الاعتداء على الوزارة التونسية

(١) تدبير العدوان

ظنت الحكومة الفرنسية في أول الأمر أن القضية التونسية قد دُحضت، وأن هيئة الأمم المتحدة لن تشتغل بها، ولن تعيرها أهمية، ولن تسجلها في جدول أعمالها، وأن الخلاف التونسي الفرنسي سيبقى محصورًا في الدائرة الفرنسية البحتة، فهلل المستعمرون وكبروا، وحبروا المقالات وأطالوا، واستعانوا برجال القانون الفرنسيين؛ ليثبتوا أن ذلك الخلاف ليس من اختصاص هيئة الأمم. ولكن سرورهم لم يطُل وفرحهم لم يدُم، وسرعان ما دخلت عليهم الحيرة، والاضطراب، وشكُّوا في انتصار باطلهم، وأوجسوا خيفة من الكتلة العربية الآسيوية عندما تكونت لاحتضان قضية تونس وتقديمها لهيئة الأمم، والدفاع عنها، وقد قررت الكتلة رفع القضية إلى مجلس الأمن، وكانت رئاسته قد أسندت لممثل الباكستان السيد البخاري لشهر أبريل ١٩٥٢، فأسقط إذ ذاك في يد الحكومة الفرنسية التي لم تنظر إلى المستقبل البعيد، ولم تتلافَ أغلاطها الفادحة، فأصبحت بين أمرين كلاهما يجر وراءه العار والخيبة، فإما استنكار سياستها الغاشمة وتكذيب نفسها بنفسها بمنح التونسيين حقوقهم والرجوع إلى سواء السبيل وفاء بالوعود التي قطعتها، وإما إضافة عدوان جديد إلى العدوان القديم، وزيادة في التنكيل والقمع والإجرام، والتمادي في الفتك لفرض تحويرات على الدولة التونسية تجعل لفرنسا والفرنسيين حق المساهمة في سيادتها والاشتراك في منظماتها، فرأت الحكومة من المهارة السياسية أن تضع مجلس الأمن أمام الأمر المقضي بأن تزيل الوزارة الشرعية التونسية التي رفعت قضية تونس إلى هيئة الأمم، والتي لم ترد سحبها رغم جميع الجهود الفرنسية والضغط الاستعماري المستمر، فتعوضها بوزارة أخرى سهلة الانقياد ممتثلة لأوامر فرنسا، وكانت تظن أنها ستنهي المشكل التونسي بهذا العدوان المدبر، فلا يبقى لدى مجلس الأمن ما يبرر تدخله في الخلاف التونسي الفرنسي؛ إذ تكون الوزارة التي رفعت الدعوى قد أبعدت عن الحكم.

وكانت تلك الفكرة تخامر أذهان المسئولين الفرنسيين منذ أمد بعيد، وكانوا يستعدون لعزل الوزارة الشرعية ولو باستخدام القوة، فقد كتب المقيم العام الفرنسي «لويس بيريلي» رسالة سرية إلى وزارة الخارجية الفرنسية بتاريخ ٢٨ / ٧ / ١٩٥١.١ يعرض عليها إعداد التدابير اللازمة للعدوان على الوزارة التونسية وعلى جلالة الملك نفسه إذا اقتضى الأمر ذلك، قال:

… لكن إن رفضت الحكومة التونسية البرنامج المعروض عليها — وذلك ما اعتبره محتملًا — فلا يمكن إبقاؤها في الحكم بعد ذلك، ويجب إذ ذاك أن يلتمس منها تقديم استقالتها.

ومن المتوقع أن السيد شنيق سيرفض التخلي عن الحكم، وإذ ذاك نرجع إلى سمو الباي ليعزله، ويمكن أن نؤمل من الأمير الخضوع إن كان الطلب حازمًا وباسم معاليكم؛ إذ نؤمل أنه رغم تواطئه الذي يزداد متانة وعمقًا يومًا بعد يوم مع «الدستور»، سيكون أحكم من أن يتصادم مع الحكومة الفرنسية وجهًا لوجه.

وإن كانت الأخرى ولم يكن لصاحب السمو سيدي الأمين باشا باي من الشجاعة ما يكفي ليتخلص من تأثير حاشيته، فينبغي أن ننبهه بإخلاص بأنه لا يمكن للدولة الحامية أن تحتمل رفضًا يمس مبدأ رسالتها نفسه، ويكون حينئذٍ مركز الباي الشخصي في الميزان.

وقد كانت العلاقات بين تونس وفرنسا تزداد توترًا يومًا بعد يوم، حتى انقطع كل اتصال مباشر بين الحكومة التونسية والمقيم العام الجديد.

وأصبحت المخابرات بين جلالة ملك تونس والحكومة الفرنسية رأسًا، فأرسلت إلى جلالة الملك مذكرة بتاريخ ٢٦ / ١ / ١٩٥٢ تعلمه فيها بأن فرنسا ستتمادى في سياسة القمع والاضطهاد بدعوى المحافظة على الأمن، قالت:

إن الحكومة الفرنسية تتحمل بمقتضى المعاهدات المعقودة مع تونس المسئولية الكاملة على المحافظة على الأمن العام في هذه البلاد … وستقوم حكومة الجمهورية الفرنسية فيما يتعلق بها ولصيانة المصالح المشتركة لجميع سكان تونس بواجبها دون تهاون ولا إهمال.

ثم تحدثت عن إمكان بعض الإصلاحات، ووصلت أخيرًا إلى بيت القصيد، فأوضحت الغرض الأصلي من تلك الرسالة، وهو الضغط على جلالة ملك تونس لكي يسحب الشكوى المرفوعة إلى هيئة الأمم، فقالت:

ومن الواضح أن مثل هذه المباحثات لا يمكن إجراؤها ما لم تسحب تونس الشكوى التي قدمت إلى الأمم المتحدة ضد فرنسا، وذلك بالرغم من أنه ليس ثمة ما يبرر تقديمها، وإن الحكومة الفرنسية ترى أن من واجبها في هذه الحالة أن تذكر جلالة الباي بما سبق أن تقدم به في هذا الشأن المقيم العام.

وختمت الحكومة الفرنسية مذكرتها بالتهديد والوعيد قائلة:

ورغبة في العمل فورًا على إزالة العقبات التي تحول دون استئناف المحادثات التي توقفت، بالرغم من إرادة فرنسا أنه لزامًا عليها أن تطلب في إلحاح الرد على هذه المذكرة في أقرب وقت، وأن الحكومة الفرنسية ستجد نفسها مضطرة — إذا لم تتلقَّ الرد سريعًا — إلى إطلاع الرأي العام على أنها ليست مسئولة عما يترتب على عدم استئناف المحادثات من نتائج خطيرة.

وكان جواب جلالة ملك تونس إلى الحكومة الفرنسية بتاريخ ٥ فبراير ١٩٥٢ يحملها فيه مسئولية الحوادث الجارية، قال: «وقد سجل جلالته الرغبة التي أعرب عنها رئيس الحكومة الفرنسية لإزالة سوء التفاهم الذي نجم عن المذكرة الفرنسية المؤرخة في ١٥ ديسمبر من العام الماضي، والتي أدت إلى قطع المفاوضات بين تونس وفرنسا.» ثم عبر عن استيائه واحتجاجه على ما تقوم به القوات الفرنسية المسلحة من عدوان على شعب تونس وعلى السيادة التونسية، قال: «ولقد تأثر جلالة الباي تأثرًا عميقًا لأعمال القمع الصارمة التي تجري الآن، والتي ألحقت أضرارًا خطيرة بسلامة أفراد الشعب وممتلكاتهم كما أدت إلى المساس بسيادة الدولة.

وإن جلالة الباي الذي يهتم قدر اهتمام الحكومة الفرنسية بالمحافظة على الأمن والنظام، لا يسعه إلا أن يسجل أن الحالة لا تتطلب الإسراف في استخدام هذه القوات الكبيرة.» وأخيرًا اشترط لاستئناف المفاوضات مع فرنسا وقف عدوانها وتعهدها بتحقيق الحكم الذاتي السليم. «ويُخلص مما تقدم أنه لكي تستأنف المفاوضات في حرية وعلى وجه مثمر كما يرجو جلالة الباي والحكومة التونسية، على الحكومة الفرنسية أن تحدد موقفها بوضوح إزاء المبادئ التي يجب أن تتخذ قاعدة لتنظيم الإدارة التنفيذية والهيئة التشريعية في تونس، على صورة تحقق الحكم الذاتي السليم وتهيئ جوًّا مشبعًا بالثقة التي لا يمكن توفيرها إلا بإنهاء حالة الطوارئ والنظام الشاذ الذي فُرض على تونس منذ بضعة أسابيع.»

فأسرعت السلطات الفرنسية إلى حبك مؤامرتها ضد حكومة تونس الشرعية، وتوالت اجتماعات المقيم مع عدد وافر من الموظفين العالين الفرنسيين، وأخيرًا تلقى من حكومته التعليمات اللازمة يوم ٢٢ مارس ١٩٥٢، فأسرع إلى عقد اجتماع جديد شارك فيه الكاتب العام للحكومة التونسية، بونص، والجنرال جارباي.

ولما أتم المقيم إعداد الرواية، شرع في تمثيلها حالًا فأضاف مأساة جديدة إلى المآسي التي تعددت منذ حل بالتراب التونسي، فافتضحت حقيقة ذلك الرجل وظهرت خلالها فظاعة السياسية الفرنسية، وجرائمها المدبرة. لقد قام بدوره أحسن قيام كأكبر الممثلين؛ إذ أبرز طبيعته الخفية، فاشمأز التونسيون مما شهدوا، وبقيت صورة دي هوتكلوك في أذهان التونسيين تمثل الاستعمار الفرنسي تمثيلًا كاملًا.

