المفاوضات بين تونس وفرنسا

(١) المفاوضات

لو جمعنا الخطب الرسمية وشبه الرسمية التي ألقاها الساسة الفرنسيون في شأن تونس لملأنا مجلدات، فمن رئيس للجمهورية الفرنسية ووزراء وممثلين ومقيمين عامِّين وموظفين سامين! كلهم يتحدثون عن حقوق الإنسان ورسالة فرنسا التمدينية وصداقتها للعرب والمسلمين، فيكثرون الكلام. ولو حققوا جزءًا صغيرًا ونزرًا يسيرًا مما قالوه، لأصبحت تونس جنة النعيم، يتآخى فيها الذئب والخروف، ويتعانق القط والفأر. وقد زالت الفوارق بين البشر، وانمحى التفوق العنصري، واضمحلت الامتيازات بأنواعها، ونسخت القوانين الزجرية الاستثنائية، وقهر الظلم والفقر والجوع والجهل والأمية والمرض.

كانوا وما زالوا يكيلون للتونسيين الكلام العذب المعسول كيلًا وافرًا من غير حساب، والشعب التونسي ينظر إليهم نظر المتعجب من غرورهم وهذيانهم بعد أن افتضح أمرهم وظهرت حقيقتهم، واطلع الرأي العام العالمي على فظاعة استعمارهم ومنتهى جبروتهم وطرق تعسفهم واضطهادهم.

ولم يرسلوا الكلام على عواهنه والخطب المسهبة الطويلة طوع الخاطر وانقيادًا لخيال الساعة، بل التزم الكثير من أصحاب المسئولية في السياسة الفرنسية بوعود رسمية قطعوها لتونس باسم حكومتهم، وأسرفوا في الوعود كما أسرفوا في الخطب من قبل ومن بعد، وكرروها المرة تلو المرة، وجددوها في كل مناسبة ومن غير مناسبة، وأكدوها الواحد تلو الآخر.

لقد اختار الجنرال ماسط الوزير المقيم العام لفرنسا بتونس مسجد القيروان الذي أسسه الصحابي الشهيد عقبة بن نافع فاتح المغرب، ليقيم به مهرجانًا عظيمًا قصد إكساء خطابه الرسمي ضربًا من القدسية؛ لما فيه من وعود وثيقة للتونسيين، وهو أول مقيم عامٍّ جاء تونس بعد الحرب العالمية، فأقام ذلك الاحتفال في نوفمبر سنة ١٩٤٢، وقال باختصار إنه ينبغي ألا تقتصر فرنسا على الإصلاحات التي أُنجزت، ثم بيَّن ما ستنجزه في العبارات الآتية:

إن فرنسا ستحدد في الأشهر المقبلة الدستور التأسيسي لهذا المجموع العظيم من الشعوب والأراضي التي ستكون الوحدة الفرنسية، وسوف لا تتأخر عن إرضاء رغائب التونسيين المشروعة المعقولة.

وكرر الجنرال ماسط نفس الوعود في مدينة القيروان بعد ثلاث سنوات، واتصل بالحركة القومية التونسية اتصالًا غير مباشر، ثم تقابل مع الأمين العام للحزب الحر الدستوري التونسي مقابلة دامت سبع ساعات في بيت المعمر الفرنسي دورتولي Dortoli عرض فيها ما تراه الحكومة الفرنسية من إصلاح، وأوضح اتجاهها العميق لسياستها بتونس، ويظهر من كلامه أن فرنسا مستعدة لتضحية قسم كبير من جاليتها وخاصة الموظفين وإبدالهم بتونسيين بعد مدة وجيزة، وهي مستعدة أيضًا لتعترف بالاستقلال التام لتونس وتتبنى إدخالها كعضو في هيئة الأمم المتحدة، كما أنها لا ترى مانعًا من انضمامها لجامعة الدول العربية، ولكنها لا تريد أن تضحي بالمصالح المالية الكبرى التي لها بتونس؛ ولذا تشترط شروطًا لضمان هذه المصالح لا يمكن بحال أن تتنازل عنها؛ أولًا وقبل كل شيء: أن ينص دستور الدولة التونسية على أن وزير المالية التونسية لا يكون إلا فرنسيًّا يتمتع بسلطات معينة ليتمكن من حفظ هذه المصالح المالية، وكذلك يحتفظ الفرنسيون لأنفسهم ببعض المناصب الحيوية، فيكون لهم الحق في توجيه السياسة التونسية والاقتصاد التونسي والمالية التونسية، وطلب الجنرال ماسط من ممثل الحزب أن يعرض اقتراحاته على الوطنيين، فأسرع الحزب إلى جمع نواب عن جميع الهيئات والمؤسسات والمنظمات القومية، وانعقد المؤتمر التاريخي مساء ٢٦ رمضان/٢٣ أغسطس ١٩٤٦، فتجلت فيه وحدة الشعب التونسي وإجماعه على فكرة واحدة، هي العمل لتحقيق الاستقلال التام.

وهاجمت قوات البوليس والجيش الفرنسي المؤتمر في مقر اجتماعه، وألقت القبض على أبرز أعضائه وزجت بهم في السجن العسكري. ولما افتضح الجنرال ماسط وخاب خيبته المرة — إذ اجتمع ذلك المؤتمر لينظر إلى اقتراحاته — وظهر التناقض في أقواله وأعماله، عزلته الحكومة الفرنسية وعينت مقيمًا عامًّا جديدًا بدلًا منه.

ولم تطأ قدم «مونص» أرض تونس حتى جدد في خطبه وتصريحاته الوعود فقال: «إنه لمن الخطأ أن نعتقد أن في عالمنا الحاضر الذي يقاس بمقياس القارات يمكن لتونس أن تسير وحدها وأن تستغني عن مساعدة فرنسا، ولكن من الجنون أن نفكر ونعتقد أن فرنسا الكريمة الوفية المخلصة لرسالتها ينبغي لها أن تؤجل لمدة طويلة التطورات التي وصفتها بأنها ضرورية.» ولكن «التطورات الضرورية» لم تخرج إلى عالم الوجود! وكانت كالجبل الذي ولد فأرة. واقتصر عمل «مونص» على تكوين وزارة تونسية جديدة اختار أعضاءها من بين أصحاب المهن الحرة، وأسند رئاستها إلى مصطفى الكعاك، وفرضها على جلالة الملك فرضًا. فأضحت الوزارة الكعاكية تمثل في نظر التونسيين الخضوع والخنوع والاستسلام للاستعمار الفرنسي، وقد أحرزت بسرعة فائقة على لعنة الشعب وغضب الملك واحتقار الفرنسيين أنفسهم، وتسربل أعضاؤها عارًا لا يُمحى وخسة لا تُنسى، وفضيحة ستصحبهم ما عاشوا. وقد أعرض عنهم الملك إعراضًا تامًّا، واتصل بقادة الشعب وأبلغهم إرادته السامية وأعلمهم رسميًّا «أن تونس لن تنضم إلى الوحدة الفرنسية وأنا جالس على عرشها.» واهتز الشعب فرحًا وحماسًا عندما اطلع على هذا التصريح الرسمي في الصحف الوطنية، وهو يعلم حق العلم أن الدخول في الوحدة الفرنسية هو اضمحلال للقطر التونسي ومحو لعروبته وتنكُّر لتاريخه؛ لأن الوحدة الفرنسية هي الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، غيرت اسمها لتغرَّ العالم وحافظت على جوهرها وكنهها، فيها رقُّ الشعوب واستعباد الأفراد ومسخ البشر، ظاهرها رحمة وباطنها شر وعذاب. انضمت إليها الجزائر قهرًا وقسرًا، فعرفت الديمقراطية المزيفة وتزوير الانتخابات، وفقد أهلها كل ضمان لحياتهم وأرزاقهم وحريتهم، وقُتل منهم في مايو ١٩٤٥ أكثر من أربعين ألفًا في مجزرة سطيف الشهيرة عندما أرادوا أن يشاركوا الفرنسيين في عيد النصر على النازية، في عيد تحرير البشرية من الظلم والخوف والاضطهاد والتفوق العنصري، فلم يرحم الفرنسيون شيخًا ولا امرأة حاملًا ولا طفلًا ولا رضيعًا.

ودخلت جزيرة مدغشقر في الوحدة الفرنسية فقُتل من أبنائها مائة ألف أو يزيد؛ ليعلموا علم اليقين أن طعم الحرية محرم على غير الفرنسيين في الوحدة الفرنسية.

وشاركت فيها أيضًا بلاد فيتنام (الهند الصينية)، وإذا بفرنسا تنكث ما تعهدت به إليهم وتشنها عليهم حربًا ضروسًا لا تُبقي ولا تذر، تريد إخضاعهم من جديد لسيطرتها الاستعمارية، فصبروا وثبتوا، وما زالوا يقاسون منذ سبعة أعوام تلك الحرب الطاحنة.

فمن البديهي إذن أن ترفض تونس رفضًا باتًّا نهائيًّا الانضمام إلى تلك الوحدة، وإذا بالمقيم العام الفرنسي يُبرق ويُرعد، وينسى وعوده الخلابة، ويناقض كلامه المعسول، ويصدر أوامره بمحاصرة قصر الملك المعظم محمد الأمين الأول، ويسير إليه مخفورًا بالجنود المدججين بالسلاح متوعدًا مهددًا طالبًا منه باسم الحكومة الفرنسية أن يكذب ما نشر من تصريحات على صفحات الجرائد الوطنية فيما يتعلق برفض جلالته للوحدة الفرنسية، فأجابه جلالة الملك بهدوئه المعهود وحكمته وبيانه الواضح: «كيف أكذب قادة الشعب وقد كانوا أمناء فيما نقلوه عني؛ لم يغيروا الكلم عن مواضعه ولا زادوا حرفًا واحدًا إلى ما قلته لهم، بل كانوا واسطة خير وصدق، وهذا هو موقفي لن أغيره أبدًا.»

وكانت فرنسا تقوم بدعاية واسعة النطاق في صحفها وإذاعتها، وفي محادثات ساستها مع التونسيين وخطب المسئولين من رجالها؛ لتهيئ الجو السانح لإدماج تونس في الوحدة الفرنسية. وكان بعض وزرائها يصرحون من حين إلى حين بأن تونس قد أُدمجت فعلًا، ويستخدم آخرون طرقًا منعرجة ملتوية لإقناع جلالة الملك بوجوب قطع تلك الخطوة الضرورية على دعواهم. ولكن رد الفعل من طرف الشعب التونسي ومليكه كان يشتد ويقوى، إلى أن يئست فرنسا تقريبًا من تطبيق تلك الفكرة.

وكانت دعايتهم تعتمد على الإغراء وإحياء الآمال الجسام، فيذيعون بأن تونس تحصل على جميع رغباتها الوطنية لو انضمت إلى تلك الوحدة، من دستور ديمقراطي وحرية واستقلال، وأنها تحرم نفسها من تلك النعم كلها برفضها الباتِّ.

والأغرب أن قسمًا من الرأي العام الفرنسي اعتقد ذلك؛ لأن الحرب العالمية الثانية أحدثت في فرنسا تيارات سياسية جديدة وقوَّت بعض التيارات القديمة، كما أدخلت اضطرابات على التقاليد القديمة وقوضت الكثير منها، فشهد ساسة فرنسا أن الاستعمار أصبح مبغوضًا ممقوتًا في العالم بأسره، وأنه عار وشَين ووصمة في جبين الأمم الراقية والدول الكبرى، فلم يسعوا إلى غسل هذا العار، ولا إلى محو هذه الوصمة، بل اقتصروا على إسدال ستار شفاف عليها، واقتنعوا بتغيير بعض الأسماء واحتفظوا بالمسميات، فعوضوا لفظة الإمبراطورية الفرنسية بلفظة الاتحاد الفرنسي، وبدلوا كلمة حماية ومستعمرة بكلمة دول مشاركة، ووضعوا في دستور فرنسا نفسه بنودًا تعطي حقوقًا واسعة للأقطار التابعة لها، ولكنهم حرفوا تلك البنود وشوهوها عند التطبيق واستمروا في سياستهم التقليدية، وكانت الحالة العامة بفرنسا وميل بعض الأحزاب الفرنسية إلى تفهم الوضع بتونس، مما شجع قادة الحزب على الاتصال رأسًا بالشعب الفرنسي والقيام بدعاية واسعة عميقة بفرنسا؛ لكسب عواطف قسم من الفرنسيين على الأقل، ولإقناع المسئولين بوجوب توجيه جديد لسياستهم بتونس.

وكلف بتلك المهمة الشاقة زعيم تونس ورئيس الحزب الحر الدستوري ومؤسسه الأستاذ الحبيب بورقيبة، فبعد رحلة إلى الشرق والغرب استغرقت أعوامًا، وبعد أن اتصل بالشعب التونسي في اجتماعات عامة عقدها في جميع أنحاء القطر، سافر إلى باريس في أوائل عام ١٩٥٠، وكان يعمل ليلًا ونهارًا متصلًا بالصحافة والأحزاب والهيئات الرسمية والمنظمات والشخصيات ورجال الحكومة، وكان لتصريحاته المتوالية صدًى عميق وانتشار واسع في جميع الصحافة الفرنسية التي أخذت تدرس المشكلة التونسية درسًا مستفيضًا؛ تستقي من آرائه تارة وتنقدها تارة أخرى، وتعلق التعليقات المفيدة الدقيقة على تلك الأفكار الجديدة الناضجة، فما هو منطق الحبيب بورقيبة؟ وما سر سحره وسبب نجاحه في إبلاغ رسالته؟ تتلخص أقواله للفرنسيين في بعض المسائل الجوهرية.

نحن لا نريد قطع العلاقات مع فرنسا، بل نسعى لتبديلها تبديلًا يتمشى مع تطور تونس والعالم لنضمن لها البقاء. إن الروابط بيننا وبينكم كانت وما زالت روابط الغالب مع المغلوب والسيد مع المسود والمولى مع عبده، وقد بلغ شعب تونس من الرقي والوعي القومي درجة جعلته أهلًا ليتصرف في شئونه قادرًا على تسيير أموره والتحكم في مصيره، وأصبح لا يتحمل الحكم الفرنسي المباشر ولا الاستعمار مهما يكن نوعه، وهو يعلم علم اليقين أنه سيحقق استقلاله وسيتحرر كما تحررت الشعوب الشرقية كلها تقريبًا، ولكنه يخير أن يبلغ غايته باتفاق وتعاون مع فرنسا، فتعوض الروابط البغيضة الحالية بروابط بين شعبين مستقلين، وندَّين متساويين، ودولتين صديقتين، خاصة ونحن نعتقد أن مصالح فرنسا العليا ومصالح تونس لا تتعارضان ولا تتناقضان، بل يمكن التنسيق بينهما والمحافظة عليهما جميعًا، والشعب التونسي مستعد ليقدم من الضمانات الكافية ما يكفل المصالح المشروعة لفرنسا والفرنسيين ما لم تتصادم مع حرية تونس.

