخلَّص منه، والآن أصبح نذير الشؤم ذلك يملأ نفسه لدرجة كادت تُصيبه بالغثيان.

أخرج الشاب حقيبة خطابات من حقيبة سفره وفتحها على طاولة المزينة. كانت الحقيبة تحتوي على كل شيء تقريبًا عدا وسائل كتابة الخطابات. وبين فوضى الأوراق والخرائط ومنشورات السفر وما إلى ذلك، كان يوجد شيئان مغلَّفان بغلاف من الجلد؛ سجلُّ عناوين ودفتر جيب صغير. ومن دفتر الجيب أخرج الشاب بعض الصور وراح يُقلِّب عبر الابتسامات الأنثوية حتى وجد ما كان يبحث عنه.

«هاك هي. أخشى أنها ليست صورةً جيدة جدًّا. إنها مجرد لقطة فوتوغرافية. أُخِذت هذه اللقطة حين كان هناك حشد منا على الشاطئ.»

أخذ جرانت، كرهًا تقريبًا، قطعة الورق التي قدَّمها له.

كان تاد كولينز يبدأ حديثه قائلًا: «ذلك …» وهو يرفع ذارعه ليشير به.

فقال جرانت موقفًا إياه: «لا، انتظر! دعني أنظر إن كنت … إن كنت أستطيع التعرُّف على أحد.»

ربما كانت توجد دزينة من الشباب في الصورة، التي كانت قد التُقطت على شرفة أحد المنازل الشاطئية. كان الشباب مجتمعين حول الدرج ويلتفون حول الدرابزين الخشبي المتهالك في درجاتٍ مختلفة من الاسترخاء. مرَّ جرانت بنظرةٍ سريعة على وجوههم الضاحكة وشعر بارتياحٍ كبير. لم يكن هناك أحد سبق له أن …

ثم رأى الشاب الجالس على الدرجة السفلية.

كان يجلس فاردًا ساقَيه على الرمال، ويضيِّق عينيه في مواجهة الشمس وذقنه مائل إلى الخلف قليلًا وكأنه كان يلتفت ليقول شيئًا للرجل الذي كان خلفه. كان رأسه ملتفتًا بنفس الوضعية تقريبًا التي كان بها على الوسادة في المقصورة «بي ٧» صباح يوم الرابع من شهر مارس.

«ماذا؟»

فقال جرانت وهو يشير إلى الرجل عند الدرجة السفلية: «أهذا صديقك؟»

«أجل، هذا بيل. كيف عرفت؟ هل قابلته من قبلُ في مكانٍ ما إذَن؟»

«أميل إلى الظن بأنني فعلت. لكن بالطبع، استنادًا إلى الصورة، لا يمكنني أن أُقسم على ذلك.»

«لا أريد منك أن تُقسم. فقط أعطِني فكرةً عامة عن الأمر. أخبرني فقط أين ومتى رأيته ولو بالتقريب وسأقتفي أثره، ولا تشك في هذا على الإطلاق. أتعرف أين قابلتَه؟ أقصد، هل تتذكَّر؟»

«أوه، أجل. أتذكر. رأيته في مقصورة — مقصورة نوم — في قطار بريد لندن حين كان يدخل إلى سكون مبكرًا في صباح يوم الرابع من مارس. كان هذا هو القطار الذي أتيتُ إلى الشمال على متنه.»

«أتعني أن بيل أتى إلى «هنا»؟ إلى اسكتلندا؟ لماذا؟»

«لا أعرف.»

«ألم يخبرك؟ هل تحدَّثتَ معه؟»

«لا. لم أستطِع ذلك.»

«ولمَ لا؟»

مدَّ جرانت يده ودفع مرافقه برفق إلى الخلف حتى يجلس في الكرسي الذي كان خلفه.

«لم أستطِع لأنه كان قد فارق الحياة.»

ساد الصمت برهة.

«أنا آسف حقًّا يا كولين. أتمنى لو كنت أستطيع أن أتظاهر أمامك بأنه قد لا يكون بيل، ولكن فيما عدا الوقوف على منصة الشهود تحت القسم أنا على استعداد لأن أدافع عن اعتقادي بأنه هو.»

بعد برهةٍ قصيرةٍ أخرى من الصمت قال كولين: «لماذا مات؟ ماذا حدث له؟»

«كان قد احتسى كميةً كبيرة من الويسكي وسقط على مؤخرة رأسه على حوض غسيل الوجه الصلب المصنوع من البورسلين. أدَّى هذا إلى تهشُّم جمجمته.»

