النظم التونسية قبل الحماية وبعدها

(١) وضع الحماية الفرنسية على تونس

لما تم لفرنسا احتلال مدينة الجزائر عام ١٨٣٠، واتسع نفوذها في حرب لا هوادة فيها ولا رحمة، حتى شمل القطر الشقيق كله، اتجهت أنظارها إلى تونس لترسخ قدمها بالمغرب العربي؛ إذ من الواضح أن شمال أفريقيا وحدة جغرافية واقتصادية زادها التاريخ والجنس والدين واللغة والعادات المماثلة متانة. وقد فطن ساسة فرنسا إلى ارتباط أقطار المغرب في مصيرها ارتباطًا وثيقًا، فخشوا أن تصبح تونس خطرًا يهدد وجودهم في الجزائر، إن احتفظت باستقلالها أو احتلَّتها إحدى الدول الأوروبية المناهضة لفرنسا.

وكانت تونس خلال القرن التاسع عشر ميدانًا للتنافس بين الدول الاستعمارية، وخاصة بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا، وكاد يكون التدخل الأجنبي في شئون البلاد سافرًا، وتوطدت العلاقات بين القناصل والقصر بالتداول والتناوب؛ إذ كل واحد منهم يسعى في أن يرتقي كرسي الوزارة من يثق به ويناصره ويسايره في توسيع نفوذه واتصاله بالقصر، وكان الوزير مصطفى خازندار — رغم عيوبه — حجر عثرة في سبيل فرنسا وعدوًّا يقاوم تدخلها، معتمدًا في ذلك على بريطانيا وممثلها. ولكن تلك الدول جميعها اتفقت على عرقلة كل نهضة، وإفساد كل إصلاح، وإدخال الفوضى على أداة الحكم، وتكوين الاضطراب في البلاد؛ لتبقى تونس كالثمرة اليانعة تقتطفها إحداها متى سنحت لها الفرصة.

وازدادت الجاليات الأجنبية في هذه المدة وتكاثر عدد أفرادها من التجار والفنيين خاصة، فطالب قناصل الدول الأجنبية بإدخال إصلاحات على نظام الحكم بدعوى حماية هذه الجاليات، ثم بذلوا مجهودات كبيرة لعرقلة تلك الإصلاحات وأرادوا أن تطبق جملة، مع علمهم أن الحالة المالية وإن كانت حسنة إلا أنها لا يمكن بحال أن تتحمل المصروفات الباهظة التي تتطلبها الإصلاحات، فأجبروا الحكومة التونسية على القيام بما أرادوه حتى أعجزوها ماليًّا، وإذ ذاك فرضوا عليها دواءً أخطر من الداء نفسه، وحملوها على أخذ قروض متوالية لا يصل منها إلى صندوق الدولة إلا النزر اليسير، ثم خطوا خطوة أجرأ، فاتخذوا دعوى حماية تلك الأموال المقترضة سببًا للتدخل المباشر في شئون تونس، وأجبروا الحكومة على تسليم مصلحة الجمارك للأجانب مقابل القروض، فلم تفِ بالحاجة لاتساع الاضطرابات التي تكونها وتغذيها هذه الدول الاستعمارية وخاصة فرنسا، وكانت ثورة علي بن غذاهم عام ١٨٦٤ أعظمها وأكثرها اتساعًا، فازدادت هكذا الفوضى وعمت ونقص بسببها إيراد الدولة نقصًا فادحًا، وضغط إذ ذاك ممثلو الدول على ملك البلاد ضغطًا كانت نتيجته تكوين لجنة مالية دولية (١٨٧٠) تحت رئاسة المصلح التونسي العظيم خير الدين باشا، فوجدت الديون قد بلغت ١٢٥ مليون فرنك، ولكنها سمحت للأجانب أن يسيطروا مباشرة على حظوظ تونس المالية، خاصة وأنهم اتخذوا من تلك اللجنة نفسها ميدانًا للتنافس، وتسابقوا إلى الحصول على الامتيازات المتنوعة.

وهكذا حصلت فرنسا على امتياز بإنشاء سكة حديد بين تونس والجزائر سنة ١٨٧٤، وحاول القنصل الإيطالي أخذ امتياز إنشاء مصلحة تلغراف فلم يفلح، ولكنه حصل على شراء السكة الحديدية الممتدة بين تونس وحلق الوادي من شركة بريطانية بفضل ما بذله من أموال طائلة، وأخذ القنصل الفرنسي «روسطان» امتيازًا بإنشاء سكة حديد أخرى بين تونس وبنزرت، وتونس وسوسة، وإنشاء ميناء بتونس.١
وإن إيطاليا عندما أظهرت أطماعها، وشاركت في إدخال الفوضى على حكومة تونس، وبذلت مجهودات كبيرة للحصول على الامتيازات، وضحَّت بالمال الغزير؛ إنما عبَّدت الطريق لغيرها وهيأت له الأسباب، لأن حداثة عهدها في المعارك الاستعمارية وقرب بروزها لعالم الوجود كدولة موحدة لم تمكنها من لعب دور حاسم في هذا المضمار، بل كان التزاحم الحقيقي بين ممثل فرنسا وممثل بريطانيا العظمى القنصل وود Wood الذي كان يؤيد بقاء مصطفى خازندار، ويشجعه على توثيق العلاقات بين تونس المستقلة في الواقع والدولة العثمانية التي ما زالت تعتبرها ولاية من ولاياتها، حتى لا تجد فرنسا منفذًا للاستيلاء عليها.

وقد دامت الخصومة لأجل تونس بين الدولتين الكبيرتين أكثر من عشرين سنة، ولم تنتهِ إلا في مؤتمر برلين عام ١٨٧٨ بعد هزيمة تركيا في حربها مع روسيا عام ١٨٧٧، ولا سيما بعد هزيمة فرنسا في حربها مع ألمانيا عام ١٨٧٠.

فبعد أن ألحقت ألمانيا مقاطعتي الألزاس واللورين بإمبراطوريتها، صرفت عنايتها للاحتفاظ بهما وإبعاد فرنسا عن فكرة الأخذ بالثأر ومحاولة استرجاع هاتين المقاطعتين، ورأت أن تفسح لها المجال في بسط نفوذها خارج أوروبا. وكان «بسمارك» يسعى بصفة عامة للاحتفاظ بالوضع الذي نتج في أوروبا عن حرب سنة ١٨٧٠، ويعمل على توجيه الدول نحو الشرق، فكان لا يمانع في امتداد نفوذ فرنسا في تونس وبريطانيا في مصر.

وكانت إنجلترا لا تعارض في تقطيع أوصال الدولة العثمانية في أوروبا وفي غيرها.

أما فرنسا، فإنها كانت تحاول الابتعاد عن الميدان الدولي خشية التورط في مشاكل خارجية لا تستطيع أن توجهها، وقد خرجت من الحرب مهيضة الجناح عام ١٨٧٠.

وظهرت هذه الاتجاهات أثناء مؤتمر برلين عام ١٨٧٨، فأوعزت ألمانيا لفرنسا بوضع يدها على تونس حتى لا تضع العراقيل في وجهها في المؤتمر، كما نصحتها إنجلترا ببسط نفوذها على تونس لتتمكن هي بدورها من الاستيلاء على مصر.

