ذكرى

نشرت بمجلة الرسالة في العدد ٤٩٨ من السنة الحادية عشرة بتاريخ ١٨ يناير سنة ١٩٤٣.

***

يا لياليَّ طال فيكن سهدي
مَن مجيري من الليالي ووجدي
قدر صاح بالمنى فتداعت
وقضاء وما له من مرد
أيها الليل يا نجيِّي وحسبي
أنت يا ليل كم يدٍ لك عندي!
حال طعم الحياة بعد هناء
وشربت الحميم من كل ورد
إيهِ يا ليل كم كتمت هوانا
يوم كان الزمان طوعي وجندي
فانشر اليوم من زفيري نشيدًا
يطرب الدهرَ بعد طول التحدي

•••

كان ما كان لا مَرَدَّ لعهد
غاله الدهر بعد سَعْيٍ وكد
كان ما كان كل حلم لصحو
وانتباه وكل سيف لغمد
أيها الحب ليس لي منك إلا
ذكريات تلح في غير قصد
ذكريات أعيش فيها ومنها
ليتها ليتها تلح وتجدي
طائفًا كالفراش حول شعاع
محرق يبعث الحياة ويردي
ذكريات تَمَرُّ حينًا وتحلو
بعد حين وأول الخمر يصدي

•••

يوم كنا في ميعة العمر نلهو
لَهْوَ طفلين جاوزا سن رشد
نتلاقى على صفاء قلوب
لم تدنَّس على الزمان بحقد
وأناجيك في خشوع وصمت
وبودي لو استجبت بودي
وأناغيك يا حبيبي وتُصْغِي
وأعيد الحديث فيك وأبدي
وعلى وجهك المضيء تباشيـ
ـر كوشي الندى على دوح ورد
ويدي في يديك ترعش حتى
تهدأ النفس بعد لهف وجهد
وذراعي يضم خصرك في عنـ
ـف ورفق ما بين جزر ومد
وعلى صدرك الحنون همومي
غارقات ما بين نحر ونهد
والنسيم العليل يزكي عبيرًا
من ثناياك شاع في كل برد
جنة أنت كنت فيها ملاكي
كيف منها جزيت نفسي بطرد؟
أنت رحبت بي مضيفًا وضيفًا
كيف لم أجزك الوداد بود؟!
يعلم الله ما جحدت ولكن
ذادني عنك طالع جد نكد
ما أنا إلا آدميٌّ وهل آ
ثر قبلي الهبوط آدمُ جَدِّي
نحن فيها مسيَّرون وكلٌّ
مجبَر لا خيار للمرء عندي

•••

أيها الغائب المقيم بأرض
شهدت مولد الغرام وسعدي
بالجنين الوليد ينمو ويقوى
في رفيفٍ من الأمانيِّ رغد
كل شيء كما عهدت مقيم
وأنا النازح الوفيُّ بعهدي
فالتفت يمنةً وأخرى يسارًا
واستمع عامدًا وفي غير عمد

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