«من قال كل هذا؟»

«كانت هذه هي النتائج التي توصَّلت إليها محكمة التحقيق في الوفَيات. في لندن.»

«في لندن؟ لماذا في لندن؟»

«لأنه، طبقًا لتشريح الجثة بعد الوفاة، مات بعد برهةٍ قصيرة للغاية من مغادرة يوستن. وبموجب القانون الإنجليزي، يُجرى التحقيق في حالات الموت المفاجئ بواسطة قاضي تحقيق وهيئة محلفين.»

فقال كولين وقد بدأ يصاب بفورة من الغضب: «لكن كل هذا مجرد … مجرد افتراضات. إذا كان بمفرده، فكيف يمكن لأحدٍ أن يتكهن بما حدث له؟»

«لأن رجال الشرطة الإنجليزية هم أكثر المخلوقات مثابرةً وميلًا إلى الشك.»

«الشرطة؟ هل تولَّت الشرطة هذا الأمر؟»

«أوه، بكل تأكيد. تُجري الشرطة التحقيق وترفع تقريرًا علنيًّا إلى محقق الوفَيات ومحلفيه. وفي هذه القضية أُجريَت تحقيقات واختباراتٌ شاملة للغاية. وفي النهاية عرفوا كم شرب من الويسكي بالجرعات تقريبًا ومتى شربه قبل … قبل وفاته.»

«وعن وقوعه على ظهره … كيف يمكنهم أن يعرفوا ذلك؟»

«أخذوا يطوفون بالمجاهر. كانت آثار الزيت والشعر المتقصِّف لا تزال موجودة على حافة الحوض. والجرح في الجمجمة كان متسقًا مع سقطة على الظهر على الحوض.»

هدأ كولين لدى سماعه هذا، لكنه بدا مرتبكًا مشوَّشًا.

ثم سأل في إبهام: «كيف تعرف كل هذا؟» ثم أضاف بعد أن تنامى شعور الشك بداخله: «كيف رأيته على أي حال؟»

«حين كنت في طريق الخروج صادفت مضيف عربة النوم يُحاول إيقاظه. ظن الرجل أنه كان نائمًا من شدة ثمالته؛ لأن زجاجة الويسكي كانت قد تدحرجت على الأرض، وبدت رائحة المقصورة وكأنه كان يتجرع الشراب طوال الليل.»

لم تُرضِ هذه الإجابة تاد كولين. فسأل: «تقصد أن تلك كانت هي المرة الوحيدة التي رأيته فيها؟ رأيته للحظةٍ واحدة راقدًا … ميتًا في مكانه، ويمكنك التعرف عليه من صورةٍ فوتوغرافية — ليست جيدة جدًّا — بعدها بأسابيع.»

«أجل. لقد تأثَّرت بوجهه. فالوجوه هي مجال عملي، ونوعًا ما هوايتي. ما أثار اهتمامي هو الطريقة التي أضفى بها انحراف الحاجب تعبير جموح على وجهه حتى … حتى حين كان وجهه لا يحمل أي تعبيرات حقيقية بأي شكل. وقد زاد اهتمامي بطريقةٍ عرضية إلى حدٍّ كبير.»

«لماذا؟» إذ لم يكن كولين يترك له أي مساحة.

«حين كنت أتناول طعام الإفطار في فندق المحطة في بلدة سكون، وجدتُ أنني كنت قد أخذت عن طريق الصدفة صحيفةً كانت قد سقطت من على السرير حين كان المضيف يحاول إيقاظه، وفي المكان المخصص للأخبار العاجلة — تلك المساحة الفارغة من الصحيفة، كما تعلم — كان أحدٌ ما قد كتب بقلم رصاص بضعة أبيات من الشعر. «الوحوش المتكلمة، والأنهار الراكدة، والأحجار السائرة، والرمال المغنية …» ثم كان مكانان شاغران لبيتَين آخرَين، ثم: «التي تحرس الطريق إلى الفردوس».»

فقال كولين وقد ازداد تجهُّم وجهه في لحظة: «كان ذلك هو ما أعلنتَ عنه. ما السبب الذي حملك على نشر إعلان عن هذا؟»

«أردت أن أعرف مصدر تلك الأبيات إن كان مصدرها كتابًا. وإن كانت أبياتًا في طريقها لتُصبح قصيدة، كنت أريد أن أعرف موضوعها.»