إن تونس تحتاج إلى رءوس أموال لاستثمار ثروتها وبناء هيكلها الاقتصادي، وإلى فنيين وأخصائيين، فلماذا لا نستعين في ذلك كله بفرنسا والفرنسيين، إذا ما وصلنا إلى التفاهم والاتفاق؟! فيحل الود محل التنافر، والصداقة محل الخصومة والبغضاء، وتصفو القلوب، ونكوِّن هكذا جوًّا صالحًا للعمل المثمر والرقي والازدهار.

ولا ننكر أن هذه التجربة العظيمة تتطلب الجرأة من المسئولين الفرنسيين، والتجديد في التفكير السياسي؛ لما فيها من اتجاه لم يسبق له نظير في علاقات فرنسا بالشعوب التابعة لها، وأن نجاحها يعبِّد الطريق ويفتح أبوابًا للمستقبل؛ لأنه يدل على أن فرنسا وجدت الحل الواقعي لأكثر المشاكل التي تجابهها في البلدان الخاضعة لسلطانها.

ثم عرض الحبيب بورقيبة على الرأي العام الفرنسي حلًّا عمليًّا للمشكلة التونسية طِبق برنامج يحتوي على بنود سبعة، ترمي إلى إنهاء الحكم الفرنسي المباشر وتسليم النفوذ والسلطات إلى أيدي التونسيين:
  • (١)

    إرجاع السيادة التونسية.

  • (٢)

    تشكيل حكومة تونسية من التونسيين فقط يسيرها وزير أول تونسي يعينه الباي.

  • (٣)

    إلغاء منصب الكاتب العام للحكومة التونسية.

  • (٤)

    إلغاء مناصب المراقبين المدنيين الفرنسيين.

  • (٥)

    إلغاء الدرك الوطني الفرنسي.

  • (٦)

    تشكيل هيئات بلدية تكون المصالح الفرنسية ممثلة فيها.

  • (٧)

    تشكيل مجلس وطني منتخب انتخابًا عامًّا مكلف بإعداد دستور يحدد العلاقات التي ينبغي أن تكون في المستقبل بين تونس وفرنسا، والتي يجب أن تقام على احترام متبادل للمصالح المشروعة للبلدين.

وكان لأقوال الحبيب بورقيبة تأثير عميق في جميع الأوساط الفرنسية؛ لأنه أجبرهم على التفكير الجدي في حل مشكلة تونس وبقية المشاكل الاستعمارية، وعلى السعي في الخروج من سياسة فرنسا التقليدية، واقتنع بعض المسئولين في الحكومة الفرنسية نفسها بوجوب هذه التجربة، فوجدت فرنسا نفسها أمام قوتين متناقضتين: قوة الشعب التونسي المنظم الصفوف المتوحد الكلمة العازم على نيل حقوقه، وقوة الجالية الفرنسية المتشعبة بالروح الاستعمارية المتمسكة بامتيازاتها الفاحشة التي بقبضتها حياة البلاد كلها، ومقاليد الأمور بأجمعها، لا تريد التنازل لأصحاب البلاد عن أي نفوذ، ولا أي جزء منه، والتي تخشى كل تبديل وتمقت كل تغيير وتخاف كل تطور، بل غايتها الوحيدة هي المحافظة على الوضع الراهن؛ لأنه يمكنها من الاستيلاء والإثراء ولا يكلِّفها عناء ولا تضحية، فهل تتمكن الحكومة الفرنسية من التوفيق بين هاتين القوتين؟ وهل تقدر على إقناع جاليتها المحفوظة بأن عصر التفوق العنصري والاستعمار والاستعباد واستثمار جهود الغير وبلادهم قد انقضى وفات؟ وهل يمكن للجمهورية الفرنسية أن تكون حكمًا عادلًا في تلك القضية؟ وهل في استطاعتها أن تبدل نفسية الفرنسيين وما جبلوا عليه من المحافظة على جميع ما لديهم من مال وامتيازات كاملة، ولو جرهم ذلك إلى الهاوية فيفقدون كل شيء؛ لأنهم لا يريدون التنازل عن بعض الشيء.

ولقد فهم بعض الساسة الفرنسيين أن الحزب الحر الدستوري مكَّن فرنسا من فرصة يعز وجودها؛ لأنه أعلن بصراحة وجرأة أنه يخير استخدام قوات الشعب التونسي ومنظماته العتيدة للتشييد والبناء لا للتخريب والتهديم، ويريد تحقيق رغائب تونس بطريق المفاهمة والمفاوضة والإقناع، وهو مقتنع بأن الاستقلال آتٍ لا ريب فيه؛ ولذا يريد الاحتفاظ بقوات الشعب الفعالة لإقامة دولة عصرية كاملة وإحياء البلاد واستثمارها لفائدة جميع أبنائها والعمل على رقيها المادي والأدبي وتدعيم الحرية والعدالة الاجتماعية ومساواة المواطنين جميعًا في الحقوق السياسية وأمام القانون.

وأصبح أمام فرنسا طريقان لا ثالث لهما: إما إرضاء الرغبات الوطنية، وإما السعي في القضاء على الحركة القومية. ولكنها لم تقدر على اختيار خطة واضحة، وبقيت مترددة مستسلمة للظروف، لا تقدِّم رِجلًا ولا تؤخر أخرى، فكانت سياستها تشبه سني المشط تعلو وتسقط، فزادت الحالة ارتباكًا والمشكلة تعقيدًا، واستفحلت الأزمة بتونس وتململ الشعب وحنق. وكان جلالة الملك محمد الأمين يطالب ممثلي فرنسا بإنجاز ما وعدوا به، وتحقيق ما تعهدوا به، فلما رأى تقاعسهم واضطراب كلامهم كاتب رأسًا رئيس الجمهورية الفرنسية ليضع فرنسا أمام مسئوليتها ويطلعها على الخطر الداهم ووجوب تداركه قبل فوات الأوان، وتعد هذه الرسالة المؤرخة في ١١ أبريل ١٩٥٠ مرحلة تاريخية في العلاقات بين تونس وفرنسا، يقول فيها:

صديقي العزيز

اعتبرنا قوانين التطور البشري الذي لا يمكن أن يتجاهلها الإنسان من غير أن يثير أزمات، ينبغي تجنبها بأي ثمن كان والاحتياط لها قبل وقوعها، فرأينا من واجبنا المقدس نحو رعايانا المخلصين أن نكلف ممثل فرنسا لدينا أثناء حفلات رسمية وفي مرتين اثنتين، بأن يحيطكم علمًا برغبتنا الملحة في تحقيق إصلاحات جوهرية لإيجاد حلٍّ مرضٍ لجميع المشاكل المتولدة من النظام الحالي الذي يسود تونسنا العزيزة الآن في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وإن شعبنا الذي يخضع لتيار التطور والتقدم المشترك بين الشعوب، قد برهن أيضًا بصفة محسوسة عن نيته في أن يكون لجانب شعب فرنسا النبيل أثناء الحربين الكبيرتين لكي يساهم في انتصار الحق وتمكين مبادئ السلم والوفاق والكرامة والرفاهية للجميع.

وتلك هي الغايات السامية التي يصبو إليها شعبنا الشاعر شعورًا كاملًا بحقوقه وواجباته.

وحيث لم يأتِ رد إلى هذه الساعة على ما قدمناه مرتين، وخشية أن ينقلب الضجر الذي ظهرت بوادره في شعبنا يأسًا يكون سببًا في إحداث ما نريد تجنبه، أسرعنا إلى مخاطبة معاليكم رأسًا.

وإن يقيننا لوطيدٌ في أنكم ستتفضلون بإعارة كامل اهتمامكم لهذه المشكلة الخطيرة، لإيجاد حل لها تفرضه الحالة العالمية وتمليه ما بين بلادينا من صداقة صادقة وثقة متبادلة.

وكان لتلك الرسالة مفعولها الحاسم في اتجاه السياسة الفرنسية؛ إذ كلفت الحكومة الفرنسية ممثلها بتونس جان مونص بدرس مشروع إصلاحات جوهرية وبتهيئة الجو اللازم لها، ولكن الجالية الفرنسية شنت حملات شديدة بمجرد ما شعرت باتجاهه الجديد، وضيقت عليها الخناق، وهاجمته مهاجمة لا رحمة فيها ولا هوادة، وحاكت له بباريس مؤامرة ذهب ضحيتها، فعوضته الحكومة الفرنسية إذ ذاك بمقيم عامٍّ آخر «بريليه» مهمته تطبيق ما وضعه «مونص» من مشروعات. وذهب وزير الخارجية «روبرت شومان» بنفسه للاحتفاء به في منصبه القديم كمتصرف أعلى لمقاطعات شرق فرنسا، وألقى خطابًا بمدينة «تيون فيل» صرح فيه بأن الهدف النهائي للسياسة الفرنسية في تونس هو تحقيق استقلالها، فقال حسب ما نشرته الصحف الفرنسية بتونس، وخاصة «لابريس» و«البتي متان»، بتاريخ ١١ يونيو ١٩٥٠:
في هذا المساء الذي يقوم فيه مسيو بريليه بآخر عمل بصفته متصرفًا أعلى عندما استقبل أعضاء البرلمان، يمكننا أن نقول له إن اعترافنا بالجميل لعظيم، وأريد أيضًا أن أعبر عن كبير تقديرنا لمن يسعى في إدراك مقاصدنا فيفهمها فهمًا صحيحًا؛ إذ ذلك الفهم سر الاتحاد الفرنسي، وستكون للمسيو بريليه Perillier في وظائفه الجديدة رسالة فهم تونس وقيادتها نحو ازدهار تام لثروتها وإيصالها إلى استقلالها الذي هو الهدف النهائي لجميع الأقطار المشمولة في الاتحاد الفرنسي، ولكن ضرورة فترات من الزمن وآجال تتعاقب أمر حتمي، فإن نجح هذا العمل فإن فرنسا تكون قد قامت من جديد برسالتها التمدينية خلال تاريخها الطويل.

فأحدث هذا الخطاب رجة عميقة في الأوساط الاستعمارية والأوساط الوطنية التونسية أيضًا، لقد صرحت فرنسا للمرة الأولى على لسان المسئول عن سياستها بتونس أي وزير خارجيتها بأن هدفها هو استقلال تونس، وكان زعيم الحركة القومية الأستاذ الحبيب بورقيبة مقيمًا إذ ذاك بباريس فعلق على خطاب شومان بقوله: الآن اتفقنا تمامًا مع فرنسا على الأسس والمبادئ ولم يبقَ إلا الشروع في المفاوضة لإنجازها وتطبيقها، ولكن المستعمرين وأصحاب الامتيازات والمصالح من الفرنسيين أسرعوا إلى مهاجمة وزير الخارجية بعنف وشدة ليحبطوا أعماله وينسخوا أقواله ويجبروه على نقض ما أبرمه وإخلاف ما وعد به.

وأخذ تراجعه يظهر عند مجيء المقيم العام الجديد إلى تونس، فألقى بعد وصوله بزمن قصير بتاريخ ١٣ يونيو ١٩٥٠ خطابًا طويلًا مسهبًا شرح فيه ما أجمله وزير الخارجية في تصريحه بتيونفيل فبسط القول فيما تريد فرنسا إنجازه من إصلاحات وتحقيقه من تحويرات لنظام الحكم بتونس، ولمح للغايات البعيدة تلميحًا لا يخلو من غموض فقال في مفتتح كلامه مبينًا مهمته:

سأتحدث إليكم في هذه الليلة عن هذا التعاون وأبين لكم الإجراءات التي قررت حكومة الجمهورية تحقيقها باتفاق مع الحضرة العلية، وهذه الإجراءات هي المراحل الأولى لتطور ضروري لا بد منه.

ثم وجه القول إلى الجالية الفرنسية المتعنتة في تمسكها بالحالة الراهنة وفي معارضتها لكل إصلاح حقيقي: «وفي اعتقادي أن الجمود خطأ؛ لأن كل شيء يتطور حولنا وما دام التطور ناموسًا طبيعيًّا فلست أرى كيف يمكن أن يخيف كائنًا من كان.»

وأخيرًا صرح بأن الهدف النهائي هو الاستقلال الداخلي: «ولكن من الإنصاف أن تسلك البلاد التونسية سبيلها بعد إدخال تغييرات تدريجية على منشآتها لبلوغ مرتبة الحكم الذاتي الداخلي.»

وهكذا تراجعت فرنسا في وعدها بالاستقلال قبل أن ييبس الحبر ويجف القلم الذي سُطِّر به، وإن عادتها أن تتضاءل الوعود الكبيرة وتضيق محتوياتها كلما ازدادت من الإنجاز قربًا ومن التطبيق دنوًّا.

وليست نية فرنسا أن تعطي تونس استقلالها الداخلي الناجز، بل ستسير فيه حسب مراحل متعددة ربما يطول أمدها وتتمطط آجالها، وستكون أولى المراحل تحوير السلطة التنفيذية وإصلاحها الجوهري إذ: «قررت الحكومة الفرنسية أن كيان حكومة تونس طبقًا للنظام الذي وضع لها في عام ١٩٤٧ ينبغي إدخال تعديلات عليه من شأنها تعزيز ذاتيتها وتوفير وسائل عملها وجعلها أداة رقي للمنشآت التونسية فضلًا عن كونها صالحة لسير الأمور في البلاد التونسية.

والحكومة الفرنسية عازمة على أن تبرهن على صادق عزمها على جني ثمار التطور التدريجي الذي يبلغه الشعب التونسي حتى تنمو روح الوعي السياسي وتزداد كفاءة الأهلين في إدارة شئون البلاد.»

فهل ستكون السلطة التنفيذية في أيدي التونسيين؟ أم سيبقى بعضها في قبضة الفرنسيين؟ وهل ستتكون حكومة تونسية بالمعني الكامل وتصبح الوزارة لا تشمل بين أعضائها غير التونسيين؟ أم يحتفظ مجلس الوزراء بتركيبه مناصفة بين التونسيين والفرنسيين؟ لم يُجب المقيم العام عن سؤال واحد من هذه الأسئلة ولم يوضح طريق حل تلك المشاكل.

