بني وطني أهبت بكم زمانا

نشرت بجريدة صوت الأمة عدد ٩٥ يوم ١٥ نوفمبر سنة ١٩٤٦.

***

سلوا مَن سامها هذا العذابا
ومَن شرَع الأسنة والحرابا
سلوا جلَّادها تبَّت يداه
بأي شريعة فرض العقابا؟!
أما ينهاه عقل أو ضمير
يرد له المحجَّة والصوابا
ضلال أن يعاتَب مستبد
وأولى بالمسوِّد أن يعابا
وجهل أن يخاطب غير أهل
فلا تحزن عليه إذا تغابى
يصعِّر خده صلفًا وحمقًا
ويوردها على ظمأ سرابا
وكم أسدت إليه وكم تجنَّى
ولم يحسب لعاقبة حسابا
بأي جريرة وبأي عدل
تَجرَّعُ مصر كأسَ النصر صابا
ولولا مصر ما غنموا فلاةً
ولولا مصر ما غلبوا ذبابا

•••

سلوا «دنكرك» هل نهضوا بعبء
وقد غنموا السلامة والإيابا؟
سلوا«الصحراء» عنهم كيف طاروا
وهل تَخذوا النعام لهم ركابا؟
سلوا «العلمين» هل ثبتوا بأرض
وقد سبقوا مع العدو السحابا؟
فكيف تعاظموا بعد انكسار
وكيف تبدلوا أسدًا غضابا؟!
سلوا «الميثاق» هل وأدوه صبحًا
وهل نسجوا من الكفن الإهابا؟
وكيف جرى على فمهم كذابًا
وسال على سواعدهم خضابا؟
وكيف استبدلوا شرعًا بشرع
فأضحى الحق عندهم اغتصابا؟
كذلك تلدغ الأفعى كريمًا
جزاء صنيعه وتمد نابا
وبين الناس رقط وابن آوى
وذؤبان ومن غلب الذئابا

•••

ويا عيد الجهاد زجرتُ قلبي
فحال القلب دمعًا واستجابا
دعوت الشعر فاستعصى ولبَّتْ
دموعي كيف صادفت المآبا
تعاقبت السنون وأنت هَدْيٌ
تضيء لنا المسالك والشعابا
ولولا عصبة خرجت وشقَّت
عصا الإجماع ذلَّلنا الصعابا
تعاقبت السنون فما اتَّعظنا
ولم نَعْدُ التطاحن والسبابا
تهجم كلُّ مرتزق وعبد
وأمعن كل خوَّان وعابا
ولو نطحوا السحاب لكان أدنى
تجاوزَ «مصطفى» وعلا السحابا
تعالى الله! كيف براه سيفًا
وجرده فلم يسكن قرابا؟!
إذا ارتطمت سفينتها بصخر
تنادى الركب: أين تُراه غابا؟!
ويا وطني فديتك من جراح
إذا نكأت حملناها عذابا
وهل يأسو الجريحَ سوى جريح
يشاطره الفجيعة والمصابا؟
وكم من قسور وَرَدَ المنايا
يَرُوع ببطشه السبع السغابا
إذا كرَّتْ عليه الخيل فرَّت
وإن سام الجياد حمى العرابا
روى دمه ثراك ففاح مسكًا
وأينع روضةً وزكا ترابا
وآخر في «الجنوب» ثوى شهيدًا
فضج النيل واجتاح الرحابا
لحا الله الخوارج والمطايا
ومن أضحتْ نفوسهم خرابا
ولا كان الجلاء إذا أحلوا
مع الحلف المرافق والرقابا
وطوبى للأُلى ذهبوا فداءً
إلى الرضوان واستبَقوا الثوابا

•••

بني وطني أهبت بكم زمانًا
فلما بَحَّ صوتي قيل: هابا!
ولو نطق الجماد كما نطقنا
لأسمعه الصدى عنكم جوابا

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