وهكذا قامت ألمانيا وإنجلترا بتشجيع فرنسا على احتلال تونس وفصلها عن ممتلكات تركيا، وإن كانت تونس في الحقيقة لا تربطها مع الدولة العثمانية في ذلك العهد إلا الروابط الروحية.٢

(١-١) الحماية

لما وجدت الحكومة الفرنسية الجو العالمي مساعدًا لها أرادت أن تنهي المسابقة حالًا، فأسرعت إلى احتلال تونس حتى لا تضيع عليها تلك الفرصة، وكان رئيس وزرائها إذ ذاك «جول فري» قد عقد العزم على تنفيذ خطة دبرها من قبل وصمم عليها، رغم المعارضة الشديدة التي وجدها في الرأي العام الفرنسي نفسه، خاصة من طرف الحزب الراديكالي وزعيمه جورج كليمنصو، فاتخذ من مناوشات بسيطة عادية وقعت بين قبائل خمير التونسية وبعض القبائل الجزائرية ذريعةً لمهاجمة تونس برًّا وبحرًا، ولم يلتفت إلى ما عرضه عليه جلالة باي تونس من تعويضات طبق الاتفاقات السابقة بين تونس وفرنسا، بل أمر الجيوش الفرنسية باقتحام الحدود البرية، وأنزل قوات أخرى من البحر في ميناء بنزرت ومرسى طبرقة، وزحفت هذه الجيوش من غير سابق إنذار ولا إعلان حرب نحو مقر الملك، فوصلت منطقة منوبة على مقربة من القصر الملكي بباردو، وحاصرت القصر يوم ١٢ مايو ١٨٨١، ولم يمهل قائد الجيوش الفرنسية الجنرال برايوت جلالة الصادق باي إلا ساعات ليوقع على معاهدة سنة ١٨٨١، وقام قسم كبير من رجال الدولة والموظفين العالين، وفي مقدمتهم أول مكافح تونسي العربي زروق، يعارضون توقيع هذه المعاهدة المفروضة بالقوة ويطالبون بإعلان الحرب على فرنسا والتمادي فيها إلى النهاية، حتى قال زعيم المعارضين: «إما أن نموت بشرف أو نخلص بلادنا من العدو»، ووقع الملك المعاهدة تحت تأثير وزيره الخائن مصطفى بن إسماعيل.

ولكن الشعب التونسي لم يلقِ السلاح، بل تمادى في المقاومة رغم ضعفه، وسقطت مدن المملكة الواحدة تلو الأخرى في قبضة العدو، بعد دفاع مستميت، وما زال الشيوخ التونسيون يتذكرون بطولة صفاقس التي اجتمعت بها رجال القبائل من الهمامة وبني زيد والمثاليث، خاصة ولم تستسلم أبدًا، بل ناضلت بعد أن سقط سورها في كل شارع وكل بيت، وكان عدد الشهداء بها عظيمًا جدًّا لقلة ما لديهم من السلاح، وتكررت المأساة في بقية مدن المملكة التونسية إلى أن تم احتلال البلاد كلها.

ولم تجد تونس في ذلك العصر نصيرًا ولا مجيرًا، وإن كان قد فرض الحماية الفرنسية عليها اعتداءً سافرًا لا مبرر له إلا جشع الاستعمار الأوروبي وإرادة التوسع وكسب الأسواق الجديدة.

ولقد كانت معاهدة باردو فاسدة من أصلها؛ لأن فرنسا فرضتها بالقوة ووقعها ملك تونس تحت تهديد الجيوش المحاصرة له، ولو كان في العالم عدالة لما أمكن لفرنسا أن تبقى بتونس؛ لأن بقائها منافٍ لجميع المواثيق الدولية الحديثة، كالميثاق الأطلنطي وميثاق هيئة الأمم المتحدة وميثاق حقوق الإنسان، ولأن استمرار احتلالها لتلك البلاد الأجنبية عنها إنما هو تشجيع للقوي في الاستيلاء على الضعيف، ومحافظة على عهدٍ تريد الشعوب طيَّه؛ لما فيه من ظلم وتهديد دائم للسلام العالمي لتزاحم الأقوياء على أسلاب الضعفاء من الأمم.

(١-٢) استقلال تونس قبل الحماية

وكانت تونس قبل الحماية الفرنسية دولة تتمتع باستقلالها، لها ذاتيتها وميزانيتها، سواء داخليًّا أو خارجيًّا؛ فكانت أرضها محدودة مضبوطة، وكان سكانها متوحدين تجمعهم إرادة واحدة وضمير قومي واحد تحت حكومة تدير البلاد كلها.

(أ) الاستقلال الداخلي

وقد استقلت تونس استقلالًا حقيقيًّا منذ اعتلى عرشها مؤسس الدولة الحسينية جلالة الباي حسين بن علي عام ١٧٠٥، فأصبح المُلك وراثيًّا في أبنائه، دون أن تتدخل أية دولة أجنبية. وكانت الروابط بين ملك تونس والسلطنة العثمانية روحانية فقط؛ أي روابط أمير مسلم مع خليفة المسلمين وأمير المؤمنين. وكانت السلطات كلها مجموعة في قبضة الباي في العهد الأول، إلى أن أخذت البلاد التونسية تتطور في العصر الحديث وتدخل التنظيمات اللازمة في حياتها السياسية والاقتصادية والثقافية.

وكانت تونس أول بلد شرقي سَنَّ لنفسه دستورًا، فأصدر ملك تونس محمد باشا باي (٢٠ محرم ١٢٧٤ / ١٠ سبتمبر ١٨٥٧) مقدمة ذلك الدستور مطلِقًا عليها اسم عهد الأمان، وكان القسم الأول منه في الحقيقة إعلانًا واضحًا لحقوق الإنسان، فضمن البند الأول أمن جميع سكان المملكة من غير امتياز في الدين والجنس ولا الجنسية، وأعلنت بقية البنود مساواة جميع السكان أمام الضرائب والأداءات وأمام القانون أيضًا، وجعلت التسامح الديني أساسًا لمعاملة جميع من يسكن تونس، كما حررت التجارة والملكية.

وأعطى محمد الصادق باي نظامًا جديدًا للدولة التونسية عندما أصدر دستورها (٢٦ أبريل١٨٦١) الذي لم يُنسخ إلى هذه الساعة، وقد شمل ذلك الدستور النظام السياسي والمالي والإداري والقضائي.

(ب) النظام السياسي

يعتمد النظام السياسي على ثلاثة أركان: (١) الباي. (٢) الوزراء. (٣) المجلس الأهلي.

وقد أقيم على بعض المبادئ من مشاركة المجلس في السلطة التشريعية وبقاء السلطة التنفيذية كاملة في قبضة الباي ووزرائه، واستقلال السلطة القضائية ومساواة بين المسلمين وغير المسلمين.

وأول أركان الدولة هو الملك نفسه الذي بقي رئيسًا أعلى للدولة وللأسرة الحسينية المالكة، وقد سن الدستور مبدأ مسئولية رئيس الدولة في جميع أعماله المنافية للدستور أو الخارجة عن القانون، كما وضع تحديد هذه المسئولية وما ينشأ عنها من حساب.

أما الوزراء فلم ينص الدستور على عددهم، وقد كان دائمًا من بينهم: وزير أول ووزير القلم والاستشارة ووزير المالية ووزراء الدولة، وقد حددت أيضًا مسئولياتهم.

وكان الركن الثالث للدولة هو المجلس الأعلى الذي يقع اختيار أعضائه من بين الأعيان والموظفين العالين، ويتولى الباي ووزراؤه ذلك الاختيار، وله حق المشاركة في ممارسة السلطة التشريعية، وتتخذ قراراته بأغلبية أربعين صوتًا من ستين، ويكلَّف اثنا عشر من أعضائه بتسيير الشئون في الفترات بين جلساته، كما أن من مهام المجلس المحافظة على الدستور وإدخال التغييرات اللازمة عليه.

