العدوان الفرنسي المسلح

كانت الحالة بتونس في الأشهر الأخيرة من سنة ١٩٥١ متأزمة جدًّا والجو ملبدٌ والغضب سائد، ولكنه غضب مكظوم، وكل من زار البلاد من الأجانب في تلك الفترة شعر بعدم الاستقرار، وكتب أحد الصحفيين الإيطاليين١ يقول: «الانقسام ظاهر كلي بين الفرنسيين والتونسيين الذين يسعون لإخضاعهم ولإشعارهم أن البلاد تونسية، إن العرب قد تطوروا بتونس وفهموا أن المستقبل لهم لا محالة، فأصبحت الإصلاحات والوعود وبعض الترضيات الشخصية لا تقنعهم.» وكتب آخر٢ يقول بعده بأيام: «بعد تحويرات ٨ مارس ١٩٥١ لم تتقدم تونس نحو الحكم الذاتي، ولا نحو الاستقلال الداخلي، بل نحو الشلل الذي اعترى الحكومة؛ لأن مديري الإدارات من الفرنسيين يعرقلون كل شيء.

يمكن التعريف بتونس هكذا: قطر غني وسكان فقراء؛ لأن الخيرات والثروات كلها بأيدي الجالية الفرنسية.»

لم تتفطن حكومة فرنسا ولم ترد أن تتفطن إلى تقدم تونس، وإلى عزمها على نيل حقوقها، واستعدادها للتضحية في سبيل أهدافها الوطنية، فلم تسعَ لمعرفة الحالة بالضبط، بل تهاونت وتَبِعَت أسهل الحلول وهي حلول القوة؛ لأن الجالية الفرنسية كانت سدًّا منيعًا بينها وبين الحقيقة، ولكن الأجانب الذين عرفوا تونس معرفة دقيقة تنبئوا بالحوادث قبل وقوعها وبحثوا أسبابها، وقال الكاتب Santa Maria:٣ «فإن كانت تلك التحويرات لا تُحتمل بالنسبة للمستعمرين الفرنسيين الذين يريدون المحافظة على السلطان المطلق الكامل والامتيازات، فإنها لا تذكر بالنسبة للوطنيين التونسيين الذين يرون بأعينهم خيرات بلادهم تُجرُّ جرًّا إلى الفرنسيين وتملأ جيوبهم، وكنوز تونس تُستثمر كلها لفائدة جالية أجنبية، وهم بأنفسهم يُستخدمون كآلات مسخَّرة لها، حتى أصبحوا يعتقدون أن تحسين حالهم والوصول إلى حياة البشر الحقيقية معلق على نيل الاستقلال التام.

وإن الثورة المنتظرة لم تمِل بفرنسا إلى اتباع سياسة تسير بالبلاد والعباد نحو تحسين حالة المعيشة والتطور نحو التقدم والرقي، ولكنها مالت كعادتها إلى أعمال الغالب المحتل لبلاد غيره المسيطر عليه بقوة الحديد والنار الذي لا يعرف إلا الاضطهاد والقمع.»

وقد ظهر خطر تلك السياسة الفرنسية على دول البحر الأبيض المتوسط كلها؛ لأنها لا تنتج إلا الاضطراب وعدم الاستقرار في مواقع استراتيجية حيوية بالنسبة لتلك الدول حتى قال كاتبهم:٤ «إن السياسة الاستعمارية تعزل عن الدنيا جميع الشواطئ الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط وأن تلك السيطرة القاهرة للشعوب لا تثمر إلا الريبة والشكوك، ثم الثورات المتتالية، وتكون عدم الاستقرار، وكأن القوات الأطلسية تعيش على بركان لا تدري متى ينفجر.»
كانت الأعصاب متوترة في تونس، والشعب مصممًا على عدم الاستسلام للقوة وعدم الرضوخ لما تريد فرنسا له من محو ذاتيته وإدماج ترابه، وكان جو الانتظار خانقًا رهيبًا، والسكون السابق للعاصفة يخيم على البلاد، وإذا بفرنسا تتبع أحد مبادئها القديمة البالية التي كانت نجحت في القرون الماضية لاستنامة الشعوب المغلوبة على أمرها؛ لأن فرنسا كانت من أقوى دول العالم المتحكمة في مصيره، فأظهرت قوات عتيدة ونشرتها في البلاد بمناسبة قدوم المقيم العام «دي هوتكلوك» فدخل تونس يوم ١٣ / ١ / ١٩٥٢ كالغازي المتهجم والغالب القاهر والعدو المنتصر معلنًا هكذا عن نواياه ونوايا بلاده وإرادتها القمع والاعتداء المسلح، فوصل إلى ميناء تونس صباح ذلك اليوم على ظهر بارجة حربية مارسو Marceau وكان يصحبه منذ حل بالمياه التونسية بواخر حربية أخرى من بينها الطرادة إيلان Elan، وكانت الفرقة الخامسة الجوية المكونة من الطائرات الصاروخية من نوع فمبير Vampires تحلق فوقه وفوق مدينة تونس، وكان الجنود مُصْطَفِّين على الرصيف وعلى طول الطريق المؤدية إلى قصر الملك بمدينة حمام الأنف، وبمجرد ما رست الباخرة بميناء تونس تعالت صفافير البواخر الراسية كلها، وبعد أن استعرض الجنود المصطفين ذهب لزيارة جلالة الملك بقصر حمام الأنف محفوفًا بقوات الفرسان.
وحدثت يوم ١٤ / ١ / ١٩٥٢ أكبر مفاجأة للمقيم الجديد والحكومة الفرنسية نفسها التي ظنت أن أعمالها بتونس لن تفضح وأن اعتداءها عليها سيبقى في الدائرة الفرنسية لا يتعداها، وإذا بالوزارة التونسية ترسل وزيرين من أعضائها هما الأستاذ صالح بن يوسف وزير العدل والأستاذ محمد بدرة وزير الشئون الاجتماعية، فيتقدمان في ذلك اليوم إلى هيئة الأمم المتحدة لتكون حكمًا في الخلاف بين تونس وفرنسا، ففقد الفرنسيون أعصابهم، وظهرت طبيعة «دي هوتكلوك» الهوجاء، فعبر لجلالة الملك «أثناء زيارته له يوم الثلاثاء ١٥ / ١ / ١٩٥٢ عن عزمه على استخدام الشدة ضد حركة الدستور الجديد، وضغط عليه لإقالة وزارة محمد شنيق وإرجاع الوزراء من باريس وسحب الشكوى من هيئة الأمم، وقد استعمل في أثناء حديثه عبارات جافة لا تليق بالمقام.»٥

وسعت الحكومة الفرنسية وممثلها بتونس في أن تُسقط الدعوى لدى هيئة الأمم المتحدة بجميع الوسائل، وقد ثارت ثائرة الحكومة الفرنسية والجالية الفرنسية بتونس، وعدُّوا ذلك العمل ماسًّا بناموس فرنسا وكرامتها؛ فكيف يتجاسر العبد المقهور والبلاد التي تعد ملكًا لغيرها على رفع رأسها؟! وكيف يجرؤ الخادم على سيده؟! وتوالت التصريحات الرسمية وشبه الرسمية تحمل في طياتها التناقض والحيرة وتلجأ إلى الحجج السفسطائية فتقول تارة: «إن الدستور التونسي قد أبقى السلطات كلها بصفة قطعية في يد الباي، وما الحكومة التونسية إلا مجرد مؤسسة إدارية … وإن سلمنا جدلًا أن في إمكان تلك الحكومة أن تتخذ مثل ذلك القرار، فينبغي أن نلاحظ أنها لم تجتمع ولم تبحث تلك العريضة التي قُدمت للأمم المتحدة، فكان ينبغي أن تحمل توقيع رئيس الدولة ثم تُسلم إلى وزير خارجيته أي المقيم العام الذي له وحده الصفة التي تخوله التقدم بها إلى الأمم المتحدة.»

وعادت الحكومة الفرنسية إلى عادتها في التلاعب بالألفاظ لعلمها أن الوزارة التونسية غير مجلس الوزراء، وأنها مكونة من وزراء تونسيين فقط، وأنها هيئة سياسية قبل كل شيء، فلها الحق في أن تقوم بالأعمال السياسية، ولها الحق في أن تتكلم باسم تونس في الداخل والخارج، ومن ناحية أخرى كيف يُعقل أن يقدم ممثل فرنسا شكوى ضد فرنسا، ولا يخطر إلا ببال الفرنسيين أن تقدم فرنسا دعوى على نفسها، ومعنى كلامهم الحقيقي هو أن ترجع تونس في جميع أمورها إلى الحكومة الفرنسية المعتدية عليها.

ونرى السلطات الفرنسية بتونس تدعي أنها تريد حماية شخص الباي من كل تهديد؛ ولكنها في الواقع هي وحدها التي تهدده؛ فتطوق قصره بقوات حربية هائلة لتجبره على الاستسلام وعلى طرد الوزارة التونسية التي ارتكبت ذنبًا لا يُغتفر في نظر فرنسا، ثم إن المقيم العام أوعز للصحف الفرنسية بتهديد جلالة الملك تهديدًا مباشرًا بالتلويح والتلميح أول الأمر ثم صراحة، ونقلت جريدة فرانس سوار France soir ذلك التهديد بتاريخ ١٨ / ١ / ١٩٥٢ قالت: «ما زالت الأوساط الفرنسية الرسمية تؤمل في أن يجيب الباي طلب المقيم العام بروح تسودها الحكمة والاعتدال … وأن العاصفة التي هبت الآن على العلاقات الفرنسية التونسية يمكن أن تجرف في أعاصيرها حتى أعلى الشخصيات منصبًا.»

وأصبح ذلك التهديد بعد أيام أمرًا واقعيًّا صريحًا إذ اتصل المقيم العام مباشرة بولي العهد عز الدين باي ليهيئ خلع جلالة الملك محمد الأمين، لما رأى أن تهديده لم يأتِ بنتيجة، ولا يخفى ما في ذلك من خرق للمعاهدات؛ إذ تعهدت فرنسا بحماية شخص الباي.

ولم تكتفِ فرنسا بذلك العمل السياسي، بل شرعت يوم ١٤ يناير نفسه في القمع وابتدأت حالًا في العنف؛ لترغم التونسيين على الخنوع والرضى بحالتهم الراهنة.

وكانت المحكمة الفرنسية قد قررت النظر يوم ١٤ يناير ١٩٥٢ في القضية التي علقت بالسيد «عبد العزيز المسطوري» الأمين العام لجامعة المحاربين التونسيين القدماء، وفي الساعة التاسعة صباحًا جُلب الأخ المذكور من سجنه ليمثل أمام المحكمة حتى تحاسبه على نشاطه في ميدان تكتيل المجحودة حقوقهم ولمِّ شتاتهم في منظمة تونسية تنتصف لهم وتسهر على مصالحهم؛ ما دام الإهمال قد خيم عليهم ولم يجدوا في المنظمة المختلطة اهتمامًا بشأنهم.

ولهذه المناسبة تجمهر أمام مدخل المحكمة عدد كبير من المحاربين القدماء جاءوا للإعراب عن تعلقهم بقائد حركتهم وإظهار عطفهم عليه.

وعُرضت القضية على أنظار المحكمة، وتقدم للدفاع عن المتهم الأستاذ بالاغة، فقام بمرافعة قيمة كان لها رنينها، وقررت المحكمة تأجيل التصريح بالحكم إلى يوم ١٨ يناير سنة ١٩٥٢.

وقد أبلغ هذه النتيجة إلى الجموع المحتشدة أحد رفقائهم ودعاهم للتفرق في هدوء وسكينة، في انتظار التاريخ المذكور، وبينما كان المحتشدون يتهيئون للتفرق إذا بعصى أعوان البوليس تعمل في ظهورهم وجنوبهم عملها ويهاجمون بدون سابق إنذار، فحصل تماوج في الصفوف واضطراب لم يلبث البوليس بعده أن أخذ في إطلاق الرصاص على أولئك العزل المسالمين، وتتابع ذلك الطلق … وتتابع سقوط الجرحى حتى بلغ ٩ تتفاوت جروحهم خطورة … وبقي ثلاثة منهم بالمستشفى لإخراج الرصاصات التي سكنت أجسامهم في أماكن حساسة.

وقد علقت جريدة الصباح على هذا الحادث بتاريخ ٢٥ / ١ / ١٩٥٢ بهذه الكلمات:

وقد أثارت هذه الحادثة الدامية الفظيعة غضبًا في أوساط الشعب التونسي عامة ورأت فيها بادرة استقبال طالع بها الجانب الاستعماري السفير الجديد … وخير برهان يقدمه هذا الجانب من جهة أخرى لهيئة الأمم المتحدة التي اتصلت بالشكوى التونسية في نفس اليوم، على صدق هذه الشكوى وتدعيمها بصورة مما يعيش عليه التونسيون.

لقد قام الجانب الفرنسي بهذه المناورة الدامية رغم تحذيرنا له من ذلك المرار العديدة … وتساءلنا؟ هل تكون الاضطرابات في هذا الظرف من صالحه؟ ولكنه فعل!

إن الشعب التونسي ليحتج على هذه الاضطهادات والإرهاق، ويستصرخ العالم ويُشهده على سياسة الحديد والنار التي يساق بها إلى الفناء.

وقد بلغ حنق الشعب وحماسه أقصاه، ولكنه تحكم في أعصابه وأطاع أوامر حزبه في المحافظة على الهدوء والسكينة، وإذا بالسلطات الفرنسية تستفزه وتثير عواطفه، فقد قصدت جماعة من الدستوريات مدينة باجة يوم ١٥ يناير لتأسيس شعبة نسائية بها، وإذا بقوات البوليس تهاجم مقر الاجتماع، وتلقي القبض على الزائرات كلهن، وعددهن ٢٩ سيدة، وعلى عدد من قادة الحركة الوطنية بتلك المدينة، واحترام المرأة عند المسلمين والعرب أمر مقدس، فلم يتحمل التونسيون ذلك العدوان ورأوا فيه إهانة وتحديًا لعواطفهم الوطنية والدينية، فعمَّ الهيجان والاضطراب مدينة باجة، ومن الغد (١٦ يناير ١٩٥٢) على الساعة الثانية والنصف بعد الظهر سارت مظاهرة شعبية هائلة تطالب بإطلاق سراح المساجين الذين اعتُقلوا بالأمس، وكانت تتقدم بهدوء وسكينة، ثم تفرقت تلبية لأوامر الحزب لكي لا تتصادم مع القوات الفرنسية، ولكن تلك القوات تتبعت أفرادها وأخذت تصيدهم صيدًا وتعتدي عليهم، وإذا بالجماهير تنظم مظاهرة ثانية أكثر عددًا وأضبط نظامًا لتقدم عريضة احتجاج إلى العامل (مدير الجهة)، ولكن القوات المسلحة الفرنسية هاجمتها من غير سابق إنذار وصادمتها صدمة عنيفة وأرادت تشتيتها بالعنف، فرمتها أولًا بالقنابل المسيلة للدموع، ثم أمطرتها وابلًا من الرصاص، فكان الوطنيون الذين لم يُعدوا العدة لخوض معركة دامية يتساقطون عشرات، وقد مات منهم عدد وجُرح أكثر من ثلاثين شخصًا، وفي نفس اليوم جرت النسوة الدستوريات في مدينة بنزرت أمام المحكمة الفرنسية التي لم تجد مستندًا للحكم عليهن، فأطلقت سراحهن لما رأت من غضب الشعب وفورانه؛ إذ تجمع الجماهير بمجرد أن بلغها خبر وصول النسوة إلى بنزرت، وجاء الناس أفواجًا من القرى المجاورة للمدينة، وسعوا في عبور الخليج الذي يفصل المدينة عن المنطقة الشرقية على المركب المعد لذلك، ولكن القوات الفرنسية المسلحة احتلَّت المركب ومنعت الجماهير من ركوبه وهاجمتها حالًا، وشرعت من غير سابق إنذار في رميها بنار حامية من بنادقها سريعة الطلقات، ودامت المعركة الصباح كله إلى الظهر، وبقي الاضطراب سائدًا في الجهة والمناوشات مستمرة، ولم تهدأ الحالة إلا في الليل، واستشهد في الواقعة عدد من الوطنيين وجُرح خمسة عشر جروحًا بليغة وخمسة وأربعون جروحًا خفيفة.