وقد كان البند الثاني من مشروع الإصلاحات لا يقل غموضًا عن البند الأول، وهو يقرر «إشراك النخبة التونسية في إدارة شئون بلادهم؛ فإن الحكومة الفرنسية عازمة كل العزم على أن توسع في المستقبل القريب الطريق للتونسيين القادرين على القيام بأعباء المسئوليات الفنية المطلوبة عن جدارة.»

هل معنى هذا أنه سيصبح للتونسيين الحق في القيام بأعباء الوظائف العامة في بلادهم، وتحت سماء وطنهم، والواقع أن النظم الإدارية التونسية لم تبعد التونسيين عن المناصب الإدارية، ولكن الفرنسيين اغتصبوها اغتصابًا وأبعدوا عنها أبناء البلاد واحتكروها لأنفسهم، وليس إرجاع الحق لأصحابه مما يتطلب قانونًا جديدًا خاصة وأنهم لم يحرموا منه بقانون سابق، فهل يكون الإصلاح إذن إصدار مرسوم ملكي يحدد جنسية الوظيفة العامة بتونس؛ إذ لا يمكن أن تكون غير تونسية، ويحدث لها نظامًا كاملًا يكون تونسيًّا أيضًا، ذلك ما لم يتعرض له المقيم العام في خطابه.

ثم إنه تحدث عن البلديات ومنافعها عندما تصبح منتخبة فكان كلامه مجملًا أيضًا يكتنفه الغموض من كل جانب.

«إن الحكومة الفرنسية عازمة على البحث عاجلًا عن إمكانية تحقيق التطور للنظم البلدية التي تمكن السكان الذين يهمهم الأمر من المشاركة مباشرة في تسيير شئون المجتمعات المحلية لتنمية الروح القومية والحصول على تجارب في ممارسة النيابات العامة في مثل هذا الميدان تتكون الرجال.

فهم يتدربون أولًا على المسئوليات في هذا النطاق الخاص، ثم يدعون بعد ذلك لاستخدام مواهبهم في نطاق أسمى، ألا وهو نطاق الشئون العامة.»

فاحترز التونسيون؛ لأنهم لم يجدوا في هذا الخطاب ما يوافق رغائبهم، ولكنهم أمسكوا أعصابهم انتظارًا لتطور الحالة. أبدت الأوساط الفرنسية بتونس استياءها منه على ما فيه من ميوعة وغموض مقصود واستنجد ممثلوهم بباريس بأصحاب الفكرة الاستعمارية المتطرفة — وكثير ما هم — وقاموا جميعًا بحملة عنيفة على وزير الخارجية وخاصة في مجلس الجمهورية، فاضطر «روبير شومان» للدفاع عن فكرته متقهقرًا إلى الوراء، ناسيًا ما صرح به في تيونفيل، ولكنه رغم تراجعه المبين أكد وجوب الإصلاحات الجوهرية وإنهاء الحكم الفرنسي المباشر بتونس، فخطب في ذلك المجلس يوم ١٩ يوليو ١٩٥٠ قائلًا:

وإنكم محقون أيضًا في قولكم بأنه لا يمكن لنا أن نحتفظ إلى ما لا نهاية له بما يقوم به الفرنسيون بتونس من حكم مباشر، بل ذلك هو موضوع إصلاحاتها.

… ولكن لا يمكن أن نحرم تونس من كل إصلاح مدعين أنه ينبغي انتظار الهدوء في الأفكار؛ إذ رفض الإصلاحات نفسه سبب جديد لإحداث الحنق والاضطراب.

وينبغي لنا أيضًا أن نوفق بين ما نريده من محافظة على المصالح الفرنسية وبين الرغائب الشرعية للسكان التونسيين، وستتجدد نفس المشكلة في جميع البلدان الراجعة مسئولية الحكم فيها إلينا، الآخذة في التطور وإن كان بطيئًا، وقد رفعنا مستواها تدريجيًّا في الميادين السياسية والاجتماعية والثقافية.

وذلك هو العمل الصعب الدقيق الذي يواجه البرلمان والحكومة الفرنسية.

وأريد في الختام أن أجدد تعهدي بأنه ليس في نيتنا إهمال أية مصلحة من تلك المصالح سواء أكانت فرنسية أم تونسية، بل نرى أنه في الإمكان — وإذن من الواجب — التوفيق بينها، ولكن لا يمكن — كما قلتم — أن تبقى في الجمود الحالي، وما رفض الإصلاحات في الساعة الراهنة — بأي عذر كان — إلا الجمود بعينه في أسوأ الحالات.

فجدد هكذا وزير خارجية فرنسا وعوده — وإن كان فيها شيء من التراجع — وتعهد بصفة رسمية بإنهاء الحكم الفرنسي المباشر في تونس والقضاء على الركود والجمود بمسايرة التطور وضمان مصالح التونسيين.

وكان الرأي السائد في مجموع الشعب التونسي ألا تُترك الفرصة تمر من غير أن ينتهزها لكي توضع فرنسا أمام مسئولياتها؛ فإن وفت بوعودها فإن تونس تكون قد حققت رغائبها من غير كبير عناء وإراقة دماء وإضاعة وقت، وإذا نكثت تعهداتها تكون محجوجة أمام الرأي العام العالمي وأمام الرأي العام التونسي خاصة، ولم يبقَ إذ ذاك في إمكان أي تونسي أن ينتقد الحزب الحر الدستوري عندما يخوض معركة التحرير، بل يصبح الشعب بأسره — المعتدل منه والمتطرف — مقتنعًا اقتناعًا كاملًا بألا مفاهمة ممكنة مع فرنسا وأن كل مفاوضة سلمية معها آيلة إلى الفشل.

واتصل جلالة الملك محمد الأمين الأول بالقادة الوطنيين وأصحاب الخبرة السياسية من أبناء الشعب ليطلع على رأيهم في الموضوع ودعاهم إلى تحمل مسئولية الحكم ومنحهم ثقته وألح عليهم في أن يكونوا أعضاده ومساعديه؛ لأن مصلحة الوطن العليا تتطلب منهم ضربًا جديدًا من التضحية سعيًا إلى إنقاذ البلاد، فينبغي ألا يبقى جلالته وحده فريدًا فيما سيجري من مفاوضات مع الحكومة الفرنسية، بل من الضروري أن يتقدموا إلى الصف الأمامي، ومن الواجب الحتمي عليهم أن يكونوا لسان الشعب الناطق، والمدافعين الرسميين عن حقوقه، والمعبرين الصادقين عن رغائبه، وجلالة الملك من ورائهم يعين ويؤيد التأييد الكامل المطلق، فيكون هكذا قد نزع الأمانة من عنقه ليضعها في عنقهم.

ولما وجد منهم أذنًا صاغية واقتناعًا بما رسم لهم من خطة كلف دولة السيد محمد شنيق — باتفاق مع ممثل فرنسا لويس بريليه — بتشكيل الوزارة الجديدة، ثم وقع اختيار بقية أعضائها باتفاق أيضًا مع المقيم العام، فبعد مشاورات جديدة تألفت الوزارة في ١٧ أغسطس سنة ١٩٥٠.

وكانت مهمتها كما جاء في البلاغ الرسمي الصادر في نفس ذلك اليوم: «التفاوض باسم جلالة الملك في التعديلات الأساسية التي من شأنها أن تقود البلاد في مراحل متتابعة نحو استقلالها الداخلي.» وقد أصدر المقيم العام الفرنسي نفسه ذلك البلاغ بعد مناقشة استغرقت ساعات بينه وبين أعضاء الوزارة التونسية اتفقوا أثناءها بدقة تامة على معاني كل لفظة وكل عبارة جاءت فيه.

ثم ألقى الوزير الأول في ذلك اليوم خطبة تقليده المسئولية أمام جلالة الملك في الحفلة الرسمية بيَّن فيها بإيضاح أهداف الوزارة والمبادئ التي ستكون أساسًا لعملها، فكان ذلك الخطاب دستورًا لها وعهدًا في عنقها، وهو يعبر في آنٍ واحد عن الجو السياسي السائد في البلاد، ولِمَا له من قيمة ننشره كاملًا:

يا صاحب الجلالة

تتقدم الوزارة التي قلدتموها شرف مسئولية الحكم الثقيلة إلى سدتكم السامية بكامل الإجلال والتعظيم وعميق الولاء والإخلاص.

لقد شعرت جلالتكم بالمأزق السياسي الذي أصبحت فيه الإصلاحات التي أُدخلت على البلاد سنة ١٩٤٧، فبرهنتم بصورة واضحة جلية عن عزمكم على الخروج منه بإجراء إصلاحات جوهرية تتمشى مع التطورات العالمية وتطور شعبكم الوفي الذي لن ينسى مواقف مليكه المفدى، فأصبح من المحتم تطور العلاقات الفرنسية التونسية بإصلاح عميق لمنظمات الدولة التونسية.

يا صاحب الجلالة:

إن الوزارة التفاوضية الماثلة بين يديكم ستأخذ على عاتقها — حسب توجيه جلالتكم الثمين ومع تسييرها للشئون الإدارية — مهمة قيادة البلاد التونسية نحو استقلال داخلي يتسع نطاقه شيئًا فشيئًا، إجابة لرغائب أمتكم المخلصة الوفية في استرجاع السيادة التونسية بكامل حقوقها ومميزاتها والتي صرح بشرعيتها جناب وزير خارجية الحكومة الفرنسية وممثل الجمهورية الفرنسية الفخيمة.

وإن هذه المأمورية التي عهدت بها جلالتكم لوزارتكم هذه ينبغي تحقيقها على مراحل وفي أمد معقول حتى يتجلى التعاون المثمر والمبني على الثقة المتبادلة بين حكومتكم وجناب ممثل الجمهورية الفرنسية.

وستعمل هاته الوزارة معتمدة على ثقة جلالتكم الغالية وتأييد أمتكم الوفية إليها على تهيئة مشاركة شعبكم المخلص في تسيير دفة الحكم.

وسيسجل التاريخ عبرة تكليف جلالتكم لنا بقدر ما يوفقنا الله إلى إنجاز هذه الإصلاحات بما يحقق هاته الآمال.

أبقى الله جلالتكم وأيدكم بروح منه وجعلكم مفخرة العرش الحسيني الرفيع العماد.

لم تحِد وزارة محمد شفيق عن الطريق التي سطرتها لنفسها، وتابعت الجهود لتحقيق مهمتها الرئيسية في قيادة البلاد التونسية نحو استقلال داخلي يتسع نطاقه شيئًا فشيئًا أي السعي إلى استقلال تونس بطريق التفاوض مع الحكومة الفرنسية، مظهرة إرادة فعالة في إخراج الوعود الفرنسية الرسمية من حيز الكلام والخطب إلى حيز الواقع والوجود.

واهتز الشعب اهتزازًا؛ شعورًا منه بأن التجربة الجديدة ستكون حاسمة، وأملًا في أن فرنسا ربما تكون قد فهمت أن إرضاء رغائبه بطريق التفاهم أسلم لها ولتونس، وظهرت علامات الارتياح والفرح في جميع مدن المملكة وقراها؛ لأن شعب تونس كان عازمًا العزم كله على نيل استقلاله، مهما تكن الصعوبات ومهما تبلغ التضحيات، وكان السبب الأساسي لذلك الفرح الكبير ما شاهده من وحدة قوية بين تونس الشرعية الممثلة في جلالة الملك ووزارته وتونس الشعبية الممثلة في الحزب القومي، الحزب الحر الدستوري التونسي والمنظمات القومية كلها: (الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد العام للفلاحة التونسية. والاتحاد العام للصناعة والتجارة، وجامعة المحاربين القدماء التونسيين وغيرها).

وهكذا تحقق الشعب من أن طريق المستقبل قد تفتح أمامه بفضل تلك الوحدة الحقيقية المتينة، وأن تونس ستتقدم نحو استقلالها إما بالتفاهم مع الدولة الحامية — إن حققت وعودها — وإما بالدفاع عن كيانها والذود عن حقوقها وخوض معركة التحرير.

(٢) نوايا المتفاوضين

لم يندفع التونسيون إلى المفاوضة إلا بعد أن استوثقوا من التعهدات الفرنسية المرة تلو الأخرى، وبعد أن تيقنوا أن التجربة التي رضوا أن يقوموا بها ضرورية لرفع الستار عن نوايا فرنسا الحقيقية نحو تونس، ومن الملاحظ أن أعضاء الحكومة الفرنسية وممثلي فرنسا بتونس لم يعطوا كعربون على حسن نواياهم غير الوعود والكلام والألفاظ، وأن فرنسا ليست وليدة أمس، بل لها تقاليد قديمة ومبادئ سياسية أصولية توارثتها الأجيال في وزارة الخارجية قليلًا ما تحيد عنها ولا تخالفها إلا مضطرة، وقد كان أكبر سياسي أخرجته فرنسا «الكردينال ريشيليو» قد طبق تلك المبادئ وسن بعضها سنًّا، وكان يقول:١ من كانت له القوة كان في غالب الأحيان محقًا في الشئون الدولية، ويصعب على من كان ضعيفًا ألا يظهر في مظهر المخطئ في نظر أغلبية العالم، واشتهر بأنه واقعي لا تقوده عاطفة ولا تلين قلبه رحمة ولا يردعه رادع ولا يوقظه ضمير، إنما تُملي عليه أعماله كلها مصلحة الدولة؛ ومصلحة الدولة لا غير، فهو لا يكون قاسيًا لأجل القسوة ولا يكون رحيمًا ميلًا للرحمة، ولا يكون كريمًا حبًّا في الكرم، بل أعماله كلها رامية إلى غرض واحد هو تقوية الدولة وتغلبها على أعدائها بجميع الطرق والأساليب، فيرى ضرورة إخضاع القوانين لا للعدل والإنسانية، بل لحاجيات السياسة، فلم يسعَ في إكساب العدل قوة ونفوذًا بل سعى في تبرير القوة واستخدامها وإعطائها قوالب العدل، وكان ريشيليو يقول أيضًا: «من يفاوض يجد دائمًا الساعة المناسبة للوصول إلى غايته.»

إن كل من يطالع كتاب «الأمير» للمؤلف الإيطالي الشهير «مكيافيللي» يرى أن ريشيليو اتخذه قدوة يقتدي بها ويستنير بضوئها.

وقد كانت التجربة التونسية دليلًا قاطعًا على أن تعاليم ريشيليو وأستاذه مكيافيللي متحكمة في السياسة الفرنسية إلى يوم الناس هذا، وإن لم تجد في تنفيذها عباقرة يماثلون ريشيليو.