«لماذا؟ ما الذي يجعلك تهتم بهذا الأمر؟»

«لم يكن بيدي خيار في المسألة. كان الأمر يشغل ذهني كثيرًا. أتعرف أحدًا يُدعى شارل مارتن؟»

«لا، لا أعرفه. ولا تُغيِّر الموضوع.»

«لا أفعل، رغم غرابة الأمر. هلا تفضَّلت بالتفكير في الأمر بجدية للحظة. هل سمعت من قبلُ أو عرفت في أي وقت من الأوقات شخصًا يُدعى شارل مارتن؟»

«قلت لك لا! ليس عليَّ أن أفكِّر. وأنت «بالطبع» تغيِّر الموضوع! ما علاقة شارل مارتن بهذه المسألة؟»

«طبقًا لما أوردت الشرطة، الرجل الذي وُجد ميتًا في المقصورة «بي ٧» كان ميكانيكيًّا فرنسيًّا يُدعى شارل مارتن.»

بعد لحظة قال كولين: «اسمع يا سيد جرانت، ربما لا أكون ذكيًّا للغاية، لكن كلامك لا يبدو منطقيًّا. إنك تقول إنك رأيت بيل كينريك يرقد ميتًا في مقصورة قطار، لكنه لم يكن بيل كينريك على الإطلاق، بل كان رجلًا يُدعى مارتن.»

«لا، ما أقوله هو أن الشرطة تعتقد أنه رجل يُدعى شارل مارتن.»

«حسنًا، أتوقع أن لديهم أسبابًا قوية لاعتقادهم هذا؟»

«أسبابٌ راسخة. كان يحمل خطابات، وأوراقَ هوية. بل الأكثر من ذلك أن أهله قد تعرَّفوا عليه.»

«حقًّا! إذَن لماذا كنت تتلاعب بي؟! لا يوجد أي شيء يشير إلى أن هذا الرجل كان بيل! وإذا كانت الشرطة مقتنعة بأن الرجل كان فرنسيًّا يُدعى مارتن، فلماذا ترى، بحق السماء، أن الرجل ليس مارتن وإنما بيل كينريك!»

«لأنني الشخص الوحيد في العالم الذي رأى الرجل في المقصورة «بي ٧» والذي في الصورة الفوتوغرافية.» أشار جرانت برأسه باتجاه الصورة التي كانت موضوعة على الطاولة.

جعل هذا كولين يتوقف برهة. ثم قال: «لكن تلك صورةٌ رديئة. ولا يُمكن أن تحمل الكثير لرجل لم يرَ بيل مطلقًا.»

«ربما كانت صورةً رديئة من ناحية كونها مجرد لقطةٍ سريعة، لكن التشابه كبيرٌ جدًّا بالفعل.»

فقال كولين ببطء: «أجل، إنه كذلك.»

«فكِّر في ثلاثة أشياء؛ ثلاث حقائق. أولها: أهل شارل مارتن لم يكونوا قد رأوه لسنوات، ثم رأوا وجهه وهو ميِّت، إن قيل لك إن ابنك قد مات، ولم يُشِر أحد إلى وجود أي شك حيال هويته، فسترى الوجه الذي توقعت أن تراه. ثانيها: وُجد الرجل المعروف باسم شارل مارتن ميتًا على متن قطار في اليوم نفسه الذي كان من المقرر أن تتلاقى فيه مع بيل كينريك في باريس. ثالثها: في مقصورته كانت توجد قصيدةٌ مكتوبة بقلم رصاص عن وحوشٍ متكلمة ورمالٍ مغنية، وهو موضوع، بناءً على قولك، كان يثير اهتمام بيل كينريك كما أشرتَ.»

«هل أخبرت الشرطة بأمر الصحيفة؟»

«حاولت. لكنهم لم يكونوا مهتمين. لم يكن ثَمة غموض في الأمر، كما ترى. كانوا يعرفون هوية الرجل، وكيف مات، وذلك كان كل ما يشغلهم.»

«ربما كانوا سيَهتمون بأنه كان يكتب شعرًا بالإنجليزية.»

«أوه، لا. لا يوجد دليل على أنه كتب أي شيء، أو على أن الصحيفة كانت تخصُّه من الأساس. ربما أخذها من مكانٍ ما.»

قال كولين بغضب وحيرة: «الأمر برُمَّته جنوني.»

«إنه عجيب. لكن في قلب كل دوامة من العبث يوجد لُبٌّ ثابت.»

«حقًّا؟»

«أجل. توجد مساحةٌ ضئيلةٌ خالية يمكن للمرء أن يقف فيها وهو يفكِّر في الاحتمالات.»