ومن أعظم الإصلاحات التي أدخلها الدستور على الدولة التونسية تفريق السلطات وتحديدها.

السلطة التشريعية

إن حق سن القوانين من مشمولات الأمير والمجلس الأعلى، ولكنها لا تكون صالحة نافذة إلا بعد اتفاق الباي والمجلس الأعلى عليها. أما القوانين العادية، فينبغي أن يقررها المجلس بالتصويت عليها، ثم يعطيها الباي صبغتها القانونية بخلاف قوانين الضرائب والأداءات؛ فإن المجلس يقررها ويوافق عليها الباي، أما قوانين موازنة الدولة فإن الباي يسنُّها بإعانة المجلس الأعلى.

السلطة التنفيذية

لقد أقر الدستور بقاء السلطة التنفيذية كاملة في قبضة الباي، فإنه يمثل البلاد في علاقاتها مع الدول الأجنبية، كما أن القيادة العليا للجيش منوطة بعهدته، وهو أيضًا القاضي الأعلى.

ومهمة الوزراء مساعدة الباي في ممارسة سلطته التنفيذية.

السلطة القضائية

لا دخل للأمير ولا للمجلس الأعلى في السلطة القضائية التي تحتوي على ثلاث: (١) القضاء الابتدائي. (٢) محاكم الاستئناف. (٣) محاكم التعقيب. وينبغي أن تُذكر في الحكم حيثياته، والقضاة يشغلون مناصبهم لمدة الحياة، ولا تتدخل السلطة التنفيذية إلا لتنفيذ الأحكام الصادرة من المحاكم.

وطبِّق ذلك الدستور ودام معمولًا به عدة أعوام، ثم أُهمل، ولكنه لم يلغَ ولم يُنسخ أبدًا، وقد أصدر أستاذان للحقوق — فايس وبرتلمي — فتوى جزمَا فيها بأن الدستور ما زال موجودًا قانونيًّا اعتمادًا على أن الملك المطلق إذا ما تنازل لشعبه عن بعض السلطات لا يمكن له التراجع فيها وافتكاكها من جديد، وعلى أن الدستور السياسي يحتفظ بوجوده القانوني ما لم يلغَ بنص صريح، فلم ينسخه القرار السفيري الصادر عن المقيم العام الفرنسي بتونس في ٢٥ ديسمبر ١٨٨٤، الذي فسخ كل الأوامر العلية (أي المراسيم الملكية) السابقة لعام ١٨٨١.

كانت تونس هكذا دولة مستقلة تسير في تطورها نحو نظام ديمقراطي يشارك فيه الشعب شيئًا فشيئًا، ويضمن لجميع أفراده الحرية والمساواة، خاصة وأن الإصلاح لم يقتصر على الميدان السياسي، بل شمل الميادين كلها من اقتصاد وتعليم وحياة اجتماعية.

ففي عهد الصادق باي سعى المصلح التونسي الكبير خير الدين باشا في تجديد البلاد، وسن ما يناسبها من الأنظمة العصرية النافعة بعد أن سافر إلى أوروبا واطلع على سر تقدمها، وسجل آراءه وأفكاره في أول كتاب ظهر في الإصلاح في العالم العربي سماه: «أحسن المسالك في سياسة المالك.» وأن آراءه الصافية الجلية صالحة لأن تكون أساس نهضتنا في عصرنا الحاضر، فنظَّم الإدارة المركزية والإدارات المحلية تنظيمًا عصريًّا، كما نظَّم البلديات والمحاكم الشرعية وشئون الأوقاف، وسن قانونًا جديدًا يضمن للفلاحين حقوقهم، كما وضع برنامجًا خاصًّا لتوزيع الأراضي الزراعية الأميرية على سكان البادية، وأنشأ مجلسًا للعناية بالشئون الصحية وإدارة الأوقاف، ونظم مناهج التعليم بجامع الزيتونة، وأسس المدرسة الصادقية لدراسة العلوم الحديثة واللغات الأجنبية، كما أرسل البعثات العلمية إلى إيطاليا وفرنسا.

وهكذا كانت تونس تسير بخطًى واسعة في سبيل الرقي والتقدم، إلى أن مُنيت بالاحتلال الفرنسي، فأقامت فرنسا العراقيل في سبيل هذه النهضة وعطلت سيرها، وأعادت البعثات العلمية من أوروبا، وحوَّلت مناهج التعليم بالمدرسة الصادقية إلى أن جعلتها مناهج لإخراج الموظفين الصغار والمترجمين فحسب. «هذه تونس — للدكتور ثامر— ص٢٣.»

(ﺟ) الاستقلال الخارجي

كانت الدول معترفة دائمًا بالدولة التونسية، وقد عقدت الدول الأجنبية مع أميرها جلالة الباي عدة معاهدات منذ فجر القرن الثامن عشر، نذكر هنا بعضها:
  • (١)

    ٣٠ أغسطس ١٧١٦: معاهدة سلام وتجارة مع بريطانيا العظمى.

  • (٢)

    ٢٣ ديسمبر ١٧٤٨: معاهدة سلام وتجارة وملاحة مع النمسا.

  • (٣)

    ٢٢ يونيو ١٧٦٣: معاهدة بين ملك بريطانيا جورج الثالث وعلي باي ملك تونس بصفته «الأمير الأعلى لهذه الدولة».

  • (٤)

    ٢١ مايو ١٧٦٥: معاهدة بين تونس وفرنسا تعترف فيها فرنسا للباي بحقه الدولي وامتداد سلطانه على «مساحة المملكة» كلها.

  • (٥)

    أغسطس ١٧٩٧: معاهدة سلام وتجارة بين باي تونس والولايات المتحدة الأمريكية.

ولنلاحظ أن أمير تونس قد أبرم هذه المعاهدات وغيرها باسمه الخاص، كممثل لدولة قائمة الذات هي الدولة التونسية، وأن الدول الكبرى كانت دائمًا معترفة بحق أمير تونس الشخصي المباشر في إبرام الاتفاقات الدولية ذات الصبغة السياسية؛ لأن استقلال تونس كان تامًّا كاملًا داخليًّا وخارجيًّا.

الحماية الفرنسية والدولة التونسية

إن معاهدة باردو ١٢ مايو ١٨٨١ وإن لم تذكر في نصها لفظة «حماية»، بل نصت على أنها «معاهدة وداد وصداقة» إلا أنها اعتدت على السيادة التونسية داخليًّا وخارجيًّا.

فقد خولت فرنسا لنفسها الحق في احتلال ما تراه من المراكز في البلاد التونسية حسب البند الثاني من المعاهدة.

«لأجل تسهيل القيام بالإجراءات التي يتحتم على دولة الجمهورية الفرنسية اتخاذها للوصول للغرض الذي يقصده الجانبان المتعاقدان، فقد رضي سمو باي تونس بأن تحتل القوات الفرنسية العسكرية المراكز التي تراها صالحة لاستتباب النظام والأمن بالحدود والسواحل»، وذلك الاحتلال الأجنبي نفسه حد من سيادة تونس الداخلية.

أما السيادة الخارجية وإن بقيت كاملة قانونًا، إلا أن باي تونس تنازل عن ممارساتها لفائدة فرنسا طبق البند السادس: «يكلَّف الممثلون الدبلوماسيون وقناصل فرنسا في البلاد الأجنبية بحماية رعايا المملكة التونسية ومصالحها، وفي مقابل ذلك يلتزم سمو الباي بألا يعقد أي عقد ذي صبغة دولية من دون إعلام الدولة الفرنسية بذلك، والحصول على موافقتها.»