ولما انتشرت أخبار تلك الوقائع الدامية أعلنت مدن المملكة وخاصة تونس وبنزرت وفريفيل وباجة وصفاس الإضراب العام، ويوم ١٧ يناير اجتمع الشعب آلافًا في مدينة فريفيل القريبة من بنزرت، وفي الساعة الثامنة صباحًا سارت مظاهرة كبرى من نادي الشعبة الدستورية إلى مقر السلطات التونسية، لتقدم لها عريضة احتجاج، وكان نظامها دقيقًا يسودها ضرب من الخشوع لذكرى الشهداء ظاهر في هدوئها وسكينتها، وإذا بقوات البوليس تهاجمها بغتة وتسعى في تشتيتها بالقوة وتطلق عليها الرصاص، ويسقط المتظاهرون قتلى وجرحى يفوق عددهم الأربعين.

وخرجت مظاهرة عظيمة من منزل جميل التي تقع جنوبي بنزرت وسعت في الدخول إلى هذه المدينة التي كانت مطوقة بالقوات الفرنسية، ودارت بين الوطنيين العزل والجنود الفرنسيين المسلحين المعارك، فسقط قتيل تونسي وجُرح عشرات من بينهم خمسة عشر في حالة خطيرة.

وتجددت المظاهرات في الجيهة كلها، وكان أروعها مظاهرة ماطر.

(١) اعتقال الزعماء ومؤتمر الحزب

قررت السلطات الفرنسية أن تضرب ضربتها الكبرى يوم ١٨ يناير، وأن تسابق الحزب الذي حدد ذلك اليوم موعدًا لعقد مؤتمر غير عادي لاتخاذ ما تستوجبه الحالة من قرارات، فابتدأت بأن حرمته من القاعات العامة الكبرى ووضعت أمامها حرسًا مسلحًا، وقد أسرعت إلى إلقاء القبض على رئيس الحزب وزعيم الشعب الحبيب بورقيبة وعلى الأستاذ المنجي سليم مدير الحزب وعلى عشرين شخصية من رجالات الحزب، فهاجمت قوات البوليس الفرنسي في الساعة الرابعة صباحًا بيت الحبيب بورقيبة وأخذته من فراشه وألقت عليه القبض حالًا، وكذلك فعلت مع الأستاذ المنجي سليم ونقلتهما إلى مطار «العوينة» قرب تونس ومنه إلى مكان مجهول. ووصلت الأخبار في المساء أنهما أُخذا إلى طبرقة للإقامة الجبرية فيها، وهي تقع على شاطئ البحر قرب الحدود الجزائرية، أما بقية المعتقلين، فوقع إبعادهم إلى صحراء الجنوب، وأصدرت الإقامة العامة بلاغها في اليوم نفسه وجاء فيه: «إن المقيم العام عندما اتخذ هذه الإجراءات قد أوضح عزمه الراسخ على المحافظة على النظام الذي يحمل مسئوليته، وهو يريد بذلك وضع حد للأعمال الخارجة عن القانون التي تقوم بها عناصر غير مسئولة لا يمكن أن تتسامح معها في ضغطها على سلطات البلاد.»

ويظهر جليًّا من هذا الكلام أن «دي هونكلوك» يظن — تحت تأثير الجالية الفرنسية — أن إبعاد بورقيبة وصحبه سيخلي له الجو ويمكِّنه من الاستحواذ على الوزارة التونسية وجلالة الملك نفسه، ولكن الحقيقة ظهرت حالًا؛ إذ كل تونسي يحمل في نفسه المبادئ الوطنية المقدسة لا يحتاج إلى تأثير خارجي ليقوم بما يفرضه عليه الواجب، ويعلم المقيم العام ومستشاروه أن اعتقال الزعماء إنما القصد منه إثارة الشعب في ذلك الجو المكفهر الملبد؛ ليتمكن من اضطهاده اضطهادًا عامًّا شاملًا، وخاصة أن يهيئ الأسباب للقيام باعتداء مسلح ضد شعب تونس رجاء القضاء على الحركة الوطنية.

إن السلطات الفرنسية منعت بالفعل عقد مؤتمر الحزب عند عدم السماح له بالاجتماع في إحدى القاعات الكبرى، ولم يكن في إمكانها منعه قانونيًّا؛ لأنها ألغت الحزب بقرار رسمي يوم ١١ أبريل ١٩٣٨، ولم تعترف به منذ ذلك التاريخ، ولكن الحزب الذي له السيطرة الواقعية على البلاد، عقد مؤتمره سرًّا صباح ذلك اليوم الصاخب، وقد رأسه أحد أعضاء الديوان السياسي الأستاذ الهادي شاكر، وبعد مناقشة دامت ساعتين أصدر اللائحة التالية التي وقعت الموافقة عليها بالإجماع:

لائحة المؤتمر

إن المؤتمر الوطني غير العادي للحزب الحر الدستوري التونسي المنعقد بتونس في ١٨ / ١ / ١٩٥٢ برئاسة الهادي شاكر، بعد الاستماع إلى تقرير عن نشاط الحزب.

ونظرًا لأن الحزب بعد موافقة «المجلس الملي المتسع» قد دخل في تجربة تعاون صريح مع فرنسا على أساس إلغاء الإدارة المباشرة والوصول بتونس إلى الحكم الذاتي.

ونظرًا لأن الحزب تأكيدًا لرغبته في حل الأزمة السياسية المستحكمة حلًّا سلميًّا، وتسوية العلاقات بين فرنسا وتونس في نطاق احترام السيادة التونسية، والرد على استعداد فرنسا باستعداد أكبر، قد أوفد أمينه العام ليمثله في وزارة تفاوضية.

ونظرًا لأن الحزب بعمله هذا نجح في مواصلة نشاطه سواء في داخل البلاد أو خارجها، وحتى داخل الحكومة.

ونظرًا لأن روح التفاهم التي أظهرها «الديوان السياسي» جلبت لبلادنا الرأي العام الديمقراطي العالمي، والرأي العام الفرنسي بوجه خاص.

ونظرًا لأن مهمة التفاوض التي كلِّفت بها الحكومة التونسية لم تصل إلى أي نتيجة؛ لاعتناق الحكومة الفرنسية وجهة نظر شرذمة المتفوقين التي لم تتعظ بالأحداث.

ونظرًا لأن الرد على مذكرة ٣١ أكتوبر ١٩٥١ يبين المعارضة التامة بين موقف التونسيين وموقف الفرنسيين.

ونظرًا لأن هذا النزاع الواضح الجلي دفع الحكومة التونسية إلى عرضه على مجلس الأمن رغبة في تسويته.

ونظرًا لأن سياسة الاضطهاد التي شرعت سلطات الحماية في اتباعها لا تعالج الموضوع، وسوف تفشل حتمًا مثل حملات الاضطهاد التي سبقتها.

ونظرًا لأنه تبين بهذه الصورة أن إعادة السيادة التونسية لا يمكن أن يتحقق عن طريق الترقيع والإصلاحات الجزئية للنظام الحالي، الناتج عن المعاهدات وما لحقها من نقض عند التنفيذ.

ونظرًا لأنه تبين أنه في هذه الحالة يجب أن يقوم حل القضية التونسية على أساس إلغاء النظام الحالي والمعاهدات التي تسببت في وجوده.

ونظرًا لأنه من حق الحزب أن يعيد النظر في الأسس التي تقوم عليها العلاقات الفرنسية التونسية، وأن يدفع الديوان السياسي — بناء على التطور العالمي — إلى القيام بالأعمال التي من شأنها أن تحمل المسئولين على إعادة النظر في العلاقات بين تونس وفرنسا.

فإن مؤتمر الحزب:

يؤكد أن إلغاء الحماية، وتحول تونس إلى دولة مستقلة ذات سيادة وعقد معاهدة بين تونس وفرنسا تنسق على أساس المساواة، علاقة الدولتين في الميدان الاستراتيجي والميدان الاقتصادي والميدان الثقافي، وتضمن المصالح الشرعية لجميع الجاليات الأجنبية — هي الأسس الوحيدة التي يقوم عليها أي تعاون ودي ومثمر ودائم بين البلدين.

ويعلن شديد احتجاجه على الإجراءات التي اتخذت ضد الرئيس «الحبيب بورقيبة» ومدير الحزب «المنجي سليم» وكثير من أعضاء الحزب.

ويتبرأ من مسئولية النتائج الوخيمة التي قد تنتج عن هذه الإجراءات.

ويؤكد عزم الشعب التونسي على السعي بكل ما أوتي من قوة لتحقيق مبادئ وأهداف ميثاق هيئة الأمم المتحدة سواء في ميدان الديمقراطية والحقوق الفردية والجماعية، أو في الميادين الاقتصادية والاجتماعية.

ويجدد لجلالة الباي شواهد إخلاصه.

ويبدي لقادة الحزب وأعضائه الذين استهدفتهم تلك الإجراءات الاستبدادية تضامنه الكامل معهم.

ويمنح ثقته للديوان السياسي، لمواصلة عمله التحريري الذي بدأ منذ تأسيس الحزب.

تونس
الجمعة ١٨ / ١ / ١٩٥٢

وأصبحت تلك اللائحة دستور التونسيين في كفاحهم المرير، وبعد انتهاء المؤتمر، تشكل وفد من أعضائه، وقصد قصر حمام الأنف ليقدم تلك اللائحة إلى جلالة الملك مع شواهد الإخلاص، ولكن البوليس الفرنسي ألقى القبض على أعضاء الوفد كلهم قبل أن يتمكنوا من الوصول إلى حمام الأنف.

وقد طوقت القوات الفرنسية المدججة بالسلاح قصر حمام الأنف، وعزلته عن العالم، وقطعت قوات البوليس جميع الطرق المتصلة بتونس، وحاصرت المدينة نفسها، وملأت شوارعها وميادينها بالجنود في زي الميدان والدبابات والسيارات المصفحة وسيارات القيادة وحاملات اللاسلكي، فأقامت الدليل على أن الاعتداء مبيت وأنها مؤامرة دبرت بليل ضد شعب أعزل.

وانتبه بعض المفكرين الفرنسيين إلى العاقبة الوخيمة التي ستنفجر لفرنسا في الميدان الدولي عن استخدامها للعنف في تونس، فقال:٦ «من الملاحظ أن حوادث هذه الأيام تشابه حوادث سنة ١٩٣٨ سواء في أسبابها الطارئة أو أسبابها العميقة؛ فهي تابعة لخيبة المحادثات بين فرنسا وتونس.

ولكن اليوم اتخذت الإجراءات ضد زعماء الدستور الجديد في حين يلتجئ فيه الأمين العام للحزب إلى الرأي العام العالمي، وأن رد الفعل — الذي كان عاجلًا بتونس — سيظهر لا محالة في النطاق الدولي.»

(٢) استعداد فرنسا للاعتداء المسلح

رأت الحكومة الفرنسية أن قواتها المسلحة الموجودة بتونس لا تفي بالحاجة المنشودة لقمع شعب كامل، والسيطرة على بلاد أصبح أبناؤها يؤمنون بالمبادئ الوطنية. والقطر التونسي آمن، أعزل من كل سلاح، وقد لاحظ ذلك كثير من الأجانب، فقالت جريدة «المساجيرو» الإيطالية بتاريخ ٢٠ / ١ / ١٩٥٢ إن التونسيين تظاهروا في القطر كله من غير أن يكونوا مسلحين يسودهم النظام والهدوء والسكينة، شعب كامل يريد التعبير عن إرادته.

وأساس الأزمة بتونس هو: هل للجالية الفرنسية الحق في أن تكون ممثلة في مؤسسات الدولة التونسية مناصفة، في البرلمان التونسي والحكومة التونسية؟ ينكر الوطنيون ذلك ويقولون لا! وتقول الجالية الفرنسية نعم!

وإن الفرنسيين قد اعتمدوا على السيادة الداخلية التي ضمنتها المعاهدات والقانون.

وأخذت الحكومة الفرنسية تصدر البلاغات تلو البلاغات لتعلن تعزيزها لقواها بتونس تطمينًا للجالية الفرنسية، وعربونًا لها على أن أغراضها ستنفذ لا محالة، وقد انهال على تونس سيل من النجدات والجيوش، لم ينشر عنها إلا النزر اليسير، ولم تعترف الحكومة الفرنسية إلا بالقليل منها، وهذه بلاغاتها تدل دلالة واضحة على ذلك الاعتداء المسلح الشنيع.

البلاغ الأول نشرته جريدة «ليموند» الباريسية بتاريخ ٢٥ / ١ / ١٩٥٢ وجاء فيه:

قرر مجلس الوزراء الفرنسي في اجتماعه يوم ٢٤ يناير تعزيز مراكز الأمن وإرسال نجدات من الجيش والبوليس.

وحدات من الأسطول الحربي تشترك في المحافظة على النظام.

باخرتان خفيفتان من الأسطول الفرنسي أُرسلتا إلى تونس: ليلان إلى ميناء سوسة، ومملوك إلى ميناء صفاقس.

وقد شارك عدد كبير من الكومندوس البحري في المحافظة على الأمن بجبهة سوسة وطبلبة، أما الكومندوس «تريبل» فقد وصل سوسة صباح الخميس ٢٤ يناير على طريق الجو، وبقي بعض الكوماندوس مرابطين على مقربة من طبلبة.

أنزلت الباخرة الحربية Georges Leigues في صباح يوم الجمعة في الساعة السابعة والنصف ببنزرت وحدات من الحرس المتنقل.

ووصلت إلى مدينة صفاقس وحدات أخرى من الحرس آتية من الجزائر.

ووقع تجنيد عدد كبير من الرديف الفرنسي بتونس.

وجه الجيش عددًا وافرًا من الجنود نحو تونس، فسار فيلق من الصبايحية مزودًا بالمصفحات من مدينة باتنة (عمالة قسنطينة).

وجاء عن طريق البحر فرقة من الصبايحية من مدينة سانليس، وثلاث فرق من جنود المظلات وفرقة الاصطدام والهجوم من مدينة منتيليه Montpellier، وقد ركب الجنود بالبواخر الحربية، وشُحن قسم من الأسلحة والآلات الحربية مع خيل بعض فرق الصبايحية في بواخر تجارية أُعدت لذلك.

والمظنون أن سلاح الجو لا يحتاج إلى تعزيز يأتيه من فرنسا نفسها؛ إذ لديه فرق من الطائرات الصاروخية بمدينة وهران ومدينة تونس، حيث توجد مدرسة لسلاح الطيران، وقد أظهر هجوم الطائرات على ارتفاع قليل مفعولًا كبيرًا أدبيًّا في مدينة قليبية.

ونُقل الجنود على الطريق الجوي بشمال أفريقيا بوسيلة فرقة الطيران المكونة من (١٦ جانكر (٥٢) محطها بالجزائر).

أما البحرية فبقطع النظر عما نقلته فإنها أرسلت عددًا من الكوماندوس إلى جهة الساحل.

ولقد عبرت جريدة فيغارو عن ارتياح الجالية الفرنسية لوصول تلك النجدات، فقالت بتاريخ ٢٦ / ١ / ١٩٥٢: لقد اطمأن الفرنسيون عندما شاهدوا وصول البارجة الحربية جورج ليج، والطرادة مارسو إلى ميناء بنزرت حاملتين الجنود والعدة من المرسى الحربي طولون Toulon.
وتقول جريدة الفيغارو الباريسية بنفس التاريخ: «وصلت يوم ٢٤ يناير إلى صفاقس نجدات متركبة من الحرس المتنقل»، وأضافت بعض البيانات عن تلك النجدات قالت:
إن باخرة من نوع لبيرتي – شيب اسمها أودت Oddet أنزلت كميات هائلة من الآلات الحربية من بينها سيارات المخابرات اللاسلكية ولوريات والأسلحة الخفيفة.

وتوجه من مدينة منتوبان نحو تونس فصيلتان من فرقة الاصطدام والهجوم الأولى وأبحرت من ميناء مرسيليا.

أما بعض الضباط فقد سافروا على طريق الجو.

وتوالى إرسال النجدات من غير انقطاع، فقالت «الفيجارو» نفسها في ٢٨ يناير ١٩٥٢:
أبحرت الباخرة التجارية شارل بلومية Charles Plumier من مرسيليا قاصدة تونس، وإن حمولتها مركبة من عدة للجنود الذين أرسلوا إلى القطر التونسي.
وأبحرت باخرة الركاب كامبانا Campana من مرسيليا قاصدة فيلييفيل حاملة (١٢٠٠) ألفًا ومائتي جندي سيتوجهون لتونس، وأكثرهم من الفرقة ١٤ من جنود المظلات ومعهم ١٥٠ من الحرس المتنقل وقسم من فرقة الاصطدام والهجوم.
وقد ركب قسم كبير من الجنود على متن الباخرة مريجوت Marigot متوجهين نحو عنابة.
وفارقت باخرة الركاب «جبل دوميرة» مرسيليا حاملة الفرقة الرابعة من Rig من طولون.

