رثاء شوقي

نشرت بجريدة كوكب الشرق في ٢٩ مارس سنة ١٩٣٣.

***

أسرى بك الهم أم أسرت بك الهمم؟
قلب على نوب الأيام يحتدم
ما زال يحدو بآمالي وتتبعه
حتى تشابهت الأنوار والظلم
في هوجل قذف شجراء واصبة
تلفعت بسراب ماؤها أَمَم
تجفل الآل فيها ما يلج بها
كما تَخِفُّ إلى عِرْزَالها الأيم
كأن راكبها عود تميل به
هوجاء نصباء لا تصبو ولا تسم
لما استبان الهدى جادت محاجره
باللؤلؤ الرطب ممزوجًا به العنم
ويحَ ابن جنبي وآمالي ثكلتهما
في سكرة العمر والأيام لي خدم
وما انتفاعي بقلب شاب معظمه
تمضي السنون ولا يخبو له ضَرَم
لم تُبقِ يا دهر من قلبي ولا كبدي
إلا زواياهما واليوم تصطلم

•••

يا ساري البرق وهنا بين أضلعنا
نار مؤججة تخبو وتضطرم
كأنها قبس لاحت برائقه
في الجو يسفر آنًا ثم يلتئم
لما خضبت بساط الريح هجت لنا
جرحًا وكنت أظن الجرح يلتئم
يا ساري البرق عُجْ بالله متئدًا
إلى الأمام جزتك الريح والديم
فقف إليه وبدد بعض وحشته
ولا تروعك في صحرائه الظلم
ويا نسيم الصِّبا لا زلت مؤتمنًا
ما عاود الشعراء الوجد أو وهموا
أَقْرِ السلامَ ولا تبخل بنادية
يعطر القفر منها وابل رذم
ويا حَمام لقد هيَّجت لي طربًا
لحني ولحنك شعر آية الألم
نُحْ يا حَمام فقد أوريت لي حُرَقًا
نُحْ يا حَمام كلانا سادر سدم
جارت علينا الليالي في بُلَهْنِيَةٍ
والعيش في رَفَهٍ والشمل ملتئم

•••

يا كرمة نادمت جبريل واستمعت
لها العيون وولت وجهها الأمم
دعوت دمعي ودمعي لا يطاوعني
ولذت بالصبر حتى كدت أُتهم
لو شئت لبَّيت هاني في حفاوته
وكم دعاني فلبَّى الروح والحلم
لكن تبعت هوى نفسي موزعةً
بين الضلال وبين الهدى تلتطم
ورب دار أولِّيها مجانبة
قلبي يطوف بها والروح تستلم
إذا دعا الشوق معمودًا فخفَّ له
صددت عنها وقلبي مقبلٌ نهم

•••

وغارة شنها الفرسان كالحة
وهم مطاعين لا ميل ولا قزم
بيض السرائر في هاماتهم صيد
سود العداوة في عرنينهم شمم
صهب السبال ترى أنيابهم أزمًا
وفي الضمائر لا ضغن ولا سخم
وأنت شوقي الذي خفَّت لبيعته
الهند والشام والبطحاء والعجم
نجوت منها بإذن الله وانطفأت
لولا العناية لم تسلم ولا سلموا

•••

قالوا: الجديد! فقل: هاتوا جديدكم
هاتوا الجديد لعل الأمر ينحسم!
هذا «قديميَ» في المجنون آيته
هاتوا الجديد وإن شئتم فنحتكم
هذا «جديديَ» قمبيز وعنترة
وكليوباترا وأنطونيو وإن قدموا
هذا الجديد كتاب ظل صاحبه
لا يستقيم فأين الرَّوح والنسم
هذا الجديد كتاب بعضه صور
لا أكتم الحق بل بالحق أعتصم
لكنَّ أكثره تقليد مجتهد
وما اجتهادك والتوفيق قد يصم
أغاية الفضل والتجديد أن تثبوا
على الفرنج فلا خَلق ولا قدم؟!
حرب تُشمِّر عن ساق وتسترها
كما تشكل حرباء وترتسم
لم أدرِ غايتها ماذا أريد بها
حرب تكيد لها الأوهام لو علموا
دارت رَحاها على الحزنين واجتمعت
لها الرجال وفي أفواههم حُمم
طورًا تميل إليهم أو تميل بهم
طورًا وكلًّا على الحالين تغتنم

•••

إني نذير لكم يا قوم فاقتصدوا
هيهات ينقع جرحًا أثخن الندم
والنصح دِين ودَين وهو في عنقي
وفي ضميري وبعض النصح متهم
والحكم بعدُ إلى الأيام مرجعه
والفصل فيما تهاترتم وما زعموا
أَيْنَا تولَّوا ففي التجديد ناحية
من الجمال وأخرى شحمها ورم
وفي القديم تراث بعضه رمم
وفي القديم تراث بعضه توم
الشعر وحي وإيمان وعاطفة
فإن تجرد فهو النظم والنغم
كم بين من ينسج الأوتار من دمه
ومن يؤلف ألفاظًا فتنتظم
وبينكم في شعاب الأرض رابطة
ليست أواصرها قربى ولا رحم

•••

من للقوافي يقيم اليوم آبدها
إذا دعته دعاها وانتشى القلم
إذا مَثَلْتَ لعيني رحت أسألها
طيف تأوَّبني أم عادني حلم
وإن أويت فما نومي على دغل
يحفه الشوك أو تسعى به الرقم
لو استطعت نظمت اليوم مرثيةً
تزري بما نظم الأعراب والعجم
ما بعد مجدك ما يصبو له أمل
إن قيل: ما المجد؟ قالوا: ذلك العلم
تحني له هامها الأجيال صاعدةً
إلى الخلود وهذا المجد يستنم

•••

ومأتم شاءت الأهواء حرمته
مصر تكفر عنه اليوم ما اجترموا
«ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني»
أواه حتى على الموتى وما احتشموا
يا شاعر النيل والأيام منصفة
فيما تسجل والتاريخ ينتقم
لئن تولَّوا فقل: حسبي وحسبكم
غدٌ سيحسم ما بيني وبينكم
ما زاد أحمد في مجدٍ تآلفهم
ولا أضر بإبراهيم أن نقموا

•••

شوقي وفيتُ وهذي بعض موجدتي
حبات قلبيَ إلا أنها كلم
سَلَّى عن الحزن أَنَّا سوف يجمعنا
بعد الفراق معاد بعده أمم

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