الشاعر

نشرت بمجلة الكاتب المصري عدد ٢ بتاريخ نوفمبر سنة ١٩٤٥.

***

تشتَّتَ في الدنيا وحيدًا مُشرَّدًا
تطارده الأقدار أنَّى توسَّدا
سرى ما سرى والشوك في طرقاته
يجرِّح منه الخُفَّ والجنب واليدا
إذا ابتسمت دنياه يومًا تجهَّمتْ
وإن ضحكتْ أبكته في الحين سرمدا
هو الطائر الغِرِّيد يَخفى نواحُه
عليك إذا غنَّاك سَرَّ وأسعدا
تُلقِّنه جنٌّ فيصغي مسجلًا
على الجن ما أوحى ويَحْكي مُرَدِّدا
إذا قال لم يفعل وليس بكاذب
ولكنها الأقدار تُخلف موعدا
يطير به نحو السماء مجنح
تحرَّر من أغلاله وتمرَّدا
ويهوي به في كل وادٍ جناحه
فإن ضلَّ في وادٍ سما عنه واهتدى
يرى العالم العلويَّ أدنى من الثرى
منالًا ويأبى أن يعيش مصفَّدا
تَنازَعه الإيمان والشك وانتهى
به السير نحو الشك فارتدَّ مجهدا
يقولون: مجنون! وما جُنَّ ويحهم!
ولكنها الأحقاد يلغو بها العِدا
هو البحر إما ضاحك مترقرق
وإلا فبركان تفجَّر مُزبِدا
يثور ويرضى غير مُجدٍ شعوره
تراه على حاليه لغزًا معقدا
ذكي يرى الأحداث قبل وقوعها
ويعلم ماذا سوف يعقبها غدا
عنيد وقد يبدو على غير طبعه
يلين ويقسو قلبه متعمِّدا
يفيض حنانًا أو يذوب صبابةً
ويبدو على غير الحقيقة جامدا
إذا جنَّه الليل استبدَّ به الأسى
وخضخض منه الليل قلبًا مسهَّدا
تأبَّى ولم يرضَ النواح لشعره
فساجل في الليل الكناري مغرِّدا
وكابرَ حتى قيل: لا يعرف الهوى!
وغنَّى فكان اللحن صوتًا مجرَّدا
وعفَّ فلم يرضَ الهوان لقوله
ولم يتملقْ في البرية سيِّدا
سما عن فتات الخيرين بشعره
وودَّ لو استغنى سواه عن الندى
وما الشعر إلا ما يُحس وما يُرى
وليس كما ظنوا خِوانًا وموردا
إذا أنت لم تعرف لشعرك حقه
فلا تكُ قوَّالًا ولا تكُ مُنشدا
وإن أنت لم تعرف لنفسك حقها
عليك فعشْ عبدًا ومولًى مسوَّدا

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