وأصبح ممثل فرنسا في تونس هو الواسطة الوحيدة بين البلدين حسب البند الخامس من المعاهدة: «يمثل الدولة الفرنسية لدى سمو الباي وزير مقيم عامٌّ، تكون وظيفته السهر على تنفيذ أحكام هذه المعاهدة، ويكون هو الواسطة بين الدولة الفرنسية وبين السلطات التونسية في جميع القضايا التي تهم الجانبين.» والحقيقة أن فرنسا عزلت تونس عن بقية العالم، وأصبحت سدًّا منيعًا بينها وبين بقية الدول، وحرمتها من كل اتصال مباشر بالشعوب القريبة والبعيدة. ثم إن فرنسا استصدرت من باي تونس أمرًا عليًّا (مرسومًا ملكيًّا) بتاريخ ٩ يونيو سنة ١٨٨١ أناط بمقتضاه الشئون الخارجية بالمقيم العام الفرنسي الذي أصبح هكذا وزير خارجية تونس. وهذا نص ذلك الأمر العلي:

حيث إن الفصول الرابع والخامس والسادس من المعاهدة المبرمة بين حكومتنا وحكومة الجمهورية الفرنسية (١٢ مايو ١٨٨١) تستلزم تدخل وزير الجمهورية في علاقاتنا بممثلي الدول الصديقة، فتسهيلًا وإسراعًا لحل المشاكل نكلف الوزير المقيم العام لفرنسا بتونس بدور الواسطة الرسمية والوحيدة في العلاقات التي يقوم بها في المستقبل ممثلو الدول الصديقة المعتمدون لدينا.

وجرت العادة بعد ذلك أن يصدر الباي مرسومًا ملكيًّا، يعيَّن به كل مقيم عامٍّ جديد وزيرًا للخارجية.

وأعطت فرنسا لنفسها الحق في التدخل بصفة مستمرة في شئون تونس المالية بدعوى الدفاع عن أصحاب القروض، كما جاء في البند السابع من المعاهدة والذي تعتبره فرنسا في المكان الأول من الأهمية: «تحتفظ دولة الجمهورية الفرنسية ودولة سمو الباي لنفسها بحق الاتفاق على وضع نظام مالي بالمملكة التونسية، من شأنه الوفاء بواجبات الدين العام وضمان حقوق دائني المملكة.»

وأكبر دليل على أن ما أدخل من فوضى على مالية تونس كان مصطنعًا قبل الحماية وكان لفرنسا الدور الرئيسي فيه، هو أن موازنة تونس كانت معتدلة، بل كانت فيها فواضل كبيرة عامين بعد الحماية.

ولم تغير فرنسا سياستها المالية هادفة دومًا إلى إغراق تونس بديون لا طاقة لها بها؛ لكي تكبلها نهائيًّا بقيود يعسر التخلص منها، فتبقى دائمًا مستعمرة ماليًّا وإن تحررت يومًا من الأيام سياسيًّا.

إن معاهدة ١٨٨١ لم تُفقد تونس جوهر سيادتها التامة، بل حرمتها من مباشرة بعض مظاهر تلك السيادة فقط، وبقيت الدولة التونسية كاملة الذاتية كما كانت قبل المعاهدة التي أُبرمت بين دولتين كاملتي السيادة مستقلتين، فأكد هكذا وجود دولة تونسية. وقد نصت المعاهدة مرارًا على وجود حكومة تونسية وبينت اعتراف فرنسا نفسها بتونس كدولة لها نظامها الدولي الشرعي، وإن نص المعاهدة يقضي بأنها مؤقتة غير أبدية كما ادعت فرنسا ذلك فيما بعد؛ إذ تنص الفقرة الثانية من بنده الثاني على انتهاء الحماية:

ويزول هذا الاحتلال عندما تتفق السلطات الحربية — الفرنسية والتونسية — وتقرر معًا أن الإدارة المحلية قد أصبحت قادرة على المحافظة على استتباب الأمن العام.

ومن ناحية أخرى فإنا نجد تلك المعاهدة أبقت السيادة الخارجية وحق ممارستها لملك تونس؛ إذ ينص بندها السادس على «أن سمو الباي يلتزم بألا يعقد أي عقد ذي صبغة دولية بدون إعلام فرنسا …» وهذا ما يؤيد محافظة الأمير على حقه في إبرام المعاهدات مع الدول الأجنبية.

وينبغي أن نلاحظ هنا أن حماية فرنسا لتونس ذات صبغة دولية واضحة وليست حماية استعمارية؛ ولذا كانت العلاقات بين المحمية والحامية عن طريق وزارة الشئون الخارجية الفرنسية. وقد بيَّن رجال القانون الفرنسيون ذلك، كما اعترفت به المحاكم الفرنسية نفسها.

فقد قرر ديبانييه Despagnet في دروسه للقانون الدولي العام أن الحرب المسلحة بين المحمي والحامي تصطبغ بصبغة دولية بحتة، مستندًا فيما أبداه من رأي على مبدأ لا شك فيه ولا خلاف، وهو أن الحماية علاقة بين دولة ودولة أخرى، تضيق على المحمي ممارسة بعض حقوقه، ولكنها لا تحرمه من شخصيته السياسية.
وكذلك قال انجلهارت Engelhardt (مجلة الحقوق العامة والعلم السياسي ١٩٠٠): «إن المحمي بصفته دولة قائمة بذاتها لا يمكن أن تكون حربه مع الحامي إلا حربًا دولية، فهي بلاد قد قطعت صلة قديمة وحليف انقلب على من كان مرتبطًا به إلى تلك الساعة.»
أما السيادة الخارجية التونسية فقد بقيت كاملة؛ إذ جرى في عرف الدول أن يمثل بعضها بعضًا من غير أن ينقص ذلك شيئًا من سيادتها، فقد صرح أنجلو بيارسيريني Angelo-pierre Sereni في دروس في التمثيل في الحقوق الدولية (أكاديمية الحقوق الدولية ١٩٤٨) قائلًا فيما يتعلق بتونس: «بمقتضى اتفاقيات أُبرمت مع تونس، أصبح لفرنسا الحق في أن تُبرم باسم تلك الدولة وعلى حسابها جميع علاقاتها الخارجية تقريبًا، وأن ذلك التمثيل لا يقضي على الشخصية الدولية.»
وكتب لويس ريفيار Louis Rivière مستشار محكمة الاستئناف بمدينة كان تعليقًا (سيري Sirey (١٩٢٧) مجلد ١، ص٨٥):

أما فيما يتعلق بمدغشقر وأنام، فإن الدولة الحامية قد ابتلعت السلطة الخارجية كلها، فأصبحت وحدها صاحبة العلاقات مع الدول الأجنبية الأخرى، بينما بتونس لم تزد معاهدة باردو عن أن علقت على موافقة الحكومة الفرنسية حق الأمير المحفوظ له في إبرام معاهدات مع تلك الدول.

ولذا تمادت الحكومة التونسية في إبرام عدة معاهدات مع الدول الأخرى بعد عقد معاهدة ١٨٨١، وقد أبرمتها مباشرة أحيانًا بموظفيها التونسيين، وأحيانًا أخرى بواسطة الحكومة الفرنسية بالنيابة عن حكومة تونس طبقًا لمبادئ التمثيل. ولكن الدولة التونسية كانت دائمًا منصوصًا عنها كدولة غير الدولة الفرنسية:
  • (١)

    أعلنت تونس الحرب على ألمانيا عام ١٩١٤ كدولة.

  • (٢)

    اتفاقية مجريطة ١٤ / ٤ / ١٨٩١ وقع تحويرها بلندن ٢ / ٦ / ١٩٣٤ وشاركت فيها تونس ٤ / ١٠ / ١٩٤٢.