واستقبل المقيم العام يوم ٢٤ مارس سمو الأمير الشاذلي باي نجل الملك الأكبر ورئيس ديوانه، وأعلمه برغبته في أن يستقبله جلالة الملك رأسًا ومن غير حضور الوزراء التونسيين، وبعث في اليوم نفسه برسالة إلى دولة رئيس الحكومة السيد محمد شنيق الذي كان ابنه في حالة مرض شديد، يهدده فيها تهديدًا صريحًا، ويتوعده بأن ما سيلحقه من ضرر من جراء تصلبه في موقفه ربما يقضي على حياة ابنه المريض، فتجلت هكذا نفسية دي هوتكلوك الذي أصبح يتلاعب بأقدس العواطف البشرية وأشرفها وأعمقها، وهي عاطفة الأبوة بعد أن أزهق الأرواح ودمر وعذب. ولكن دولة محمد شنيق كان أصلب في الحق والواجب مما ظن دي هوتكلوك، فأجابه بالرفض وتمسك بالبقاء في الوزارة معتمدًا على ثقة الملك وثقة الشعب، منكرًا على فرنسا أن يكون لها الحق في تعيين الوزارة التونسية أو في إقالتها. فلم يستحِ المقيم من كتابة الكلمات الآتية في رسالته تلك: «ولا أخفي عنكم أنني أتأثر عميق التأثر عندما تسنح لي الفكرة بأنه لو لم تحل المشكلة الفرنسية التونسية في الأيام القريبة بالمراضاة، لثارت عاصفة شديدة من أجلك وحذوك وحولك، وربما تتعكر حالة ابنكم من جرائها.»

وأراد جلالة الملك أن يُعرب للمقيم العام عن أن وزارته ما زالت تتمتع بثقته التامة، وعن تمسكه ببقائها في الحكم، فلم يجب طلبه في استقباله منفردًا، بل أحضر وزارته حوله، فلما دخل عليه دي هوتكلوك يوم ٢٤ مارس في الساعة الحادية عشرة والنصف وجده محفوفًا بصاحب الدولة السيد محمد شنيق، وأصحاب المعالي السادة: محمود الماطري، ومحمد بن سالم، ومحمد سعد الله، ومحمد الصالح مزالي. فأعلم المقيم جلالة الملك بأنه اتصل من الحكومة الفرنسية ببرنامج إصلاحات، ولكنه لم يعد في الإمكان التفاوض بشأنه مع الوزارة الحالية؛ ولذا يطالب بإقالتها.

فأجاب الملك: بلغ باريس رغبتنا في عدم الاستجابة لذلك الطلب.

فتحدى إذ ذاك دي هوتكلوك الملك، وخاطبه بألفاظٍ بذيئةٍ لا تليق بالمقام، ثم ختم كلامه بقوله: «إن الحكومة الفرنسية قد فوَّضت لي الأمر، وكلَّفتني بحل المشكلة بالطرق التي أراها صالحة. وإني أنتظر الجواب في حدود الساعة الثالثة بعد الظهر. ثم غادر القصر الملكي بتهوره المعهود.»

ولم يقبل منه الملك ذلك الصلف، وأرسل حالًا برقية إلى رئيس الجمهورية الفرنسية قال فيها: «إن لهجة التهديد التي استعملها السفير «م. دي هوتكلوك» أثناء استقبالي له اليوم تخالف تمامًا تقاليد فرنسا، ويجعلنا نشك في أن سلوكه هذا هو سلوك فرنسا نفسها.»

ثم أوعز المقيم للصحافة الاستعمارية بألا تكتفي بتهديد الوزارة التونسية، بل بأن تهدد الملك نفسه، فكتبت جريدة «لابريس» في يوم ٢٥ مارس تعليقًا على ذلك الحادث جاء فيه: «في وسعنا أن نخبر بأن المقيم سوف لا يترك هذا الجواب (أي جواب جلالة الملك) بدون رد فعل سريع؛ إذ تسمح الإرشادات التي استقيناها من مصدر وثيق بأن نجزم أن «م. دي هوتكلوك» قد أكد بدوره بأنه شاعر الشعور التام بمسئوليته.

وبدون أن نسعى في التعليق على هذا الموقف الراسخ، فإنه من السهل أن نستنتج منه بأنه في الوقت الذي نضع فيه جريدتنا تحت الطبع تدور محادثات هامة بالسفارة العامة، وبدون شك بالقصر الملكي أيضًا.

وإنه من الممكن أن يقع اتخاذ قرارات خطيرة جدًّا عندما يحين منتصف الليل.»

ودارت عجلة الحوادث بسرعة عجيبة، فانقطعت ليلة ٢٥ مارس المخابرات الهاتفية بين تونس وباريس وبين العاصمة وبقية القطر، ولم يُسمح حتى للصحافة بأن تتصل بمراسليها خارج تونس، وانتشرت القوات العسكرية انتشارًا كبيرًا في عدد هائل في القطر كله، واحتلَّت المراكز الاستراتيجية من الطرقات والأماكن العامة، وحاصرت مدينة تونس من جميع الجهات وقطعتها عن العالم، وتكاثرت الدبابات والمصفحات بأنواعها في الشوارع الرئيسية، وازدحمت الجنود في الميادين وحول الإدارات العامة والوزارات. وفي تلك الليلة نفسها في حدود الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، هاجمت القوات الفرنسية بيوت الوزراء التونسيين، فأخرجت دولة السيد محمد شنيق من فراشه، ودخلت إلى غرفة نومه، وأزعجت عائلته وابنه المريض، وفتشت منزله، ثم ألقت عليه القبض وحملته معها. وفي الوقت نفسه وقع اعتقال بقية الوزراء الموجودين بتونس السادة محمود الماطري وزير الدولة والدكتور محمد بن سالم وزير الصحة ومحمد الصالح مزالي وزير التجارة والصناعة، وأُبعدوا جميعًا إلى المنفى في جهة قبلي بأقصى الجنوب التونسي، ووُضعت الأختام بالشمع الأحمر على جميع مكاتب أصحاب الدولة والمعالي الوزراء ومكاتب رؤساء ومديري دواوينهم بقصد تفتيشها.

أما معالي وزير الزراعة السيد محمد سعد الله، فكان ملازمًا للفراش، وقد اشتد به المرض حتى أصبحت كل نقلة تجعل حياته في خطر، فلما هاجمت القوات الفرنسية بيته اكتفت بإبلاغه قرار المقيم العام بأن يلازم بيته؛ لأنه معتقل فيه، وأن يكفَّ عن كل نشاط سياسي أو إداري.

وفي اليوم نفسه (٢٥ مارس) حملت السلطات الفرنسية رئيس الحزب الحر الدستوري الأستاذ الحبيب بورقيبة والزعيمين: المنجي سليم والهادي شاكر من منفاهم ببلدة طبرقة، ونقلتهم إلى رمادة في الصحراء بأقصى الجنوب، لتنكل بهم وتحط من معنوياتهم.

وألقى المقيم العام خطابًا مسهبًا في الإذاعة يعترف فيه بعدوانه على الوزارة التونسية الشرعية من غير حياء، ويتبجح باستخدام القوة الغاشمة ويهدد الشعب، قال:

ولكن يتعين ضروريًّا في سبيل تنفيذ تلك الإصلاحات تنفيذًا مخلصًا شاملًا، أن يتبدد جو النوايا السيئة والتقاعس، الذي أبت الوزارة التونسية الحالية إلا أن تجعله مخيمًا باستمرار، ولذلك قررت أن أجعل من المستحيل على تلك الوزارة مواصلة نشاطها السياسي الوبيل؛ بأن أُبعد مؤقتًا من عاصمة تونس بعض أعضائها، والتمست من جلالة الملك المعظم أن يتفضل بتعيين وزير أكبر آخر يتمتع بثقته الكاملة، ويستطيع أن يعيد ربط علاقات التعاون المخلص مع السفارة العامة باعتبار تلك العلاقات ضرورية على السواء لإدارة البلاد إدارة سليمة، ولازدهار المؤسسات الجديدة التي قررت حكومة الجمهورية منحها للقطر التونسي.

ظن دي هوتكلوك لقصر نظره أنه تخلص من الوزارة التونسية، وأرسل تعليماته إلى باريس لإلقاء القبض على صاحبي المعالي: السيد صالح بن يوسف وزير العدل، والسيد محمد بدرة وزير الشئون الاجتماعية، اللذان رفعا قضية تونس إلى الأمم المتحدة. وقد كانت الحراسة شديدة عليها من طرف البوليس الفرنسي، فلا يخرجان إلا في صحبة بعض أعوان البوليس، ولكنهما توصلا في صباح ٢٦ مارس إلى معرفة أخبار تونس رغم قطع جميع المخابرات التليفونية والبرقية بين تونس وباريس، وعلما بإلقاء القبض على زملائهم، فأعدَّا سفرهما خفية وغادرا فندق «الجران أوتيل» الذي يمتاز بموقعه في قلب العاصمة الفرنسية في الصباح حوالي الساعة الثامنة والربع، وأبقيا جميع حقائبهما وملابسهما في غرف الفندق، ولم يعلم بسفرهما أحد. ولمَّا افتقدهما البوليس الفرنسي وتفطن إلى غيابهما، قامت قيامة الحكومة الفرنسية، وشددت الحراسة على جميع حدودها والرقابة على بعض السفارات، ظنًّا منها أن الوزيرين قد التجئا إلى سفارة إحدى الدول العربية أو الشرقية، وإذا بها تفاجأ بوصولهما إلى مدينة بروكسل عاصمة البلجيك قبل أن تنفذ أوامرها بساعات، وانتقلا منها إلى جنيف ثم إلى القاهرة، فأشعل نجاحهما في الخلاص من براثن الاستعمار حماسَ الشعب التونسي. واستأنفا نشاطهما المجدي لفائدة تونس في نطاق أوسع من ذي قبل بمرات، فكان خروجهما من أشد الضربات للاستعمار وأمرِّ الخيبات لممثله بتونس الكونت دي هوتكلوك.

وظن المقيم العام أن في مقدرته أن يقضي على كل مقاومة، ويفتك بكل من يحاول أيَّ عمل وطني، فألقى القبض على مئات ومئات من التونسيين في جميع جهات القطر، واعتقل كل من يشتمُّ منه رائحة الوطنية.٢ وليشل حركة النشر والصحافة ألقى القبض أيضًا على مدير جريدة «الصباح»، الأستاذ الحبيب شيخ روحه ورئيس تحريرها الأستاذ الحبيب الشطي.

وأراد أن يُلبس الحق بالباطل، وأن ينقص من عطف الأحرار في العالم على القضية التونسية، وأن يبرر طغيانه واعتداءاته؛ فادعى في غير خجل أن بتونس تعاونًا وثيقًا بين الحركة الوطنية وبين الشيوعيين — وذلك كذب صراح لم ينطلِ على أحد — فنقل سلطات الأمن من أيدي المدنيين إلى العسكريين، وسلَّمها إلى السفاك الشهير الجنرال غرباي، فقال في خطابه (٢٧ مارس): «وفي سبيل الحيلولة دون كل محاولة جديدة للركون إلى العنف من طرف عناصر هدامة، إن هي ادعت استنكار المبادئ الشيوعية، فهي تقبل التعاون معها وتعتمد وسائلها الإرهابية؛ قررت أيضًا إحالة التصرف في سلطات الأمن إلى الجنرال القائد الأعلى للجيوش، وذلك في كافة القطر.»

