رواجٌ في العصر الوسيط وكسادٌ في العصر الحديث؟!

لعل ذائقة القارئ أن تُنبئه الآن ماذا وجدت العصور الوسطى في «عزاء الفلسفة».

لقد وجدت فيها إيمانها، أو بالأحرى وجدت المبرر الفلسفي لهذا الإيمان.

لقد دعاها إلى التماس الخير الحقيقي وصَرَفها عن الخير الزائف، وألهمها أن الشرور الظاهرة هي خيرٌ حين تُسلك في السياق الأكبر وتقرأ قراءةً كونية وتُرصد من منظور الأزل، وأن الله يُصرِّف العالم بالحب، وأن الأمل في الله ليس عبثًا، والصلاة لمصدر كل الخير هي ينبوع السعادة. من قال إن هذا العصر الكموني الباطني١ لم يمهد السبيل لِفَورة «النهضة» Renaissance مثلما يُغرق المرء في التأمل والصلاة قبل أن يَهُمَّ بالعمل العظيم؟ قد تكون العصور الوسيطة أزمنةً صعبة سياسيًّا واقتصاديًّا، ولكن مَن ذا يُقدر مدى السعادة التي استقتها من تلاوة «عزاء الفلسفة»؟

ولقد أُهمل «العزاء» في العصر الحديث؛ لأن الدين استقلَّ عن الفلسفة، ولأن الفلسفة أوغلت في النظرية والحرفية، ونأت بجانبها عن هموم الحياة العملية، ولأن الناس ألهتْها أكاذيب أخرى وأضلتها آلهةٌ جديدة.

وها هي «العولمة» تمخض البشرية مخضةً وحشية، فتجعل البعض يشرق بالخيرات الزائفة وتترك البعض يلهث تحت خط الفقر، لقد دوَّختنا خِرَق المادية الاستهلاكية كالثور دوَّخته خرقة الماتادور،٢ ونضجنا حقًّا للقتل لو لم يتداركنا مُنقذٌ كبير. لقد تَبَيَّن للناس، على اختلاف الدرجة، أن أنسنة العولمة لا تتأتى إلا بغرس الحب والمواجدة بين الناس من جديد، فلعل فكر «العزاء» الذي «أنقذ فكر العصور الوسطى»، أن يسهم في إنقاذنا في العصر الحديث.
عادل مصطفى
١  أي العصر الوسيط.
٢  مصارع الثيران.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