إن الساسة الفرنسيين الذين تصدوا لمفاوضة التونسيين لم يتنازلوا عن حق من حقوق تونس المغصوبة أصلًا، واكتفوا بالمناقشات في الجزئيات ربحًا للوقت وتعجيزًا لمفاوضيهم، وكأن الكاتب الفرنسي «لابرويار» عناهم في وصفه للسياسي إذ قال: «جميع نظريات السياسي وجميع مبادئه وجميع دقائق سياسته ترمي إلى غاية واحدة، وهي ألا يقع وأن يوقع غيره.» والغير هنا هي الحكمة الوطنية التونسية، وقد ظن المستعمرون أن أنجع طريقة للقضاء عليها هي الزج بها في وزارة تفاوضية لإظهارها في مظهر المستكين الراضي والمشارك المستسلم، وهي طريقة طريفة في السياسة الفرنسية الاستعمارية؛ إذ رأى الاستعمار أن أساليب القمع والشدة وسياسة الحديد والنار لم تفلح في تونس، بل زادت الحركة الوطنية التي أقيمت على دماء الشهداء انتشارًا وعمقًا حتى استعصى استئصالها وصعب مراسها.

إذا وضعنا الأقوال الفرنسية المعسولة والوعود والتعهدات الرسمية جانبًا ونظرنا إلى الواقع كما هو نرى إذ ذاك النوايا الحقيقة وأولها القضاء على الحزب الحر الدستوري بوسائل متعددة، لم تبتدئ المفاوضات حتى رأينا قوات البوليس والجيش الفرنسي يطاردون رجال الحزب في كل مكان، ويهاجمون اجتماعاته ويحتلون أماكنها، ويضيقون عليه الخناق، ويجرون مئات من أعضائه وقادته أمام المحاكم العسكرية والمدنية الفرنسية التي أخذت تصدر عليهم الأحكام القاسية، فامتلأت سجون تونس بالدستوريين، والدستور يتفاوض مع فرنسا، وقد تمسك المقيم العام الفرنسي بإبقاء الحزب الحر الدستوري منحلًّا قانونيًّا مدعيًا أن ليس له السلطة الكافية للاعتراف به، وأن الحكومة الفرنسية لم تسمح له بذلك بعد، والحقيقة أن المقيم العام كان متفقًا مع المستعمرين الكبار في تسديد أشد الضربات للحزب القومي، وقد تمسك أيضًا بجميع القوانين الاستثنائية الغاشمة التي سنها المقيمون السابقون وحرموا تونس بمقتضاها من جميع الحريات، فلا حرية للقول، ولا حرية للنشر، ولا حرية للاجتماع، ولا حرية للتنقل، بل سلاسل وأغلال وكم للأفواه، وسيف مسلول على رقاب التونسيين جميعًا، وقد كان التضييق أشد من ذلك كله؛ إذ تمسك المقيم العام بإبقاء حالة الحصار مضروبة على جميع القطر التونسي، وهي أمضى سلاح في يده، فمنذ نصبت يوم ٩ أبريل ١٩٣٨ لم تلغَ، فكان التونسيون كلهم تحت رحمتها مهددين في أرزاقهم وبيوتهم وأشخاصهم، والوزراء أنفسهم ليسوا في منجاة عنها، فهم يتفاوضون والخطر يهددهم.

فإذا كانت نية المستعمرين الأولى هي القضاء على الحركة الوطنية فإن غايتهم البعيدة من المفاوضات هي إعطاء ما اغتصبته الجالية الفرنسية من سلطات الصبغة القانونية؛ لتمكينهم من كسب حقوق في تونس لا يتمتع بها إلا المواطن التونسي، فإذا ما أصبح الفرنسيون مشاركين في مؤسسات الدولة التونسية شرعًا وقانونًا فإن الاستعمار الفرنسي يكون قد خطا الخطوة الحاسمة في ابتلاع تونس وإدخالها في الاتحاد الفرنسي، ثم جعلها جزءًا لا يتجزأ من التراب الفرنسي.

وكان الديوان السياسي دارسًا للسياسة الفرنسية عارفًا بمنعرجاتها حذرًا منها متيقظًا لتلاعبها وقد نبه الشعب كله في اجتماعات نظمها في جميع أنحاء القطر، فكان يقول: «نحن أعرف بالاستعمار الفرنسي وغاياته من غيرنا ولم نكتفِ بدرسه في الكتب والمجلات والصحف بل درسناه نحن الدستوريين في أرواحنا وأجسامنا، وما زالت بقايا التنكيل والتعذيب والسجون والمنافي ظاهرة بينة فينا، فإن برت فرنسا بوعودها وأخلصت في نواياها فإنها تكون قد ضمنت مصالحها العليا وكسبت ود شعب وصداقته، ونكون حققنا غاياتنا الوطنية واقتصدنا في قوانا وادخرناها للبناء والتشييد لا للتهديم والتخريب، وإن كانت الأخرى فينبغي أن نتهيأ لخوض معركة التحرير وأن نعد الأسباب للنصر النهائي؛ إذ لم نشارك في الوزارة للاستكانة والراحة، بل لتزيد قوتنا متانة وصفوفنا نظامًا وعملنا جدًّا وكفاحنا شدة، فينبغي أن يكون رائدنا الحذر وقائدنا اليقظة وسبيلنا العمل.»

وكان يستحيل على الاستعمار الفرنسي أن يأخذنا على غرة، فعندما تكونت الوزارة الوطنية برئاسة دولة محمد شنيق وقع في أيدي الجالية الفرنسية وداخلها الخوف وتململ الموظفون الفرنسيون، فأخذوا يعدون العدة لمقاومة حكومتهم نفسها، فأسرع المقيم العام إلى تهدئة خواطرهم وإقامة الدليل لهم على أن الحكومة الفرنسية تماشيهم في الواقع وتريد إرضاءهم، فبعث برسالة دورية إلى جميع المراقبين المدنيين يعلمهم رسميًّا أنه لم يتغير شيء في تونس وأن النفوذ كله باقٍ في قبضة الفرنسيين؛ فينبغي لهم ألا يسلموا شيئًا من السلطة إلى التونسيين.

ووقعت إثر ذلك مشادة حامية بين وزير الدولة الدكتور محمود الماطري وبين السلطات الفرنسية نتيجة لرسالة المقيم العام الدورية، وأن العمال (المديرين) والعمد تابعون لوزير الدولة إداريًّا، فغاب عامل (مدير) ماطر في إجازة وعيِّن العمدة علي بن عمارة ليعوضه أثناء غيابه، وكان هذا العمدة معروفًا مشهورًا بتعسفه للرعية وقسوته وظلمه الفاحش؛ معتمدًا في ذلك على موالاته للفرنسيين وخيانته المفضوحة لبلاده، وغدره ببني وطنه، فلم يوافق الوزير على ذلك التعويض، وعيَّن الكاهية (نائب المدير) المهبولي ليقوم بذلك المنصب أثناء غياب صاحبه، فقامت قيامة السلطات الفرنسية كلها، وتمسكت بإبقاء الخائن ابن عمارة في ذلك المركز، واستعدت لمنع الوزير التونسي بقوة البوليس والجيش من تنفيذ قراره، وأراد المقيم العام أن يُظهر للملأ أنه هو الحاكم بأمره في تونس، وأن السيطرة الفرنسية كاملة لا غبار عليها، فتحدى الوزارة التونسية، وأقام حفلة رسمية كبرى بماطر نفسها تكريمًا لعلي بن عمارة، وألبسه نيشان جوقة الشرف الفرنسية في ذلك اليوم؛ ففضح نواياه الحقيقية قبل الشروع في المفاوضات.

وبعد مناقشات طويلة مملة دامت أشهرًا حول المستشارين الفرنسيين في الوزارات التونسية لم يرضَ المقيم العام بإلغاء مناصبهم، بل أبقاهم فيها واكتفى بنقلهم من عمارات الوزارات إلى الكتابة العامة ليعينوا الكاتب العام في مراقبة أعمال الوزراء التونسيين، فما راعنا إلا والمقيم العام يلقي الخطب المسهبة الطويلة ويكرر التصريحات سواء في تونس أو في باريس بأنه أعطى ترضية كبرى للتونسيين وقام بتحوير كبير في منظمات الدولة التونسية، وخطا خطوة كبرى نحو الغاية المنشودة، وحقق لتونس المرحلة الأولى في استقلالها الداخلي، وذلك كله لمجرد نقل بعض الموظفين الفرنسيين من عمارة إلى أخرى وقال أخيرًا: «الآن وقد تم هذا الإصلاح الجوهري الكبير ينبغي أن تستريح السياسة حتى يتم هضم هذا الإصلاح» فكأن المفاوضات ابتدأت بالاستراحة من السياسة، وكان دور المقيم الفرنسي قد تم معظمه وأن واجب الشعب التونسي يقضي عليه بأن يهضم الفراغ والعدم وأن يبقى على جوعه وعطشه.

فتلبد الجو بسرعة فائقة، وتوترت العلاقات، وكادت تقطع المفاوضات، فلم يرَ المقيم بدًّا من استئنافها، وبقيت تتعثر إلى أن تم الاتفاق على بعض الإصلاحات التي صدرت بتاريخ ٨ / ٢ / ١٩٥١ فلم يتقبلها الرأي العام بارتياح. تمخض الجبل فولد فأرًا؛ فهي لم تغير الوضع ولم تنقل شيئًا من النفوذ إلى أيدي التونسيين، لقد أصبح الوزير الأول التونسي رئيسًا لمجلس الوزراء بعد أن كان يرأسه المقيم العام الفرنسي بنفسه، أما مراقبة قرارات الوزراء التونسيين فإنها انتقلت من الكاتب العام الفرنسي إلى المقيم العام الفرنسي، وقد اعتبرت الوزارة التونسية نفسها تلك الإصلاحات مجرد اتجاه جديد في السياسة الفرنسية. أما مجلس الوزراء نفسه فإنه بقي مركبًا من فرنسيين وتونسيين، وقد علق عليها الوزير الأول دولة محمد شنيق في بيان أصدره للصحافة يوم ٨ / ٢ / ١٩٥١ جاء فيه: «أما بقاء عدد من الأعضاء الفرنسيين مساوٍ لعدد الأعضاء التونسيين في مجلس الوزراء بصورة مؤقتة فإنه لا يعني أبدًا الرضا بالسيادة المزدوجة التي لا تجيزها المعاهدات ولا يبيحها الدستور الفرنسي نفسه.

ولا تقتصر فوائد الإصلاحات الجديدة على ما ذكرناه؛ فإن الاتجاه الجديد التي وجهت فيه العلاقات بين تونس وفرنسا والمبادئ التي أثبتتها هي التي تجعل الإصلاحات الجديدة — وليس محتواها الهزيل — تمهد الطريق لمراحل أخرى ستوصلنا حتمًا وبصورة تدريجية إلى الاستقلال الداخلي في نطاق السيادة التونسية.

لذلك فإنه يجب عند تطبيق الإصلاحات احترام الروح التي أملتها، وذلك بالتزام الدقة والإخلاص في تنفيذ النصوص الجديدة التي روعي في تحريرها الوضوح التام الذي لا يترك أي مجال للتأويلات الخاطئة.»

ولكن المقيم العام أسرع إلى خرق ذلك الاتفاق الجديد، ولم يراعِ الروح الجديدة وخالف تلك النصوص الواضحة الجلية، فكوَّن بالإقامة العامة نفسها إدارة استعمارية كاملة تشرف على جميع الوزارات والإدارات التونسية وتسيطر عليها؛ بدعوى أن النصوص الجديدة أعطت الحق للمقيم في الإدلاء بتوصياته على كل قرار وزاري. وإذا بتونس تخطو خطوة إلى الوراء؛ لأن مراقبة الوزراء كانت من طرف إدارة تونسية وهي الكتابة العامة، فأصبحت الوزارات والإدارات التونسية تحت إشراف ممثل فرنسا مباشرة، وقد قام المقيم العام بعمله من غير أن يستشير الوزارة التونسية، بل من غير إعلامها أصلًا، ووضعها أمام الأمر الواقع، وتمادى في تطبيق برنامجه رغم احتجاجها.

فأتت إصلاحات ٨ / ٢ / ١٩٥١ بنتيجة معكوسة، وتوقفت أثرها المفاوضات، وكانت حركة العمال تمتد وتنتظم في تلك الأثناء، وأصبح الاتحاد العام التونسي للشغل من أكبر العوامل في السياسة التونسية، ودخل إلى البوادي بعد تنظيم صفوفه في المدن، وازدادت عداوة المستعمرين له، وسعوا في وقف تياره المرة تلو المرة من غير جدوى.

وقام العمال والفلاحون التابعون لشركة زراعية فرنسية (شركة النفيضة) بإضراب، فاتخذتها السلطات الفرنسية فرصة لإفساد العلاقات بين تونس وفرنسا لكي لا تستأنف المفاوضات، ولكي تضرب الاتحاد ضربة شديدة تعطل سيره، فاستنجد المراقب المدني بالقوات الفرنسية وأرسلها حالًا لتلك المزرعة، مناقضًا بعمله وعود المقيم الصريحة لوزير الشئون الاجتماعية بأنه سيعطيه الوقت الكافي لحل تلك المشكلة بطريقة سلمية، وأنه لا يسمح باستخدام القوة إلا بعد الاتفاق معه، ففوجئت الوزارة التونسية بأخبار مأساة جديدة؛ إذ اقتحمت القوة المسلحة النفيضة وصادمت العمال وأطلقت عليهم النيران من غير سابق إنذار، وتتبعتهم إلى وسط مدينة النفيضة نفسها قتلًا وتشريدًا، وكان من بين الشهداء امرأة حامل.

فاهتزت البلاد التونسية كلها لذلك الحادث المريع، وأعلنت إضرابًا عامًّا يوم دفن الشهداء، وسار وراء نعشهم نجل الملك والوزراء وقادة الحركة الوطنية والهيئات والمنظمات القومية الكبرى ووفود جميع مناطق القطر التونسي.

واستخلصت الوزارة التونسية درسًا مفيدًا من واقعة النفيضة؛ إذ ظهر لها جليًّا وجوب استسلام قيادة قوات الأمن من يد الفرنسيين، فلا يمكن للحكومة التونسية أن تحكم ما دامت تلك القوات خارجة عن نطاق نفوذها، فيتخذها المستعمرون أداة شغب يعينون بها كل من يناوئ تونس.