  • (٣)

    اتفاقية لاهاي ٦ / ١١ / ١٩٢٥ مشاركة تونس فيها ٤ / ١٠ / ١٩٤٢.

  • (٤)

    اتفاقية لتكوين ديوان دولي للخمور بباريس ٢٩ / ١١ / ١٩٤٤.

  • (٥)
    اتفاقية بخصوص مصل الدفتريا Serum antidiphtérique وقعت بباريس في ١ / ٨ / ١٩٣٠.
  • (٦)

    اتفاقية ٢٤ / ٤ / ١٩٢٦ بخصوص تجول السيارات.

  • (٧)

    الاتفاقية الصحية الدولية ٢١ / ٦ / ١٩٢٦.

  • (٨)

    اتفاقية البريد العامة ١٠ / ٧ / ١٩٤٧.

إلخ … إلخ …

وهكذا لم تُمحَ شخصية الدولة التونسية من الميدان الدولي.

(١-٣) الاستقلال الداخلي

إن معاهدة ١٨٨١ سمحت لفرنسا باحتلال تونس عسكريًّا حسب البند الثاني، ولكنها لم تمنحها حق التدخل في شئون الحكومة ولا في تشريعها ولا في سلطتها التنفيذية، فلما وجدت فرنسا نفسها عاجزة عن السيطرة شعرت أن مقاليد الحكم في البلاد بقيت كلها في يد الباي وحكومته، أجبرت الأمير الجديد علي باي على عقد اتفاقية ثانية معروفة باتفاقية المرسى (٨ يونيو ١٨٨٣) عامين فقط بعد معاهدة باردو.

فذكرت فيها لفظ «الحماية» للمرة الأولى، وإنها وإن لم تغير جوهر ما جاء في المعاهدة الأولى وأبقت السيادة التونسية غير منقوصة قانونًا، إلا أنها فتحت أبوابًا واسعة للاعتداء المتوالي منذ ذلك الحين على السيادة الداخلية التونسية، إلى أن بلغت في آخر الأمر إلى الحكم الفرنسي المباشر في تونس. وقد كانت فرنسا تعتمد دائمًا على البند الأول من اتفاقية المرسى لتقضي على الذاتية التونسية شيئًا فشيئًا، وهذا نصه:

لما كان غرض سمو الباي المعظَّم أن يسهِّل للحكومة الفرنسية إتمام حمايتها، تكفَّل بإدخال الإصلاحات الإدارية والعدلية والمالية التي ترى الحكومة المشار إليها فائدة في إدخالها.

فكان كل ما تفرضه فرنسا من تحويرات تدعي أنها إصلاحات، وإنما هو في جوهره قضاء على السيادة التونسية، وسعي في أن تحل محلها السيادة الفرنسية، سواء في الميدان الحكومي أو الإداري أو الاقتصادي أو الثقافي.

ولكن اتفاقية المرسى نفسها رغم ما تحمله من أخطار لم تنتزع شيئًا من السيادة التونسية؛ لأن جلالة الباي لم يتنازل عن شيء من سلطانه لفائدة فرنسا، وإن التزامه بإدخال ما تراه فرنسا من إصلاحات لم يسلبه سلطته التشريعية؛ إذ بقي هو المشرع الوحيد الذي بيده سن المراسيم الإصلاحية. وقد اقتصرت اتفاقية المرسى على ذكر الميادين الإدارية والعدلية والمالية، فاعترفت ضمنيًّا بأن الإصلاحات السياسية والدستورية خاصة خارجة عن نطاقها، وأن من حق جلالة الباي أن يقوم بما يراه منها، ما لم يعارض المعاهدات التي تتعرض لها، بل لم تشر إليها أصلًا في الواقع، فليس إذن لفرنسا حق معارضة أمير تونس فيما يريد منحه لشعبه من أنظمة دستورية ديمقراطية.

فمن الواضح أن تونس احتفظت بسيادتها الداخلية، وأن تراب تونس غير التراب الفرنسي قانونًا، مستقل عنه، وأن أرض تونس أرض أجنبية بالنسبة لفرنسا، لا تطبَّق فيها القوانين الفرنسية إلا إذا اصطبغت بصبغة تونسية؛ أي بعد أن يصدرها جلالة الباي كمراسيم ملكية تحمل توقيعهم، فالتشريع التونسي قانونًا وواقعيًّا مستقل عن التشريع الفرنسي.

أما في الميدان الدولي، فإن المعاهدات التي تُبرمها فرنسا باسمها الخاص لا تشمل تونس أبدًا، إلا إذا ما قبلتها وكانت طرفًا فيها ووقعها ممثل عنها. ولنلاحظ أخيرًا أن ميزة معاهدة ١٨٨١ الأساسية هي أنها وقتية.

فقد ثبت إذن أن تونس احتفظت بكيانها الدولي من الوجهة الداخلية ومن الوجهة الخارجية أيضًا.

(٢) نظام الدولة التونسية بعد الحماية

إن البحث في أنظمة الدولة التونسية بعد فرض الحماية بسبعين عامًا كافٍ وحده لإبراز الاعتداءات الفرنسية على تونس، ولكشف الستار عن النوايا الفرنسية الحقيقية.

(٢-١) الباي

إن رئيس الدولة التونسية هو دائمًا جلالة الباي الذي جمع في قبضته قانونًا السلطات كلها بعد أن ألغى العمل بدستور عام ١٨٦١، وما زالت سياسة فرنسا ترمي إلى المحافظة على الملكية المطلقة، حتى لا يكون للشعب حق في البلاد التونسية، وحتى لا يتغير الوضع القانوني الذي سمح لها أن تجعل من بلاد أجنبية عنها مستعمرة فرنسية في الواقع، فهي تدعي دومًا أن جميع المعاهدات لم تُبرم بين تونس وفرنسا، بل بين جلالة الباي صاحب المملكة التونسية وبين فرنسا، وكانت تستلب منه نفوذه تارة بالترهيب والوعيد وطورًا بالوعود الخلابة ودعوى الإصلاح، ولم تزل تعارضه بالتهديد السافر والقوة المسلحة إذا ما رأت منه إرادة صادقة في منح تونس نظامًا دستوريًّا ديمقراطيًّا يضمن للشعب حقوقه ويجعله صاحب السلطان في البلاد.

وبقيت هكذا السلطات التشريعية بيد الباي، ولكن الأوامر العلية (المراسيم الملكية) لا تعلن ولا تصطبغ بالصبغة التنفيذية إلا إذا صادق عليها المقيم العام للجمهورية الفرنسية بتونس، وفي ذلك من الاعتداء ما هو غني عن كل بيان؛ إذ تعسفت فرنسا بنص اتفاقية المرسى تعسفًا شاذًّا لتستخرج منها نفوذًا جديدًا عامًّا لممثلها يتحكم بمقتضاه في جميع ما يُسن من قوانين وأنظمة، ولا يوجد نص رسمي تونسي يبرر ما اغتصبه المقيم العام من نفوذ، ولكنه اعتمد على قرار صادر عن رئيس الجمهورية الفرنسية بتاريخ ٨ نوفمبر ١٨٨٤ فوَّض للمقيم العام للجمهورية الفرنسية أمر المصادقة باسم الحكومة الفرنسية على إصدار وتنفيذ جميع ما يتخذه سمو الباي من أوامر في القطر التونسي.

(٢-٢) الوزراء

جرت العادة بأن تُسنَد وزارة الخارجية إلى المقيم العام. أما وزارة الحربية ووزارة البحرية، فتلغيان في الغالب أو تُسندان إلى كل من القائد الأعلى لجيوش الاحتلال والأميرال قائد الأسطول الفرنسي ببنزرت. أما بقية المناصب الوزارية فقد كان يحتلها دائمًا تونسيون، وقد أخذ عددها يزداد لاتساع الإدارة التونسية.

