سجعة الكروان

نشرت بمجلة الرسالة عدد ٥٧٦ بتاريخ ١٧ يوليو سنة ١٩٤٤.

***

هاتفٌ في السَّحَر
بارع مقتدر
صادح مُطنب
ساجع مختصر
مطرب هزَّني
لحنه المبتكر
لم يزلْ هاتفًا
في ليالي القمر
عاده وجدُه
ودعتني الذِّكَر
فاحتسبتُ الهوى
والصِّبا المحتضر
ودعوت المنى
والشباب النَّضِر

•••

بين همس الرُّبا
وخرير النَّهَر
ودبيب السَّنا
وحفيف الشجر
وهبوب الصَّبا
واعتراض الدُّبُر
طاب لي مجلسي
وحلا لي السهر

•••

جنة عندها
يَعْذُبُ المستقر
دوحها حافل
بشهيِّ الثمر
روضها عابق
ورده والزهر
ماؤها سلسل
ورده والصَّدَر
جنة حفَّها
نخلها المشتجر
بينما يستوي
قائمًا يَنْأَطِر

•••

ليلة في الزمن
لم يَشُبْها كدر
ليلة فذَّة
من هِبَات العُمُر
فتزوَّدْ بها
لليالٍ أُخَر

•••

يا غلام اسقنا
هاتِها وابتدِرْ
هاتِها مُرَّةً
حلوةَ المختبر
في كئوسٍ ذهب
وأوانٍ حُمُر
هاتِها رطبةً
في دَمي تستعر
هاتِها وابتدرْ
لم أعدْ أصطبرْ

•••

هاكَها هاكَها
يا نديمي اعتبر!
عانس زانها
ثوبها والخفر
من عقيق العنب
دمها المنهمر
فتنة للنظر
من رآها سَكِر
وزرها هيِّن
ذنبها مغتفر
خمرة عُتِّقت
من قديم العصر
أمُّها بابل
وأبوها مُضَر
قهوة صهرجت
في أقاصي الحفر
دسَّها كاهن
قبل عهد الحضر
لم يَذُقْ مثلَها
قيصر ذو سُرَر

•••

يا طيور الرُّبا
روضكم مزدهر
كلكم نائح
ويحكم ما الخبر؟!
حسبكم حسبكم
بعض هذا الخور
شاعر ناقم
ومُغَنٍ ضَجِر
كلكم عازف
فوق هذا الوتر
كلكم ريشة
في مهب الغِيَر
كلكم هدَّه
دهره فانكسر
كلكم موجع
مُشتكٍ مفتقر
عاشق مدنف
قد براه الحور
وأخٍ يائس
من ضحايا القدر
لم يعد صادحًا
في ليالي السمر

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