وأحيت تلك المأساة حزازات في النفوس بثت الريب والشكوك، وإذا بأخبار مراكش تزيد النفوس حماسًا؛ فقد حاصرت القوات الفرنسية السلطان سيدي محمد بن يوسف بقصره في مدينة الرباط، وهدده الجنرال جوان المقيم العام بالخلع إن لم يوقع حالًا على بروتوكول يوافق فيه فرنسا على مبدأ مشاركة الفرنسيين في مؤسسات الدولة المراكشية، ولم يخفَ على التونسيين أن انتصار الاستعمار بمراكش يعبِّد له الطريق للقضاء على الوطنيين بتونس، فأصدر الديوان السياسي قرارًا بالإضراب العام بإمضاء الأستاذ صالح بن يوسف الأمين العام للحزب الحر الدستوري ووزير العدل في حكومة دولة محمد شنيق — وكان الإضراب عامًّا شاملًا في جميعه القطر التونسي يوم ١٠ مارس ١٩٥١، فاغتاظ الفرنسيون وأرادوا رد الفعل حالًا، وقابل المقيم العام جلالة الملك محمد الأمين يوم ١٢ مارس طالبًا منه بإلحاح باسم الحكومة الفرنسية أن يقيل الأستاذ صالح بن يوسف من الوزارة، وجرت بينهما محاورة نقتطف منها ما يلي:

الباي : لماذا يا ترى تطلب مني إقالة ابن يوسف بهذا الإلحاح مع أنه يتمتع بثقتي التامة؟
المقيم : لأنه قام بعمل عدائي نحو فرنسا، فأصدر أمرًا بالإضراب العام مقاومة للجنرال جوان ممثل فرنسا بمراكش.
الباي : عدو فرنسا هو من يحدث لها القلاقل ويبعد عنها القلوب، أما صالح بن يوسف فإنه نبهها لغلط ربما تقع فيه، وحذرها بعمله من خطأ كبير؛ لأن تهديد السلطان في مراكش أو خلعه يجعل من أصدقاء فرنسا أعداء لها، زد على ذلك أن الشعب المراكشي شعب شقيق يربطنا به الجنس والدين واللغة والوطن، وأنا شخصيًّا أعد سلطان مراكش أخًا لي في الإسلام، وكل ما يؤذيه يؤذيني أيضًا، فأنا موافق لصالح بن يوسف وأعد نفسي أبًا للدستوريين جميعًا، فلا أقيله من الوزارة، فقد عبر عن عواطف الشعب التونسي بأسره، وأنا فرد منه نحو الشعب المراكشي.

وتعددت الخلافات وتشعبت بين السلطات الفرنسية والسلطات التونسية، وقد كان الفرنسيون يفرضون أتباعهم وصنائعهم، فيملئون بهم مناصب الدولة ويعينونهم عمالًا (مديرين) فيها وحكامًا وإن لم تكن لهم المؤهلات، وينيطون دائمًا مناصب النفوذ بموظفين فرنسيين، فوجدوا أمامهم لأول مرة وزارة تونسية لها إرادتها ولها رأيها، ولم تتنازل السلطات الفرنسية عن شيء من رغباتها، وخيرت تعطيل حركات الموظفين وتعيينهم وشل الإدارة التونسية كلها على إرضاء مطالب التونسيين في ذلك الميدان.

ووقفت موقفًا غريبًا في قضية السكك الحديدية التونسية التي كانت ملكًا للدولة التونسية، وقد انتهت مدة الاتفاق في شأنها بين تونس والشركة الفرنسية التي كانت تستثمرها، وكانت هذه الشركة توزع في كل عام على المساهمين فيها أرباحًا طائلة وتطالب الحكومة التونسية بأن تسد عجز ميزانيتها، فتمسكت الوزارة التونسية بوجوب تأميم استثمار السكك الحديدية التونسية، وخاصة أن عجز ميزانيتها يُدفع دومًا من صندوق تونس، وأن الدولة التونسية تقدم في جميع الحالات ضمانها لتسديد ما يتطلبه تجديد ما يلزمها من آلات، وعارضت السلطات الفرنسية التأميم معارضة كلية، وأرادت أن تمنح استثمار السكك الحديدية للشركة الوطنية الفرنسية، والغرض من هذه العملية إلحاق سككها بالسكك الفرنسية، وهي شركة تابعة للدولة الفرنسية؛ إذ إن تأميم وسائل النقل تم بفرنسا منذ أعوام، واتسع نطاق الخلاف واعتبرت فرنسا أن العرض التونسي في حل هذه المشكلة يرمي إلى إنقاص النفوذ الفرنسي في الميدان الاقتصادي، وبداية تقلص ظله واتجاه جديد لتحرير تونس، ولم يتفق الطرفان على حل من الحلول، وبقيت المسألة معلقة عدة أعوام.

وبلغ التوتر أشده في المفاوضات حول المجلس الكبير والبلديات، فقد تمسكت السلطات الفرنسية بوجوب استمرار المجلس الكبير في عمله والنظر في الميزانية التونسية، وقررت الوزارة التونسية عدم تجديد انتخابه بعد انتهاء مدته؛ لأنه مجلس استشاري بحت لا نفوذ له، وخاصة لأنه مؤلف مناصفة من تونسيين وفرنسيين، ولا حق للفرنسيين أن يكونوا ممثلين في المجالس السياسية التونسية؛ لأنهم أجانب.

وسعت الوزارة التونسية في تأسيس مجالس بلدية منتخبة؛ لكي يمارس السكان حقوقهم الطبيعية فيها ويسهرون على صرف ما يدفعون من ضرائب بلدية ويتمرنون أيضًا على ممارسة الأمور العامة، ولكن الفرنسيين تمسكوا هنا أيضًا بوجوب تمثيل الفرنسيين فيها.

وكان جلالة الملك يراقب عن كثب سير المفاوضات وتعثرها ويفكر في الوصول إلى نتيجة عملية فرأى من الضروري دفع كل التباس يستفيد منه الاستعمار؛ بالتعبير عن إرادته الواضحة في منح شعبه نظمًا ديمقراطية ليمكنه من حكم نفسه بنفسه، فأعد تصريحًا بمناسبة الذكرى الثامنة لجلوسه على العرش ١٥ / ٥ / ١٩٥١ وعهِد لوزير الشئون الاجتماعية معالي محمد بدرة بإلقائه في الحفل الرسمي؛ ولما لذلك الخطاب من أهمية نورد نصه الكامل:

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على نبيه الكريم

نحمد الله على ما من به علينا من مشاهدة هذا العيد الأغر المحيي للذكرى الثامنة لجلوسنا على عرش آبائنا الميامين، ونشكر له نعمته لما أفاضه علينا من ولاء شعبنا الوفي وتعلق أبنائنا المخلصين، ونتجه إليه تعالى بالإجلال والإكبار على جمع كلمة الأمة التونسية واعتصامها بعزتها القومية وبعث روح التماسك والتعاون بين أفرادها، مما يبشر بإشعاع نور اليقظة وبلوغ الأماني.

أبناءنا الأعزاء:

إننا نتتبع بمزيد العناية تقلب الأحوال العامة، خيرها وشرها، ونسعى جهدنا للنهوض بأمتنا إلى المرتبة التي تتطلع إليها بحكم ماضيها، وتستحقها بموجب رقيها الحاضر، ولقد أثلج فؤادنا عملها المتواصل الحلقات في شتَّى الميادين وما تبذله في سبيل إصلاح المجتمع وإنعاش الاقتصاد وتثقيف النشء وتنظيم الجماعات، فإنا واثقون بأنها تبرهن على نضج شعبنا واستكمال وعيه القومي ومدى تطوره، وعن استعداده للقيام بجميع المسئوليات التي لغيره من الشعوب الحرة، ومما يترتب عن هاته المسئوليات من واجبات وحقوق.

وإن الظروف العصبية التي يجتازها العالم، والنزعات التي يتخبط فيها، والاتجاهات المتعاكسة التي تكتسح قواه قد جعلتنا نشعر بشدة وطأتها عندما تنعكس على مملكتنا العزيزة، ولقد أثبت الماضي القريب أن الدول المولَّى عليها هي — كسواها من الدولة الحرة — لا تستطيع البقاء على عزلتها كما كان فيما مضى حتى ولو شاءت ذلك، ومما يجدر الإشارة إليه أن هذا الشعب الذي ساهم بكل ما في طاقته للقضاء على عوامل الطغيان وأبلى بلاء حسنًا في الدفاع عن الحرية البشرية ومناصرة العدل، صار من حقه أن يستنشق نسيم الحرية، وأن يرتوي من مناهل العدل، وأن يتمتع بحقوقه الفردية والجماعية، وأن يعيش في اطمئنان، موفور الكرامة، في كنف السيادة القومية الكاملة، ليصبح كل فرد منه مؤمنًا في قرارة نفسه بأن له ما لغيره من مواطني الأمم الديمقراطية التي شاركت في إنقاذ البشرية من الاستعباد، وعليه ما عليهم.

ولقد عملنا لإقرار هذه الحقائق، فجاء تصريحنا بوجوب إدخال الإصلاحات الجوهرية المتأكدة على نظام الحكم القائم في هاته البلاد، وسلكنا سبل التفاوض في معالجة المشاكل الناجمة من التعاقد المبرم بين دولتنا والجمهورية الفرنسية، فألفنا لهذا الغرض الوزارة الحالية التي منحناها ثقتنا، فكان أول أعمالها التحويرات التي أصدرنا في شأنها أوامرنا العلية بتاريخ الثاني من جمادى الأولى من هذا العام، وهي مرحلة أولية عزمنا على اجتيازها إلى مرحلة أخرى تتناول في آن واحد تعديل أداة التنفيذ وكيفية تركيزها على قاعدة تمثيل شعبنا في تشكيلات منتخبة وتحديد اختصاصات هاته التشكيلات.

ولقد ألهمنا الله عز وجل إلى هذا الإصلاح الجوهري، ووطد عزمنا على تحقيقه ما مارسناه في شعبنا من رغبة في الرقي السياسي، وما علمناه فيه من بلوغ الرشد والكفاءة، وهدانا إليه ديننا الحنيف بتعاليمه القيمة وإجماع الفقهاء على إقامة الشورى، ومراعاة ما تقتضيه سياسية الرعية من الرضاء والقبول للأحكام الماضية عليها، وحملنا عليها الاقتفاء بما سنَّه أسلافنا ملوك هذا البيت الحسيني المنيع من مبادئ ونظم كفيلة الحقوق، الخاصة منها والعامة، وإننا عهدنا إلى وزارتنا إنجاز ما يقتضيه هذا المشروع العظيم الأثر، البعيد الغاية، وإجراء الاتصالات اللازمة لذلك، واتخاذ أصلح التدابير لإعداد النصوص التي تقر نيابة منتخبة تمثل كافة طبقات شعبنا، ونأمل أن هذا الإصلاح الذي تتماشى روحه وتطور علاقات التحالف التي بيننا وبين الجمهورية الفرنسية ويوافق نية الطرفين في تنمية الرقي السياسي سيتحقق بروزه إلى حيز التطبيق.

والله أرجو أن ييسر ما عقدنا العزم على بلوغه بعونه تعالى، وأن يسدل علينا بمنه شآبيب العطف والتوفيق في حسن النوايا والعمل حتى يتبدل عسرنا يسرًا وتعم الرفاهية مملكتنا المحروسة فتهنأ الخواطر وتطمئن القلوب، إنه السميع المجيب.

وازداد التوتر بين المقيم العام والحكومة التونسية، واتسعت شقة الخلاف إلى أن أصبح من العسير استئناف المفاوضات بينهما، وقد قُطعت في الواقع منذ أشهر، بل كادت تُقطع العلاقات كلها.

وقد ساند الموظفون الفرنسيون الكبار المستعمرين، بل كانوا لسانهم الناطق والمنفذين لإرادتهم والساهرين على امتيازاتهم، فحرصوا على أن يبقى النفوذ في قبضة الفرنسيين، ولم يتنازلوا حتى عن بعض المظاهر، ولم يقبلوا أن يكونوا تحت إشراف الوزير الأول ولو صوريًّا، وكانوا يقفون حجر عثرة في سبيل كل عمل تسعى إليه الوزارة التونسية، فتعطلت المصالح العامة وأصاب الإدارة العامة ضرب من الشلل، وقد لاحظ كل من بحث الحالة التونسية في هذه المدة وكل من زار تونس من الصحفيين الأجانب ما اعترى مؤسسات الدولة من عجز عن القيام بعملها العادي، وقال أحدهم:٢ بعد تحويرات ٨ مارس ١٩٥١ لم تتقدم تونس نحو الحكم الذاتي ولا الاستقلال الداخلي، بل نحو الشلل الذي اعترى الحكومة؛ لأن مديري الإدارات من الفرنسيين يعرقلون كل عمل ويفسدون العلاقات بين تونس وفرنسا خاصة وأنهم هم المباشرون لتلك العلاقات.

ودلت التجربة التونسية على فساد النظام القائم بتونس لما فيه من خلط قانوني ومن اغتصاب السلطات الفرنسية لنفوذ السلطات التونسية اغتصابًا سافرًا، حتى أصبحت الدولة التونسية ذات رأسين: رأس فرنسي تعود على هضم الحقوق وسلب النفوذ، ورأس تونسي يسعى ليحكم ولم يتمكن من تنفيذ إرادته، ولا يمكن أن يعيش جسد يقوده رأسان متناقضان في ميولهما، وظهر جليًّا أنه يعسر أن تسير تونس نحو حكمها الذاتي ويستحيل أن تتقدم منظمات دولتها إلا إذا عوضت مديري إدارتها الفرنسيين بتونسيين.

أما الجالية الفرنسية والساسة المساندون لها في الحكومة الفرنسية والبرلمان، فقد بذلوا جهودًا لتعطيل كل مفاهمة جدية وشنوا الحملات المسمومة على الحكومة التونسية والحركة الوطنية، وأجبروا المقيم العام على إرضاء رغباتهم والسير في ركابهم؛ لأن كل تبديل في الحالة الراهنة يهدد امتيازاتهم المجحفة وينقص من سلطانهم، ولم يكتفِ المقيم العام — لويس بريليه — بمناصرتهم في أعماله وأقواله، بل أصبح يخاطب الحكومة الفرنسية سرًّا لكي تستمع لصوتهم وتحقق أمانيهم ولا تحيد عن رغائبهم، فكتب إلى الحكومة الفرنسية بتاريخ ٢٨ يوليو ١٩٥١ رسالة سرية لكي تعينه على فرض شروطه على الحكومة التونسية وجبرها على إرجاء كل مفاوضة في شأن السير بتونس نحو استقلالها الداخلي بإدخال إصلاحات جوهرية على نظمها إلى مدة عام على الأقل، فقال:٣

من الضروري أن نعلِم الحكومة التونسية بحزم ودقة خلال الأيام المقبلة بعد العيد الكبير — أي في الأسابيع الأخيرة من شهر سبتمبر — بالشروط التي نراها ضرورية لمناسبة سياسة المشاركة أعني (أ) وضعًا سريعًا لنظام بلدي جديد عماده الانتخابات محتويًا على تمثيل الفرنسيين في المجالس البلدية. (ب) تجديد المجلس الكبير واجتماعه حسب الشروط القانونية.