ومن ناحية أخرى حملت الباخرة «سيدي فروج» الفرقة السابعة من صبايحية سانليس، وتوجهت الباخرة «سيدي عقبة» نحو بنزرت حاملة قسمًا من العساكر الاستعمارية من مدينتي كاركسون وبربينيان.

نقلت الباخرة «قيروان» صباح يوم ٢٩ يناير من مرسيليا ثلاثمائة جندي من فرقة المصفحات عدد ٢٥٠٧ في طريقها إلى الجزائر.

ونقلت الباخرة شارل لوهرن Charles Le Horgne حمولة كلها آلات حربية من مرسيليا إلى الجزائر.

وقصد كل ذلك تونس.

وأخيرًا خُتم كل ذلك باعتراف وزارة الحربية الفرنسية التي أصدرت البلاغ التالي في ٣١ يناير ١٩٥٢:

إن وزارة الحربية تعلن أن إرسال الجنود إلى القطر التونسي لم ينقطع كما يتبادر إلى الذهن من نبأ نشرته بعض الصحف.

وقد أبحرت جميع النجدات المقررة، وأعدت أخرى لكي تلحق بها إذا مست الحاجة إليها.

(٣) مدينة تونس الدامية

وما كاد خبر إلقاء القبض على الزعماء ينتشر في المملكة التونسية حتى عم الاستياء وادلهمَّ الجو، فكان ذلك الخبر كشرارة من نار في الهشيم، وأن تطور الحالة بتونس في تلك اللحظات يجعل من المحتوم على فرنسا إما ترك حكمها المباشر على البلاد، وإما استخدام تلك القوات المسلحة عبثًا؛ لأن الحوادث ستقيم لها الدليل على أن الروح الوطنية لا تستسلم للقوة.

وكانت تونس وكبريات مدن القطر الأخرى مطوقة بالجنود، محتلة احتلالًا شديدًا رهيبًا، ولم يمنع ذلك الشعب من رد الفعل، فعندما بلغه اعتقال الزعماء قرر الاتحاد العام التونسي للشغل، وبقية المنظمات القومية، كالاتحاد العام للتجارة والصناعة، والاتحاد العام للفلاحة، إضرابًا عامًّا غير محدود، فتوقف البيع والشراء، وأغلقت الأسواق، وشلَّت حركة المواصلات، وتعطلت المعامل والمصانع ودواوين الحكومة والموانئ؛ وأقفلت المقاهي والمحال العامة، وعمت الاضطرابات، وقوي التشويش، واشتد الشغب، ونزل الناس إلى الشوارع، وتكونت المظاهرات في نظام عجيب، رغم الحماس المتدفق، وظهر عزم الشعب على الدفاع عن حقوقه ورد الفعل.

وكانت مدينة تونس مسرحًا لغضب الشعب وللحوادث الدامية؛ إذ تجمهر الشعب رغم تلك القوات المسلحة الهائلة وانتظم في مظاهرات عظيمة صاخبة، وتعالت الهتافات، وملأت أجواء المدينة: يعيش الملك، أطلقوا سراح بورقيبة وبقية الزعماء، الاستقلال، الاستقلال. فهاجمت قوات الجيش المتظاهرين بشارع باب المنارة؛ وأخرتهم إلى أن أوصلتهم أمام المحكمة العسكرية؛ وهناك صادمتهم فرقة «الحرس المتجول الخاص» بالرشاشات الصغيرة والمدافع الرشاشة، وأطلقت نيرانها الحامية على حشد يجمع الرجال والشيوخ والأطفال والنساء، فسقط عشرات من الأموات والجرحى، وذلك في الساعة العاشرة صباحًا، وتجددت المعارك في الساعة الحادية عشرة، بشارع الباب الجديد؛ وازداد عدد الشهداء فيها.

ووقعت مصادمة عنيفة جدًّا بين القوات الفرنسية والوطنيين الذين دخلت جموعهم من الشارع الرئيسي إلى «سوق الشكاير»؛ وعجل البوليس هناك باستخدام أسلحته النارية؛ فقتل أحد الوطنيين وجرح ستة منهم، وتجددت المظاهرات بعد الظهر؛ إذ وصلت الجماهير المحتشدة إلى مقر المقيم العام؛ وجددت هناك هتافاتها ومطالبها، وأسرعت نحوها فرق الجيش الفرنسي المرابطة هناك، والبوليس؛ وانهالوا ضربًا على المتظاهرين الذين لم يتشتتوا إلا بعد أن لحقهم الضر.

وذهب وفد من النسوة الدستوريات، قاصدًا القنصلية البريطانية لإبلاغها احتجاجًا على الإيقافات والاعتداءات الدامية، ولكن قوات الحرس المتجول الخاص قد أحاط بالقنصلية لمنع كل اتصال بها، فهاجمت النسوة وضربتهن ضربًا مبرحًا وألقت القبض عليهن.

وكان الجنود والبوليس يفتشون كل تونسي يمر بالشوارع؛ ويلحقون به الإهانات المتنوعة، من صفع، وضرب بمؤخرات البنادق، ودوس بالأقدام، من غير رحمة ولا شفقة، ولا مراعاة لاحترام السن، ولا الوظيفة والمنصب، لإنزال الرعب في القلوب وتعميم الإرهاب، ولأقل إشارة وأتفه كلمة يلقون عليه القبض، بل أخذوا يعتقلون الناس بالجملة ويحملونهم في سيارات كبيرة قد أُعدت لذلك.

ومن الغد تلبدت السحب في سماء تونس، واشتد البرد، وتهاطلت الأمطار؛ وظن الفرنسيون أن الهدوء سيسود، وأن ذلك الجو لا يشجع التونسيين على التجمهر وسيطفئ الحماس والحرارة، ولكن الإضراب كان عامًّا شاملًا؛ وقد استثني منه المصالح العامة والإدارات، وشارك اليهود التونسيون في ذلك الإضراب، وتعسر التموين على الفرنسيين المدنيين، فلم يجدوا الخضر والفواكه واللحوم والأسماك وضروريات الحياة الأخرى.

وتكونت مظاهرة خصوصًا من العمال والطلبة، التقت بالقوات الفرنسية المسلحة؛ واشتبكت معها عندما سعى البوليس في تفريقها ففشل؛ وإذ ذاك استخدمت نيران الأسلحة سريعة الطلقات وكثر الجرحى من بين المتظاهرين.

وسارت مظاهرة أخرى مؤلفة خصوصًا من النسوة، يعززهن مئات من شباب الحزب؛ وكانت مؤثرة جدًّا لما أظهرت الوطنيات من شجاعة ونكران الذات، فاقتحمن القوات الفرنسية، ووصلن أمام الإقامة العامة نفسها، ففرقهن البوليس الفرنسي بقسوة ووحشية، واغتظن لما رأين الفرنسيين بالمدينة الأوروبية ينعمون بحياة هادئة، فاتحين محالَّهم ودور سينماتهم، ومقاهيهم؛ فهاجمن إذ ذاك تلك المحال وكسرن واجهاتها، وأنزلن الرعب في تلك الأماكن، ثم كررن راجعات إلى الإقامة العامة، وقد عزز صفوفهن كثير من الدستوريين، فأحاطت القوات بالنسوة خاصة إذ ذاك، واعتقلت أكثر من خمسين وطنيًّا أكثرهم من النسوة.

وكان يوم الأحد ٢٠ يناير كأنه يوم مأتم، وصفه أحد الصحفيين الفرنسيين فقال:٧ جو إرهابي، جو حالة الحصار، سيارات عسكرية لاسلكية، جنود بلباس الميدان، دبابات وعساكرها، عساكر كتائب الكوماندوس من ذوي القبعات الزرقاء وقوات البوليس المحتلة للشوارع.

ولم تمنع الأمطار، ولا البرد اللاذع الجماهير من عقد اجتماعات كبيرة، والقيام بمظاهرات صاخبة، وكان الحي العربي مطوقًا تطويقًا قويًّا بالمصفحات والجند، بخلاف الحي الأوروبي، فإنه كان في بحبوحة من العيش، وكان التونسيون الذين يسكنون به في جحيم لما يلحقهم من إهانات من غير انقطاع، وما يقع عليهم من اعتداء مستمر وتفتيشات مرهقة، وكان الإضراب عامًّا والدكاكين — حتى الفرنسية — مغلقة، فيسير الإنسان في شوارع تونس، وكأنها مدينة ميتة لا حراك بها، ما عدا القوات الفرنسية المتنقلة، وانقطع التموين عن المدينة منذ أيام.

واجتمع في الصباح آلاف من الطلبة، ومن مختلف طبقات الشعب في جامع الزيتونة، وتوالى الخطباء على المنبر، معلنين كلمة الحق، وتمسك الشعب برغباته في الحرية والاستقلال، والتحريض على الصبر والثبات، وتقديم ما يتطلبه الوطن من تضحيات، وعند الظهر انتظمت صفوف المجتمعين، وخرجوا في مظاهرة يسودها الهدوء والعزم، واخترقت الشوارع المؤدية إلى الحي الأوروبي، وعند وصولها إلى ميدان باب البحر، صادمتها قوات مسلحة عظيمة، وسعت في تشتيتها بالعنف، وانهال العساكر على المتظاهرين ضربًا بمؤخرات البنادق، ولكن الوطنيين حافظوا على نظام صفوفهم، وتقدموا غير مبالين بتلك القوات، وإذا بالرصاص يمطرهم من كل جانب، فيموت من يموت، ويجرح من يجرح، ويتفرق التونسيون في الحي الأوروبي ويشرعون حالًا في تكسير الدكاكين والشركات الفرنسية، فيطاردهم البوليس، وتصبح الشوارع ميدان معارك، وينتشر الذعر بين الفرنسيين، فتراهم بين هارب يجري، وملتجئ إلى العمارات القريبة وداخل الكنائس.

وفي ذلك الوقت عقد التونسيون اجتماعًا شعبيًّا عظيمًا في ميدان الحلفاوين الذي كان غاصًّا بما احتواه من بشر، كأنه الزرع في تموجاته، وقام الخطباء فيهم يحرضونهم على متابعة الجهاد، والسير في أعمالهم طبق النظام وأوامر القادة، والمحافظة على اتزان أعصابهم، وخرجت تلك الجماهير من «الحلفاوين» في ثلاث مظاهرات، تبعت كل واحدة منها إحدى الشوارع المؤدية إلى ميدان «باب سويقة» (شارع الحلفاوين وشارع الكبدة وشارع الزاوية البكرية)، وكان الوطنيون يسيرون في صفوف منظمة، رباعي وخماسي، آخذٌ بعضهم بذراع بعض، وتقدموا في هدوء رهيب، ولما اقتربوا من الميدان، تعالت الأصوات كأنها الرعد بالهتافات ثم بالأناشيد.

وكان ميدان «باب سويقة» قد احتلَّته قوات من البوليس والحرس المتنقل الذين أسندوا ظهورهم إلى بعض الدكاكين المغلقة، ووجهوا أسلحتهم نحو الشوارع المؤدية إلى الحلفاوين، ولما وصلت المظاهرة إلى الميدان وتدفقت جموعها به من كل جانب، هاجمها الجنود، وأخذوا يفرقون الصفوف، وسرعان ما استخدموا رشاشاتهم وبنادقهم؛ وسقطت الصفوف الأولى بين جريح وقتيل؛ وعاجلت الصفوف الجنود الفرنسية فاختلطت بهم، وفي ذلك الحين خرجت المظاهرتان الأخريان من الشوارع القريبة، واستحال على الفرنسيين استخدام أسلحتهم النارية؛ وأصبحت المعركة بالسلاح الأبيض؛ واستعان المتظاهرون بما وجدوا لحماية أنفسهم؛ فاقتلع الناس الحجر من الحيطان، وأخشاب الأبواب والنوافذ، وانهالوا على الجند، وطاردوهم وافتكُّوا منهم بنادقهم ورشاشاتهم، ولما رأى العساكر ما حاق بهم من هزيمة تسللوا بين جريح ومعطوب نحو سيارات «الجيب» التي أتوا فيها وفروا من الميدان.

وبعد دقائق أتت النجدات الفرنسية في «لوريات» كبرى تحمل مئات منهم مدججين بالسلاح، ووراءهم المصفحات، فلما رأى الوطنيون ألا قِبَلَ لهم بتلك القوات، تفرقوا، وغادروا ميدان «باب سويقة».

واجتمع الوطنيون في صباح ذلك اليوم في نادي الحزب الحر الدستوري في ناحية «أريانة» الواقعة على بعد ٦ كيلومترات من مدينة تونس وخرجت منه مظاهرة انضم إليها سكان أريانة كلهم، وبعد أن خرقت الشوارع الرئيسية هاتفة «بحياة بورقيبة» يحيا الدستور يحيا الاستقلال، التفت حول عربات الترام، فأشعلت فيها النار، وفي الليل جاءت قوات من الدرك الفرنسي، وطوقت مساكن قادة الحركة في تلك الضاحية، وألقت القبض على عشرة منهم، وكانوا يجرون رئيس الشعبة الدستورية صلاح الدين آغا جرًّا، ويتقاذفونه ويضربونه تارة لكمًا، وتارة بالأرجل، وطورًا بمؤخرات البنادق، إلى أن وصل إلى مركز البوليس وقد سالت دماؤه وساءت حالته.

وفي المساء تجددت الحوادث بمدينة تونس نفسها؛ إذ سارت مظاهرة أخرى إلى الحي الأوروبي، ولما وصلت إلى شارع «ليون» أضرمت النار في عربات الترام المارة من هناك، وأسرعت نحوهم قوات البوليس والجيش، ودارت معركة سريعة جُرح فيها عدد من الفرنسيين وخمسة من الوطنيين.

وكان يوم ٢٢ يناير يومًا مشهودًا أيضًا، كله اضطرابات وهياج؛ وجدد فيه الوطنيون اجتماعاتهم في المساجد، وكان الأمر يصدر لهم عند مفارقتها بأن يسيروا إلى مقر الإقامة العامة الفرنسية فرادى، فتفرق إثر تلك الاجتماعات التونسيون في الشوارع المختلفة المؤدية إلى الحي الأوروبي، وتكونت المظاهرة الأولى بميدان باب البحر، وإذا بالأعلام التونسية تُرفع فجأة، وتملأ الهتافات الجو، ويفر الفرنسيون من كل جانب، وتخرق المظاهرة الشارع الرئيسي، وقد انضم إليها عدد وافر من الشبان الذين كانوا في انتظارها، ولما وصل المتظاهرون أمام الإقامة العامة، أسرعت نحوهم سيارة جيب بها مأمور مركز البوليس الفرنسي وأعوانه، وصادمت الناس من خلف، فاجتمعوا كأنهم سد منيع، وتلاحقت إذ ذاك «لوريات» تحمل الحرس المتنقل الفرنسي، فوسع الناس للبوليس، ولما وصلت سيارة الجيب أمامهم تقدمت إحدى النسوة، ورمتها بقنبلة يدوية فنسفتها نسفًا، وقتلت المأمور، وجرحت من معه؛ وهاجم إذ ذاك الحرس المتنقل النساء خاصة، وانهالوا عليهن ضربًا بمؤخرات البنادق وطوقوهن، وأما الشباب الوطني فقد أخذوا أمكنتهم للقتال، فتسلق بعضهم الأشجار، وطلع البعض الآخر على سطح الكنيسة القريبة، ورموا القوات الفرنسية بالقنابل اليدوية؛ إذ ليس لديهم سلاح غيرها، فجن جنون الجنود الفرنسيين إذ ذاك، وأمسك أحدهم بشعر فتاة وطنية، وأخذ يضرب رأسها بقوة على شجرة، وكان في ذلك الوقت وفد من لجنة «حقوق الإنسان والمواطن» خارجًا من الإقامة العامة، فشاهد رئيسه الأستاذ سيرج معطي العضو بالحزب الاشتراكي الفرنسي قسوة البوليس وعنفهم، فتدخل ملاحظًا لأحدهم أنه لا يجدر معاملة البشر بهذه الصورة. ولم ترُق هذه الملاحظة في عيون البوليس، فاعتقل الأستاذ «معطي» في الحين وساقه كالمجرم إلى مركز المحافظة … وهكذا تراعي فرنسا حقوق الإنسان في تونس المحمية!