(أ) الوزير الأول

يشرف الوزير الأول على سير الإدارة العامة للمملكة التونسية، وقد أثبت الواقع أنه ليس له السلطة المباشرة عليها، ويعرض الأوامر والمشروعات على الطابع الملكي ويرأس مجلس الوزراء ويسهر على تنسيق الأعمال بالوزارات والإدارات الفنية، بصفته رئيسًا للسلطة التنفيذية، ولوظيفته مشمولات أخرى فيما يتعلق بالتشريفات ومراقبة العمال (المتصرفين أو الولاة) والمحافظة على أوراق الدولة، ويعينه للقيام بمهام وظيفته كاتب عام للحكومة التونسية سنفصل الحديث عنه فيما بعد.

(ب) وزير العدلية

إن نظر وزير العدلية لا يشمل إلا المحاكم التونسية؛ لأن المحاكم الفرنسية تابعة رأسًا لوزارة العدل الفرنسية.

وقد عمدت فرنسا إلى المحاكم التونسية، فوضعتها تحت رقابة موظفين فرنسيين، فجعلت على رأس إدارة العدل مديرًا فرنسيًّا، وأناطت مهمة النيابة العامة بموظفين فرنسيين، وأسندت رئاسة دائرة النقض والإبرام لقاضٍ فرنسي.

(ﺟ) وزير الدولة

يقتصر عمله على النظر في شئون إدارة الأعمال (المديريات والمقاطعات) والبلديات والأحباس (الأوقاف).

(د) وزير الشئون الاجتماعية

وهو لا ينظر إلا في الشغل ومشاكل العمال.

وزير التجارة والصناعة — وزير الصحة العامة — وزير الزراعة.

(٢-٣) مجلس الوزراء

إن مهمة مجلس الوزراء إدارية بحتة؛ لأن تركيبه المزدوج من وزراء تونسيين ومن مديرين فنيين فرنسيين يجعله لا يلعب أي دور في السياسة، ويقتصر عمله طبق الأمر العلي المؤرخ في ٨ فبراير ١٩٥١ على توجيه وقيادة عمل الحكومة العامة، ولا يكون له مفعول إلا إذا صادق جلالة الباي على ما يقرره، فيتبين جليًّا من ذلك أن جلالة الباي لم يُرد إسناد مشمولات السلطة التنفيذية بالمعنى السياسي إلى ذلك المجلس المكلف بالتنسيق الإداري فقط. أضف إلى ذلك أن مجلس الوزراء الذي يسمي الباي أعضاءه ليس بمسئول أمام برلمان.

(٢-٤) المديرون الفنيون الفرنسيون

يشارك في مجلس الوزراء عدد من المديرين الفنيين الفرنسيين، الذين احتلوا في الواقع المناصب الرئيسية وانتزعوا النفوذ من التونسيين شيئًا فشيئًا، حتى أصبحوا يتحكمون في كل الشئون.

(أ) الكاتب العام للحكومة التونسية

أُحدث منصب الكاتب العام للحكومة التونسية بأمرٍ عليٍّ بتاريخ ٤ فبراير ١٨٨٣؛ بقصد فض الأمور الإدارية بوحدة أشمل وسرعة أكبر من ذي قبل، وليمد صاحب ذلك المنصب الوزير الأول بالمساعدة، ولكنه سرعان ما أصبح المراقب الفرنسي الأول على الإدارة التونسية، وصارت جميع أعمال وقرارات الوزير الأول ورؤساء المصالح العامة الأخرى غير نافذة، ما لم تحمل تأشيرته. ولنلاحظ أن النص التأسيسي لذلك المنصب لم يخصصه بموظف سامٍ فرنسي الجنسية؛ لأن الوظيف نفسه تونس، ولكن جميع الذين احتلوه في الواقع موظفون فرنسيون كان المقيم العام يعرضهم وكان الباي يسميهم.

نعم حُذفت تأشيرة الكاتب العام بمقتضى الأمر العلي المؤرخ في ٨ فبراير ١٩٥١، ولكنها عوضت حالًا بموافقة المقيم العام التي قامت مقامها.

وما زال الكاتب العام موظفًا واسع النفوذ قويَّه، فهو يجمع الشئون المدنية والإدارية تحت نفوذه، ويراقب المصالح العامة مراقبة إدارية، كما أنه يراقب أولًا: الموظفين؛ أي إنه المتحكم الحقيقي فيهم يوظف ويرقي ويعزل. ثانيًا: المصاريف؛ أي إنه يتحكم في الواقع في ميزانية الدولة صرفًا، ويمكن له هكذا أن يعطل مصالح التونسيين كما يريد؛ بأن يمنع عنها ما يلزمها من مال لأتفه الأسباب، كما أنه يراقب وضع التصميم الاقتصادي للبلاد وتطبيقه، وهو مكلف أيضًا بنشر الأوامر العلية (المراسيم الملكية) والقرارات الوزيرية على الرائد الرسمي التونسي (الصحيفة الرسمية).

(ب) الكاتب العام المساعد

وهو موظف فرنسي سامٍ يساعد الكاتب العام ويقوم بأعماله أثناء غيابه.

(ﺟ) مدير المال

كان في الأصل وزيرًا تونسيًّا يسهر على المالية العامة، ولكن كثرة القروض والصعاب المالية التي لقيتها تونس في أواخر القرن الماضي وضغط الدول الكبرى، أجبرت الباي على إسناد ذلك المنصب إلى وزيره الأول الذي كان يعمل بمعاونة لجنة دولية لتصفية الديون التونسية. ولم تنشأ وزارة للمالية بعد الحماية، بل أُسند منصب «مدير المالية» إلى أحد الموظفين الفرنسيين، ومنذ ذلك الحين أصبح الفرنسيون يتعاقبون عليه طبق أوامر علية يصدرها لهم الباي.

فبعد أن تسرب الفرنسيون إلى إدارة المالية العامة، واستحوذوا عليها ودعموا أقدامهم فيها، حرَّموا على التونسيين مشاركتهم في مسئولياتها واتخذوها حصنًا حصينًا للسيطرة على البلاد وثروتها والتحكم في مصيرها المالي والاقتصادي، حتى بلغت بهم الفكرة الاستعمارية منتهاها، فادعى وزير خارجية فرنسا «روبير شومان» في تصريح أدلى به أمام المجلس الوطني الفرنسي يوم ١٩ يونيو ١٩٥٢، أن المالية التونسية من اختصاصات فرنسا، لا يمكن لها أن تتنازل عنها، فخرق هكذا المعاهدة التي احتج بها. وهذا البند السابع من معاهدة «باردو» يقول: «تحتفظ دولة الجمهورية الفرنسية ودولة سمو الباي لنفسها بحق الاتفاق على وضع نظام مالي بالمملكة التونسية، من شأنه الوفاء بواجبات الدين العام وضمان حقوق دائني المملكة.»