وينبغي أن يكون جواب الحكومة التونسية لا التباس فيه، فإن تم الاتفاق على هذه الشروط فيجب متابعة تحقيقها، بتنظيم البلديات على أسس جديدة وتمكين المجلس الكبير المجدد من القيام بعمله في الميزانية في الربيع القادم.

وإذ ذاك فقط، أعني بعد عام على الأقل، يمكن النظر في تحويرات جوهرية في النظم العليا إن رأت الحكومة فائدة في ذلك.

وينبغي أن يحدد موقف الحكومة الفرنسية في ذلك الحين أولًا: حسب سلوك المفاوضين التونسيين. وثانيًا: حسب سياسة بعيدة المدى فيما يتعلق بالمشاكل العامة لأفريقيا الشمالية.

وكان المقيم العام بين عوامل متعددة، تتجاذبه اتجاهات متناقضة وأهواء مختلفة، وسعى جهده ألا يغضب الفرنسيين وأن يجلب التونسيين في آن واحد، وإذا بأقواله تتضارب وتصريحاته يناقض بعضها بعضًا، إلى أن تكوَّن جو من الشكوك والريب والانفعالات والغضب، وفشل فشلًا ذريعًا في جميع ما أراد، وقد حللت جريدة «ليموند» الفرنسية بتاريخ ٢٩ / ١ / ١٩٥٢ سياسة بريليه قالت: «اتبع بريليه تحت تأثير الجالية الفرنسية سياسة كسني المشط إقدامًا وإحجامًا، ارتفاعًا ونزولًا، فيتقدم خطوة ويتأخر خطوات، حتى أفسد الجو الملائم وسمم العلاقات.»

فقررت الوزارة التونسية أن تسافر إلى باريس للمفاهمة رأسًا مع الحكومة الفرنسية لسبر غورها ومعرفة نواياها الحقيقية ووضعها أمام مسئولياتها وجبرها على إنجاز ما تعهدت به لتونس أو الافتضاح أمام الرأي العام.

وتكررت اجتماعات غير رسمية بين الوزراء التونسيين وبعض الساسة المسئولين الفرنسيين، وقد تلكأت الحكومة الفرنسية وتهربت من استئناف المفاوضات وأخذت تسوِّف وتماطل، بل رفضت أي تفاهم مع الوزارة التونسية بصفة رسمية.

فسلمت إذ ذاك الحكومة التونسية للحكومة الفرنسية مذكرة بتاريخ ٣١ أكتوبر ١٩٥١ لكي توضح رغائب تونس بجلاء لا يبقي مجالًا للتردد أو الغموض والتساؤل معتمدة على تجاربها في الحكم وفي النظم التي فرضتها فرنسا من قبل، فذكرت ببعض المبادئ المسلَّم بها واتخاذها أساسًا ضروريًّا لكل مفاوضة مقبلة وكل إصلاح. إن معاهدة ١٨٨١ التي اتخذت شكل اتفاقية بين دولتين قد أبقت لجلالة الملك سيادته الداخلية، ثم جاءت اتفاقية ١٨٨٣ التي أشير فيها لأول مرة إلى «الحماية» وتضمنت أنه «لتسهيل الحماية على الحكومة الفرنسية فإن جلالة الباي يلتزم بإجراء الإصلاحات الإدارية والعدلية والمالية التي ترى الحكومة الفرنسية إنجازها.»

فليس في هذا إذن قبول من جلالة الملك لنقل سلطاته إلى الحكومة الفرنسية، إنما ذلك مجرد تعهد من الملك بإجراء كل إصلاح تعتبره الحكومة الفرنسية مفيدًا.

وبالأحرى فليس في هذا أي تخلٍّ من جلالته عن سيادته الملكية؛ إذ إن جلالته احتفظ بحق وضع التشريعات وسن القوانين ما دامت لا تخالف الالتزامات التي تضمنتها وثيقة ١٢ / ٥ / ١٨٨١.

على أن اتفاقية ١٨٨٣ بغض النظر عن عيوبها الجوهرية تقتضي في مفهومها التعاون بين حكومتين لا حكمًا مباشرًا تقوم به الحكومة الفرنسية بتونس، فضلًا عن إضافة سيادة أخرى للسيادة التونسية التي هي السيادة القانونية والشرعية الوحيدة، وهذا الأمر من البداهة بحيث إن السلطة التشريعية ظلت كاملة بيد جلالة الملك.

وبينت الحكومة التونسية أن ذلك الحكم المباشر الفرنسي خلط وخروج عن المعاهدات المبرمة: «… حدث أن صدر — استنادًا إلى تفسير اتفاقية ١٨٨٣ — قرار من جانب واحد (قرار رئيس الجمهورية الفرنسية بتاريخ ١٠ / ١١ / ١٨٨٤) عهد للمقيم العام المصادقة بالنيابة عن الحكومة الفرنسية على إصدار وتنفيذ جميع المراسيم الصادرة عن جلالة الباي»، وهكذا أصبح هذا الموظف الفرنسي السامي هو رئيس الدولة الحقيقي؛ فقد أصبح له وحده حق إعطاء القوانين القوة التنفيذية.

وبعد هذه الخطوة نحو الاشتراك في مباشرة السيادة الداخلية شاهدنا ظهور النظرية الواهية القائلة بأن: «الحماية وضع مستمر التطور»، مما أدى إلى خلط في السيادة وإلى الحكم المباشر.

فكيف يتم الإصلاح المنشود؟ وبأية طريقة تحقق تونس لنفسها ذلك الاستقلال الداخلي الذي تعهدت فرنسا بإنجازه؟ ومن البديهي أن العمل الأول الرئيسي هو إبراز السيادة التونسية وتخليصها مما اعتراها من غموض وعلق بها من خلط وأنابها من اعتداء، حتى تصفو صفاءها القديم وترجع إلى جوهرها الفرد بإدخال نظام دستوري على الدولة التونسية لا يشارك في مؤسساته غير التونسيين، وذلك ما وضحته الوزارة التونسية عندما قالت في مذكرة ٣١ أكتوبر آنفة الذكر: «إن الاستقلال الداخلي الذي تنوي فرنسا تحقيقه يتناقض مع النظام الحالي في ميادين التشريع والحكم والإدارة.»

إن الاستقلال الداخلي معناه أن تتمتع تونس بالسيادة الداخلية والحكم الذاتي وبحقها في السير بنظمها الداخلية وفقًا لأمانيها الخاصة.

وهذا الاستقلال الداخلي الذي هو عربون الصداقة بين تونس وفرنسا يجب أن يتم إنجازه في أجل أدنى، ويجب المبادرة بتحقيقه في ثلاثة ميادين: الحكومة والتشريع والإدارة.

ففي الميدان الوزاري ثبت أنه من الضروري جعل الحكومة تونسية خالصة على أن يستعين الوزراء ورؤساء المصالح الكبرى — عند الاقتضاء — بأخصائيين فرنسيين للقيام بمهامهم أحسن قيام، وتكوين موظفين إداريين متصفين بالخبرة والمقدرة وفق المنهاج الإداري الفرنسي، وبذلك نتجنب ازدواجًا فعليًّا في داخل الحكومة التونسية من شأنه أن يعرقل تطور الشئون العامة وسيرها، ويسيء إلى الصداقة بين تونس وفرنسا.

وفي الميدان التشريعي فإن إنشاء مجلس نيابي تونسي يضع القوانين ويراقب تصرفات الحكومة وسياستها العامة سيكون خطوة هامة في طريق الديمقراطية، على أن يكون — مدة الفترة الانتقالية — حق إعداد مشاريع القوانين مقصورًا على السلطة التنفيذية مع تمتع أعضاء هذا المجلس بحق إدخال تعديلات عليها.

أما في الميدان الإداري فإنه — مع ضمان الحالة التي اكتسبها الموظفون الفرنسيون الذين هم في خدمة الدولة التونسية — يتحتم وضع نظام للوظيفة التونسية يتلاءم مع الوضع الجديد، على أن تتعهد الحكومة التونسية من جهة أخرى، بألا تتعاقد إلا مع الفرنسيين فيما يتعلق بالأخصائيين اللازمين للبلاد التونسية وبواسطة الحكومة الفرنسية.

ولم تقتصر الوزارة التونسية على إعطاء تلك الامتيازات للموظفين الفرنسيين، بل أعربت عن نواياها الحسنة نحو الجالية الفرنسية كلها التي كانت دومًا تعرقل المفاوضات حتى أصبحت أعظم مشكلة في نظر فرنسا في سبيل حل القضية التونسية حلًّا عادلًا يماشي القانون والتعهدات الفرنسية والمعاهدات نفسها … فإرضاءً لها وحسمًا لما يمكن أن تكونه من شغب أرادت الوزارة التونسية أن تعطيها الضمانات الكافية الكافلة لها ولحقوقها، بل سارت خطوة أوسع إذ عرضت على فرنسا عقد معاهدة صداقة جديدة فقالت: «وبعد أن تسترجع تونس سيادتها الداخلية، فإنه لا يكون لديها أي مانع من أن تعقد مع فرنسا اتفاقات للمحافظة على أمتن العلاقات بين البلدين في الميادين الثقافية والاقتصادية والاستراتيجية، كما تضمن للفرنسيين المقيمين بتونس التمتع بكامل حقوقهم المدنية وسلامة أملاكهم وأشخاصهم.»

ومرت الأيام والأسابيع والأشهر والوزارة التونسية مقيمة بباريس تنتظر رد الحكومة الفرنسية على مذكرتها، والمفاوضات معطلة، والاتصال قليل، وحامت الريب وقلق شعب تونس، وفرنسا معرضة عن كل جواب كأنها لم تتعهد بشيء لتونس، ولم تقم وزنًا للأزمة التونسية، وأصبح سكوتها رفضًا واضحًا لمطالب تونس وتغافلًا عن إرجاع حقوقها لها، وربحًا للوقت ونذيرًا بما يبيت الاستعمار من مؤامرات جديدة. ولما تيقن دولة محمد شنيق من أن وراء المماطلة سوء النية وخلف الصمت المفتعل نكثًا للوعود الفرنسية الرسمية، أراد أن يطلع الرأي العام العالمي على موقف كل من فرنسا وتونس وأن يضع المسئولية في أعناق أصحابها فألقى بيانًا في ندوة صحفية جمعها بتاريخ ١٢ ديسمبر ١٩٥١، واستعرض في بيانه الأطوار التي مرت بها المفاوضات كلها ثم قال: «الحكومة التونسية لزمت لحد الآن الصمت التام لكي لا تعرقل سير المحادثات.

أما الآن فإنا نرى أن الوقت قد حان لإثارة الرأي العام العالمي عن المفاوضات التي تقوم بها في باريس، وعن المسئوليات التي قد تترتب عن المأزق الذي نخشى أن تنتهي إليه العلاقات التونسية الفرنسية …

وإذا اعتبرنا أنه في ظرف السنوات الخمس الأخيرة حصلت دول جديدة تقدَّر بأكثر من نصف مليار نسمة على استقلالها ومن بينها الهند والباكستان وإندونيسيا علاوة على سوريا ولبنان وجارتنا ليبيا، وجب الاعتراف بأن المطالب التونسية معتدلة غاية الاعتدال.

كما أنه من البديهي أنه مهما تكن الحجج التي يتذرع بها أنصار بقاء الحالة الراهنة، فإن أية صورة من صور الحكم لا يمكن إقرارها رغم إرادة الشعوب، وليس من المغالاة في شيء بعد سبعين سنة من محاولة جس النبض أن نطالب فرنسا مهد الحريات بسياسة حرة صريحة تجاه شعب بلغ من التطور درجة لا تقل عما بلغته شعوب أخرى تتمتع اليوم بكامل سيادتها.

ومهما تكن الظروف فإن تونس لن تتخلى عن المطالبة بحقوقها، وعن الاعتصام بالضمانات التي يخولها لها الضمير العالمي والحقوق البشرية.»

وكانت في تلك الأثناء قضية مراكش تعرض على الجلسة العامة للأمم المتحدة المجتمعة إذ ذاك بباريس، وكانت فرنسا تنتظر قرارها بفارغ صبر وعلى أحر من الجمر، فلما رفضت هيئة الأمم أن تنظر أصلًا في القضية المراكشية فضلًا عن أن تنصف الشعب الشقيق، اطمأنت إذ ذاك الحكومة الفرنسية وتشجعت على إظهار ما أخفت من نوايا، ومالت مع المستعمرين المتطرفين كل الميل، وجارتهم في جمودهم وأطماعهم وشرهم، وأرادت أن تحتفظ لهم بامتيازاتهم المجحفة، وأن تعطي لاعتداءاتهم على السيادة التونسية صبغة قانونية، وقام أنصار الاستعمار المتطرفون من أعضاء الحكومة الفرنسية — أمثال موريس شومان — بتحرير الرد الفرنسي على مذكرة الحكومة التونسية وسلموه إليها بتاريخ ١٥ / ١٢ / ١٩٥١.

وتناسوا عند كتابته ما غنمته فرنسا من تونس سواء في الميدان الاقتصادي والمالي أو في الميدان الحربي والدفاع عن فرنسا نفسها، وأعادوا حجج المستعمرين التي يستندون إليها لسلب حرية الشعوب واغتصاب سيادتها واستثمار خيراتها إذ قالوا:

ومع البحث في الإمكانيات لتوجيه تطور الحماية في الاتجاه الذي يرجوه جلالة الباي، فإن الحكومة قد تعجبت لأول وهلة من إهمال الإشارة إلى ما أنجزته فرنسا في الحاضر والماضي من أعمال في تونس، وتعتقد فرنسا أنه يحق لها أن تفخر بالتقدم المحدث خلال سبعين سنة بفضل المساعدة الحكيمة التي قدمها رؤساء الأسرة الحسينية في بلد أنشأت فيه فرنسا الإدارة ونظمت العدالة والتعليم وحققت التقدم الاقتصادي والاجتماعي. وهذا التطور وحده هو الذي أمكن بفضله مواجهة زيادة عدد السكان الذي تضاعف ثلاث مرات منذ انتصاب الحماية.