وحوالي الساعة الرابعة بعد الظهر، خرجت مظاهرة شعبية بحي «الباساج»، واشتبكت القوات الفرنسية مع المتظاهرين في معركة دامية دامت ساعات أسفرت عن عدد وافر من الجرحى.

وفي الساعة الخامسة اجتمع التونسيون في مظاهرة فجائية بشارع «جول فيري» وهو شارع الحي الأوروبي الرئيسي، واصطدمت هي أيضًا بالقوات الفرنسية وجُرح فيها عدد من التونسيين.

واتسع نطاق استفزازات رجال البوليس الفرنسي للشعب؛ فلا يكتفون بتفتيش كل تونسي يمر بالشوارع، ثم يقذعون لهم شتمًا وشبًّا، وينهالون عليهم لطمًا وضربًا، ويقومون بعمليات الاعتقال بالجملة في هذا اليوم. فيأخذون جماعات كاملة، ويسوقونهم سوقًا إما في «لوريات» وإما على الأقدام نحو مراكز التحقيق والسجون، وقد بلغ عدد المعتقلين آلافًا ولم يقف أحد عليه بالضبط.

وفي ذلك اليوم نفسه اعتُقل الأستاذ الهادي شاكر العضو في الديوان السياسي الذي رأس المؤتمر (مؤتمر الحزب) يوم ١٨ يناير ١٩٥٢.

وتوالت الحوادث بمدينة تونس من غير انقطاع مدة أسابيع، والقسوة الفرنسية تشتد يومًا فيومًا، والوطنيون يثبتون في رد الفعل، وقد حكت جريدة «الصباح» التونسية بتاريخ ٢٣ يناير ١٩٥٢ ما يقاسيه التونسيون فقالت:

كانت العاصمة حسب العادة التي أصبحت مألوفة منذ ستة أيام مضربة إضرابًا تامًّا، شاملًا لجميع حركات الحياة؛ ولا ترى في كل مكان وفي كل شارع وحارة إلا رجال البوليس المسلحين بالبنادق أو الرشاشات اليدوية يوقفون المارة — من التونسيين فقط طبعًا — ويأمرونهم برفع أيديهم، ثم يفتشونهم، وبعد إتمام عملية التفتيش تنالهم أصناف من الإهانات والاستفزازات، كاللطم، والضرب بالأرجل، والتفوه بالعبارات الجارحة للعواطف الشخصية، والقومية، وويل لمن يتلفظ بعبارة واحدة، فإن العون يسوقه توًّا إلى سيارة كبرى تنقله فيما بعد إلى مركز المحافظة.

ويوجد من تفنن في الاستفزاز إلى درجة تجعله يمزق بطاقة إثبات الشخصية لكل من يسوقه القدر في طريقه، ليتمكن من اعتقاله كمشبوه في أمره، وقد بلغت الإيقافات عددًا لم يبقَ في استطاعتنا إحصاؤه، بعد أن شاهدنا الأعوان يصطادون المارين من كل مكان ويرمون بهم في سيارات تسير بهم — حسب أقوال لم نتوصل إلى إثباتها — إلى القصبة.

وقد ازدادت عملية الاعتقالات شدة عندما شاع الخبر أن اجتماعًا سيُعقد بجامع الزيتونة المعمور الذي نصب الحصار حوله من طرف الأعوان السريين والمرتدين لأزيائهم الرسمية.

أما المدينة الأوروبية فكأنها أصبحت محرمة على التونسيين؛ إذ كان الأعوان يتعرضون لكل من يرتدي الزي العربي أو من على رأسه طربوش وشاشية.

لما رأى الوطنيون كثرة القتلى والجرحى في صفوفهم، وتيقنوا من أن صدور العزل، وإراقة دماء الشهداء الذين لا سلاح لهم، لا تكفي لرد العدوان الفرنسي، والوقوف أمام جيش مدجج بأحدث الأسلحة، غيروا طريقة كفاحهم، ونظموا وحدات قليلة العدد، تشاغب العساكر الفرنسية في كل مكان.

هاجم التونسيون عربات الترام الذي تقررت مقاطعته، وانقض بعض الشباب الوطني من الشوارع المجاورة على الترام الرابط بين تونس وضاحية «باردو» ورموه بالحجارة وبعض المفرقعات، فكسروا زجاجه، وجرحوا أربعة من الفرنسيين من ركابه، وبعد ذلك بقليل هاجموا عربة أخرى في نفس الموضع، وجرحوا اثنين من الفرنسيين، وتوالت الهجمات على الترام إلى أن تحاشي الفرنسيون الساكنون بضواحي تونس ركوبه، وأصبحت كل عربة في حاجة إلى حرس يحميها من غير جدوى في الحقيقة.

وأصبحت الليالي مكدرة، لا تسمع فيها إلا طلقات النار المستمرة من الجانبين التونسي والفرنسي، ويوم ٢٣ / ١ / ١٩٥٢ أفاق سكان «مدينة الشعراء» بحي «حفرة كريط» — وأكثرهم من الفرنسيين — مذعورين في الساعة الخامسة والنصف بعد منتصف الليل، ورأوا ألسنة النار تتصاعد حول عماراتهم والحريق يلتهمها، وكان يسكن بتلك العمارات ضباط الجيش الفرنسي وعائلاتهم، وقد أتى الوطنيون في تلك الليلة بكميات كبيرة من البنزين، وصبوها في مساكن الضباط، وأشعلوا النار فيها، فأحرق اللهيب الأبواب الخارجية، واقتحم البيوت، وأتى على معظمها، وخرج الضباط وعائلاتهم هاربين منزعجين، وقد داخل الارتباك والرعب نفوسهم.

وأتت بعد حين قوات عظيمة من الجيش، ومعها رجال المطافئ الذين تغلبوا على الحريق بعد جهد جهيد، ولكن آثاره بقيت مسطرة بالسواد على الحيطان الخارجية نفسها والأبواب، وبقي الجيش في حراستها.

وأخذ الوطنيون يوالون هجماتهم على دوريات البوليس والجيش الفرنسي، ليلًا نهارًا، ويرمون «اللوريات» الحاملة للحرس المتنقل بالرصاص أو القنابل اليدوية، وكأن التونسيين أحجموا عن إنزال ضربتهم القاضية على الفرنسيين في العاصمة نفسها، لكثرة الجنود فيها، ولاحتلالها بقوات مصفحة هائلة، ولصعوبة الأعمال بها، وقد قال صحفي أجنبي: «لا ينبغي أن يغتر الإنسان بالمظاهرة الكاذبة، فإذا كان سطح الماء هادئًا فإن أعماقه تفور، والحياة هنا كأنها على بركان.»

وقد قالت الجريدة الإيطالية الميساجيرو Messaggero بتاريخ ٢٣ / ١ / ١٩٥٢ تصف جو المدينة:

وإنه وإن لم تحدث حوادث كبيرة بتونس، غير أن الدرك والبوليس والعساكر والقوات المصفحة قد ازداد تعزيزها، وهي ترابط في كل مكان تقريبًا؛ إذ أصبحت تحرس حراسة شديدة المباني العامة وخاصة مساكن ضباط الجيش الفرنسي.

وكان رجال المطافئ على استعداد تام لمجابهة الطوارئ، والخوف من تجديد حرائق أمس قد طغى.

جو مدينة في حالة حرب، وكله انتظار، جو ثورة مستمرة عززه ما يسيل من دماء الشهداء في المملكة كلها.

وقد سجل صحفي فرنسي كان يعيش في تونس في تلك المدة ارتساماته التي نشرتها جريدة «ليموند» الباريسية بتاريخ ٢٦ / ٢ / ١٩٥٣:

إن الحوادث الخطرة تملأ أيامنا بتونس منذ إبعاد بورقيبة، والجو ثقيل قد زادته مظاهر القوة ثقلًا (سيارات حاملة للرشاشات، أعوان البوليس مرتدين خوذاتهم، جنود متنقلة)، ثقيل أيضًا لما يجري على المارين — التونسيين فقط — من مراقبة من غير تمييز؛ يفتش التاجر الهادئ والحاكم الوقور كأنهما قطاع طريق، ولأقل احتجاج يصدر منهم يهانون بالدفع واللكم، ويرسلون إلى المعتقلات تحت مطر كأنه الثلج بردًا، جو يسوده القلق في انتظار أخبار داخل القطر.

وزيادة في القمع والنكاية، أخذت المحكمة العسكرية الفرنسية تصدر بسرعة عجيبة أحكامها القاسية على المعتقلين التونسيين، فحكمت يوم ٢٥ على شبان غالبهم من الطلبة الزيتونيين، وكان قد أُلقي القبض عليهم أثناء المظاهرة التي دارت أمام السفارة العامة، وكان الحكم في الغالب بخمس سنوات سجنًا.٨

لم تزد الحالة العامة إلا ارتباكًا منذ اعتقال الحبيب بورقيبة يوم الجمعة ١٨ يناير، واهتزت بلاد تونس كلها اهتزازًا، وهبَّت عليها عاصفة من العنف والمظاهرات الدامية التي سقط أثناءها عشرات وعشرات من الشهداء ومئات من الجرحى، وستتوالى الأيام الحالكة من غير انقطاع؛ إذ نحن في بداية معركة ستدوم أعوامًا، وإنما هي بوادر انتشار الحريق واندلاع ثورة لا يطفئها الحديد والنار، وقد عمَّت جهات بأسرها، وما أن بلغ خبر اعتقال الزعماء إلى الأنحاء المختلفة حتى أعلن الإضراب العام، وسار الشعب في مظاهرات كبرى في جميع المدن والقرى، ورد العدوان الفرنسي بما لديه من وسائل.

(٣-١) في جهة بنزرت

إن تلك الجهة من الأماكن الحساسة بالبلاد التونسية، فابتدأ بها الاضطهاد الفرنسي، وسال فيها دم الشهداء الزكي، وسال فيها الدم من جديد يوم ٢٢ يناير في مدينة «غار الملح»، ولكنه دم فرنسي في هذه المرة، فقد هاجم الوطنيون — وهم مسلحون — داورية من الدرك العسكري الفرنسي، فقتلوا واحدًا منها، ولما رأى الآخرون سقوط رفيقهم التجئوا إلى الفرار طلبًا للنجاة، وجاءت بعد حين نجدات الجيش الفرنسي مسرعة فلم تجد إلا جثة الجندي.

وقرر الوطنيون بمدينة ماطر القيام بمظاهرة نظامية يوم الأحد ٢٠ يناير لتقصد مكتب العامل (المدير) وتسلمه عريضة في مطالب الشعب، وذلك في الساعة الحادية عشرة صباحًا، ولكن المراقب المدني الفرنسي «موران» — حسب اعترافه لمراسل جريدة الفيجارو الفرنسية في ١٣ / ١ / ١٩٥٢ — أراد إفسادها قبل وقوعها، فأصدر أمره للدرك الفرنسي بإلقاء القبض على ثلاثة من القادة، في نادي الحزب الحر الدستوري، في الساعة التاسعة والنصف صباحًا، فقام هكذا بمؤامرة مدبرة؛ إذ يعلم أن عمله هذا هو في الحقيقة إثارة للعواطف، واستفزاز للجماهير التي تبعت «اللوري» العسكري الحامل للمعتقلين، وأخذت تهتف هتافات عالية تطالب فيها بإطلاق سبيلهم، ولما رأى الجندرمة قوة المتظاهرين، وحماسهم، وعزمهم البين في عيونهم على استخلاص إخوانهم، أطلقوا سبيل القادة، وكلفوهم بإلقاء الخطب لتهدئة الجو، ولكن البوليس كان سيء النية؛ إذ استنجد حالًا بقوات عسكرية كبرى، فأتت سريعًا من «بنزرت» تصحبها الدبابات والسيارات المصفحة، ودخلت مدينة ماطر دخول الفاتحين، فازداد حماس الشعب واشتعل غضبه ولم تتفرق صفوفه.

ولما داهمته الدبابات، التفَّ حولها، غير هيَّاب، وإذا بالعساكر الفرنسية تطلق نيران مدافعها ورشاشاتها وبنادقها على المتظاهرين الذين ثارت ثائرتهم إذ ذاك، فاقتلعوا أحجار الرصيف وأخشاب الأبواب، وتسلحوا بما وقعت عليه أيديهم من الآلات الفلاحية، وأتوا بالبنزين وصبوه على بعض الدبابات والسيارات المصفحة، فاحترقت، وجرحوا عددًا وافرًا من الجنود، وأتت إذ ذاك «اللوريات» بنجدات جديدة من الجيش الفرنسي، ودخلوا المعركة التي دامت إلى ساعات بعد الظهر، وسقط الشهداء الأبطال عشرات — من بينهم صبي لم يتجاوز العامين داسته العساكر الفرنسية دوسًا بالأقدام — والجرحى لم يُحصَ عددهم، ومن الغد بعد أن صلت الجماهير على الشهداء في المسجد الكبير شيعت جنازتهم، وكان يسير خلف نعوشهم عشرات الآلاف من الوطنيين، ومعهم مراسلو الصحف التونسية والأجنبية، وكان الجو رهيبًا تعلوه العظمة والخشوع، وما زالت آثار المعركة بيِّنة في شوارع المدينة، وما زالت أرضها ملطخة بالدماء.

(٣-٢) في جهة الدخلة

حاصر الجيش مدينة نابل يوم الأحد ٢٠ يناير، وأخذ الجند يتجولون في الشوارع، ويجرون تفتيشات مرهقة لجميع السكان، ويلحقون بهم أنواعًا من الإهانات، وقد انتظمت في ذلك اليوم مظاهرة شعبية كبرى، وسارت في هدوء ونظام، فتدخلت القوات وصدمتها وشتتتها من غير أن يردَّ الوطنيون الفعل، وفي صباح ٢١ يناير واصل الجنود تفتيشاتهم، وضايقوا الناس مضايقة لا توصف، واستفزوهم استفزازًا، فاجتمعوا في المسجد الكبير نساء ورجالًا، وخطب في هذا الاجتماع كل من السيدات آسيا غلاب وحرم الوطني حسونة القروي والآنستان آمنة قرط باشالي من أعضاء الشعبة النسائية الدستورية، ومن المسجد خرجت مظاهرة شعبية كبرى معلنة التأييد لجلالة الملك ووزارته في رفع القضية أمام مجلس الأمن، ومعلنة أيضًا الاحتجاج على العدوان الفرنسي المسلح سارت المظاهرة مخترقة شوارع المدينة، متجهة إلى إدارة العامل لتبليغ احتجاجها، وكان يسودها النظام والهدوء، ولكن عند عودة المظاهرة اعترضها الجند، وصادمها ساعيًا في تفريقها، ولما شاهد عزمها على متابعة السير من غير أن ترد الفعل، قذف عليها عددًا وافرًا من القنابل المسيلة للدموع، فتحملها الوطنيون بصبر وجلد، وإذا بالقوات المسلحة تطلق رصاصها على المتظاهرين، فتسلق بعض التونسيين السطوح المجاورة لإدارة العامل، ورموا القنابل اليدوية على القوات الفرنسية، ودارت معركة حامية استشهد فيها ثلاثة ومات على أثرها خمسة آخرون من جراحهم، وسقط أكثر من ثلاثين جريحًا بين نساء ورجال، وفي المساء أُلقي القبض على الوطنيين بالجملة، أما الإضراب العام فهو مستمر بغير انقطاع بنابل منذ يوم ١٨ يناير.