فزاد الجنرال غرباي الضغط شدة والاضطهاد تعسفًا وعنفًا، واتخذ حالًا عدة إجراءات لتضييق الخناق على التونسيين جميعًا، وأصدر أمرًا بتوسيع منع التجول: «إن منع التجول ليلًا الذي كان نافذًا بالنسبة للمدينة العربية، أصبح شاملًا لكافة مدينة تونس … ويطبق هذا القرار بداية من اليوم الأربعاء ٢٦ مارس ١٩٥٢ من الساعة التاسعة مساء إلى الساعة الخامسة والنصف صباحًا.»

ثم أصدر أمرًا ثانيًا جَنَّد فيه جميع التونسيين وكَوَّن منهم فرقًا، مهمتها حراسة السكك الحديدية وأعواد التليفون والمباني العامة، وحملهم مسئولية كل حادث يقع في جهتهم. ولا يخفى ما في ذلك القرار من ظلم وإرهاق، ولكن مقاصده أشنع وأبشع؛ لما احتوت عليه من فكرة شيطانية جهنمية؛ إذ يريد أن يجعل التونسيين يتقاتلون ويتحاربون، فتشتد الخصومة بين الحراس وبين الفدائيين. ولكن فطنة الشعب التونسي ووحدة صفوفه خيَّبت ظنَّه وسفَّهت أحلامه، وإنَّا ننشر هذا القرار الذي سيبقى وصمة عار في جبين الاستعمار الفرنسي:

قرار من الجنرال القائد الأعلى للجيوش التونسية وزير الدفاع عن التراب بتاريخ ٢٦ مارس ١٩٥٢ يتعلق بأحداث «فرقة أمن»

إن الجنرال غارباي وزير الدفاع عن التراب التونسي.

بعد الاطلاع على ما خوَّلت له من النفوذ حالة الحصار المعلنة بالأمر العلي الصادر في غرة سبتمبر ١٩٣٩.

وعلى الأمر العلي المؤرخ في ٩ يونيو ١٩٤٠ في ردع مخالفات النصوص التي اتخذت لتنفيذ الأمر المؤرخ في غرة سبتمبر ١٩٣٩.

وعلى الأمر العلي المؤرخ في ٢٥ أكتوبر ١٩٥١ الصادر في تسمية وزير الدفاع عن التراب التونسي، قرر ما يأتي:
  • الفصل ١: أن التونسيين من الذكور الذين يزيد سنهم عن الثماني عشرة سنة، يكون منهم بكل مشيخة بمقتضى هذا القرار «فرقة أمن» حفظًا للسكك الحديدية والخطوط التليفونية والكهربائية والاستحكامات والبناءات العمومية في مجموع البلاد التونسية، وفي منطقة الإحكام لحالة الحصار.
  • الفصل ٢: كلف مجلس بإدارة «فرقة الأمن»، وهذا المجلس يترأسه الشيخ، ويتركب من عشرة أعضاء من أعيان المشيخة.

    وهؤلاء الأعيان يقع تعيينهم من طرف المراقب المدني بعد استشارة العامل.

    وتعويضهم عند الاقتضاء يكون بنفس الصورة المذكورة.

  • الفصل ٣: لمجلس الإدارة حق التفاوض والتقرير تحت إرشاد ونفوذ المراقب المدني في تنظيم وسائل التوقي المراد اتخاذها للقيام بالمأمورية المومأ إليها بالفصل الأول، مع مراعاة الأحكام الخاصة المتعلقة بحالة الحصار.

    وهو ينظر على الأخص في خدمة الحراسة التي يجب القيام بها في هذا الصدد، وكذلك في توزيع السخرات بالمال أو العمل على أفراد «فرقة الأمن»، وتكون مفاوضاته وتقاريره نافذة بإذن المراقب المدني.

  • الفصل ٤: يعفى من المشاركة في العمل: السواقط، والشيوخ الذين يزيد عمرهم على الستين عامًا، والموظفون، وأعوان السلطة، وأهل الشعائر الدينية، والأعوان المستخدمون بصفة قارَّة بالمصالح العسكرية أو لفائدتها مباشرة.
  • الفصل ٥: «فرقة الأمن» مسئولة عن الأضرار والخسائر الواقعة بالتراب الذي تحت حراستها، وذلك لا يعارض بالمرة المسئوليات التي تنال شخصيًّا كل فرد من أفرادها بعنوان المخالفة.

    ويمكن أن تحتمل مسئولية الأضرار والخسائر عواقب مالية في صورة الإخلال المشاهد في تنفيذ المأمورية المسندة لهذه الجموع، ويكون أعضاء مجلس الإدارة متضامنين مع بعضهم بعضًا فيما عسى أن يترتب من غرم الأضرار والخسائر.

  • الفصل ٦: تصدر تعليمات خاصة في استخلاص مبلغ الأضرار والخسائر.
  • الفصل ٧: تتسلط على مخالفة تراتيب هذا القرار أحكام الأمر العلي المؤرخ في ٩ يونيو ١٩٤٠ الصادر في ردع مخالفات النصوص الصادرة، عملًا بالأمر العلي المؤرخ في غرة سبتمبر ١٩٣٩ المتعلق بحالة الحصار.
  • الفصل ٨: المراقبون المدنيون مكلفون بإجراء العمل بما تضمنه هذا القرار.
تونس ٢٦ مارس ١٩٥٢
الإمضاء: غارباي

(٢) رد الفعل التونسي

كان رد الفعل التونسي سريعًا شديدًا واسعًا متنوعًا على ذلك العدوان الفرنسي الجديد وتلك الإجراءات التعسفية الجائرة؛ فقد قررت المنظمات القومية إضرابًا عامًّا غير محدود في القطر كله، وتوقفت المواصلات، وانقطع العمل في المناجم والمعامل والمواني، وتعطلت الأسواق كلها، وأغلقت الدكاكين أبوابها، وانقطع التعليم في جميع المدارس، وكتب شاهد عيان عن عاصمة تونس يوم ٢٦ مارس قال: «أضربت مدينة تونس وتعطلت فيها جميع الحركات التجارية والمواصلات، فأوصدت المقاهي والدكاكين أبوابها، وخيَّم جوٌّ من الجلال الحزين، وكانت تبدو على الوجوه سحابة من الأسى والقلق، وكانت الدوريات العسكرية منذ الصباح تتجول بأحياء العاصمة وشوارعها، وتجري تفتيشات على راكبي عربات الترام والسيارات والمارة، وكان الإضراب شاملًا وإجماعيًّا عامًّا.»

وكانت القوات الفرنسية تهاجم التونسيين في كل مكان، وتطاردهم في كل شارع، وتهين وتشتم وتتحدى وتعذب وتنكل. واتسع نطاق تهديدهم واعتداءاتهم، فكانوا يُخرجون أصحاب محلات التجارة من بيوتهم ليرغموهم على فتح دكاكينهم، ولما رأوا فشلهم الذريع أخذوا يحطمون أبواب المتاجر ويعيثون فيها فسادًا.

وأخذوا يلقون القبض على التونسيين بالجملة في القطر كله.٣ فزاد ذلك العمل الطين بلَّة، وخرج الشعب إلى الشوارع في مظاهرات قوية عديدة، وانتظمت الجماهير في الميادين العامة في كل مدينة وقرية: «قابس وصفاقس وقفصة وتوزر والقيروان وسوسة وقصر هلال والمهدية ونابل والحمامات وباجة وماطر والكاف وبنزرت وتونس.» وقد ضمت تلك المظاهرات الرهيبة الشبان والكهول والنساء والأطفال، وكانت تجتمع بسرعة وعلى حين غفلة من القوات الفرنسية التي ملأت المدن كلها، فتهاجمها تلك القوات قصد تشتيتها، فتعددت الاشتباكات بين قوات الأمن من البوليس والجيش وبين المتظاهرين، وجُرح عدد وافر من الجانبين.

(٣) قرار الشعب التونسي

اجتمع بعد زوال يوم الأربعاء ٢٦ مارس بمقر الغرفة التجارية تحت رئاسة الرئيس السيد الطاهر بن عمار، ممثلو الهيئات السياسية والنيابية والاقتصادية والثقافية، الغرفة الفلاحية التونسية للشمال، وهيئة المستشارين البلديين التونسيين، والحزب الدستوري الجديد، واللجنة التنفيذية للدستور القديم، والجمعية الخلدونية والاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، والاتحاد العام للفلاحة، والغرفة التجارية التونسية، وهيئة الأطباء التونسيين، وهيئة الصيادلة، ونقابة المدرسين بالجامعة الزيتونية، وهيئة المحامين التونسيين، وجمعية الشبان المسلمين وغيرها. وقرروا عدم الاعتراف بالوضع الجديد، والعمل في جميع الميادين بجميع الوسائل لإرجاع الوزارة الشرعية.

وأثارت أعمال «دي هوتكلوك» القسم الحر من الرأي العام الفرنسي الذي رأى فيها المعول الأكبر للقضاء على مستقبل فرنسا بشمال أفريقيا. وأخذ الصحفيون الفرنسيون في تحليل السياسة الفرنسية بتونس، يفضحون عيوبها، ويوجهون أشد الانتقادات إلى الحكومة الفرنسية على عجزها وتسويفها وجمودها المجرم. ولنقتطف بعضها كمثال للباقي:

قال دوران إنقليفيال في مقال افتتاحي نشره بجريدة «البتي متان»: «لقد لاقى الشعب التونسي أتعابًا وآلامًا، حتى توصل إلى إلفات الرأي العام والحكومة في فرنسا إلى قضيته.

ولقد نضجت المطالب التونسية نضجًا واضحًا منذ زمن طويل … والمطالب عندما تكون مشروعة يجب أن تطالب بالترضية بدون أي شروط أو تأجيلات.

ولكن ما معنى كلمة المشروعية هذه؟ إنني أخشى هنا ألا تكون نظرة مسيو بيني٤ قوية واضحة بالقدر الذي عليه تصريحاته مثلًا.

نعم إن مؤرخي الجمهورية الرابعة سوف لا يلاقون أي صعوبة أو مشقة في وجود الأكاذيب اللازمة لمغالطة الشعوب في المستقبل، وتبرير هذه الأكاذيب بما يتطلبه لها التاريخ، ولكن اليوم وفي الوقت الحاضر توجد مواقف مدققة تفرض نفسها على فرنسا ولا تستطيع أن تتملص منها، بل واجبها أن تقدم إلى الأجيال الحاضرة برهانًا عن طيب نيتها وعن إخلاصها.