لا يمكن أن يصبح ذلك التنظيم المالي الذي نص عنه أبديًّا، بل لا بد أن يكون محدودًا بزمن؛ خصوصًا وإنه فيما يتعلق بتونس قد تم منذ عهد طويل؛ إذ عرف بالضبط مقدار الديون وأبان دفع أقساطها. أما اتفاقية المرسى فقد اقتصرت على «أن يتعهد سمو الباي المعظم بألا يعقد قرضًا في المستقبل لحساب المملكة التونسية دون إذن سابق من الحكومة الفرنسية»، فهذا شرط تحفظي فقط لا يعطي فرنسا حق التصرف مباشرة في مالية تونس إلى الأبد. إن ديون المملكة التونسية تقدَّر اليوم بثمانين مليارًا من الفرنكات تمكن دفعها في مدة عشرين سنة بالتقسيط؛ إذ ما دامت تونس تابعة لفرنسا ماليًّا، وما دامت وزارة المالية العامة خارجة عن يد التونسيين فإنه يستحيل أن تتقدم البلاد نحو استقلالها الحقيقي، ولو حصلت على كثير من رغباتها السياسية الصرفة؛ إذ يكون التونسيون لجهلهم بما يحاك لهم في ذلك الميدان يوضعون أمام الأمر الواقع، ويجدون أنفسهم دومًا أمام حالة مالية مزعجة خطرة تجعل حريتهم وهمًا واستقلالهم خيالًا.

(د) مدير الأشغال العامة

وهو دائمًا موظف تونسي يسميه الباي، وهو يتصرف في قسم كبير جدًّا من الميزانية التونسية، من غير أن يعقب أي تونسي أعماله.

(ﻫ) مدير التعليم العمومي

وهو أيضًا موظف فرنسي يسمَّى بأمرٍ عليٍّ، ويشمل نظره جميع مؤسسات التعليم الدولي الخاص، وقد اتخذت فرنسا إدارة التعليم أداة لبث لغتها وتجنيس العقول ومحاربة اللغة العربية والتضييق في نطاق التعليم حتى يبقى الجهل عامًّا.

(و) مدير البريد

وهو موظف فرنسي.

(ز) مدير البناء والسكن

وهو موظف فرنسي.

(٣) المقيم العام للجمهورية الفرنسية بتونس

وقد أخرناه لكثرة الكلام عنه:

إن الوزير المقيم العام يمثل الجمهورية الفرنسية لدى الباي قبل كل شيء، وهو مكلف بالسهر على تنفيذ معاهدة ١٢ مايو ١٨٨١، وبأن يكون الواسطة في العلاقات بين الحكومة الفرنسية والسلطات التونسية في جميع الأمور المشتركة بين البلدين، وقد جعله الباي أيضًا (الأمر العلي، ٩ يونيو ١٨٨١) الواسطة بينه وبين الدول الصديقة.

لقد أحدثت فرنسا بتونس عددًا وافرًا من المصالح والمؤسسات الفرنسية البحتة، وجعلتها تابعة للوزارات الفرنسية رأسًا، ثم أسندت للمقيم العام طبق قرار فرنسي مؤرخ في ٢٢ أبريل ١٨٨٣ التمثيل المباشر لهذه الوزارات والمصالح العامة الفرنسية، ومكنته من حق المكاتبة رأسًا إلى الجهات المختصة والوزراء الفرنسيين الذين يرسلون له تعليماتهم.

وأرادت فرنسا أن توسع نفوذ المقيم العام، وأن تجعله الرئيس الأعلى بتونس، فوضعت بقبضته — طبق قرار أصدره رئيس الجمهورية الفرنسية لتاريخ ٢٣ يونيو ١٨٨٥ — «سلطات الجمهورية بتونس؛ تحت إمرة قواد الجيوش البرية والبحرية وجميع المصالح الإدارية المتعلقة بالأوروبيين والأهالي.»

واتبعت فرنسا طريقتها التعسفية، فطبقت تلك القرارات بحذافيرها تطبيقًا كليًّا، وإن لم يصادق عليها أي نص صادر عن ملك البلاد الشرعي.

وأرادت فرنسا أن تستولي استيلاء حقيقيًّا تامًّا على السلطة التشريعية، فأصدرت مرسومًا من رئيس الجمهورية الفرنسية مؤرخًا في ١٠ نوفمبر ١٨٨٤ جاء فيه: «يفوض رئيس الجمهورية الفرنسية المقيم العام للموافقة باسم الحكومة الفرنسية على الأوامر العلية (المراسيم) التي يصدرها سمو الباي، ولإعطاء هذه المراسيم القوة التنفيذية داخل القطر التونسي»، فأصبحت بذلك جميع المراسيم التي يصدرها سمو الباي لا مفعول لها إلا بعد توقيع المقيم العام الفرنسي عليها. ثم اختصرت الإجراءات بأن صارت الإقامة العامة، هي التي تعد جميع المراسيم الملكية، ثم تعرضها على سمو الباي لوضع ختمه عليها بدون أن يكون له سابق اطلاع عليها، بل أصبح الموظفون الفرنسيون يحتجون الاحتجاجات الصاخبة إذا ما أراد الأمير تغيير لفظة أو فقرة لا تمس جوهر الموضوع أحيانًا، ويصرحون بأن لا حق له في إدخال أي تحوير عليها. أما امتناعه عن توقيع مرسوم مهما كان، فيثير عاصفة في الأوساط الفرنسية إلى أن تم لفرنسا احتكار السلطة التشريعية وتسخيرها لفرض حكمها المباشر وتنفيذ برامجها الاستعمارية بمراسيم صادرة في الظاهر عن الدولة التونسية.

ثم زادت الإصلاحات المزعومة الصادرة بتاريخ فبراير ١٩٥١ نفوذ المقيم اتساعًا عندما أعطته الحق في إبداء «موافقته» أو «توصياته» على جميع المشاريع والقرارات (المراسيم) النظامية أو الشخصية التي يتخذها أعضاء مجلس الوزراء. وقد حرر البندان العاشر والحادي عشر من الأمر العلي المؤرخ في ٨ فبراير ١٩٥١، حسب رغبة الحكومة الفرنسية، بكيفية تمنح في الواقع للمقيم العام حق تعطيل (فيتو) جميع أعمال الوزراء التونسيين.

وإن البوليس المدني وقواته موضوعة تحت سلطة المقيم العام وتحت تصرفه، وقد كانت مصالح البوليس منذ نظمها الأمر العلي المؤرخ في ١٧ أبريل ١٨٩٧ تابعة للكتابة العامة للحكومة التونسية، ولم تنفصل عن الحكومة التونسية إلا في سنة ١٩٤٣ لتصبح ملحقة بالإقامة العامة؛ فإن الأمر العلي المؤرخ في ٢٠ أبريل ١٩٤٤ وضعها تحت سلطة مدير فرنسي تابع رأسًا للمقيم العام، ولم يخجل وزير خارجية فرنسا «روبير شومان» عندما استشهد بالمعاهدات التي خرقها بقوله في تصريحه أمام المجلس القومي الفرنسي يوم ١٩ يونيو ٥٢، عندما ادعى أن الأمن الداخلي بالقطر التونسي من اختصاصات فرنسا، مع أن البند الثاني من معاهدة باردو لم ينص إلا على احتلال القوات العسكرية الفرنسية للمراكز التي تراها صالحة لاستتباب النظام والأمن بالحدود والسواحل، ومن قال الحدود والسواحل إنما يقصد الدفاع عن الأمن الخارجي قبل كل شيء. أما الأمن الداخلي فهو من مشمولات الحكومة التونسية؛ إذ لا يُعقل ولا يُتصور أن تحكم أية حكومة في بلاد من غير بوليس.

وقد أحدث المقيم العام أثر إصلاحات ٨ فبراير ١٩٥١ — من غير مصادقة الباي ولا اطلاع الحكومة التونسية — إدارة الأمور السياسية والإدارية التي أصبحت تُشرف في الواقع على جميع الهيكل الإداري التونسي.