«وما تلك المساحة؟»

«صديقك بيل كينريك مفقود. ومن بين مجموعة من الأوجه الغريبة، اخترتُ بيل كينريك بصفته الرجل الميت الذي رأيته في مقصورة عربة النوم في سكون صباح يوم الرابع من شهر مارس.»

فكَّر كولين مليًّا في حديث جرانت. ثم قال في حزن: «أجل. أظن أن ذلك منطقي. أظن أنه لا بد أن يكون بيل. وأظن أنني كنت أعرف طوال الوقت بأن خطبًا؛ خطبًا مريعًا قد حدث. ما كان لِيَهجرني من دون خبر. كان سيبعث لي بخطاب أو يهاتفني أو شيء من شأنه أن يعطي سببًا لعدم مجيئه في الموعد. لكن ما الذي كان يفعله على متن قطار متجه إلى اسكتلندا؟ ماذا كان يفعل على متن قطار أيًّا كان؟»

«كيف: أيًّا كان؟»

«إن أراد بيل أن يذهب إلى مكانٍ ما، كان سيستقلُّ طائرة. ما كان سيستقل قطارًا.»

«معظم الناس يستقلون قطارًا ليلًا لأنه يوفِّر الوقت. فالمرء يسافر وينام في الوقت نفسه. السؤال هو: لماذا استقلَّ القطار بصفته شارل مارتن؟»

«أظن أن هذه قضية تخص سكوتلانديارد؟»

«لا أظن أن سكوتلانديارد ستشكرنا.»

فردَّ كولين بنبرةٍ لاذعة: «لا أطلب منهم شكرًا. بل أطلب منهم أن يبحثوا فيما حدث لصديقي.»

«ما زلت لا أظن أنهم سيهتمون بذلك.»

«من الأفضل أن يفعلوا!»

«ليس لديك أي دليل على أن بيل كينريك ليس متواريًا من تلقاء نفسه، أو أنه لا يقضي وقتًا ممتعًا بمفرده حتى يأتي وقت عودته إلى أورينتال كوميرشال.»

فقال كولين بصوتٍ كاد يشبه العواء: «لكنه وُجِد ميتًا في مقصورة عربة قطار!»

«أوه، لا. ذاك كان شارل مارتن. الذي لا يوجد حوله أي لغز أيًّا كان.»

«لكنك تعرَّفت على مارتن بصفته كينريك!»

«يمكنني القول بالطبع إن من رأيي أن الوجه في الصورة هو الوجه الذي رأيته في المقصورة «بي ٧» صباح يوم الرابع من مارس. وستقول سكوتلانديارد إنه يحق لي الإدلاء برأيي، لكنني بلا شك مضلَّلٌ فيما يتعلق بالشبه بينهما، حيث إن الرجل في المقصورة «بي ٧» هو المدعو شارل مارتن، وهو ميكانيكي، وموطنه مارسيليا، في الضواحي التي لا يزال والداه يعيشان فيها.»

«أنت تتحدث بهدوء شديد فيما يخص سكوتلانديارد، أليس كذلك! ومع ذلك …»

«ينبغي أن أكون كذلك. لقد عملت هناك لسنوات أكثر مما يمكنني أن أتذكر. وسأعود إلى هناك في غضون أسبوع من يوم الإثنين، بمجرد أن تنتهي إجازتي.»

«أتقصد أنك تنتمي إلى سكوتلانديارد؟»

«لا أنتمي إليها كلها. بل إلى أحد ركائزها الفرعية. والركائز هنا تعني الدعم. أنا لا أحمل بطاقاتي في ملابس الصيد، لكن إن أتيت معي إلى منزل مضيفي فسيَشهد على صدقي.»

«أوه. لا. لا، بالطبع أصدِّقك يا سيد … آه …»

«محقق. لكننا سنكتفي بكلمة «سيد» لأنني خارج الخدمة مؤقتًا.»

«آسف أنني حديث العهد بذلك. الأمر فقط أنه لم يخطر لي … لا تتوقع أن تلتقي بأحد أفراد سكوتلانديارد في الحياة الواقعية. هذا أمر تقرأ عنه فحسب. فالمرء لا يتوقع منهم أن … أن …»

«أن يذهبوا للصيد.»

«لا، أعتقد أنكم لا تفعلون ذلك. فقط في الكتب.»

«حسنًا، والآن وقد صدَّقت هويتي، وتعرف أن قولي عن ردة فعل دائرة الشرطة ليس دقيقًا فحسب بل من أكثر المصادر وثوقًا، ماذا سنفعل؟»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