أريد أن أقول إنه لا يكفي الحديث وحده عن مطالب مشروعة، بل يجب أن نبرهن على أننا نعترف بمشروعيتها.

وإذا كانت الحكومة الفرنسية ومجالسها الوزارية الموسعة أو المضيقة لم تستطع أن تقدم إقدامًا صريحًا في هذا الشأن فمن ذا الذي يا ترى سيفعل ذلك في مكانها؟

ثم ما هي المسألة كلها منذ ستة أشهر؟ إنها منحصرة في أن تعترف الحكومة الفرنسية لتونس بحقها في الاستقلال الداخلي.

وهذا المطلب المشروع يتتبع عدة مطالب أخرى مشروعة أيضًا، كالاعتراف بالسيادة الملكية وللشعب التونسي بحقه في حكم نفسه بنفسه باتفاق مع جلالة الباي.»

وقد حملت جريدة «كومبا» الباريسية مسئولية الحوادث الحكومة الفرنسية، فقالت: «إن وزارة شنيق كانت قد قدمت هذه المطالب عندما أجرت المفاوضات الفاشلة بباريس طيلة ثلاثة أشهر، ولما تم فشلها نشأت الاضطرابات في المملكة التونسية، وظلت تتفاقم يومًا فيومًا، وقد وقفت المذكرات، ولا أمل في أن تسفر الشروط التي فرضتها الحكومة الفرنسية لاستئناف المفاوضات عن رجوع الهدوء إلى نصابه. ويبدو أن الحكومة الفرنسية لم تؤمن بصورة قطعية ودون تلعثم أن معاهدتي الحماية لسنة ١٨٨١ في تونس و١٩١٢ في مراكش أصبحتا معاهدتين باليتين؛ فقد أحدث الزمن تغييرات جوهرية عميقة في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالقطرين، وقد تمت هذه التغييرات ولا شك بفضل المجهود الجبار الذي بذلته فرنسا.

فهل تنوي الحكومة الفرنسية أن تستخلص من ذلك في المستقبل الفوائد المادية والأدبية، أم هل ستقضي على هذا العمل بما تتمسك به من نظرية خاطئة للجاه والنفوذ والناموس، وبما لا تزال آخذة به من جهل بالظروف الجديدة التي كونتها، وتقتضي السياسة الفرنسية الرشيدة التي تريد المحافظة على الأمور الجوهرية بإقبالها على ما لا مناص منه، أن تدخل في اتصالات مع العناصر الممثلة للتونسيين والمغاربة، وتشرع معهم في محادثات مخلصة نزيهة.

… إن الجمود هو القانون الوحيد الذي تسير عليه الحكومات الفرنسية منذ سبع سنوات، سواء في الداخل أو في الخارج، وقد كبدتنا هذه السياسة أثمانًا أفدح من أن يمكن نسيانها.»

وكان النائب بالبرلمان الفرنسي «جاك فونلبت إسبرابير» حاضرًا بتونس أثناء اعتقال الوزراء التونسيين وأعمال القمع الوحشية، فثارت ثائرته على المقيم العام وفضح فظائعه في أول جلسة للبرلمان الفرنسي (أول أبريل ٥٢) قال: «لقد عشت أخيرًا هناك (في تونس) بعض الأيام المؤلمة، وأريد أن أقول من غير أن أرفع صوتي وأقوي لهجتي أن تلك الأيام كانت أيام مهانة وخزي بالنسبة لي.

ولكن أريد أن ألاحظ أني عشت تلك الأيام وشاهدت — يوم الثلاثاء — تونس توضع من جديد تحت حالة الحصار ومنع التجول من التاسعة مساءً إلى الخامسة والنصف صباحًا، والرقابة وقطع المخابرات التليفونية، وكنت حاضرًا عند اعتقال الوزراء.

وعبثًا حاولت أن أجد مبررًا لذلك بين القوانين، وقد شخت في البحث القانوني.

وإن الصحافة نفسها التي تصدر تحت نظام الرقابة قد نشرت (٢٧ / ٣ / ١٩٥٢) احتجاج السيد شنيق الذي يدل على معاملته معاملة لا تليق؛ أعني لا تليق بنا نحن.

وإني أقول: إن الذين قاموا بإخراج الوزراء من بيوتهم عندما ارتكبوا فعلتهم، لم يكن سلوكهم لائقًا بماضينا ولا بسمعتنا وبشرفنا.»

(٤) ولادة وزارة البكوش

بقيت المملكة التونسية من غير وزارة بعد أن ألقت السلطات الفرنسية القبض على أعضاء وزارة السيد محمد شنيق، وانقطعت العلاقات تقريبًا بين تونس وفرنسا؛ إذ رفض جلالة الملك أن يستقبل المقيم العام رغم إلحاحه المرة تلو المرة، فاحتار «دي هوتكلوك» واضطربت أمور البلاد أكثر من كل وقت مضى، ولم يأتِ العدوان بالنتيجة المأمولة، فلجأت الإقامة العامة إلى أخس الوسائل وأرذل الطرق تستخدمها لإخضاع القصر لإرادة الاستعمار الفرنسي، فأكثروا الرسل إلى القصر من أصدقاء فرنسيين وتونسيين؛ ليبثوا فيه الأخبار الزائفة بقصد إنزال الخوف والرعب في القلوب، وجاء أحدهم (وهو دي ماتيبي، العضو البارز في حزب كولونا عدو التونسيين جميعًا) مُظْهِرًا الإزعاج والارتباك، وقابل حالًا أنجال جلالة الملك وبناته، وقال لهم: إن الحكومة الفرنسية قررت خلع الملك وتعويضه بغيره، وستأخذه على حين غفلة هو وعائلته، «ولن تمهلكم حتى تجمعوا ما تحتاجون إليه في حقائبكم، فأسرعوا في جمعها من الآن»، وتيقن أهل الملك أن الأمر قد تم، فرتبوا أمورهم وجمع كل واحد منهم ما أمكن من ثياب في حقائبه، وبقوا ينتظرون الأمر المحتوم والقدر المنكود، وساد السكون والهدوء في القصر كله، وبقوا على تلك الحالة أيامًا بلياليها والإقامة العامة ترسل مخبريها في كل ساعة، تارة بالوعيد والخلع وطورًا بالرضى والوعود.

واتخذ الضغط على جلالة الملك أساليب شتَّى كثيرة؛ لأن المقيم كان يرمي إلى كسب الوقت، فاستخدم الصحافة الاستعمارية التي كانت تسير حسب إشارته، وكتبت جريدة «لابريس» بتاريخ ٢٧ مارس مقالًا يقطر سُمًّا حول موقف جلالة الباي، ختمته بالعبارات الآتية: «الآن وقد زالت الوزارة، هل يتحرر الأمير في أعماله، وهل يرضى بعزل وزرائه وتعويضهم بآخرين، ولو باحتراز ولو يلجأ إلى الاحتجاج رسميًّا على الإجراءات التي اتُّخذت أمس، كما فعل سلطان مراكش؟ أم هل سيتمسك بموقفه حتى النهاية ويبقى سجين السلوك الذي اتبعه إلى الآن ولو أداه ذلك إلى الخلع؟»

ووصل إلى تونس مبعوثان خاصان من رئيس الجمهورية الفرنسية يوم الجمعة ٢٨ مارس (فورجو الأمين الأول لرئيس الجمهورية — وزميله كوسيوسكو رئيس ديوانه)، وقد جاءَا في الطائرة التي أقلتهما من باريس إلى تونس بالأمير سليمان باي ابن ولي العهد عز الدين باي؛ ليزيدا التهديد بالخلع وضوحًا، ونشرت الصحف الاستعمارية — ومنها «لابريس» و«الدبيش تونسيان» — صورة ذلك الأمير.

وأتى المبعوثان برسالة خاصة من رئيس الجمهورية، وهي أعظم برهان على أن «دي هوتكلوك» السفاك ليس هو المسئول الوحيد على البطش والمجازر، بل الحكومة الفرنسية كلها بما فيها رئيس الجمهورية، هي المسئولة الحقيقية على العدوان — وقد سلماها لجلالة الملك في المقابلة التي تمت يوم الجمعة ٢٨ مارس على الساعة الحادية وخمس وثلاثين دقيقة، نص الرسالة التي كانت جوابًا عن برقية ٢٥ مارس:

باريس، ٢٧ مارس ١٩٥٣
صديقي العزيز

لقد كان عجبي شديدًا من لهجة وشكل الرسالة التي وجهها إلى سموكم.

ولكي أصرح أنها كانت جارحة لي، فلن أكتفي بالتذكر بعلاقاتنا الشخصية فقط، التي تكونت في وقت كان فيه المشوشون الذين يحدثون اليوم الاضطرابات في تونس يهددون عرشكم، وكنتم أنتم أنفسكم تعبرون فيه عن ثقتكم في صداقتنا. ولكن أريد أن أذكر أن لا شيء يمكن أن يقطع روابط الود التي تربط بين تونس وفرنسا حسب التقاليد، ولا يمكن بحال أن نقطع أعمال المدنية البشرية الجليلة التي قامت بها فرنسا في مملكتكم بمعية أسرتكم من غير أن نلحق أضرارًا بشعبينا، تلك الأعمال التي انتفع بها في جميع الميادين أولئك الذين يقفون اليوم من غير تروٍّ ضد المشاركة معنا.

بل في قطع ذلك المجهود خسارة للقضية نفسها التي يدَّعون الدفاع عنها، وأن الاضطرابات الدامية التي تدمى لها قلوبنا؛ لتدل على الفوضى التي سرعان ما تنهار فيها مملكتكم، لو أسلمت للاضطراب.

وإن فرنسا لا تنكر التطورات؛ إذ كانت هي الداعية لها، ولم تكتفِ حكومة الجمهورية في الأيام الأخيرة نفسها بتأكيد عزمها فقط على مجاراة ذلك التطور، بل على إعانته، فوضعت تصميم إصلاحات ربما يأسف بعضهم لجرأتها، ولكنها عند تطبيقها في مراحل سيكون نجاحها وسرعة تنفيذها مبررًا كافيًا لها.

ولكن لا يمكن أن يتم هذا العمل إلا إذا كان مقامًا على روح الحكمة والثقة والمشاركة الدائمة، تلك الروح التي مكنت تونس من الوصول إلى الدرجة التي بلغتها من الازدهار والمدنية.