ومن أعجب المهازل الاستعمارية أن المقيم العام هو الذي يتوج الملك مباشرة، ويجلسه على عرش آبائه وأجداده؛ ليوهمه أن فرنسا هي صاحبة الحق في أن تُبوئ من تشاء على عرش تونس. وقد احتج على هذا الإجراء المغفور له الهادي باي عندما فاجأه المقيم العام لأول مرة بهذا الاعتداء.

وفصلت فرنسا مناطق الجنوب التي تقدَّر بثلث القطر التونسي عن بقية الوطن ووضعتها تحت الحكم العسكري المباشر، وبتصرف ضباط فرنسيين تابعين لقائد الاحتلال، وأناطت إدارتها بالمقيم العام.

وينوب عن المقيم العام في المناطق الجهوية المختلفة والمقاطعات الترابية التونسية المراقبون المدنيون، وقد كانت مهمة هؤلاء الموظفين الفرنسيين في أول الأمر تقتصر على رقابة العمال التونسيين (المتصرفين) والتأشير على مكاتباتهم، وبصفتهم رجال الرقابة الفرنسية يخضعون في أنظمتهم إلى نصوص قانونية فرنسية، ويتلقون تعليماتهم من المقيم العام، وأصبحوا طبق مشمولات وظيفتهم أصحاب الإدارة الحقيقية في النطاق المحلي. وبعد أن كانوا مراقبين للعمال فقط صاروا مستشارين لديهم، ثم عوضوهم شيئًا فشيئًا في القيام بمسئولياتهم، وبات النفوذ كله بأيديهم؛ كلمتهم لا تُردُّ وسلطتهم في الواقع لا تحدُّ وكأنهم ملوك الطوائف في سيطرتهم، وتحكُّمهم لا يطاق؛ خصوصًا وأن البوليس لهم والجيش تحت تصرفهم.

وإن الأمر العلي (المرسوم الملكي) المؤرخ في أبريل ١٩٣٨ قد مكن المقيم العام من سلطان قوي واسع له بمقتضاه أن يقرر وضع حالة الحصار في أية جهة من القطر وفي أي زمان شاء، وله أن يطبق قراره فيمكن له إذ ذاك أن يتخذ ما يراه صالحًا من طرق الاضطهاد من استخدام القوة المسلحة ومن إلقاء القبض على من يريد، وسجن من يريد، ومن تفتيش المحالِّ العامة والخاصة سواء في النهار أو في الليل، ومن إحالة التونسيين إلى المحاكم العسكرية الفرنسية حيث يحاكمون طبق المجلة الجنائية الفرنسية. بينما النظام العدلي المادي المطبق على التونسيين مستمد من مجلة جنائية تونسية أصدرها ملك البلاد.

(٤) الهيئات النيابية

ليس لتونس هيئات نيابية سياسية، وإن تونس تعيش منذ ١٥ مايو ١٩٥١ من غير مجالس نيابية أصلًا، وكانت المجالس النيابية لغاية ذلك التاريخ (المجلس الشوري من ١٩٠٧ إلى ١٩٢٢، والمجلس الكبير من ١٩٢٢ إلى ١٩٥١) هيئات استشارية ذات اختصاص محدود لا يتعدى النظر في الميزانية.

وقد تكونت أيضًا غرف استشارية ذات اختصاص فني فقط تمثل المصالح الاقتصادية (كالغرف التجارية والغرف الفلاحية وغرفة المناجم وغيرها).

وقد تأسست أخيرًا بلديات منتخبة في مدن القطر التونسي، ولم يعترف شعب تونس بها؛ لأن الفرنسيين ممثلون بها مع أنهم أجانب.

ولكن هذه المؤسسات كلها فاسدة من أصلها؛ لأن اختيار أعضائها مقام على قاعدة منافية للديموقراطية، ولأن اختصاصها ضيق هزيل، فتونس محرومة من هيئة نيابية مؤسسة على دستور يسمح لها أن تأخذ مسئوليتها البرلمانية التي أصبحت ضرورة حتمية في كل دولة عصرية.

(٥) المجلس الكبير

وهو مجلس استشاري مركب من قسمين:
  • القسم التونسي: يتكون من ٥٣ عضوًا يمثلون ثلاثة ملايين ونصف مليون من التونسيين، ينتخبون من الدرجة الثانية من طرف نواب لا يشارك في اختيارهم إلا عدد ضئيل من السكان. وإن الإدارة الفرنسية تحتاط في اصطفاء الناخبين والمنتخبين لكي تبعد كل مرشح لا يروقها.
  • أما القسم الفرنسي: فهو يتركب من ٥٣ عضوًا يمثلون ١٥٠ ألف فرنسي، وانتخابهم عام سنوي.

ويستشار المجلس الكبير في النصوص الرسمية المتعلقة بالأمور المالية والاقتصادية والاجتماعية، ولكن آراءه واقتراحاته لا تفيد الحكومة في شيء، ويمكن له أن يقدم ببعض التوصيات لتبديل المراسيم المعمول بها، ولكن كل مناقشة حول المواضيع السياسية والدستورية محجرة عليه تحجيرًا باتًّا (البند ٤٠ من مرسوم ١٥ ديسمبر ١٩٤٥)، وكذلك يخرج عن اختصاصه النظر في مصروفات الإقامة العامة والمحاكم الفرنسية والأمن العام.

وأما في الميدان المالي فلا تكون توصيات في المجلس الكبير محل اعتبار إلا إذا اتفقا عليها جميعًا، وأن توافق عليها الحكومة الفرنسية (البند ٣٥ من نفس المرسوم)، وزيادة على ذلك فإن مصادقة وزير الخارجية الفرنسية على الميزانية التونسية ضرورية قبل أن يصدرها الملك بمرسوم.

وإذا اختلف القسمان، فالمرجع هو اللجنة العليا للميزانية التي تنظر في نقط الخلاف تحت رئاسة المقيم العام، الذي يكون صوته راجعًا. (مرسوم ٨ فبراير ١٩٥١).

ولم يقع تجديد المجلس الكبير عندما انتهت مدته بتاريخ ٩ ديسمبر ١٩٥١.

ولقد أعلمت الحكومة الفرنسية حكومة تونس أثناء المفاوضات بباريس، برغبتها في المحافظة مؤقتًا على النظام الحالي للمجلس الكبير ريثما يتكون برلمان فرنسي تونسي.

فأجابت الحكومة التونسية بأن مشاركة الفرنسيين المقيمين بتونس في برلمان تونسي يعتبر اعتداء جديدًا على السيادة التونسية، فاحتفظت بالموقف الذي اتخذته في مذكرة ٣١ أكتوبر، أي بوجوب تكوين برلمان تونسي بحت حسب رغبة الشعب التونسي بأسره وإرادة الملك الواضحة التي عبر عنها في خطاب ١٥ مايو ١٩٥١.

(٦) خاتمة

إن تلك النظم التي فرضتها الحماية الفرنسية على الدولة التونسية وإدارتها، هي الهيكل الاستعماري الأكبر وعنوان الحكم الفرنسي المباشر.

فرأت الحكومة الوطنية من الضروري التخلص من تلك النظم، وتعويضها بأخرى تمكن الشعب من استقلاله وممارسة حقوقه.

وأجمعت إرادة الملك والشعب على أن يكون ذلك التغيير بالطرق السلمية وباتفاق مع الحكومة الفرنسية، وتحقيقًا لتلك الغاية تكونت وزارة دولة محمد شنيق للتفاوض مع فرنسا لإدخال التحويرات اللازمة على النظم التونسية للسير بتونس نحو استقلالها.

١  كتاب «هذه تونس» تأليف الدكتور الحبيب ثامر، ص٢٦.
٢  كتاب «هذه تونس» للدكتور ثامر، ص٢٤ و٢٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١