وكانت مدينة «الحمامات» القريبة من نابل مسرحًا لحوادث أخرى؛ ففي صباح يوم ٢١ يناير اجتمع جم غفير من الوطنيين بالنادي المركزي للحزب الحر الدستوري، وتقرر تنظيم مظاهرة سلمية لتبليغ لائحة احتجاج إلى الدوائر المسئولة، وبينما الاجتماع قائم إذا برئيس مركز البوليس الفرنسي يحاصر النادي بقوات الجند والدبابات التي أسرعت إلى إطلاق الرصاص باستمرار، ورمت القنابل المسيلة للدموع في وسط النادي، فتفرقت الجماهير إثر ذلك، وبعد الظهر — وقد فارقت القوات الفرنسية المدينة في الصباح — أقام الوطنيون سدًّا في الطريق الرئيسي، وجاء الدرك الفرنسي في عدد وافر تعززه فرق الجيش، وأراد مهاجمتهم، ولكن نيران الوطنيين أوقفته ثم أخرته، ودامت المعركة ساعات كاملة إلى أن أتت نجدات كبيرة من الجيش الفرنسي، فاقتحمت السد وافتكَّته، واستمرت المعركة داخل المدينة، ودامت نحو عشر ساعات، وأسفرت هذه الاشتباكات عن تسعة من التونسيين الجرحى واستشهاد اثنين منهم هما المرحومان الطيب العزابي من الحمامات ومفتاح بن الهادي التريكي من «الوطن القبلي»، وقد منع البوليس الفرنسي السكان من حمل جرحاهم إلى المستشفى، وسد دونهم الطريق بالقوة، فاضطروا إلى وضع الموتى والجرحى في المسجد ﺑ «ربض الحوانيت العليا» إلى الغد، وفي الساعة الرابعة صباحًا تسلق الجنود الفرنسيون سطوح البيوت، وبقوا هناك كامل اليوم، واقتحم رئيس البوليس النادي، وكسر قفله، ومزق ما فيه من أعلام وصور، وحطم الكراسي والأثاث، وفجَّر فيه المفرقعات، ثم استنجد برجال الجندرمة وبعض المعمرين الفرنسيين المعروفين هناك، وفتش جميع المنازل، وألحق بأهلها أنواعًا من العذاب والإهانات، وسيق إلى سجن «القصبة» نحو ثمانين وطنيًّا، أما عدد القتلى والجرحى من العساكر الفرنسيين في تلك الواقعة فهو مرتفع جدًّا وقد أخفته الدوائر الرسمية الفرنسية.

وقامت مدينة «قليبية» بمظاهرات سلمية متعددة منذ يوم ١٨ يناير، وكان يوم ٢٤ منه يومًا مشهودًا؛ إذ تدفق عليها الوطنيون من القرى المجاورة، فاجتمع أمام نادي الحزب عشرات الآلاف من السكان، وسارت المظاهرة بنظامها وهدوئها العادي؛ وإذا بالبوليس الفرنسي يهاجمها سعيًا في تشتيتها، ثم يطلق عليها النار، وإذا بالمتظاهرين يردون الفعل ويهاجمون البوليس الذي فر واختبأ في مركزه، وتدفقت الجماهير وراءهم آلاف عدة، وأخذ إذ ذاك البوليس يصوب نحوهم نيران الرشاشات والبنادق من النوافذ ومن السطح، وتقدم الوطنيون صفوفًا متراصة هازئين بالموت، وكان هجومهم قويًّا وجبارًا؛ ومنهم من يعرف استخدام مفرقعات الديناميت في الصيد، فاستعملوا الديناميت لنسف مركز البوليس؛ فخربوه تخريبًا، ودمروه كله حتى أصبح أنقاضًا، وإذ ذاك تحول المتظاهرون نحو ثكنة الدرك الفرنسي، وشرعوا في إحراقها ورميها بالديناميت، ودارت بينهم وبين الجندرمة الفرنسيين معركة دامت ساعات، وإذا بقوات الجيش الفرنسي تهاجمهم من خلف على الساعة الرابعة بعد الظهر، وقد أتت تتقدمها المصفحات والدبابات التي وجهت نيران مدافعها إلى المتظاهرين، وإلى القرية بأسرها، فأنزلت الدمار في كل مكان؛ وحلقت الطائرات الصاروخية وغيرها على مقربة من الأرض، ونشرت الخراب والموت بقنابلها ومدافعها الرشاشة، وبقيت آثار ذلك التدمير خاصة في مئذنة مسجد «حمام الغزاز» إلى يوم الناس هذا، وغيرها من الأماكن العامة والخاصة.

أما في «منزل بوزلفه» فقد اشتد غضب الشعب، وعم الغليان، وأخذ بعض المستعمرين المسلحين يتحدونه، ويثيرون عواطفه، ويسعون في الاعتداء عليه إخفاء لما نزل في قلوبهم من رعب وخوف، وإن كان التونسيون عازمين عزمًا كليًّا على اجتناب أي اعتداء على المدنيين الفرنسيين. وفعلًا لم يمس فرنسي بسوء، واغتاظ المستعمرون مما رأوه في الشعب من حيوية وتمسك بمبادئ الاستقلال مع المحافظة على النظام؛ واستنجدوا بقوات الدرك والجيش ليدخلوا الاضطراب، وجاءت سيارة جيب تحمل الملازم فاشي Vacher واثنين من أعوانه ومعهم فصيلة من الجيش؛ ولما وجدوا ألَّا شيء يهدد النظام، اكتفوا بالتهديد والوعيد، ثم قفلوا راجعين؛ واتجهوا إلى قرية «بني خلاد» فدخلوها وجددوا بها أعمال التهور والإهانة للتونسيين الذين كانوا متجمهرين بميدان السوق؛ وشهروا سلاحهم في وجوههم، وهاجمتهم فرقة العساكر الفرنسية المسلحة، وأخذت في ضربهم بمؤخرات بنادقها، فرد الوطنيون الفعل حالًا وتقدم أحدهم وعاجل «الملازم فاشي» عندما وثب من السيارة ليهاجم الوطنيين، مهددًا إياهم بمسدسه، وأطلق عليه الرصاص فأصابه؛ فحمله أصحابه وفروا به إلى مدينة «قرنبالية» حيث قضى نحبه بمجرد الوصول إليها، ووقعت إثرها اشتباكات عدة في الجهة كلها بين الوطنيين والمستعمرين المسلحين، واكتفى التونسيون أثناءها بقلب سيارات الفرنسيين وحرقها.

(٣-٣) في جهة القيروان

توالت المظاهرات الشعبية الصاخبة بمدينة القيروان منذ اعتقال الزعماء، فاجتمع يوم ٢٠ يناير الشعب أمام نادي الحزب، وسار في مظاهرة منتظمة قوية مسالمة نحو إدارة العامل لإبلاغه مطالب الشعب، ولما وصل المتظاهرون إلى الحي الأوروبي، هاجمتهم قوات البوليس والدرك الفرنسي، وانهالت عليهم ضربًا، وشتتهم، فتفرقوا في الشوارع الكبرى المجاورة، وقد بلغ منهم الغضب كل مبلغ؛ فهاجموا الشركات والدكاكين الفرنسية، وكسروا واجهاتها، وحطموا ما بها ورجعوا سالمين، وعقد الوطنيون يوم ٢٤ يناير اجتماعًا كبيرًا جدًّا حضرته المدينة كلها، وجماعات كثيرة من القرى المجاورة؛ وخرجت مظاهرة عظيمة في الساعة الخامسة بعد الظهر قاصدة إدارة العامل لتسلم إليه لائحة احتجاج، فتدخلت قوات البوليس والجيش الفرنسي، وقسمتهم قسمين، وسعت في إرهابهم بالضرب والإهانة، وأخذت في تشتيتهم؛ ولكنهم واصلوا سيرهم المنتظم إلى أن بلغوا بابين من أبواب المدينة يفتحان على الحي الأوروبي، فإذا بالجنود والبوليس يهاجمونهم هجومًا عنيفًا بالباب الأول، واشتبكت المعركة وافتكَّ الوطنيون بعض الأسلحة من الجيش، ودوى الرصاص في كل مكان، وأمطرت الحجارة على القوات المعادية. وفي الوقت نفسه دارت معركة أخرى أمام الباب الثاني، فتسلق التونسيون المسلحون سور المدينة وتمادوا في المعركة التي لم تنتهِ إلا بعد ساعتين، ولم يعترف الفرنسيون إلا بجرح ضابط صغير، واستشهد خمسة من التونسيين، وفي الليل أُلقي القبض على عشرات من الوطنيين من بينهم عدد وافر من الطلبة، ومن الغد (٢٥ يناير) شيعت القيروان في موكب رائع يسوده الخشوع ضحاياها إلى مقرهم الأخير، وقد سار في الموكب عشرات الألوف من التونسيين يخيم عليهم السكون والصمت، وكان بدوي يسير في الطريق ليلحق بجنازة الشهداء فأطلق عليه أحد الجنود الفرنسيين الرصاص فأرداه قتيلًا.

(٣-٤) في جهة الساحل

وتحرك الساحل، وهو المعروف بقوته وثباته ونظامه، وهو معقل من أعظم معاقل الوطنية، وقامت السلطات الفرنسية على الفور بمناورة تقصد من ورائها التهويل والتهويش لإنزال الرعب في قلوب المدنيين الفرنسيين؛ لكي تتمكن من إنزال أشد القمع على التونسيين، فقد أمرت جميع العائلات بالجلاء عن «الساحل»، وقالت جريدة «ليموند» في ٢٥ / ١ / ١٩٥٢: «لقد وقع إجلاء جميع العائلات والأفراد الفرنسيين عن القرى والمدن بالساحل ونُقلوا كلهم إلى مدينة سوسة.»

(٣-٥) سوسة

عم القلق وساد الاضطراب، وكان الجو ملبدًا، والحزم ظاهرًا على وجوه التونسيين، وتجددت الاجتماعات والهمسات يوم إلقاء القبض على الزعماء (١٨ / ١ / ١٩٥٢).

ورجع نواب المؤتمر يحملون قراره في المطالبة بالاستقلال.

وفي يوم ٢١ / ١ / ١٩٥٢ أتي عدد وافر من الوطنيين من القرى المجاورة، وكانت قوات البوليس توقفهم في الطريق، وتفتشهم، وتهينهم إهانات، وتجبرهم على المرور السريع، وتمنعهم من السير في بعض الشوارع، وأصبح رئيس مركز البوليس وهو رئيس المحافظة بتلك الجهة كلها يتحدى الشبان برفقة أعوانه فيجدد مأساة ماطر؛ ولما رأى خيبته فقد أعصابه والتجأ إلى إلقاء القبض على شابين من المارة، ظنًّا منه أنها الشرارة المطلوبة، فأرسل الأستاذ جلول بن شريفة رئيس الجامعة الدستورية ثلاثة من الشبان المثقفين الممتازين المعروفين بحزمهم وتعقلهم، فتقابلوا مع رئيس مركز البوليس الفرنسي، وطلبوا منه إطلاق سراح المساجين الذين لم يرتكبوا أية مخالفة، إلا إذا اعتبر مرورهم في الشوارع مخالفة، وإذا بالبوليس يلقي عليهم القبض بدورهم ويسجنهم بسجن البوليس.

وتجمهر الوطنيون أمام نادي الحزب يترقبون سراح إخوانهم، فلما تحققوا ما وقع، تحركت مظاهرة تعد آلافًا في نظام دقيق وهدوء كامل يتقدمها الأستاذ جلول بن شريفة الذي أوصى الوطنيين بالمحافظة على صفوفهم وتماسك أعصابهم، ولما وصلوا إلى الحي الأوروبي وجدوا سدًّا من قوات البوليس والجيش يمنعهم من المرور، فتقدم الأستاذ جلول وحده وطالب بسراح المسجونين قائلًا: إن مسئولية ما عسى أن يقع تُحمل كلها على رؤساء البوليس الذين اعتدوا على حرية الناس من غير حق، وإني أضمن السلم والهدوء إذا أُطلق سراح المعتقلين …

فأُطلقوا؛ ورجعت الجماهير في نظامها، ولم يقع أي اضطراب، وهدأت النفوس.

قررت الجامعة الدستورية القيام بمظاهرة كبرى يوم ٢٢ / ١ / ١٩٥٢ لتسلم إلى العامل عريضة هذا نصها:

العريضة

إن أهالي سوسة المبلغين احتجاجهم اليوم، ليستنكرون موقف السلطات الفرنسية؛ من أجل الاضطهادات المسلطة على الشعب بغاية التعسف والإرهاق ببنزرت وفريفيل وماطر وباجة وغيرها، ويستنكرون المناورات التي تقوم بها السلطات الفرنسية ضد عاهل البلاد من وسائل الضغط في سبيل التحصيل منه على نكران قيام الحكومة التونسية برفع القضية إلى الاحتكام الدولي وطلب إقالة الوزارة محقًا لآمال الأمة.

كما يستنكرون ضد السلطات الفرنسية بدون مبرر لإبعاد قادة وزعمائها الممثلين لكافة الشعب، وإنها أعمال تتنافى ومبادئ حقوق الإنسان.

فإن الماثلين أمامكم بصفتكم ممثل صاحب الجلالة، يحتجون بغاية الشدة والصرامة على هذه الاعتداءات الجارحة التي جعلت الشعب غير آمن على حياته، وإن أهالي سوسة يؤكدون تأييدهم لمسالك الوزارة التونسية الشعبية، كما أنهم يؤيدون بدون احتراز جلالة الملك المعظم.

ويعلنون عزمهم الراسخ على مواصلة الدفاع على حقوقهم الشرعية وكرامتهم المداسة حتى النصر النهائي مهما تكن التكاليف، وإن هذه المناورات والاستفزازات لا تزيد الشعب إلا إيمانًا بحقه والذود عنه حتى يتخلص من قيد العبودية.

والسلطات الفرنسية هي التي تتحمل وحدها مسئولية الحوادث ونتائج المناورات التي تستعملها ضد شعب أعزل لا بد أن ينتصر طال الزمان أو قصر.

وقد سلمها الوطنيون إلى العامل رغم الحوادث، وجاءت وفود المدن والقرى القريبة أفواجًا، فاجتمعت الجماهير من طلبة فرع جامع الزيتونة والمدرسة الثانوية وعمال وجميع الطبقات، وكان عدد النسوة كبيرًا.

وتحركت المظاهرة وقررت المرور بالحي الأوروبي، وبمجرد ما وصلت إلى ميدان بيشون، وهو الميدان الأكبر، اصطدمت بقوات فرنسية اعترضت طريقها، وسعت في تشتيتها بالعنف، فبلغ الحماس بالجماهير مبلغًا، وأخذت تدافع عن نفسها بالتي هي أحسن أمام بنك الجزائر، واستأنفت سيرها إلى الأمام، فرماها الجيش الفرنسي بالقنابل المسيلة للدموع، ثم هاجمها هجومًا أعنف، ولكن المتظاهرين صبروا ولم يتأخروا، وحافظوا على نظام صفوفهم تحت قيادة رئيس الجامعة الدستورية الأستاذ جلول بن شريفة المعروف برصانته، وهدوئه، والتحكم في أعصابه، وإذا بالعساكر يطلقون نار بنادقهم ورشاشاتهم من غير سابق إنذار، فسقط الأستاذ ابن شريفة يتخبط في دمائه، وقد جُرح في فخذه، وكثر حوله القتلى والجرحى.

ففارق قسم من الجماهير المعركة، وسار في طريق المعمل الكهربائي لإبلاغ العريضة إلى السلطات التونسية، فأسرع القائد الأعلى لحامية سوسة الكولونيل دوران إلى اعتراضها، وقاد نحوها فرقتين مدججتين بالسلاح، وتقدم حالًا عندما رأى المتظاهرين ووجه نحوهم مسدسه وأطلق رصاصه، فصاح أحد الوطنيين، وارتمى تونسي على الضابط الفرنسي وأصابه بضربة قاضية من عصى زيتون كانت بيده، فسقط على الأرض مغشيًّا عليه، ودارت حوله معركة دامية بين الوطنيين والعساكر الفرنسية جُرح عدد وافر من الجانبين وقُتل عدد آخر.

وأخيرًا خلص الجنود جسد الكولونيل الذي مات عند وصوله المستشفى، وقد فاق عدد القتلى العشرة، وكان الجرحى يفوق الثلاثين، هذا من الجانب التونسي، أم الفرنسيون فقد أخفوا خسائرهم.

وشيعت مدينة سوسة شهداءها من الغد في جو يعلوه الخشوع، وتملؤه العظمة، وتسوده الإرادة في متابعة الكفاح والإيمان الذي يعمر القلوب، وسارت خلف الجنازة عشرات الآلاف من الخلائق في سكون رهيب وصمت كامل.