إن هذا العمل قد تواصل في السنين الأخيرة بسرعة متزايدة، وكما تعلم الحكومة فإنه بفضل مساعدة مباشرة من فرنسا أمكن تمويل كامل الميزانية الإضافية التونسية تقريبًا أي ثلث مصروفات الميزانية.

وهكذا فإن فرنسا تقوم بإنجاز برنامج واسع لتجهيز البلاد، والذي لا يمكن لتونس بدونه أن تساير أحوال تطور الاقتصاد العالمي الذي بلغ عنفوانه، والإنجازات التي تمت مثل سدود نهر «مجردة» والتي سيكون لها تأثيرها في التقدم بمشروعات الري، وكذلك أهمية المخصصات المقررة للتقدم الزراعي ونشر التعليم وحماية الصحة العامة تشهد بعظمة الجهود التي تبذلها الدولة الحامية.

ولم تذكر الحكومة الفرنسية ما تدعيه من فضل على تونس لمجرد التبجح والمن، بل قصدت أن تتخذ ما قامت به من أعمال كمبرر لها في إبقاء استعمارها، فأوضحت في الحقيقة نواياها الخفية في أن تبقى تونس تحت سيطرتها المباشرة، «إن الحكومة الفرنسية إذ تشعر بأنها تقوم برسالة مطابقة لمعاهدة الحماية في أسمى أهدافها، لا تنوي التخلي في المستقبل عن عملها الذي ترجع فائدته لمجموع سكان المملكة التونسية»، وتعني بالضبط لفائدة جاليتها الفرنسية فقط، وقد طالبت بمنح تلك الجالية الأجنبية حقوقًا لا يمكن بحال أن يتمتع بمثلها الأجانب في أي بلاد كانت ولا يخولها القانون إلا للمواطنين وحدهم، لا يشاركهم فيها مشارك، وما ذلك إلا خطوة حاسمة في تنفيذ الفكرة الاستعمارية الرامية إلى إلحاق تونس بفرنسا وإدماجها فيها، فقالت الحكومة الفرنسية في مذكرة ١٥ / ١٢ / ١٩٥١: «وقد قام الفرنسيون المقيمون بتونس في هذا العمل التعديني بدور رئيسي لا يمكن أن يخطر على بال أحد نكرانه، وإن اشتراكهم بعملهم ونشاطهم في الحياة الاقتصادية بهذه البلاد، وأهمية مساهمتهم في تمويل ميزانية الدولة التونسية لا تسمح بإقصائهم عن المشاركة في تسيير شئون البلاد السياسية.

إن الحكومة الفرنسية متمسكة شديد التمسك بهذا المبدأ؛ لأنه في نظرها هو وحده الكفيل بأن يضمن — بفضل مشاركة منتجة بين الفرنسيين والتونسيين — نمو المؤسسات السياسية٤ نموًا منسجمًا.»

فكيف اكتسبت الجالية الفرنسية حقوقًا سياسية بتونس؟ يجيب الاستعمار الفرنسي بمنطقه العجيب أن استحواذهم على خيرات البلاد وكنوزها واغتصاب السلطات من يد التونسيين جعلهم أصحاب الحق في البلاد، وقد ذهبت فرنسا إلى أبعد من هذا فأوضحت نواياها وضوحًا لا يبقي مجالًا للشك والتساؤل عندما جزمت جزمًا بأن تونس مرتبطة بفرنسا ارتباطًا أبديًّا لا نهاية له ولا حد لمدته، كأن تونس قطعة من فرنسا نفسها وهذه هي عبارات الحكومة الفرنسية: «ويجدر أن تبقى هذه الاعتبارات ماثلة في الأذهان عند دراسة العلاقات المقبلة بين بلادينا؛ لأنها لا يمكن أن تكون قائمة إلا على التسليم بأن الرابطة بينهما رابطة نهائية.»

ثم إن الحكومة الفرنسية اشترطت شروطًا وطالبت بإنجازها حالًا وخاصة فيما يتعلق بتحقيق مشروع البلديات بمشاركة الجالية الفرنسية فيها والبقاء على المجلس الكبير؛ لأنه يحتوي على تمثيل الجالية الفرنسية فيه، وبعد ذلك كله قد تقرر فرنسا استئناف المفاوضات، وقد تقرر وقفها، حسبما تراه صالحًا، بل قررت الحكومة الفرنسية وحدها من غير أن تلتفت لرأي الوزارة التونسية ولا رأي الشعب التونسي تكوين لجنة مختلطة للنظر في الإصلاحات التي ينبغي إدخالها على المؤسسات السياسية التونسية:

على ضوء هذه التحفظات ومع مراعاة الاعتبارات العامة المبينة أعلاه أتشرف بأن أحيط جنابكم علمًا أن الحكومة الفرنسية أعطت التعليمات لممثلها بتونس ليؤلف ابتداءً من شهر يناير المقبل لجنة مختلطة فرنسية تونسية لدراسة الترتيبات الخاصة بالجهاز النيابي الذي قد ينشأ لتعويض المجلس الكبير للمملكة التونسية، على أن تقدم نتيجة أعمالها في أجل محدود.

ورفضت هكذا الحكومة الفرنسية كل مفاهمة مع الحكومة التونسية وأعلنت أنها أناطت مهمة التفاوض إلى لجنة مختلطة يعينها ممثلها بتونس تعيينًا، وقطعت المفاوضة بين تونس وفرنسا بعد أن رفضت تحقيق ما تعهدت به من استقلال داخلي، وقد استحال فيما بعد على الحكومة الفرنسية وعلى ممثليها بتونس تكوين تلك اللجنة؛ لأن التونسيين جميعًا أبوا أن يخونوا وطنهم وأن يشاركوا فيها؛ لأن مبدأها نفسه ينقض ما وعدت به فرنسا.

وتولت الحكومة التونسية الرد على المذكرة الفرنسية (١٥ / ١٢ / ١٩٥١) التي تعتبر مثالًا للاعتداء الاستعماري ومخالفة للمعاهدات ونكث العهود، وفندت ما جاء فيها بندًا بندًا بحجج ثابتة واضحة.

رد الحكومة التونسية على رسالة وزير خارجية فرنسا بتاريخ ١٥ / ١٢ / ١٩٥٣

إنني بمجرد عودتي إلى تونس لم أتوانَ عن إطلاع مولاي المعظم صاحب الجلالة سيدنا محمد الأمين باشا باي عن نتيجة المهمة التي تشرفت بأدائها لدى الحكومة الفرنسية بمشاركة زملائي أصحاب المعالي صالح بن يوسف ومحمد بدرة ومحمد سعد الله.

وأن مضمون مكتوبكم المؤرخ في ١٥ ديسمبر الماضي والموضح لموقف الحكومة الفرنسية عن القضية التونسية قد استرعى اهتمام صاحب الجلالة السامي بصورة خاصة.

وها أنا أوافيكم بجواب حكومة ملك تونس على لسان جلالته وباتفاق تام مع كافة زملائي الوزراء.

إن وجهة نظركم المبينة في رسالتكم بكامل الوضوح ترتكز خاصة على الحقوق التي تتمسك بها فرنسا لنفسها ولرعاياها المقيمين بالمملكة التونسية نظير أعمالها مدة سبعين سنة منذ قيام الحماية.

ومما يثير الدهشة أن تستغل تلك الأعمال التي لم يدُر بخلد أحد نكرانها لترجيح كفة النقاش الذي تغلب عليه الصبغة القانونية أكثر من السياسة، على أن أعمال فرنسا التي لا يسمح المجال بالخوض في أغراضها ومراميها لا تبرر بأي حال من الأحوال بقاء شعب كامل تحت القيد، فضلًا عن عرقلة أمانيه المشروعة.

إن لفرنسا مصالح بتونس والحكومة التونسية المعبرة عن رأي صاحب الجلالة ورعاياه لم تتردد في تقدير تلك المصالح، بل عرضت صورًا لضمانها ما أكدته مذكرة ٣١ أكتوبر سنة ١٩٥١، كما أعربت الحكومة التونسية عن استعدادها لضمان مصالح الفرنسيين المقيمين بتونس وإن كانت لا تتفق حتمًا مع مصالح فرنسا، كما عبر عن ذلك في وضوح أحد كبار وزراء الجمهورية الثالثة، ومهما تكن المصالح المذكورة مرعية لا يمكن لها أن تأخذ صبغة حقوق سياسية، تبيح للفرنسيين المشاركة في الحكم والتمثيل النيابي.

ولسنا في حاجة للإشارة إلى ما في ذلك من غموض وخطأ يؤديان إلى العبث بالمعاهدات والاتفاقات المبرمة بين البلدين وإلى نكران المبادئ المعترف بها في القانون الدولي في ميدان المساعدة بين الدول.

فإن مشاركة الفرنسيين في المنظمات السياسية لبلادنا ينطوي على إقرار لمبدأ السيادة المشتركة المنافي للقانون، وعلى إقرار للأخطاء الناشئة عن الحكم المباشر الذي يتعارض مع الدستور الفرنسي نفسه، ومع تصريحاتكم في مجلس الجمهورية الفرنسية وفي هيئة الأمم المتحدة بصدد قضية مراكش، وأن مبدأ المشاركة في السيادة لو اعترف به لأجاز لرعايا كل دولة تتعاون مع دولة أخرى في الشئون المالية والفنية والثقافية أن يشاركوا في الحكم والتمثيل النيابي بها.

أما فيما يتعلق بالمساعدة المالية الفرنسية بوجه خاص، فمن الإنصاف أن نذكر أنها قروض تلتزم البلاد التونسية بسدادها مع فوائدها، وهي مسجلة بميزانية الدولة في صورة دفعات سنوية بعنوان: «الدين التونسي».

ولئن كانت فوائد هذه القروض لا تُنكَر وتستفيد منها البلاد وسكانها بصفة عامة، إلا أن الفائدة الكبرى تعود على الشركات المحتكرة لغالب ثروة البلاد الطبيعية ولوسائل النقل والمرافق العامة التي يكاد العنصر التونسي يكون مفقودًا منها.

وإنه لمن المؤلم حقًّا أن نسمع ترديد نغم فرنسا بينما نرى في الوقت نفسه الصمت عن مساهمة الشعب التونسي في المحن التاريخية التي أصابت فرنسا، فهل نسيت بعدُ التضحيات في الأنفس خلال حربين عالميتين وأثناء جميع العمليات الحربية الفرنسية في أفريقيا وآسيا، وتلك المساعدات التي قدمتها البلاد التونسية لفرنسا من تموين وأيد عاملة، وتلك الكوارث والآلام والأحزان التي حلت بالبلاد التونسية من جراء الحرب التي استمرت مدة ستة شهور على أرضها، أفهل تبقى بلادنا بالرغم من كل ذلك مدينة لفرنسا إلى الأبد؟

وإني أستبعد أن يكون لكم ولرجالات الدولة الفرنسية مثل هذا الرأي؛ إذ إن القضية التونسية لجديرة بأن تُبحث بحثًا يرتفع بها عن حضيض المناقشات في الأرقام والموازنات.

ومن جهة أخرى فإن الحكومة التونسية تعرب عن تحفظاتها بالنسبة للقواعد التي وضعها كتابكم المؤرخ في ١٥ ديسمبر ١٩٥١، فقد كان يرمي إلى اعتبار التعديلات التي أدخلتها الأوامر العالية بتاريخ ٨ فبراير ١٩٥١ على نظام السلطة التنفيذية والوظائف العامة تعديلات نهائية، ويثير موضوع تحقيق مشروع إصلاح نظام البلديات وفي الواقع أن التعديلات المشار إليها تعديلات شكلية أكثر منها أساسية، ووصفها بأنها نهائية ليس له أدنى مبرر؛ بدليل أن ممثل الحكومة الفرنسية لم يتردد في الاعتراف في كتاب رسمي بتاريخ ١٩ مايو ١٩٥١ بأن «هذه الإصلاحات لم تكن لها أي صبغة نهائية، بل هي مرحلة نحو إقامة الحكم الذاتي بالمملكة التونسية.»

يستنتج من رسالتكم أن سياسة المراحل — تلك السياسة التي تعتمد حسب تعبير المقيم العام في خطابه بتاريخ ١٣ يونيو ١٩٥٠ على مبدأ تعزيز شخصية الحكومة التونسية وتنمية وسائل أعمالها لتصبح أداة صالحة لرقي المؤسسات التونسية — قد وقع العدول عنها لفائدة البحث عن إصلاح نظام البلديات، بينما يعتبر صاحب الجلالة وحكومته أن النظام البلدي غير ثانوي، بل هو جزء لا يتجزأ من جوهر النظام النيابي بالمملكة التونسية.

فعندما تقدم الحكومة الفرنسية هذا الإصلاح كوسيلة أولية ضرورية لتنمية الديمقراطية التونسية، تصرح الحكومة الفرنسية بغاية الارتياح أن القاعدة الأساسية لكل ديمقراطية هي أولًا وبالذات «السيادة الموحدة» فبدون وحدة السيادة التي يجب الاعتراف بها قبل فتح أية مباحثة تصبح الديمقراطية التونسية صورة مشوهة للديمقراطية الحقة. ويصبح الوضع الذي تتمثل فيه هذه الديمقراطية وهمًا وغرورًا.

وعندما تؤكد الحكومة التونسية مبدأ وحدة السيادة، فإنما تعبر بكل صدق عن إرادة مولاي المعظم التي أعرب عنها بوضوح في خطاب ١٥ مايو ١٩٥١ والتي تقضي بالسير بالنظام الملكي التونسي نحو نظام ملكي دستوري يتمشى والطموح القومي من جهة، ومع المعاهدات في «أسمى وضع معانيها» من جهة أخرى.

بيد أن خطابكم بتاريخ ١٥ ديسمبر ١٩٥١ أهمل هذه الناحية الأساسية للمسألة التونسية فأدى إلى نكث ما تعهدت به فرنسا من يوم ١٢ مايو ١٨٨١ إلى ١٧ أغسطس سنة ١٩٥٠، وذلك لتمسككم الصريح بمبدأ مشاركة الفرنسيين في تسيير أنظمة الحكم في المملكة التونسية.

إن حكومة صاحب الجلالة تشعر بأنها أظهرت غاية المجاملة والتسامح أثناء قيامها بمهمتها الشاقة في المفاوضات، ولا يسعها إلا أن تأسف للإحجام الذي منيت به الحلول الرشيدة المقدمة من الجانب التونسي منذ عام ونصف تقريبًا.