غير أنه في نفس الوقت الذي كانت فيه حكومة الجمهورية تؤكد ذلك العزم باتفاق مع مجالسنا النيابية، كان بعض من الرجال الذين وقع اختيار سموكم عليهم للمساعدة في العمل الحكومي — وسموكم المتصرف الوحيد في السيادة التونسية من غير نزاع ولا جدال — كان هؤلاء الرجال قد رفعوا شكوى فرنسا أمام منظمة الأمم المتحدة التي كانت تعقد جلساتها في عاصمتنا، من غير أن يعلموا سموكم ولا حكومة الجمهورية، فجعل صنيعهم هذا الدال على الريبة والعداوة من المستحيل كل عمل مثمر معهم، وقد استغربت — وخاصة أنكم لم توقعوا تلك الشكوى — من أنكم لم تستنكروا حالًا هؤلاء الوزراء — والوزير الأول صاحب المسئولية قبل غيره — الذين عبثوا بثقتكم؛ حيث إنهم قاموا بعملهم من غير توقيعكم ومخالفة لحقوقكم الملكية.

ومنذ ذلك اليوم والدم يجري في مملكتكم، وأظلمت الأعمال الإرهابية ضد الأشخاص والأرزاق الحاضر وأخلت بالمستقبل، وأن فرنسا المكلفة بالأمن والنظام تقوم بواجبها، ولكن سموكم بصفتكم صاحب المملكة التونسية تتحملون أثقل المسئوليات الأدبية في إرجاع الهدوء والوحدة.

ولقد أملت طويلًا في أنكم ستُسمعون صوتكم لشعبكم، وإني ما زلت أؤمل وأتجه لحكمتكم السامية لتصدروا أمركم للجميع بأن يلتزموا السكينة ويتبعوا العقل.

وحيث توجهتم إلي؛ فإني أطلب منكم أن تشكلوا باتفاق مع ممثل فرنسا حكومة وحدة وتهدئة؛ لكي يتم تكوين اللجنة الفرنسية التونسية المكلفة بإتمام الإصلاحات التي تراها حكومة الجمهورية في أقرب وقت، فتأخذ هكذا تونس في السير — مع المحافظة على سيادتها وعلى أسرتكم وعلى مصالح فرنسا والفرنسيين المقيمين بتونس — نحو استقلالها الداخلي الذي يناط تحقيقه على حكمة القادة.

وأؤمل أن سموكم سيكون عند حسن الثقة التي ما زلت أضعها في استبصاركم السامي، وفي الصداقة التي امتازت بالوفاء والثقة كما تفضلتم بتذكيره، والتي أجدد في الختام التعبير عنها.

الإمضاء: فانسانت أوريول

وكان المقيم العام ارتكب فعلته وأعد العدة لارتكاب أخرى أشنع منها، وحصل على موافقة الحكومة الفرنسية، فكانت قوافل الدبابات والمصفحات في الصباح المبكر يوم ٢٨ مارس تخرج من شوارع تونس متجهة نحو بلدة حمام الأنف، حيث حاصرت قصر الملك مع قوات أخرى عظيمة، وأخذت الطائرات النفاثة تملأ جو العاصمة وتحلق فوق القصر. ولما دخل المقيم لمقابلة الملك قبل الظهر بقليل، صحبة مبعوثي رئيس الجمهورية، كانت تلك الطائرات تصدع الآذان وتقترب من سطح القصر، حتى كادت تلمسه لإنزال الرعب في قلوب ساكنيه، فأجبر هكذا «دي هوتكلوك» — تحت تهديد السلاح — الملك على اتخاذ إجراءات ثلاثة؛ أولًا: تسميه صلاح الدين البكوش كوزير أول وتكليفه بتشكيل الوزارة التونسية، ثانيًا: تسمية المقيم العام وزيرًا للخارجية، وثالثًا: حل الديوان الملكي.

وقد اعترف «دي هوتكلوك» بعد دقائق، في المؤتمر الصحفي الذي عقده يومها إثر مغادرة القصر — على الساعة الواحدة وخمس وأربعين دقيقة — بتجبره وضغطه وعدوانه، قال: «لما رأيت أن لا شيء يجدي مع وزارة السيد شنيق التي لم تكتفِ بالتعنت، بل ازدادت عنادًا يومًا بعد يوم في موقف يعد بحق موقف كفاح وتحد، فكرت منذ زمن طويل، وكتبت فكرتي إلى وزارة الخارجية، أن حل المشكلة لا يكون إلا باستعمال القوة. ولكن أردت قبل ذلك أن أجرب جميع الطرق الأخرى فلم أفلح، ولم أرد أن تكون الشدة غاية، بل كنت أريد أن تكون وسيلة للسير بتونس نحو إصلاحات وعدت بها الحكومة الفرنسية، وكان من واجبي أن أبرزها لعالم الوجود بأقصى ما يمكن من التحرر.»

واعترف المقيم العام أيضًا بأنه هو الذي كتب بنفسه الخطاب الذي أذاعه فيما بعد باسم جلالة الملك الرامي إلى تهدئة الخواطر، فقال: «لقد قرر الباي أن يوجه نداء للهدوء، ولقد سلمت له مشروع نص لينظر فيه حسب رأيه، وإني أؤمل كثيرًا أن يكون لذلك النداء تأثير على الشعب.»

وظن «دي هوتكلوك» أنه انتصر النصر النهائي، وظهر باطنه وافتضح طبعه فأقام الحفلات والمآدب بقصر الإقامة العامة ببلدة المرسى، وأخذ ينشر في الصحف قوائم الطعام الذي قدمه لضيوفه وصنوف الجبن التي يميل إليها وأنواع الخمور التي سكر بها،٥ وكأنه انتشى بدماء الأطفال الرضع المقتولين دوسًا بأقدام الجنود بجهة الدخلة، واستعذب صراخ الأيتام والأيامى بعد قتل الآباء والأزواج، وطرب لنسف المساكن والمساجد، وحرق البيوت على أهلها، وأخذته العزة بالإثم فأخذ يتذوق مع الطعام اللذيذ اللطيف ولحوم الضأن الطرية والحلوى الشهية عذاب عائلات وآلام شعب وأنات الأمهات ورعب العذارى وخوف الأولاد الصغار، فكان أصدق ممثل للاستعمار الفرنسي الذي لا تتم له لذة ولا يتطعم أكلًا إلا إذا كان ملطخًا بدماء الشهداء.

لقد ضل «دي هوتكلوك» وأضل حكومته وسعى في تضليل الرأي العام، مدعيًا أن الأزمة التونسية انتهت، وأن المشكلة حلَّت — ولو بالقوة — وأن الهدوء ساد البلاد. والحقيقة أن الشعب ازداد اندفاعًا في الكفاح واستماتة في الدفاع عن حقه، واستمر الإضراب من غير انقطاع في جميع أنحاء القطر، رغم استخدام القوات المسلحة لجبر التجار على فتح محالهم وإرغام العمال على العمل، ونزل الجند الفرنسي إلى الشوارع يطارد التونسيين، ويلقي القبض على المارة بالجملة. وخرج الشعب في مظاهرات متعددة متكررة مستمرة غير مبالٍ بالسجن والموت، فقد كانت المظاهرات الصاخبة تملأ ميادين تونس وشوارعها منذ الصباح الباكر يوم ٢٨ مارس، وكانت مظاهرة قد انتظمت أمام قصر جلالة الملك بحمام الأنف وتعالت منها الهتافات بحياة تونس حرة مستقلة، وحياة الحبيب بورقيبة، فهاجمتها قوات الجند والبوليس وألقت القبض على بعض أفرادها، وتجددت بعد الزوال المظاهرات بنفس الموضع احتجاجًا على تكليف البكوش بتشكيل الوزارة، وكثر فيها النسوة اللائي أخذن يندبن ويصحن وهن لابسات الحداد.

واتسع نطاق الاضطرابات، وكثر النسف وانتشر بجميع المدن الكبرى؛ فقد نُسفت في ذلك اليوم نفسه المراقبة المدنية بمدينة «سوسة» وحدث بها انفجاران عظيمان زلزلا المدينة كلها، وأحدثا أضرارًا جسيمة في الجانب الشمالي من البناية، ثم التحمت القوات الوطنية مع قوات الأمن في معركة دامية على شاطئ البحر جُرح فيها البطل «إبراهيم بن صميدة».

وأدلى دولة السيد محمد شنيق في منفاه ببلدة قبلي بقلب الصحاري بتصريح إلى مراسل الجريدة الأمريكية «نيويورك هيرالد تريبون» قال فيه: «إنني ما زلت الوزير الأول، ووزارتي هي وزارة تونس الشرعية.» وأضاف قائلًا: «إن عزله بالقوة والعنف يخالف القانون، وفيه خرق بَيِّن لمعاهدة الحماية، فينبغي أن ترسل الأمم المتحدة لجنة للبحث عن الحوادث التي جرت بتونس، ويطلب الوزير الأول من الولايات المتحدة الأمريكية أن تتدخل بصفة فعالة.»

(٥) مجلس الأمن والأزمة التونسية

كان الشعب التونسي في تلك الأثناء ينتظر إثارة قضيته في مجلس الأمن عندما تنتقل رئاسته إلى الباكستان في شهر أبريل، وكان المقيم العام يحاول أن يتم تشكيل الوزارة التونسية قبل ذلك التاريخ، وأن يشرع في مفاوضات جديدة كاذبة لكي لا يبقى مبرر للهيئة الدولية في التدخل، وظن أنه نجح ولم يعلم أنه وقع، فأعلن إثر مقابلة الملك يوم ٢٨ مارس في بلاغ رسمي أن الاتفاق قد تم مع جلالة الملك على الإصلاحات التي قدمها له، وأنه سيذيع فحواها على الرأي العام بعد أيام، وأن اللجنة المختلطة التونسية الفرنسية التي ستنظر في تلك الإصلاحات وتنتهي من أعمالها في أقرب وقت ممكن، قد تقررت.