(٣-٦) المكنين وقصر هلال

عقد السكان يوم ٢٣ / ١ / ١٩٥٢ اجتماعًا كبيرًا، ثم ساروا في مظاهرة منظمة نظامًا دقيقًا تحت قيادة المسئولين من أفراد الجامعة الدستورية بتلك الجهة، ولما وصلت إلى مقر الكاهية — نائب المدير — دخل وفد منها وسلم له عريضة احتجاج، وكانت الهتافات بالخارج تملأ الفضاء بحياة الحبيب بورقيبة والملك والاستقلال، وألقى البوليس القبض على بعض القادة إثر افتراق المظاهرة قبل الظهر بقليل، فتناقلت الألسن الخبر بسرعة فائقة، واجتمعت الجماهير من جديد أكثر عددًا وأشد حماسة وأقوى عزيمة، وساروا نحو مركز البوليس وطالبوا بإطلاق سراح المعتقلين، فسخر منهم البوليس الفرنسي، وشتم وأهان، وسعى في تفريق الناس وتشتيتهم بالقوة، ولما رأى صمودهم أخذ يمطرهم رصاصًا، علمًا منه أنهم عزل من كل سلاح، فلما رأى الوطنيون إخوانهم يسقطون من حولهم قتلى وجرحى، لم يتأخروا ولم يفروا ولم يهنوا، بل تقدموا مستميتين حتى تأخر البوليس والتجأ إلى مركزه وأوصد الأبواب، وشرع يصيد التونسيين صيدًا من بعض النوافذ، وأخيرًا عبأ الوطنيون تعبئة كاملة واقتحموا مركز البوليس وحطموا الأبواب والنوافذ، وقتلوا أعوان البوليس الفرنسيين، وقد اعترى أحدهم جنون لفرط الرعب الذي نزل بقلبه، وهاجم إذ ذاك الدرك الفرنسي الوطنيين من خلف، ولكنهم رجعوا خائبين، وتتبعهم الوطنيون إلى «البرج القديم» الذي اتخذوه ثكنة لهم، فاحتمى فيها الدرك الفرنسي، ووجه للتونسيين نارًا حامية من الرشاشات والبنادق خلال الأبواب والنوافذ، وتساقط الشهداء والجرحى، ولكن روح الجهاد كانت قوية جبارة، وواصل الوطنيون هجماتهم رغم الخسائر الجسيمة، وأصلوا الجنود الفرنسيين نارًا حامية من الأسلحة التي أخذوها من البوليس، ودامت المعركة ساعات طويلة من غير انقطاع إلى أن توالت نجدات من الجيش الفرنسي، وخاصة من الكوماندوس البحري الذي وصل عند المساء متأخرًا؛ لأن الوطنيين بمدينة «قصر هلال» المجاورة للمكنين قد اعترضوا هؤلاء الجنود الفرنسيين، وهاجموهم بالقنابل اليدوية، وعطلوهم في الطريق، ولم يفسحوا لهم إلا بعد أن تكاثر الجنود عليهم. ولما وصلت تلك القوات إلى المكنين لم تجد بمركز البوليس إلا بعض الجثث: جان كاردي Jean cardi، جاك مادلين Jacque Madeleine، ريمون كليمت Raymond Ciément ومجنونًا يصيح ويرتعد من الخوف.

ولما رأى الوطنيون أنهم سيكونون بين نارين تفرقوا، وأخذوا معهم عند تقهقرهم أمام الأسلحة سريعة الطلقات والكثرة من العدد عونين من البوليس، ثم بعد ساعة أطلقوا سراحهما وكان أحدهما قد أصيب بجراح بليغة.

وتظاهر الوطنيون في مدينة «جمال» المرة تلو المرة، وكثرت من البوليس الفرنسي الاستفزازات والاعتداءات، إلى أن كان يوم ٢٣ يناير فتقدمت مظاهرة كبرى، واخترقت شوارع المدينة في سيرها نحو مقر السلطات التونسية، وإذا بالبوليس الفرنسي يعيد استفزازه، فصبر له الوطنيون وردوا الفعل، فتسلل أعوان البوليس نحو مركزهم، وهاجمهم التونسيون واقتحموا المركز اقتحامًا واستولوا عليه، ولكن الأعوان الفرنسيين فروا من باب خلفي، فأحرق ذلك المركز كله.

وقد ضربت مدينة طبلبة المثال الأعلى في الشجاعة والبطولة وروح التضحية والاستماتة في سبيل الأهداف الوطنية، وقامت المدينة كلها يوم ٢٣ يناير بمظاهرة كبرى اشترك فيها جميع السكان ليسلموا عريضة للسلطات التونسية تعرب عن عزمهم الراسخ على متابعة الكفاح إلى أن يتحقق لتونس استقلالها. وكانت الصفوف تسير بنظام محكم وهدوء كامل، والشبيبة الدستورية بلباسهم الرسمي يحفون بالجماهير ويحافظون على الأمن.

فلم يرُق ذلك المنظر الرهيب «المعمرين» الساكنين قرب البلدة — بياس وصهره دريفوكس — ومن الملاحظ أنهما لم يمسا أبدًا بسوء، ولم يتعرض لهما أحد من الوطنيين ولا لعيالهما ولا لرزقهما، بل كان الدستوريون أنفسهم يقومون بحمايتهما والمحافظة عليهما ومعاشرتهما عشرة طيبة جعلهما يصرحان دومًا أنهما على الحياد. وبعد ظهر ذلك اليوم اقتحم المدينة نحو عشرة من الجندرمة والعساكر، وكان الناس مجتمعين في السوق والشوارع الرئيسية؛ فوسعوا لتلك القوات التي أخذت في دفع التونسيين ولكمهم وصفعهم وتهديدهم تارة باللسان، وتارة بإشهار الأسلحة عليهم. ولكن الوطنيين حافظوا على اتزان أعصابهم ولم يردوا الفعل، ومن الغد علم الوطنيون أن قوات كبيرة من الفرنسيين تتجه نحو مدينتهم، فأعدوا العدة لاستقبالها استقبالًا يليق بها، ووضعوا كمينًا بمدخل القرية، ثم تسلق قسم منهم السطوح، وأحضروا معهم ما عندهم من أسلحة وقنابل يدوية ومفرقعات.

وكانت أول فرقة من الفرنسيين هاجمت طبلبة، فرقة الكوماندوس البحري التي نزلت من الباخرة إيلان Elan في ميناء سوسة، آتية ليلًا من بنزرت، فبعد أن خرقت القافلة العسكرية الفرنسية المؤلفة من ذلك الكوماندوس ومن قوات كبرى من الجندرمة، مصحوبة بالدبابات والسيارات المصفحة مدينة المكنين في الساعة الرابعة بعد الظهر؛ توجهت نحو طبلبة وشرعت تدخلها، وفي مقدمتها بعض الدبابات والسيارات المصفحة وكذلك في مؤخرتها. وكان أهل طبلبة صامتين هادئين على استعداد تام للهجوم، وقد أفرغوا الشوارع كلها، وبعد أن تورطت القافلة وسط المدينة، هاجمها الكمين خارج القرية، فكسروا بعض «اللوريات» التي سدت الطريق، وأخذوا التونسيون حالًا يرمون قنابلهم ومفرقعاتهم ويطلقون نيران أسلحتهم من السطوح، ونزلت قنبلة كبيرة على دبابة، فكسرتها وقتلت من فيها ووقعت أخرى على «لوري»، ففرقعته وقتلت جميع من فيه من عساكر. وكثر الموتى والجرحى من الفرنسيين، وتحمس الوطنيون، واعتلى منهم التشهد والتكبير، وتقدمت بطلة طبلبة الشهيدة أم التيجاني بن سالم نحو ابنها حاملة بندقية، وقالت له: «إما أن تخرج للجهاد، وإما أن أخرج بنفسي.» ولم تمهله ليجيب، بل أسرعت نحو محل المعركة، وأخذت مكانها من القتال، وجاهدت إلى أن استشهدت. وكان بقية نسوة القرية يشجعن الوطنيين، ويعنَّهم، ويمددنهن بالذخيرة وهن يولولن ويزغردن. وسقطت شهيدة أخرى «محبوبة بنت صندل» وهي تعين المجاهدين، وقد التقط أحد الجنود الفرنسيين قنبلة يدوية سقطت على اللوري الذي كان به وأرجعها إلى سطح البيت القريب منه، فجرح بعض المجاهدين، وأخيرًا تغلب أشبال طبلبة وسجلوا انتصارًا باهرًا على المهاجمين الذين فر منهم بأرواحهم من بقي حيًّا حاملين معهم قتلاهم وجرحاهم، وهكذا تحررت المدينة من الأجنبي. وعند انهزامهم صادفوا شيخًا مسنًّا تجاوز الثمانين من عمره «عمار بن عبد السلام بيوض» فأردوه قتيلًا.

وقد أجرى الوطنيون بحثًا دقيقًا بمستشفى سوسة؛ حيث نُقلت الجثث والجرحى الفرنسيين، فوجدوا أن القتلى يفوقون الثلاثين، وجُرح جميع رجال القافلة ما عدا اثني عشر فقط خرجوا منها سالمين. أما شهداؤنا الأبطال فهم: أحمد التركي، عثمان صندل، شبيل بن محمد نويرة، محمد بن عبد القادر المستيري.

ومن الغد (٢٥ يناير) شيعت المدينة كلها شهداءها في موكب رهيب، وبينما كانوا مجتمعين في المقبرة لدفنهم، وإذا بقوات فرنسية هائلة تتقدم نحو القرية في الساعة الثالثة بعد الظهر، فلما وجدوها خاوية، مالوا نحو المقبرة فطوقوها، وجاءت تلك القوات في أكثر من ستين «لوري» محملة بالعساكر، وهي مؤلفة من الكوماندوس المهزوم، وكوماندوس بحري آخر أتى من مدينة صفاقس، وفرقتين كاملتين من الجنود مصحوبتين بكوكبة من الحرس المتنقل، مع عدد من الدبابات والسيارات المصفحة والمدافع من عيار ٧٥. وكانت الباخرة الحربية «إيلان» تحرس المياه البحرية أمام طبلبة، وكان الوطنيون عزلًا من السلاح، ولما طلب منهم ضابط فرنسي أن يدلوه على قادة الحركة الوطنية بالمدينة، أجمع التونسيون على أن هؤلاء القادة قد غادروا المدينة كلهم وسهلوا عليهم الفرار بالفعل.

وقد عم الغضب الشعب التونسي بأسره، ولم يقتصر على جهات معينة، وساد الاضطراب والهياج القطر التونسي كله، وكانت المظاهرات الشعبية الصاخبة التي تعد كل واحدة منها عشرات الآلاف تسير في شوارع صفاقس وقفصة والكاف وباجة ونفطة وتوزر وقابس ومدنين وجرجيس، كما سارت في شوارع تونس وبنزرت وسوسة والقيروان، وكان الإضراب العام يشمل جميع مدن القطر وقراها، كما كان الاعتداء المسلح الفرنسي عامًّا شاملًا في البلاد، وكانت الحرب التي لم تتجاسر فرنسا على تسميتها باسمها الحقيقي تجتاح تونس كلها.

(٤) قطع المواصلات

لما رأى الوطنيون التونسيون تدفق القوات الفرنسية من الجزائر ومن فرنسا نفسها وسرعة تنقلها داخل البلاد، قرروا القيام بقطع المواصلات بأنواعها لتعطيل تلك القوات، فقطعوا أسلاك التليفون في الدخلة وجهة الكاف وجهة القيروان وجهة الساحل وصفاقس وجهة قابس والجنوب، بل قطعوها بين كل قرية وقرية وبين كل مدينة ومدينة، حتى صعب على السلطات الفرنسية الاتصال السريع وغمضت الحوادث، وأصبحت البلاغات الرسمية التي تصدرها الإقامة العامة تناقض ما تقوله إذاعات فرنسا، ووكالة (فرانس بريس) وقطع الوطنيون خط التليفون المدفون تحت الأرض الرابط بين تونس وفرنسا.

ثم وجهوا ضرباتهم إلى السكك الحديدية والجسور والطرقات، ففي ليلة ٢٢ يناير قلع الوطنيون — قرب مدينة مساكن — قسمًا كبيرًا من السكة الحديدية، فخرج قطار للبضائع عن القضبان وانقلبت عرباته وتعطلت المواصلات بين سوسة والجنوب.

وفي ليلة الخميس ٢٤ يناير على الساعة الثانية والأربعين دقيقة، خرج قطار عن السكة الحديدية الممتدة بين تونس والجزائر في جهة «ديبيان»؛ لأن الوطنيين حطموا قضبان السكة وأقلعوها على طول خمسة عشر مترًا، فانقلبت القاطرة والعربات التي كانت تجرها وعددها اثنتا عشرة عربة مشحونة بمختلف البضائع، ومات عامل فرنسي من جراء الحادث، وتقدر الخسائر بأكثر من مائة مليون فرنك.

وفي نفس الساعة خرج قطار آخر عن السكك الحديدية بالقرب من «المنوبية» في ضواحي تونس، فانقلبت القاطرة وعرباتها الخمس عشرة بسبب قطع الوطنيين للسكة الحديدية، وكانت الأضرار المادية فادحة.

وقد انقلبت أيضًا القاطرة التي تفتح الطريق إلى «الديزل» بعد خروجها من صفاقس.

وفي فبراير قطعت سكة الحديد بين صفاقس وقابس قرب المحرص، وانقلبت القاطرة وثلاثون عربة، وكان حادثًا مريعًا، واختلطت فيه البضائع بالحديد والخشب، وتدمرت السكة على طول كيلومتر واحد.

وفي شهر فبراير أيضًا نسف الوطنيون محطة صفاقس الكبرى وفجَّروا فيها القنابل، فتقطعت السكة الحديدية، وتحطم مركز تحوير القطارات وتهدمت خزانة الماء.

ونُسفت أيضًا محطة قابس الكبرى عند دخول القطار إليها، وكان حادثًا مهولًا دمر المحطة بما فيها والقطار نفسه، ومات فيه عدد من الناس.

وشرع الوطنيون أيضًا في نسف الجسور في جميع أنحاء المملكة، فمنها ما خرب تمامًا، ومنها ما أصبح غير صالح للمرور، ومنها ما لحق به أضرار.

(٥) الاعتداء المسلح وأثره في العلاقات التونسية الفرنسية

إن أول ما يتبادر إلى الذهن السؤال عن المسئول الحقيقي في تلك الحوادث كلها، وهل هناك مسئول أم مسئولون؟ فمن أصدر الأمر إلى المقيم العام في استخدام العنف وجميع أساليب القمع والقتل وإراقة الدماء؟ من أراد الاعتداء المسلح على الشعب التونسي الأعزل؟ خاصة وأن الوزارة الفرنسية كانت مستقيلة في ذلك الحين. وقد تبين فيما بعد أن موريس شومان Maurice Schumann نائب وزير الخارجية الفرنسية قد عجل بإرسال برقية مفصلة إلى «دي هوتكلوك» المقيم العام الفرنسي بتونس ليلة الثلاثاء ١٥ يناير، ولم يستشر فيها الوزير المسئول حتى لا تفسد عليه مؤامرته التي دبرها باتفاق مع رؤساء الجالية الفرنسية بتونس، وينبغي ألا ننسى أنه ناصب العداء للتونسيين وكان العامل الفعال الذي أملى على الحكومة الفرنسية نفسها مذكرة ١٥ ديسمبر التي قطعت أثرها المفاوضات بين تونس وفرنسا. ومن الملاحظ أيضًا أن أمره للمقيم العام قد سبق جميع الحوادث وكان السبب الرئيسي لها، وأن جريدة «ليموند» تحمِّله تلك المسئولية؛ إذ قالت في عددها الصادر في ٢٠ / ١ / ١٩٥٢ ما يلي:

ومن الناحية الفرنسية فقد صدرت تعليمات فيها شيء من الدقة إلى المقيم العام، من غير شك في غضون ليلة الثلاثاء، وباتفاق عام بين الوزراء الأصليين الذين وصلت إلى علمهم تليفونيًّا، وقد عُرضت البرقية التي حُررت بوزارة الخارجية على المسيو بليفن وكوي ولانيال وبيدو وإدجار فور الذي لم يتسلم بعد مقاليد الأمور، فأرجع المسألة إلى كوي، وقد وقع أعلام رئيس الجمهورية وأدخلت عليها تحقيقات طفيفة خاصة بطلب من رئيس الدولة، وأخذ موريس شومان على عاتقه قبولها.

ووزير الخارجية هو المسئول عن سياسة فرنسا بتونس، وهو معروف بميله إلى الوفاق، ولكنه كثير العمل، وتعدل إداراته أقواله وأوامره بنوع من الدقة.

واهتز الرأي العام الفرنسي، واشتغل بحوادث تونس واهتم بها اهتمامًا كبيرًا، وثارت بعض الصحف على موريس شومان وأعماله التي لا توصف، فكتبت جريدة فران تيرور Franc Tireur الفرنسية بتاريخ ١٩ / ١ / ١٩٥٢:

إن الاعتداء الظاهر بتونس يؤيد تأييدًا جليًّا قويًّا شكوى الحكومة التونسية.

حكومة مستقيلة وحكومة لم تشكل! قرارات هامة توجه سياسة فرنسا بتونس! من المسئول عنها؟ ليس «دي هوتكول»، وهو شخصية ثانوية وضعته الصدف في تنقلات السفراء على رأس الإقامة العامة؟!