ومما لا ريب فيه أن موقف حكومة الجمهورية الفرنسية وإن لقي كامل الرضى والاستحسان من قبل الجالية الفرنسية في تونس التي تعارض أشد المعارضة التطورات الضرورية، قد أدخل على جميع التونسيين مع الأسف شديد الحيرة والأسى.

وإني وزملائي لما لنا من الشعور السامي بمسئوليتنا نحتفظ لأنفسنا تجاه هذه الحالة بحق استخلاص جميع العبر والنتائج لانتهاج الطرق التي تقتضيها المصالح العليا التي هي في عهدتنا.

إمضاء
محمد شنيق
رئيس الوزارة التونسية

ولما بلغ الرد الفرنسي إلى الشعب التونسي عم الغضب والاستياء واهتز الرأي العام اهتزازًا لما فيه من مخالفة للوعود الرسمية، ونكث للعهود وخرق للمعاهدات، وتحدٍّ لعواطف شعب كامل واعتداء مفضوح على سيادته وكيانه.

واجتمعت المنظمات القومية كلها وأرسلت برقية احتجاج إلى كل من رئيس الجمهورية الفرنسية «فنسان أوريول» ورئيس الوزارة «بليفن» ووزير الخارجية «روبير شومان» قالت فيها: لقد اختارت الحكومة الفرنسية مساعدة أقلية من أصحاب الامتيازات المتشبثين بفكرة الاستعمار البائدة على احترام ما تمليه المعاهدات من واجبات في إرضاء رغائب الشعب الشرعية.

وإن المنظمات القومية٥ لتجزم من جديد عزم الشعب التونسي على رفض كل سياسة ترمي إلى تدخل جالية أجنبية — بأية صورة من الصور — في الشئون التونسية.

وتتعهد بالالتجاء إلى كل سبيل يمكنها منه القانون الدولي والمحافل الأممية حتى تتخلص في أقرب وقت ممكن من نظام ينافي حق الشعوب في التحكم في مصيرها واختيار نظام الحكم الذي ترتضيه لنفسها.

ولم تكتفِ تلك المنظمات بالاحتجاج، بل رأت ضرورة القيام بعمل واسع النطاق لعل الحكومة الفرنسية ترجع إلى رشدها، وتبر بوعودها فقررت الإضراب العام لمدة ثلاثة أيام (٢١ و٢٢ و٢٣ ديسمبر ١٩٥١) كإنذار أول للاستعمار الفرنسي، وبينت دواعي ذلك القرار في الصحافة. «إن جواب الحكومة الفرنسية يعتبر رفضًا صريحًا لجميع المطالب التونسية، وإن في موقفها نقضًا للمعاهدات المحددة للعلاقات بين تونس وفرنسا؛ لأنها جزمت لأول مرة بصفة رسمية مبدأ السيادة المزدوجة وأعلنت مبدأ تفوق مصالح جالية أجنبية على المصالح الوطنية لشعب بأسره.»

وكان الإضراب عامًّا شاملًا كاملًا في الأيام الثلاثة في جميع القطر التونسي.

وإن الحكومة الفرنسية تحمل وحدها مسئولية قطع المفاوضات بتلك الطريقة المخجلة؛ إذ إنها أعلنت مناصرتها لآراء جاليتها وأكدت بوجوب المحافظة على امتيازاتها الفاحشة، وقد علق «ميتران» وزير الدولة الفرنسي في جريدة «لوكورييى دي لانيافر» قائلًا: «يحسب بعض الفرنسيين حسابًا خطيرًا عندما يحاولون احتكار جميع ما قامت به فرنسا لمصلحتهم وحدهم، فيظهرون القلق أمام كل ما يمكن أن يبدد سيطرتهم؛ لأنهم يملكون أكثر وسائل الإنتاج.»

وقد كان جواب الحكومة الفرنسية فاتحة عهد كله اضطرابات واعتداءات متوالية وتخريب وتنكيل ودمار وعذاب ودموع ودماء، وقد أوعزت جريدة «ليموند» الفرنسية تلك الحوادث المؤلمة إلى عدم تروي الحكومة الفرنسية، وأرجعتها لسببها الأول وهو رد ١٥ / ١٢ / ١٩٥٢: «كان في الإمكان تجنب الحوادث لو ضبطنا — من غير سوء نية — جميع المراحل الواجب قطعها عندما قررنا سياسة تحرير تونس.

وكان في الإمكان التكهن بأن المعاهدات لا تسمح لنا بالاحتفاظ بالإدارة المباشرة في تلك البلاد، وأن التونسيين لن يقنعوا بالكلم الطيب وحده، وأن قوتنا الحقيقية في أن نبر بوعودنا ونحقق الصداقة الفرنسية التونسية.

إن إبعاد بورقيبة والاتجاه إلى الأمم المتحدة — والأمران مرتبطان — نتيجة مباشرة لرسالة ١٥ ديسمبر الحمقاء، ومن الواضح الجلي أن محور تلك الوثيقة أراد مجاملة أنصار التجمع الفرنسي للجالية الفرنسية بتونس، وضرب الوزراء التونسيين، وكان ذلك خاتمة حملة طويلة قام بها نواب الموظفين الفرنسيين الصغار والمعمرين لإفساد ما قررته الحكومة الفرنسية من سياسة التحرير على مراحل.»

وقد لخص زعيم تونس الحبيب بورقيبة في منفاه للصحفيين الحالة، ونشرت جريدة الفيجارو الفرنسية تصريحه بتاريخ ٢٢ / ١ / ١٩٥٢ قال: «يجب على الحكومة الفرنسية أن تعترف بأن التونسيين قد بلغوا رشدهم وأنه من حقهم أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم.»

وإن رفض فرنسا لجميع مطالبنا لم يبقِ مجالًا إلا لأحد الحلين؛ إما مقابلة القوة بالقوة، وإما رفع الخلاف إلى الأمم المتحدة.

ولم تلجأ تونس إلى استخدام القوة؛ إذ ليس لها جيش وليس لها سلاح وليس لها قوة غير قوة الشعب المتكتل وقوة الحق والعدالة، فرفعت قضيتها إلى هيئة الأمم المتحدة لتكون حكمًا بينها وبين فرنسا، بعدما انقلبت الحماية عدوانًا والرعاية اغتصابًا، وظهر جليًّا أن الحكومة الفرنسية بجوابها ١٥ / ١٢ / ١٩٥١ لا تضمر إلا الشر المبيت لتونس، وقد صمت آذانها عن كل مفاهمة ومدت يدها إلى السيادة التونسية، تريد القضاء عليها، وقالت كلمتها النهائية التي تتحدى فيها الرأي العام العالمي والمواثيق الدولية متمسكة بمبادئ الماضي المظلم من أن من حق القوي المسلح الفتك بالضعيف الأعزل وإخضاعه وسلبه حقوقه، فلم يبقَ أمام الحكومة التونسية إلا أن قررت رفع الخلاف بين الدولة الفرنسية والدولة التونسية إلى هيئة الأمم المتحدة، فسافرت من تونس بعثة وزارية مؤلفة من الأستاذين صالح بن يوسف وزير العدل، ومحمد بدرة وزير الشئون الاجتماعية، وقدما بتاريخ ١٤ / ١ / ١٩٥٢ عريضة إلى الأمانة العامة لهيئة الأمم، وهذا نصها، وهي غنية عن كل تعليق:

نص الشكوى التي قدمتها تونس لمجلس الأمن ١٤ / ١ / ١٩٥٢
حضرة رئيس مجلس الأمن

أتشرف بأن أرغب إليكم أن تتفضلوا برفع شكوى الحكومة التونسية بشأن الخلاف القائم بينها وبين الحكومة الفرنسية.

فقد وقع كل من الدولة الفرنسية والدولة التونسية (بتاريخ ١٢ مايو ١٨٨١) على معاهدة صداقة وحسن جوار: «سمحت الدولة التونسية حسب بنودها للحكومة الفرنسية بأن تحتل مؤقتًا بعض المراكز من التراب التونسي.

وقد أبقت تلك المعاهدة لسمو الباي التمتع التام والممارسة الكاملة للسيادة الداخلية.

وتوصلت السلطات الفرنسية بتونس إلى إقامة نفسها مقام السلطات التونسية في ممارسة تلك السيادة، وأحدثت هكذا نظام الحكم الفرنسي المباشر.

فكانت النتيجة حالة قلق دائمة وأزمة تزداد اشتدادًا يومًا فيومًا في العلاقات الفرنسية التونسية.

وتفاديًا لتلك الحالة وإرجاع العلاقات بين البلدين إلى مجراها الطبيعي، تعهدت الحكومة الفرنسية تعهدًا باتًّا على التنازل على الحكم الفرنسي المباشر بتونس، وعلى تمكين تونس من إدخال التطورات اللازمة على مؤسساتها السياسية إلى أن تحقق استقلالها الداخلي.

واعتمادًا على هذه التعهدات أسند إلى سمو الباي (في شهر أغسطس ١٩٥٠) مهمة «تشكيل وزارة تفاوضية غايتها السير بتونس نحو استقلالها الداخلي.»

وأعلن سمو الباي في ١٥ مايو ١٩٥١ عن إرادته في تمثيل شعبنا في تشكيلات منتخبة وتحديد اختصاصات هاته التشكيلات، وعهد إلى الوزراء لاتخاذ أصلح التدابير لإعداد النصوص اللازمة لذلك.»

وإن الصعوبات الناتجة عن عدم تنفيذ التعهدات التي بُذلت قد حالت بين الوزارة التونسية وبين القيام بالمهمة التي أنيطت بعهدتها، فانتقلت الوزارة التونسية إلى باريس لمحادثة الحكومة الفرنسية في ضرورة تحقيق تعهداتها.

وعرضت الحكومة التونسية في مذكرة بتاريخ ٣١ أكتوبر ١٩٥١ شروط تحقيق الاستقلال الداخلي الذي وعدت به فرنسا، وهي تتلخص في إحداث حكومة تونسية بحتة وهيئة تمثيلية تونسية منتخبة انتخابًا حرًّا مهمتها سن القوانين، وذلك كله حسب إرادة سمو الباي الصريحة في خطابه.

وقد أجابت الحكومة الفرنسية بالرفض في مذكرة بتاريخ ١٥ ديسمبر ١٩٥١ عن المذكرة التي قدمت لها في ٣١ أكتوبر بعد مفاوضات طويلة مملة.

وأكدت الحكومة الفرنسية في جوابها ضرورة «مشاركة فرنسيي تونس — وهي جالية أجنبية — في تسيير المؤسسات السياسية بتونس»، وأن ذلك الموقف المخالف للقانون يناقض مناقضة جلية ما جاء في معاهدة ١٢ مايو ١٨٨١ المذكورة أعلاه.

ومن ناحية أخرى اعتدت الحكومة الفرنسية على مبدأ وحدة السيادة بتونس بمعارضتها تأسيس مجلس سياسي تونسي بحت.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الحكومة الفرنسية عندما اعتبرت الروابط بين فرنسا وتونس أبدية خرقت بنود معاهدة ١٢ مايو ١٨٨١ التي أكدت تأكيدًا رسميًّا على صفتها الوقتية (البند الثاني).

اعتمادًا على تلك العبارات وعلى ما أظهرته فرنسا من إرادة في عرقلة إحداث ديمقراطية حقيقية في المملكة التونسية، ترى الحكومة التونسية تلك الحالة تكون خلافًا بين الدولة الفرنسية والدولة التونسية وقد استحال حسم ذلك الخلاف بالاتصالات المباشرة والمفاوضة.

إن موقف الحكومة الفرنسية يجعل أسس العلاقات الفرنسية التونسية محل نظر، وأن تماديها في التمسك بسياسة الحكم المباشر في دولة لم تتنازل أبدًا عن سيادتها ومعارضتها لإصلاحات جوهرية ديمقراطية من شأنها إفساد إنماء ما بين الأمم من علاقات ودية مقامة على احترام مبدأ المساواة في الحقوق بين الشعوب وحقهم في الحكم في مصيرهم (البند١، ب٢ من ميثاق هيئة الأمم).

فمن حق الحكومة التونسية — استنادًا إلى الفقرة الثانية من الفصل ٣٥ من ميثاق هيئة الأمم المتحدة وعلى استعدادها لتحمل ما ينتج عنه من التزامات — أن تنهي لمجلس الأمن الخلاف الناشئ بين الدولة التونسية والدولة الفرنسية لكي يجد لذلك الخلاف حلًّا عادلًا ولكي يسهر على حسمه بأنجع الطرق التي تضمن العلاقات الحسنة بين الأمم.

وترغب منكم الحكومة التونسية، اعتمادًا على الفصل ٣٢ أن تتفضلوا بالسماح لها بالمشاركة في المناقشة الخاصة بذلك الخلاف.

وتفضلوا حضرة الرئيس بقبول احتراماتي.

رئيس مجلس وزراء الحكومة التونسية
١٤ / ١ / ١٩٥٢

وقد أفادت الحكومة الفرنسية قضية تونس من حيث أرادت الإساءة إليها؛ إذ أصبحت قضية عالمية لها أنصارها في جميع أنحاء المعمورة وفي هيئة الأمم على الخصوص، وعبَّدت الطريق لاستقلال تونس؛ إذ خرجت مشكلتها من النطاق الفرنسي البحت إلى النطاق الدولي، فأصبحت تتطلب حلًّا دوليًّا حاسمًا لا بد أن تنتهي إليه ولو بعد حين، وأن الحكومة الفرنسية بعملها المشين في نكث العهود جرَّت فرنسا إلى الفضيحة أمام العالم، وأفسدت شهرتها، وشوَّهت سمعتها، ووضعتها على كرسي الاتهام؛ لما ارتكبته من عدوان على تونس، وما اقترفه جنودها من فظائع في قطرٍ كان يجب أن تحميه.

١  أوروبا والثورة الفرنسية ص١٧٠.
Albert Sorel, “L’Europe et Révolution Française”.
٢  أريقو باكيا، في جريدة «إلى الأمام» بتاريخ ٥ / ١٢ / ١٩٥١.
Arrigo Jacchia, “Aventi”.
٣  ذكر النائب الفرنسي كيليسي، المعروف بتطرفه في الفكرة الاستعمارية تلك الرسالة في جلسة المجلس الوطني الفرنسي بتاريخ ٥ يونيو ١٩٥٢.
٤  المقصود هو مقومات الدولة من وزارة وبرلمان ومجالس بلدية وإدارات.
٥  المنظمات القومية هي: الاتحاد العام التونسي للشغل، الاتحاد العام للصناعة والتجارة، الاتحاد العام للفلاحة التونسية، جامعة قدماء المحاربين التونسيين، الحزب الدستوري الجديد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١