ومن الغد ظهر «بونص» الكاتب العام للحكومة التونسية على مسرح السياسة التونسية ليلعب دوره في المهزلة الاستعمارية، وقد امتاز بعداوته وبغضه وحقده للتونسيين، كما امتاز بقصر النظر والتلاعب المكشوف واستخدام أرذل الوسائل في محاربة الحركة الوطنية، حتى قال فيه الكاتب الفرنسي «جيران»: «إن له ما له في تكوين عصابة اليد الحمراء الإجرامية وقتل الزعيم فرحات حشاد.» فصرح يوم ٢٩ مارس أن الوزارة الجديدة ستشكل بسهولة تامة وأن التونسيين يتزاحمون على مناصبها، ولما عرض البكوش على عدد وافر من التونسيين تلك المناصب رفضوا جميعًا، وبقي وحده يحاول ويفشل، وهو مطارد من الوطنيين حتى صار لا يدخل إلى قصر الملك أو إلى الإقامة العامة إلا من الأبواب الخلفية كالسارق الخائف والمجرم الجبان، فحاول إذ ذاك أن يحتمي بالحزب الحر الدستوري بإدخال الزعيم الهادي نويرة — وهو العضو الوحيد من الديوان السياسي الذي بقي خارج السجن — في تشكيلته. وتكرر العرض ثلاث مرات، وأخيرًا دعا البكوش الزعيم نويرة يوم الأحد ٣٠ مارس على الساعة الرابعة بعد الظهر، فاستطاع الزعيم نويرة أن يحمل البكوش على الاستقالة، وقد تمت المقابلة واتفق فيها على نشر البلاغ الآتي:

نظرًا للصعوبات التي وجدتها في تشكيل الوزارة أرى من واجبي أن أقدم لجلالة الملك استقالتي من المنصب الذي كُلِّفت به.

لم ينشر ذلك البلاغ — بطبيعة الحال — ولكن أُلقي القبض على الهادي نويرة يوم الاثنين ٣١ مارس، لقد خيروه بين الوزارة والسجن فاختار السجن.

ولم تجد السلطات الفرنسية من بين التونسيين من يرضى أن يخون وطنه، فلجأت إلى اختيار بعض صنائعها الذين ملأت بهم الإدارات التونسية، وميزتهم الجهل والأمية وطاعة الفرنسيين طاعة عمياء، ولكن شيئًا من ذلك لم ينفع؛ لأن الملك كان يؤخر يومًا بعد يوم تنصيب الوزارة الجديدة انتظارًا لقرار مجلس الأمن في قضية تونس.

وتعددت المظاهرات الشعبية ضد الوزراء الخونة وتكررت وتنوعت، فتارة تهاجم بيوتهم، وطورًا تهاجمهم في مقر وزاراتهم رغم قوات البوليس الكبيرة التي كانت تحرسها من كل جهة حتى من السطوح، وأصبح المقيم العام يتخبط ولم يجد مخرجًا، خاصة وأن الاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات القومية كلها قررت القيام بإضراب عام يوم غرة أبريل. وقد كان الإضراب تامًّا شاملًا، وشارك فيه الموظفون رغم تهديدات السلطات الفرنسية ووعيد الجنرال غارباي، فاختار المقيم العام ذلك اليوم نفسه لنشر ما سماه بمشروع إصلاحات، فرفضها الشعب لما فيها من اعتداءات جديدة على السيادة التونسية، وهي في حقيقتها خطوة في إلحاق تونس بفرنسا بإعطاء الجالية الفرنسية حقوقًا قارَّة في مؤسسات الدولة التونسية.

ومرت الأيام والوزارة لم تشكل؛ لأن بكوش أطاع كعادته أسياده الفرنسيين، فسعى في تشكيل الوزارة وتكوين اللجنة المختلطة في آن واحد، وجمع يوم ٧ أبريل عددًا وافرًا من الشخصيات التونسية وعرض عليهم عضوية تلك اللجنة، فخابت آماله وآمال أسياده؛ لأن التونسيين رفضوا بالإجماع المشاركة فيها، وفضحت الإقامة العامة مناوراتها بنفسها؛ إذ صرحت الجريدة شبه الرسمية «لابريس» يوم ٨ أبريل «يعتمد بكوش على اللجنة المختلطة ليقوي وزارته.» ولما رأى البكوش فشله الذريع سعى في إتمام تشكيل وزارته، ولكن لم يتم ذلك له إلا بعد بحث مجلس الأمن لمشكلة تونس ١٥ / ٤ / ١٩٥٢.

وأعاد البكوش يوم ١٢ أبريل ما كان قد قاله من قبل من أن دور وزارته الأصلي هو القيام بأعمال الإدارة لا غير، ومعنى ذلك زيادة وطأة الحكم الفرنسي المباشر، وازدادت الحالة تعكرًا؛ لأن بونص الكاتب العام الفرنسي للحكومة التونسية، أخذ يتحكم في نشاط الوزراء التونسيين تحكمًا لا يطاق، فأملى عليهم نظام دواوينهم (منشور ٢٤ أبريل المتعلق بنظام تلك الدواوين) وحرم عليهم الاتصال بالصحافة ونشر التصريحات من تلقاء أنفسهم وإصدار البلاغات (منشور ٣٠ أبريل).

وذهبت وعود «دي هوتكلوك» بعدم معاقبة الموظفين التونسيين الذين قادوا الإضراب، وبتهدئة الخواطر أدراج الرياح، وبقي الجو قاتمًا والعلاقات متوترة بين تونس وفرنسا، واستمر الإضراب العام بشدته وشموله، ولم تنقص حدة المظاهرات ضد البكوش، كما استمرت السلطات العسكرية في اعتقال التونسيين بالجملة بتونس، واتخذت الرقابة على الصحف شكلًا هزليًّا؛ إذ تمنع من نشر أخبار يسمعها التونسيون من الإذاعة، وازداد تحرُّج موقف المقيم العام لما أعلن البكوش استحالة تشكيل اللجنة المختلطة في تلك الآونة ووجوب تأخير اجتماعها إلى ما بعد ٢٤ أبريل الذي وعد به «دي هوتكلوك»، فدعته الحكومة الفرنسية إلى باريس لمحاسبته.

وأراد الفرنسيون أن يسهلوا على الوزارة الخائنة مأموريتها في تكوين تلك اللجنة التي أصبحت حيوية بالنسبة لفرنسا؛ إذ تدل بوجودها على استئناف المفاوضات بين تونس وفرنسا، فخفف الجنرال غارباي من منع التجول، فجعله يبدأ من الساعة التاسعة مساء فقط، وأطلق سراح بعض المعتقلين (١١٩) ومنح حرية السير في الطرقات العامة التي كانت محددة وممنوعة أحيانًا، ورفع مراقبة البرقيات. ولم يمنع ذلك من قيام مظاهرات قوية ضد الوزارة يوم ١٤ أبريل جُرح أثناءها عدد من التونسيين، وكُسرت عربة الوزير الخائن دنقزلي، وقررت الوزارة الفرنسية في تلك الأثناء تعيين أعضاء اللجنة الفرنسيين (٢٣ أبريل)، ولكن الاضطرابات استمرت وشارك فيها طلبة المدارس على نطاق واسع للغاية، فأضربوا وتظاهروا وعم التشويش البلاد كلها، ووقعت محاولة اغتيال الوزير ابن رايس، فتشددت الرقابة على الصحف واعتُقل عدد من الشخصيات التونسية من بينهم الصيدلاني المعروف محمد بن حمودة والمحامي الكبير الدكتور البحري قيقة.

وأراد المقيم بعد رجوعه من باريس أن يكون جوًّا ملائمًا لأغراضه، وأن يرغِّب التونسيين في المشاركة في لجنته المختلطة قائلًا لهم: «إن بحث مشروع الإصلاحات سيكون (في وسط اللجنة) بحثًا نزيهًا يمكن لجميع الآراء — سواء أكانت فرنسية أم تونسية — أن تظهر بحرية، فإن كان إطار الإصلاحات ومراحلها في الزمان قد حدد، فليس معنى ذلك أن اقتراحات أعضاء اللجنة لا تقبل إذا لم تمس بذلك الإطار وبتلك المراحل.»

ولكن محاولة «دي هوتكلوك» بدلًا من أن تقضي على المعارضة التي وجدها البكوش قوَّتها وزادتها صلابة في موقفها، وإذا بالسلطات العسكرية تمنع احتفالات ومظاهرات العمال في غرة مايو، فاشتد غضب الشعب وحنقه.

وكان النداء الذي وجهه دولة محمد شنيق من منفاه في الصحراء (٣٠ مارس ١٩٥٢) إلى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية قد وجد بعض الصدى؛ إذ زار هنري بايرود سكرتير الدولة المساعد لشئون الشرق الأدنى تونس في طريقه إلى مصر، وحل بها ٤ مايو، ثم قدم إلى وزارة الخارجية الأمريكية تقريرًا ذكر فيه أنه يتوقع نشوب اضطرابات كثيرة في شمال أفريقيا، وأنه يود كثيرًا مؤازرة الفرنسيين هناك على شرط أن يعطوه شيئًا يستند إليه بأن يتقدم الفرنسيون بمشروع ثماني أو عشر سنوات لتونس ومراكش، يبينون فيه تمامًا للعرب كيف يكون اطراد تقدمهم نحو الاستقلال، وحينذاك يؤيدهم بايرود تأييدًا كاملًا، فيعزز بذلك مركز فرنسا في أوروبا حيث دأبت الولايات المتحدة الأمريكية على إنعاش القوى الفرنسية. على أن بايرود يخشى أن يحول ضعف فرنسا دون انتهاجها سياسة الكرم والمرونة التي تعوزها لصيانة مركزها في شمال أفريقيا، ويضرب مثلًا عن ضعفها ما حدث للفرنسيين قبل توقيعهم الميثاق الألماني؛ إذ أثاروا ضجة كبرى حولهم حتى أصبحوا في مركز مشين، وبعد ذلك أمضوا الميثاق بدون قيد ولا شرط. وهذه الغريزة التي تدفع الفرنسيين إلى عمل الأشياء غير المحببة واتخاذ المظاهر العدائية، قد تؤدي بهم في أفريقيا كما أودت بهم في أوروبا، ويقوم بايرود بمساعيه لدى باريس وهو متمسك بفكرته بكل قواه.

وكان أعضاء الوزارة الشرعية قد نُقلوا من صحرائهم إلى جزيرة جربة، وإثر زيادة بايرود إلى تونس اتخذت السلطات الفرنسية بعض الإجراءات للإفراج عن الوزراء والزعماء، وتم رجوع الوزراء المبعدين يوم ٦ مايو ٥٢، لقد قصد الكولونيل فريبوس مدير الديوان العسكري للمقيم العام في صباح الثلاثاء ٦ مايو جزيرة جربة، حاملًا رسالة من المقيم العام إلى أصحاب الدولة والمعالي الوزراء التونسيين المبعدين، يعلمهم فيها برفع الإجراءات المتخذة ضدهم والقاضية بإبعادهم عن تونس، مع اشتراط عدم قيامهم بأي نشاط سياسي، وألا يقطنوا بعاصمة تونس، وألا يقربوا من بلدة قرطاج — حيث القصر الملكي — في الوقت الحاضر، فامتطوا متن طائرة خاصة نقلتهم من جزيرة جربة إلى تونس، فوصلوها في الساعة السادسة مساء، وكانت في صحبتهم صاحبة السمو الملكي الأميرة زكية والهدايا التي قدمها لهم سكان جربة.