وقع التأكيد أن المسئول هو موريس شومان المستقيل؛ لأنه يبغض الحبيب بورقيبة على دعواه.

وهو الذي سعى في الخلط والخلبطة فأمر باعتقال الشيوعيين!

مناورة صبيانية ومهزلة لم تنطلِ على أحد … الاضطهادات وسفك الدماء، إيقافات من غير حق … فهي طريقة غريبة تذكرنا بفيشي والألمان لتعليم «المحمية» دروس الديمقراطية!

أما المقيم العام بتونس فإنه أصبح كالريشة في مهب الرياح وسط تلك العاصفة القوية، فأخذ في أول الأمر يقوم بمناورات صبيانية، فأصدر أمره للبوليس الفرنسي بأن يلقي القبض على قادة الحزب الحر الدستوري وعلى القادة الشيوعيين في آن واحد، فاعتقل لذلك السبب يوم ١٨ / ١ / ١٩٥٢ موريس نيزار ومحمد جراد أميني الحزب الشيوعي، وخميس الكعبي عضو هيئته العليا، وبلعيش الأمين العام للنقابات الشيوعية، وقد قصد بذلك بث الريب، وإرادة الخلط والتشويه؛ حتى يظن الرأي العام العالمي أن الحركة الوطنية والحركة الشيوعية شيء واحد، وقد نسي في غفلته أن زعيم الحزب الحر الدستوري الحبيب بورقيبة كان منذ مدة وجيزة فوق أرض الولايات المتحدة الأمريكية ليبث الدعاية لوطنه، وأن أمريكا لا تسمح بالدخول إلى بلادها إلا لمن لا تشوبه شائبة من الشيوعية أصلًا.

فكانت تلك الحيلة المفضوحة أضحوكة أثارت استهزاء جميع الأوساط.

وكانت الحالة بباريس يسودها نوع من الاضطراب؛ إذ كانت فرنسا من غير حكومة، وكان «إدجار فور» بصدد تشكيل وزارة جديدة في جو متأثر تأثرًا عميقًا بأحداث تونس.

وقد اجتمع نواب الحزب الاشتراكي الفرنسي ﺑ «إدجار فور» وبينوا له قلقهم، وشرحوا وجهة نظرهم وقالوا له: «إن الإجراءات التي اتخذت بتونس تناقض مقدمة الدستور الفرنسي وتقيم الدليل على جهل مطبق بالحقائق والواقع التونسي، فينبغي أن يقوم الجانبان الفرنسي والتونسي بجميع ما يلزم لتهدئة الجو حالًا؛ ليتمكنا من فتح محادثات بروح ملؤها التفاهم.»

وقد تحدث رئيس الحكومة الجديد «إدجار فور» عن تونس في تصريحه الرسمي أمام البرلمان الفرنسي، فقال:

ولكن فيما يتعلق بتونس فأقول: إن رغبات ذلك الشعب لا تناقض رغائبنا، وإنني سأبقى وفيًّا لفكرة الإصلاح الذي شرعنا فيه بعد، فلن ترجعني عن طريقي المناورات ولا المغالاة.

ومن الملاحظ أن الغموض التام يشمل تلك العبارات التي لا تدل في غموضها على نوع الإصلاحات ولا جوهرها ولا مداها، أما رغائب تونس في تلك الآونة فهي معروفة واضحة: إرجاع السلطان إلى أيدي التونسيين. فما قيمة هذا التصريح إذن؟ أهي مراوغة جديدة من الحكومة الفرنسية أم هو ذر الرماد في العيون، أم يكون إدجار فور صادقًا في وعوده؟ ومن الجلي الواضح أنه عاجز عن تطبيق رأيه؛ لأن الأحزاب التي أيدت حكومته مختلفة في القضية التونسية، وآراؤها متناقضة أصلًا فيها، فالأزمة ستبقى إذن كما كانت، ولم يمنع ذلك المقيم العام من طلب المثول أمام الملك، وجرت المقابلة بينهما يوم ٢٤ يناير، وألح المقيم أثناءها على وجوب استئناف المفاوضات اعتمادًا على تصريح رئيس وزراء فرنسا، بشرط سحب الشكوى التونسية من هيئة الأمم، وإرجاع الوفد الوزاري التونسي إلى تونس، فرفض الملك ذلك رفضًا باتًّا، وأصر على موقفه قائلًا: إن الحكومة الفرنسية لم تسأله رأيه عندما قامت بأعمال القمع، وإن فرنسا لو كانت لها نية إصلاح حقيقية لمنحت تونس رغائبها، فتسقط الشكوى بطبيعتها، وحاول المقيم إذ ذاك شرح تصريحات شفهية لرئيس الوزارة الفرنسية أمام البرلمان جازمًا أن فرنسا تريد منح الاستقلال الداخلي لتونس، وقال المقيم: إني أريد أن أبين مدى هذا التصريح لما فيه من معانٍ بين الأسطر، فأجاب الملك حرفيًّا: «نحن لم نسلم مما هو فوق الأسطر، فما بالك بما تحتها!»

وتوجه إلى وزيره قائلًا: «لا تكفينا التصريحات والكلام والألفاظ، إنا نريد الأعمال، فقدموا لنا برنامجًا حقيقيًّا.»

فلما تعذر على المقيم العام الجديد تطبيق خطته العدوانية — رغم خروجه عن اللياقة واستخدامه القوة — استعان بالحكومة الفرنسية التي خاطبت جلالة الملك رأسًا برسالة لم تتراجع فيها عن مذكرة ١٥ ديسمبر ١٩٥٢ مظهرة إصرارها على متابعة سياستها الاستعمارية:

مذكرة الحكومة الفرنسية إلى جلالة الباي بتاريخ ٢٦ يناير ١٩٥٢

ترى الحكومة الفرنسية بعد زيارة المقيم العام الفرنسي لجلالة باي تونس واستجابة للرغبة التي أعرب عنها جلالته، أن توضح من جديد الاتجاه العام لسياستها إزاء تونس والنتائج التي تعتقد أنه يجب أن تستنتجها من هذه السياسة في الوقت الحاضر.

إن الحكومة الفرنسية تتحمل بمقتضى المعاهدات المعقودة مع تونس المسئولية الكاملة عن المحافظة على الأمن العام في هذه البلاد، ولم تغفل هذه الحكومة إظهار تقديرها بحق لما قام به جلالة الباي من الإعراب عن موافقته التامة على البيان الذي أذاعه المقيم العام مناشدًا الشعب التونسي الإخلاد إلى الهدوء والسكينة، وستقوم حكومة الجمهورية الفرنسية فيما يتعلق بها ولصيانة المصالح المشتركة لجميع سكان تونس بواجبها دون تهاون ولا إهمال.

وإن جلالة الباي ليعلم فضلًا عن ذلك أن الحكومة الفرنسية تهتم دائمًا بأن تكفل بالاتفاق التام مع جلالته حركة التطور الديمقراطي في تونس، ولقد أدلى رئيس الوزارة الفرنسية ببيان أثناء المناقشة التي دارت في مجلس النواب في ٢٢ يناير الماضي، أوضح فيه رأي الحكومة الفرنسية مؤكدًا السيادة التي يتمتع بها جلالة الباي، وعُني رئيس الوزراء بإزالة سوء التفاهم الذي نجم عن تفسير المذكرة المؤرخة ١٥ ديسمبر، وتلا التصريح الذي أفضى به وزير الخارجية في ٢٠ ديسمبر أمام مجلس الجمهورية حيث قال: لقد أخذ علينا أننا أشرنا للمرة الأولى في النص الرسمي إلى مسألة السيادة المشتركة، ولكننا في الحقيقة لم نذكر هذه الكلمة، بل لم نُشر إليها أية إشارة.

أما فيما يتعلق بالإصلاحات الخاصة بالمجالس البلدية والتشريعية والإدارية، فسوف تقوم بدراستها لجنة مختلطة بمجرد استئناف المحادثات بين البلدين، ولكي تتمكن هذه اللجنة من الشروع في عملها دون تأخير وأداء مهمتها على أحسن وجه وفي أقرب وقت مستطاع، يجب أن تتألف من شخصيات غير مشغولة بالأعمال الإدارية والحكومية.

ومن الواضح أن مثل هذه المباحثات لا يمكن إجراؤها ما لم تسحب تونس الشكوى التي قدمت إلى الأمم المتحدة ضد فرنسا، وذلك بالرغم من أنه ليس ثمة ما يبرر تقديمها وقبولها، وإن الحكومة الفرنسية لترى أن من واجبها في هذه الحالة أن تذكِّر جلالة الباي بما سبق أن تقدم به في هذا الشأن المقيم العام.

ورغبة في العمل فورًا على إزالة العقبات التي تحول دون استئناف المحادثات التي توقفت بالرغم من إرادة فرنسا، ترى الحكومة الفرنسية أنه عليها أن تطلب في إلحاح الرد على هذه المذكرة في أقرب وقت، وأن الحكومة الفرنسية ستجد نفسها مضطرة — إذا لم تتلقَّ الرد سريعًا — إلى إطلاع الرأي العام على أنها ليست مسئولة عما يترتب على عدم استئناف المحادثات من نتائج خطيرة.

فأجاب جلالة الملك بمذكرة فنَّد فيها أقوال الحكومة الفرنسية بإيضاح، وصرح بتضامنه الكامل مع شعبه الجريح:

رد جلالة الباي بتاريخ ٥ فبراير ١٩٥٢

اطلع جلالة الباي على المذكرة الفرنسية التي بعث بها إلى جلالته المقيم العام الفرنسي في تونس يوم ٣٠ يناير، وقد سجل جلالته الرغبة التي أعرب عنها رئيس الحكومة الفرنسية لإزالة سوء التفاهم الذي نجم عن المذكرة الفرنسية المؤرخة في ١٥ ديسمبر من العام الماضي، والتي أدت إلى قطع المفاوضات بين تونس وفرنسا، وإن جلالته إذ يسجل ذلك يلاحظ أنه قد اقتصر على الإشارة إلى التصريح الذي أفضى به المسيو روبير شومان وزير الخارجية أمام مجلس الجمهورية في ٢٠ ديسمبر سنة ١٩٥١، دون أن يذكر ما يبدد كل شك فيما يتعلق بعدم التوافق بين اشتراك الفرنسيين في تونس في الشئون السياسية للبلاد وبين المبدأ الخاص بوحدة السيادة التي يهمنا توكيدها.

ولا حاجة إلى القول بأنه ستتخذ — صونًا لهذه السيادة على أكمل وجه — التدابير الكفيلة بحفظ المصالح العليا لفرنسا ومصالح الرعايا الفرنسيين في تونس.

أما فيما يتعلق بالنقط الأخرى التي أشارت إليها المذكرة سالفة الذكر، والتي لم تخرج عن أنها كررت المطالب التي جاءت في مذكرة سابقة؛ فقد جاء الرد عليها في خطاب أُرسل بتاريخ ١٧ يناير ويحسن الرجوع إليه.

ولقد تأثر جلالة الباي تأثرًا عميقًا لأعمال القمع الصارمة التي تجري الآن، والتي ألحقت أضرارًا خطيرة بسلامة أفراد الشعب وممتلكاتهم، كما أدت إلى المساس بسيادة الدولة، وقد أحاطت الحكومة التونسية المقيم العام الفرنسي علمًا ببعض هذه المخالفات.

وإن جلالة الباي الذي يهتم قدر اهتمام الحكومة الفرنسية بالمحافظة على الأمن والنظام، لا يسعه إلا أن يسجل أن الحالة لا تتطلب الإسراف في استخدام هذه القوات الكبيرة.

ويخلص مما تقدم أنه لكي تستأنف المفاوضات في حرية وعلى وجه مثمر كما يرجو جلالة الباي والحكومة الفرنسية، على الحكومة الفرنسية أن تحدد موقفها بوضوح إزاء المبادئ التي يجب أن تُتخذ قاعدة لتنظيم الإدارة التنفيذية والهيئة التشريعية في تونس، على صورة تحقق الحكم الذاتي السليم وتهيئ جوًّا مشبعًا بالثقة التي لا يمكن توفيرها إلا بإنهاء حالة الطوارئ والنظام الشاذ الذي فُرض على تونس منذ بضعة أسابيع.

وكان موقف المقيم في ذلك الحين عجيبًا غريبًا مدعاة للضحك؛ إذ أصبح جلالة الملك يرفض كل اتصال مباشر معه ويحيله على وزيره الأول، والمقيم من جهته يرفض مقابلة الوزير الأول التونسي بدعوى أنه غير مخلص لفرنسا، وقد طلب من الملك مرارًا إقالته، وكل مرة يجدد الملك ثقته فيه. وإذا بالمقيم يلجأ إلى خرق المعاهدات ويثير اهتمامًا كبيرًا في الأوساط التونسية والفرنسية، فيتصل مباشرة بولي العهد عز الدين باي ليهيئ خلع محمد الأمين بعد أن هدده تهديدات متوالية، ويتآمر مع الصحافة الاستعمارية لنشر تلك التهديدات الصريحة.

ولما بلغت تلك الحوادث كلها إلى رئيس البعثة الوزارية لدى هيئة الأمم، أفضى بالتصريح التالي للصحافة في ١٩ / ١ / ١٩٥٢:

بلغني في هذا الصباح أن السلطات الفرنسية اعتقلت الأستاذ الحبيب بورقيبة، والأستاذ المنجي سليم، وعددًا من النواب الدستوريين الذين أتوا مدينة تونس للمشاركة في مؤتمر الحزب.

وقد ازدحمت بتونس اليوم قوات فرنسية مسلحة خارقة للعادة، واحتلَّت المدينة عسكريًّا، وضبطت حركة المرور ضبطًا شديدًا، وقطعت مدينة حمام الأنف حيث يوجد قصر جلالة الباي عن بقية المملكة، وطوقت القصر نفسه …

أما تأثير هذه الإجراءات على حزبنا، فلا يمكن أن تشغل بالنا؛ إذ تكررت التجربة مرات في محاولة للقضاء على حركتنا القومية بطرق الاضطهاد والعنف، وخرج منها كفاحنا الوطني أقوى وأشد في سبيل تحرير بلادنا، وقد أصبح ذلك الهدف إيمانًا عم الشعب التونسي بأسره.

وإنا لواثقون الوثوق التام في مصير وطننا وفي الطريق الذي اخترناه لتحقيق رغائبه القومية، فإن التجاءنا إلى هيئة الأمم المتحدة وسيلة يؤيدها العالم بأسره.

وإن كان أنصار سياسة السوء بتونس المتمثلون في قادة قسم من الجالية الفرنسية يؤملون من وراء سياسة يملونها إملاء، ويفرضونها على حكومتهم في القضاء على تيار الشعب التونسي الجارف واندفاعه نحو أعلى مصير؛ فإنهم سيرون رأي العين — بعد فوات الأوان — أن عملهم سيضر بمصالح فرنسا وبمصالحهم أيضًا بتونس.

وشرع كثير من الدول والشعوب تؤيد تونس وتُشهر بالعدوان الفرنسي، فقد نشرت جريدة «مساجيرو دي روما» الإيطالية — وهي جريدة «دي جاسبيري» رئيس الحكومة ولسانه — مقالًا بتاريخ ١٤ يناير ١٩٥٢ جاء فيه:

لو أجلى الفرنسيون اليوم قواتهم عن تونس كلها أو جزئيًّا فلا شك في أن بنزرت لن تُخلى، ولكنها تجذب أنظار الإنجليز والأمريكان الذين يفتشون بلهفة عن قواعد حربية في البحر الأبيض المتوسط، بحيث يشهد بالبراعة للوطنيين التونسيين؛ إذ تمكنوا من جلب الاهتمام الأنجلو أمريكي المزدوج بقضيتهم القومية، بأن وعدوهم باستخدام الاستحكامات القوية الموجودة ببنزرت …

وإن التقاليد الحرة الإيطالية والعلاقات الطيبة في حسن الجوار بين الإيطاليين والأهالي، يوعز لنا أن ننظر بعطف إلى رغائب التونسيين مع إبداء النصح لهم بالحذر والاعتدال والثقة في تعقل حكومة باريس، وفي التطور للساعة التاريخية الراهنة.