وركب القومندان باراس نائب رئيس الديوان العسكري للمقيم العام طائرة على الساعة السابعة من صباح الأربعاء ٧ مايو قاصدًا رمادة في الصحراء، وعند وصوله ذهب إلى الحصن الذي كان يقيم فيه الزعماء، واجتمع بالرئيس الجليل الأستاذ الحبيب بورقيبة والزعماء المنجي سليم والهادي شاكر والهادي نويرة، وأعلمهم أنه مبعوث لإعلامهم بأن الجنرال جارباي القائد الأعلى لجيوش الاحتلال بتونس قرر نقلهم من منفاهم برمادة إلى جزيرة جربة، وركب الزعماء الأربعة الطائرة فحلقت متجهة صوب جربة، ولما وصلتها لم يسمح بالنزول إلا لثلاثة منهم؛ الأساتذة: نويرة وسليم وشاكر، الذين نُقلوا إلى مركز المنار البحري المعروف ببرج الجليد والواقع في جنوب الجزيرة، وأُعدت لهم هناك ثلاث غرف، وحُجر عليهم مبارحة قطعة الأرض المحيطة بالمنار، ولا يُسمح لأحد بزيارتهم.

وأُبقي الرئيس الجليل بالطائرة التي أقلته من بعد إلى مطار سيدي أحمد قرب بنزرت؛ حيث نزلت في الساعة الثانية بعد الظهر، ثم حُمل في سيارة من سيارات البحرية الفرنسية — دائمًا بصحبة القومندان باراس — حتى بلغا الطائرة المائية (إيلون الثاني) التي نقلتهما بطريق البحر إلى جزيرة جالطة الصغيرة التي لا يرتادها إلا الصيادون والتي تبعد أربعين ميلًا عن شواطئ تونس، وهناك أُنزل الرئيس الجليل، وابتدأت حياة الوحدة والانفراد.

ولكن ذلك لم ينقص من حدة التوتر ولم يقشع السحب المخيمة على الجو السياسي، ولم يتمكن المقيم العام من إرجاع السِّلم إلى البلاد ولا من تهدئة الخواطر، بل اشتدت المظاهرات ضد بكوش، واستمر الملك على منع الوزراء الخونة من حضور حفلة الطابع، وكان يوم ١٢ مايو — ذكرى فرض الحماية الفرنسية — يومًا مشهودًا؛ إذ أعلنت البلاد الحداد وأضربت كلها عن العمل، ولم يجد البكوش شخصيات تونسية يكوِّن منهم لجنته المختلطة، وقررت الصحف الاحتجاب ثلاثة أيام احتجاجًا على سخافة الرقابة الفرنسية، وأعاد الجنرال جارباي منع التجول.

ودفنت هكذا اللجنة المختلطة قبل أن تبرز للوجود؛ لأن المشكلة التونسية ليست تعيين بعض الأعضاء في لجنة لا قيمة لها، ولكنها مشكلة العلاقات بين تونس وفرنسا.

وقد لخصت مجلة إسبري Esprit حادث العدوان الفرنسي على الوزارة التونسية وشرحت أسبابه، وفضحت أعمال الحكومة الفرنسية في مقال نشرته بعددها الصادر في شهر مايو ١٩٥٢ وخيرنا نقله لما فيه من حقائق.

(٥-١) المساجلة بين القوات في تونس

قبل أن يلتحق دي هوتكلوك بتونس تحادث طويلًا في غمرة الليل مع الجنرال دي جول في كلومبي لي دو إجليز Colombey-Les-Deux-Eglises، وإن ذلك الخبر الذي نشرته «باري ماتش» بعددها الصادر في ٥ أبريل يمكِّننا من إيضاح نواحٍ عدة من الأزمة التونسية الجديدة.

فتجد هكذا سياسة القوة مصدرها حيث تولدت، خاصة وأن تجمع الشعب الفرنسي لم يقتصر على تأييد الأغلبية البرلمانية الجديدة في سياستها بتونس، بل شمل ذلك التأييد السياسة الاقتصادية والداخلية التي تسير عليها حكومة بيني؛ فأحزاب اليمن تنشر اليوم بنود النصر قائلة أنتم ترون أن في استخدام القوة النجاح، ولكنهم تغافلوا عن أن يقولوا أيضًا إن تلك القوة استُعملت في ١٩٣٤ و١٩٣٨ و١٩٤٣ و١٩٤٦، ولم تفلح إلا في اشتداد معارضة التونسيين للوصاية الفرنسية، وهي وحدها التي مكنت الدستور الجديد من أن يصبح العنصر الممثل لأكثرية سكان تونس.

فقد أعيدت غلطات الماضي بواسطة أشد الألفاظ السيارة فسادًا، ولم تُقِم أي وزن للواقع، ولا لإمكانيات التسوية التي ظهرت سنتي ٥٠ و٥١. وقد قدم حزب «الحركة الجمهورية الشعبية» مساعدة فعالة — كانت حاسمة — للحلول التي كان يسعى إليها «ذلك التجمع الفرنسي» في تونس وأعوانه في فرنسا من حزب تجمع الشعب الفرنسي، وحزب تجمع اليسار الجمهوري والمستقلين.

ولعبت الحكومة دور «بونس بيلات» فنقضت يديها من المشكل، فكان جواب مجلس الوزراء المنقسم على نفسه ﻟ «م. دي هوتكلوك» الذي كان يطلب تعليمات دقيقة مضبوطة ليحصل على إبعاد السيد شنيق أنِ «افعل ما تراعِه لكي تبرز الإصلاحات»، فاستخدم المقيم تلك التعليمات كأنها تفويض مطلق. ورغم دهشة عدد من وزرائنا إثر العدوان على شنيق، فإنهم يتحملون مسئولية جراح قد يطول برؤها ويتعذر اندمالها، وهي تنقص من تأثير الإصلاحات المنتظرة ولو كانت جريئة، وذلك ما نشك فيه حسب ما لدينا من معلومات عنها.

وكان لوفل Louvel ودي شيفيني De Chevigné (الذي تخرَّج في مدرسة مدغشقر) يؤيدان في مجلس الوزراء سياسة القوة والاضطهاد باسم حزب الحركة الديمقراطية الشعبية، وتكلف بيدو بالاستحواذ على كتلة النواب من ذلك الحزب، فتكلم فيهم بصوت حادٍّ قضى على كل معارضة في مهدها، ودافع عن الجنرال جارباي معلنًا تضامنه معه.
وأيد موريس شومان المعروف بتأثره السريع وانقياده السهل وجهة نظر موظفي الكي دورسي والتجمع الفرنسي، وأنقذ فونلبت إسبيرابير Fonlupt Espéraber وأندري دونيس André Denis شرف كتلتهما بتصريحات جريئة ألقياها في الجمعية الوطنية يوم أول أبريل، وقد فضح دونيس الضغط الذي تقوم به الجالية الفرنسية بتونس في مجلس الوزراء نفسه.

يجب أن نعلم أن مجرد لفظة «إصلاحات» يتلفظ بها أي مقيم إلا ويصبح محل ريبة عند الفرنسيين المقيمين بتونس، كما يجب أن نعلم أن هؤلاء الفرنسيين قد نجحوا في نقلة «م. مونص» سنة ١٩٥٠؛ لأن كرسيه كان أقل ارتفاعًا من كرسي جلالة الباي، وفي ذلك مسٌّ لا يُحتمل بسمعة فرنسا! ويجب أن نعلم أن المقيمين الذين لا يحوزون ثقة هؤلاء الفرنسيين يصبحون عرضة للتجسس المنظم، وكثيرًا ما يرسل حزب التجمع الفرنسي وفودًا إلى باريس مهمتها مقاومة كل دراسة للإصلاحات، ويجب أن نعلم أن الأبواب الرسمية تُفتح في وجوهها بنفس السهولة التي تُفتح في وجه المقيم نفسه، وقد وجد ممثلو فرنسا مرات عديدة في قاعة انتظار الوزراء «فريق الهجوم» لفرنسيي تونس ينتظر دوره للمقابلة؛ لكي يدحضوا كل حجة ترمي إلى تطور العلاقات الفرنسية التونسية.

ويجب أن نعلم أن الذين يبثون الفكرة القائلة بأن الدستور الجديد حزب استبدادي ذو نظرية قومية إقطاعية يمثلون هم أنفسهم أشد إقطاعية وأكبرها في تونس، وهم ألد الخصوم لتطور البلاد نحو الديمقراطية؛ لأنها تحرمهم من الانفراد بالامتيازات التي يستفيدون منها ويعملون على أساسها.

وأخيرًا يجب أن نعلم أنهم يستطيعون الحصول بسرعة فائقة على التقارير السرية التي يرسلها المقيمون إلى وزارة الخارجية مع الحيطة والتحفظ، ثم يطبعونها كاملة ويوزعونها ليتمكنوا من مقاومة ممثلي فرنسا في باريس نفسها. ويجب أن نلاحظ في نهاية الأمر أن الفرنسيين المقيمين بتونس هم وحدهم الذين يستمع إليهم بانتباه، وهم الذين تنتصر دومًا وسائل تهديدهم.

وإذا أراد المرء زيادة في الاقتناع بأثر نشاطهم، فيكفيه أن يرجع إلى المفاوضات التي بدأت يوم ٣١ أكتوبر بين الحكومة الفرنسية وحكومة محمد شنيق، وقد اشتملت هذه المفاوضات على طورين.

وكانت المباحثات جارية قبل أن تصل وفود التجمع الفرنسي، وكان التفاهم يسود الطرفين، وبدا من الممكن الوصول إلى تسوية مرضية.

وادلهمَّ الجو بعد وصول تلك الوفود، وأصبحت كل مقابلة يقوم بها السيد شنيق إلا وتوازيها مقابلة تقوم بها جماعة «كزابيانكا وكلونا»، فتهاجم الوزير الأول التونسي ولا تتحاشى عن الثلب لتفنيد أقواله، وأقنعوا كل وزير بمهارة فائقة، وكانت مذكرة ١٥ ديسمبر انتصارًا كبيرًا سجله حزب التجمع الفرنسي.