وثارت ثائرة الفرنسيين الأحرار أنفسهم، فعقدوا الاجتماعات وقاموا بحملات صحفية مستمرة لفائدة شعب تونس، نقتطف مما نشر في ذلك الصدد مقالًا افتتاحيًّا نشرته مجلة «العصور الحديثة» Les temps Nouveaux عالجت فيه القضية التونسية في عددها الصادر في شهر مارس ١٩٥٢، جاء فيه:

ليست هذه المرة الأولى التي تُقطع فيها الوعود للتونسيين، وليست هي المرة الأولى التي ينفد فيها صبر التونسيين، فيتحول استياؤهم إلى مظاهرات شعبية، وقد قوبلت هذه المظاهرات بالقمع وبوعود أخرى.

وليست هي المرة الأولى التي يُتهم فيها الزعيم بورقيبة بأنه يعمل لحساب الأجانب، فبالأمس اتُّهم بأنه يعمل لحساب الإيطاليين، غير أنه لم توجد وثيقة تثبت الاتهام، ثم أُلصقت تهمة أخرى بالوطنيين التونسيين، فقيل إنهم يعملون لمصلحة الدعاية الشيوعية، ثم قيل إنهم يأتمرون بأوامر الجامعة العربية، وقد خفت وطأة الاتهامات بعد ذلك؛ لأنه لم يوجد ما يثبتها ويؤكدها.

ونرى من جهة أخرى أن الحكومات الفرنسية المتعاقبة كانت ترى مسئوليتها حيال القضية التونسية تتمثل في عدم وقوع حوادث وعدم قيام مشاكل، بيد أن الزعم بضرورة الحضور الفرنسي قد اتخذ لتبرير الحيف، وتفسير المعاهدات تفسيرًا أنانيًّا. ومعنى ذلك عدم البحث عن علاج للحالة، وهكذا تمت اللعبة وهي لعبة المعمرين والذين يؤيدونهم في فرنسا، وهم يجدون في ذلك التأييد فائدتهم ولا شك، ولكنهم بعملهم هذا يقترفون جرمًا؛ لأن الرأي العام في فرنسا يصبح مسئولًا وضحية لهذا الختل.

ولطالما استمعنا إلى كلمة تقول: «إننا لن نستمر وإنما نبني صرح الاتحاد الفرنسي»، وهي كلمة ضخمة ولكنها تُخفي عكس ما تُظهر.

ونحن نكذب عندما نقول إن التونسيين رفضوا التجربة الحاسمة، وإنما الرفض كان صادرًا عن الفرنسيين عندما قرروا الانتقال من الوعود إلى الإصلاحات، ولكنها كانت التجربة لأن الإصلاحات لم تتم حسب الوعود.

وقد لخص زعيم الحركة الوطنية بتونس الحبيب بورقيبة الحالة، وما تنطوي عليه من أخطار في مقالة نشرته مجلة «العصور الحديثة» الفرنسية بعث إليها به من منفاه هذا نصه:

إذا كانت التجربة التونسية قد انتهت بعد عشرين شهرًا انقضت كلها في الجهود المتحمسة إلى نهاية أليمة تجف بها الدماء؛ فذلك لأن فرنسا لم ترد أن تفهم مطالب البلاد التونسية، ولا ما يمكن أن تحققه هذه البلاد في نطاق السلم والصداقة.

إن ما يطالب به الشعب التونسي ليس هو هذه الإصلاحات الجزئية في نطاق البلديات والوظيفة العمومية، مع الاحتفاظ بسياسة إبقاء ما كان على ما كان، ولكن ما يطالب به الشعب إنما هو استرجاع سيادته السليبة؛ أي المقاطعة التامة مع النظام الحالي.

إن هذه السيادة قد بُترت وذهبت أشلاء بفعل معاهدة عتيقة ترجع إلى سبعين سنة خلت، وكانت قد فُرضت على البلاد فرضًا بواسطة القوة المسلحة، وتبعها فيما بعد غزو هائل احتل البلاد من أطرافها بثلاثة جيوش جرارة يصحبها جميعًا تهديد وإنذار لم يترك لجلالة الباي المحاصر في قصره إلا ساعات معدودات ليقرر موقفه من الأمر المقضي.

إلا أن هذا البتر الذي حدث للسيادة التونسية بالقوة في غضون القرن الماضي لم يكن هو كل شيء، بل إنه استُتبع فيما بعد أيضًا بالقضاء النهائي الذي أنزله المقيم العام على ما تبقَّى من هذه السيادة؛ ولذلك بالرغم من أن اختصاصات هذا المقيم لا تجيز له — وفقًا للمعاهدة نفسها — أن يتعدى كونه واسطة للعلاقات القائمة بين الحكومة الفرنسية والسلطات التونسية فيما يتعلق بالشئون التي تهم البلدين (المادة ٥).

أما اليوم فإن المقيم — بصورة عملية — هو السيد المطلق في أمره ونهيه بالبلاد التونسية، فالقوانين لا تتخذ صبغتها الشرعية إلا إذا حظيت بموافقته، وهو الذي يراقب جميع الأجهزة الإدارية بالبلاد التونسية، والشرطة والجندرمة تابعة له، وكذلك القوات المسلحة بالبلاد. أما الوزراء التونسيون فليس لهم أي نفوذ، ولا حق لهم في اتخاذ أية قرارات كانت، وهذه الوضعية الثقيلة على التونسيين في عقر دارهم، والتي لا يستطيعون تحملها، هي التي نهض الشعب بقيادة الحزب الدستوري لمحاربتها منذ ثلاثين سنة، وهدفه هو تحطيم هذا النظام الإرهابي.

وقد كانت الوعود التي قطعها روبير شومان سنة ١٩٥٠، وأكدها بيرييه المقيم العام في ١٣ يونيو من نفس السنة، قد ظهرت لنا بأنها تعبر عن إرادة الحكومة الفرنسية في إرجاع السيادة المنهوبة إلى ذويها التونسيين، والتي كانت معاهدة باردو نفسها قد نصت بصراحة على أنها من مميزات رئيس البلاد الأعلى، وأنها — هذه الوعود — ستكون الخطوة الأولى في طريق استبدال معاهدة ١٨٨١ الاستعمارية التي فقدت قيمتها، ولم تعد تتماشى مع الزمن الحاضر، بمعاهدة أخرى قائمة على الصداقة والعلاقات الطيبة التي تحفظ لفرنسا جميع الحقوق المشروعة، وتجعل من الممكن وجود تعاون حر بين شعبينا في جميع الميادين الضرورية التي لا بد فيها من تعاون متبادل بالنسبة لفرنسا وتونس معًا.

ولكن المؤسف أنه ما كادت المفاوضات تخطو خطوتها الأولى، حتى أخذت تحف بها تهديدات أغلبية الممثلين الفرنسيين، وما لبثت أن انتهت إلى مذكرة ١٥ ديسمبر التي أوصدت في وجه التونسيين جميع أبواب التفاهم مع الفرنسيين من أجل التحرير الوطني؛ وذلك لما جاء فيها من إقرار يحمل طابع «النهائية» للعلاقات التي تربط تونس بفرنسا، وجعلت الجالية الفرنسية المستوطنة بالبلاد التونسية هي صاحبة الطَّول والحَول في البلاد على حساب الشعب، مما يخالف جميع مبادئ القوانين الدولية.

ولكن الاعتدال الذي ظهر به الحزب الحر الدستوري فيما أبداه من ثقة بالوعود المقطوعة له باسم فرنسا، قد مكَّن من إماطة النقاب عما يخفيه الاستعماريون في الحكومة الفرنسية من نوايا ومقاصد جعلت الغضب يبلغ عند الشعب أقصى حدوده؛ لأنه لم يعد يطيق التصور بأنه سيظل عبدًا رقيقًا إلى الأبد في حين أن غيره من الشعوب، ومن بينها شعوب تجاوره في حدوده قد أصبحت تتمتع بسيادتها واستقلالها.

وهكذا حدثت القطيعة العنيفة، وتبعتها ردود فعل أعنف وأشد سالت فيها الدماء وسقطت فيها الضحايا، وهو ما كنا منذ سنتين نحاول جهدنا أن نحذر منه الحكومة الفرنسية. ولكن عبثًا. ومما يؤسف له حقًّا أن بعض المسئولين الفرنسيين الذين يظنون أنفسهم متشبعين اطلاعًا على الأمور في البلاد التونسية أصبحوا يعتقدون، بل ويصرحون علنًا أن التونسيين سيضطربون ويتحركون ويحاولون المشاغبة، ولكنهم لم يلبثوا أن يهدِّئوا من أعصابهم ويستكينوا من جديد. لقد كان هذا الظن قابلًا لأن يكون معقولًا لو جاء في القرن الماضي، ولكنه عندما يجيء في سنة ١٩٥٢ فهو مضحك.

إن الشعب التونسي قد أصبح مستعدًّا لتقبل جميع التضحيات؛ لكي يبرهن للعالم على أنه نضج النضج اللازم الذي يؤهله للحرية التي يطالب بها. إن الشعب قد صمم على دفع الثمن لهذه الحرية، وهو مستعد للكفاح من أجلها طوال ما تتطلبه من وقت.

وهذا ما جعل الحكومة التونسية التي استنفدت جميع جهودها في التفاهم المباشر قد تحولت — لكي تتجنب ما هو أنكى وأضر — إلى أكبر مؤسسة دولية تطلب منها التوسط الودي في النزاع القائم بينها وبين الحكومة الفرنسية، ولا تزال الفرصة سانحة أمام الحكومة الفرنسية لتعود إلى المفاوضات، ولكن على نفس القواعد والأسس وهي الاستقلال الداخلي.

على أن بلاغ الحكومة الفرنسية المؤرخ في ٣٠ ديسمبر قد جاء يحمل شرطًا تعتبره لا بد منه قبل الشروع في أي تفاهم، وهذا الشرط ينص على ما يلي: «إن الحكومة الفرنسية مخول لها بحكم المعاهدات المعقودة مع البلاد التونسية مسئولية حفظ الأمن العام.» وهذا تفسير مسرف وبعيد عما يقصده البند الثاني من معاهدة باردو، والذي يقول صراحة ما يلي: «من أجل تقديم التسهيلات اللازمة لحكومة الجمهورية الفرنسية في مهمة القيام بالإجراءات التي تمكنها من أداء مهمتها المتفق عليها من الدوائر العليا للطرفين والقاضية بمنع تجديد الاضطرابات والفوضى التي حدثت أخيرًا في الحدود الفاصلة بين الدولتين؛ فإن جلالة الباي يصادق على أن تحتل القوات العسكرية الفرنسية النقط التي تعتبرها ضرورية الاحتلال؛ من أجل إعادة الأمن إلى نصابه في الحدود والسواحل، وهذا الاحتلال ينتهي عندما تتفق السلطات العسكرية الفرنسية والتونسية على الاعتراف بأن الإدارة المحلية قد أصبحت آمنة ومضمونة.»

إن هذا النص إذن يتعلق باحتلال مؤقت لبعض النقط الاستراتيجية في البلاد؛ لكي تتمكن السلطات العسكرية من إعادة الأمن إلى نصابه في الحدود والسواحل، وبين هذا الذي ورد في المعاهدة وبين كل ما جري بعد ذلك من القضاء على كل سلطة عسكرية وتسريح جنودها وإسناد كل السلطات التي تتمتع بها الحكومة التونسية إلى المقيم العام والمراقبين المدنيين في حفظ الأمن بالبلاد، توجد هُوة سحيقة حفرتها فرنسا، وهو خزي لا يمكن أن يُقبل.

ولهذا يجب أن يكون الاستقلال الداخلي للبلاد التونسية لا في حكومة منسجمة فقط — وهو الأمر الذي يحفظ مبدأ عدم وجود أية سيادة أخرى غير السيادة التونسية — ولكن أيضًا في إرجاع الامتيازات المخصصة لكل دولة تتمتع بالسيادة إلى هذه الحكومة، وأول هذه الامتيازات مسئولية حفظ النظام والأمن في البلاد. فإن كانت فرنسا عازمة حقًّا على الاعتراف بهذا الحق والقيام بنقل السيادة التي يتضمنها هذه الاعتراف، لم يبقَ لها تعيين تاريخ معقول لا يمكن أن يتجاوز ٣١ ديسمبر من السنة الجارية لتحقيق هذا النقل بصورة كاملة وفعلية.

وهذا يمكن للحوار أن يُستأنف بهذا الشرط إذا أريد له النجاح، كذلك يمكن للصداقة الفرنسية أن تتجدد قوتها، وتحظى بموافقة طبقات الشعب التونسي، وتسمح بذلك لظهور تعاون حر بين الشعبين.

لقد طلب منا «إدجار فور» أن نُفصح له عن نواياتها، وهذا ما تم الآن.

وقد استطرد المسيو فور قائلًا: «إنه إذا كانت نوايانا صادقة لا يوجد ثمة داعٍ لكيلا نبرز هذه الإرادة المشتركة إلى الواقع، فإن إخلاصنا لا تشوبه شائبة، ولكن إخلاص فرنسا هو الذي ظل غامضًا دائمًا.

هذا في حين أن المماطلة والغموض والتحايل المفضوح عمرها قصير جدًّا، ولا نتيجة لها غير إثارة الشكوك والحذر وتوتر الأزمة التي لا تزال في بدايتها.

إن الوقت قد حان إذن بالنسبة لفرنسا لكي تراجع كل سياستها تجاه تونس، ولكي تختار بين سياسة المناهضة التي لا يمكن أن تجر إلا الويل والكوارث، وبين سياسة التفاهم والرشد القائمة على الاحتفاظ بوجودها، لا في ميدان الوظيف والحكم المباشر والجندرمة واللفيف الأجنبي ولكن بالإخلاص والنزاهة مع حكومة صديقة يساندها شعب صديق.

إن المستعمرين القاصري النظر يصرحون بأن استقلالًا داخليًّا من هذا النوع لا بد أن يؤدي إلى الاستقلال؛ وهذا صحيح، ومن الملائم أن تعالج قضية الاستقلال هذه منذ الآن: أن تُهيأ لها الحلول الأساسية الجوهرية وتسطَّر لها الخطوات المحددة؛ لأن المسألة ليست في الاختيار بين الاستقلال للبلاد التونسية وحكمها حكمًا مباشرًا، بل في الاختيار بين أن يكون هذا الاستقلال بقيادة فرنسا وتسييرها، حتى يمكن التعاون الحر بين الطرفين والمحافظة على المصالح الأساسية لفرنسا وللعالم الحر، وهو ما لا يزال ممكنًا، بل وتتمناه جماهيرنا الساحقة — وبين استقلال يفتكُّ افتكاكًا في حماة الدماء والأحقاد وبمساعدة خارجية، قد ترمي بالبلاد التونسية في أحضان كتلة أخرى ليست من صالح فرنسا في شيء.

إن الاستقلال بالنسبة للبلاد التونسية كما هو بالنسبة لجميع الشعوب المضطهدة الفاقدة لحريتها، قد أصبح أمرًا حتمًا لا مناص منه، ومن المستحيل على الشعب التونسي — وقد بلغ التنظيم والوعي إلى الحد الذي هو فيه، والذي ينمو معه ويطرد يومًا بعد يوم — أن يستكين للعبودية والرق، ولكن إذا كانت الحكومة الفرنسية المعززة بجبروت جناحها الأيمن، تظن أنها تستطيع مناهضة الشعب التونسي بالقوة، فإنه لا نتيجة لهذا الوهم إلا ما هو أنكى وأضر؛ لأن استقلال تونس لا بد أن يتحقق بالرغم من فرنسا، وبالرغم من إرادتها.»

١  II Popolo di Roma ٢ / ١٢ / ١٩٥١.
٢  Avanti بقلم Arrigo Jacchia بتاريخ ٥ / ١٢ / ١٩٥١.
٣  Vespri d’Italia بتاريخ ٩ / ١٢ / ١٩٥١.
٤  Terza Forza بتاريخ ١٣ / ١ / ١٩٥٢.
٥  جريدة الفيجارو الفرنسية بتاريخ ١٧ / ١ / ١٩٥٢.
٦  جريدة «ليموند» بتاريخ ١٩ / ١ / ١٩٥٢.
٧  جريدة «فران تيرور» الباريسية بتاريخ ٢١ / ١ / ١٩٥٢.
٨  وهذه أسماء بعضهم: الهادي اليعقوبي، عمر بن الشيخ، حمدان بن الخدامي، أبو جمعة بن محمد، عمر بن طنطونس، أبو بكر عبد الرحمن بن صالح، عبد الله بن صالح، خليل بن التيحاني، عبد اللطيف بن صالح بن اللطيف، محمد بن علي، المولدي بن صالح بن دخلون، أبو بكر بن عبد الرحمن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١