ولا نكون مبالغين مهما ازداد اهتمامنا بتلك المذكرة ومهما أكثرنا من الرجوع إليها، فقد كانت نقطة التحول السياسي إزاء تونس، وهي تحمل في تضاعيفها مسئولية الحوادث التي تبعتها والتي تنبأ بها بعض الموظفين بعيدي النظر بدون أن يلتفت إليهم ولا يسمع لهم قول.

فإن فقد التونسيون رصانتهم غضبًا وبالغوا في بعض الأعمال المؤسفة ولم يسيروا بسفينتهم طبق المراد ولم يقودوها وفقًا للمرغوب، فمن الواجب الاعتراف بسوء نية فرنسا وتحميلها مسئولية الإفراط في الاضطهاد.

وقد أكثر «م. بيني» ومسيو دي هونكلوك من التشدق ومن الثرثرة والكلام على وزارة شنيق رامين إياها بالتطرف، مدعين أن ليس لنهمها حد، معيدين أنها عاجزة عن إدارة البلاد. وهذا كله ثلب، فلنرجع إلى بعض الحقائق، فلا شك في أنه للمرة الأولى في تاريخ الحماية تصل تشكيلة وزارية تمثل الرأي العام إلى الحكم طبق اتفاق ١٧ / ٨ / ١٩٥٠ الذي تم بين المقيم لويس بريليه وجلالة الباي، ورضي بها الجميع بكامل الحرية ومن بينهم حزب الدستور الجديد، ولم يعد المقيم الفرنسي يفرض الوزارة كما كان يفعل من قبل، وقبلت الحكومة الجديدة إزاء ذلك ألا تخرج عن نطاق الحماية فيما ستسنه من إصلاحات وما ستدخله من تطور يرمي إلى الحكم الذاتي، وكانت الحالة واضحة والهدوء سائدًا في البلاد والتفاهم مستمرًّا، وتم تطبيق الإصلاحات المنتظرة، ولم تبقَ في طور الإعداد إلا الإصلاحات المتعلقة بنظام البلديات. وقد أنجزت اللجنة المختلطة جميع النواحي الفنية، ولم تبقَ إلا مشكلة مبدئية تتعلق بميدان الانتخابات وتمثيل الفرنسيين في المجالس البلدية، وكادت الحكومة التونسية أن تقبل ذلك لو لم يرفض سلطان مراكش التوقيع على «ظهير» (مرسوم) مماثل، فرأى جلالة الباي ووزراؤه — للتضامن مع سلطان مراكش — أنهم لا يستطيعون قبول ذلك التمثيل بدون الحصول على ضمانات تشمل دراسة مبادئ ومجموع السلطات النيابية والتشريعية، وكانت من نتائج مشكلة الفرنسيين خطاب العرش في مايو ١٩٥١، وإعداد مفاوضات جديدة مع الحكومة الفرنسية نفسها بباريس، وكان موضوعها الحقيقي الحصول على تحديد دقيق للاستقلال الداخلي، وعلى تعريف المبادئ التي يجب أن يستند إليها تحقيق الإنجازات المقبلة، ولم يتطرق الحديث إلى آجال تلك الإنجازات إلا بصفة سطحية في مذكرة ٣١ أكتوبر، المتينة في تحريرها، الموزونة في لهجتها، والتي كان يمكن أن تتخذ أساسًا لمفاوضات تقوم على الكياسة والمنطق، ولا يمكن بحال أن نغفل الصلة الوثيقة بين (التصريح المشترك) في ١٧ / ٨ / ٥٠ ومذكرة الوزارة التونسية (في ٣١ / ١٠ / ٥١)، وقد طلب لويس بريليه الذي سهر على تنظيم محادثات أكتوبر ١٩٥١ من وزارة شنيق أن تفض جميع المسائل الإدارية الهامة قبل القدوم إلى باريس؛ إذ ينبغي ألا تعرقل تلك المسائل الإدارية سير المفاوضات، وتتلخص تلك المسائل في توزيع الأراضي الإيطالية على قدماء المحاربين التونسيين والفرنسيين، وفي زيادة الأجور، ومنح الموظفين الفوائد التي يعطيهم إياها تطبيق قانون الوظيفة الفرنسي، وإحداث إيرادات لتسديد تلك المصاريف الجديدة، وتمت الأمور كلها وأحرزت على رضى الجميع، وخاصة مسيو روبير شومان الذي تبني طلبات لويس بريليه.

وقد رأينا من الضروري بيان تلك التفاصيل الفنية؛ لأن المشاكل كانت دقيقة فعلًا، وإن ذلك الواقع المحسوس ليكذب وحده ادعاءات بيني ودي هوتكلوك. أما حججهما فلا قيمة لها؛ لأنهما استنتجاها من فترة ما بين ٢١ أكتوبر و٤ مارس التي جعلها موقف فرنسا نفسها فترة استثنائية، ومن أراد قتل كلبه فمن السهل أن يدعي أنه مصاب بداء الكلب.

والعنصر الثاني الدال على سوء نية الحكومة الفرنسية ردها على المذكرة التونسية؛ إذ رأينا أن الوزراء التونسيين كانوا يطالبون بجواب يوضح المبادئ ويحدد الحكم الذاتي تحديدًا كاملًا، وكانوا يظنون أن هاتين العبارتين مسلَّم بهما متفق عليهما، فماذا حصلوا بعد مفاوضات دامت شهرين كاملين؟ حصلوا على جزم باتٍّ في نص مكتوب، بأن تونس مرتبطة بفرنسا ارتباطًا أبديًّا؛ أي بمبدأ السيادة المشتركة التي عوضت هكذا الحكم الذاتي، فقد أخلفت فرنسا وعدها هذه المرة أيضًا، وأبرزت فرنسا فكرة سيادة الباي، عندما حاولت في يناير ١٩٥٢ التراجع عما تعهدت به. وتلك عبارة عابرة تظهر معارضة فرنسا لفكرة السيادة التونسية مهما تكن معارضتها، ولكل حل يرمي إلى السير بالشعب التونسي نحو استلام مسئوليات الحكم في بلاده، وفي ذلك الوقت نفسه صارت ليبيا مستقلة.

والعنصر الثالث الدال على سوء النية من جانب الحكومة الفرنسية، ادعاؤها المستمر بأن الدستور الجديد والحزب الشيوعي شيء واحد وإن اختلفت الأسماء، ولا فائدة في الكلام عن ذلك الادعاء المخالف للحقيقة.

وقائمة المخازي لم تنتهِ بتلك القائمة مع الأسف، فبقي الاستناد إلى قانون الأحكام العرفية لاعتقال وزارة كاملة، وبقي الاضطهاد، وبقيت مساومة الباي وتهديده بالخلع (راجع: سيادة جلالة الباي)، وبقي اعتقال نويرة الزعيم الدستوري المعتدل؛ لأنه رفض أن يكون وزيرًا في تشكيله بكوش التي طال بها المخاض وصعبت ولادتها.

وبقيت أيضًا مسألة تتطلب شيئًا من الإيضاح، وهي نشر الحكومة الفرنسية، في أوائل شهر أبريل الرسائل التي كتبها الحبيب بورقيبة، وقد عثر عليها البوليس أثناء إجراء تفتيشاته، فقدمتها غذاء للرأي العام الفرنسي الذي زعزع فكرته الإفراط في الاضطهاد والإغراق فيه.

وكأن تلك الحجة بينة في ظاهرها، فالرسائل تعتبر من غير شك إمكانية استخدام القوة بما فيها من نواحٍ مادية كالسلاح والأموال والحركة الدبلوماسية، وتواطأت الصحافة — عن قصد أو عن غير قصد — مع الحكومة الفرنسية على الأمر، فلم تقدم أي بيان عن تلك المراسلة ولم تقم بنقد نصوصها، ولو دققنا النظر في تاريخها لرأينا أنها كُتبت ١٢ / ٥ / ١٩٥٠ وفي ٥ / ٧ / ١٩٥٠ أي قبل أن تبدأ تجربة «شنيق-بريللي»، وقبل أن يقبل حزب الدستور الجديد المشاركة في الوزارة التي تألفت في ١٧ / ٨ / ١٩٥٠.

ولنتحدث عن الأشخاص؛ لمن يكتب بورقيبة؟ بل كان في الحقيقة يجيب، ولكن يجيب من؟ لم تعطَ لنا أي معلومات عن شخصية مراسلي الزعيم الوطني، ويبدو بوضوح من النص الذي قرأناه (لوموند في ٦ و٧ أبريل سنة ١٩٥٢) أن الحبيب بورقيبة كان يكتب لشخص أكثر تطرفًا منه، وهو يحاول إقناعه بأن سياسة الحزب الدستوري الجديدة (وهي معتدلة) تمكن تونس أيضًا من الوصول إلى استقلالها، وهو بذلك يريد إزالة قلق ويرد على نصيحة بالتشدد، ولكي يقنع مراسله (وهذا أمر طبيعي) ركز تفكيره في المواضيع التي طرحها من وجه إليه السؤال. إن الحبيب بورقيبة يدافع عن سياسته، فتطرقه هكذا إلى الحديث عن «الكفاح المسلح» (الذي أوعز به مراسله) ولكنه وضعه بعد استحالة الوصول إلى تسوية بالطرق السلمية، فقال: «إذا أصرت فرنسا (وهذا هو المحتمل مع الأسف) على رفض كل تسوية حقيقية وشريفة.» وقال: «إذا حصل صدع لا يلتئم وجرح لا يداوى ولا يندمل. وأمر لا يمكن تلافيه وإصلاحه — وهذا ما لا بد من وقوعه إذا أصرت فرنسا على عماها …» ولا يمكن أن يؤاخذ على شكه في نوايا الحكومات الفرنسية.

وسوف لا نحلل ما أتى به زعيم الدستور الجديد في تلك الوثائق من أحكام سياسية حصيفة نيرة، ولنذكر منها تنبؤه بموقف الباي إذا أصبح النزاع خطيرًا، وحوادث مارس الماضي أيدت رأيه، وتحليله الدقيق المتين لموقف الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في السياسة العالمية، وإيضاحه لضغط الجالية الفرنسية بتونس على الحكومة وكفاحهم ضد المقيم بريليه.

والمسألة الوحيدة التي يمكن المؤاخذة عليها حسب نظر موضوعي في تلك المراسلة، هي جزم نزيه بفكرة قومية متحمسة ومتطرفة أحيانًا، ولسنا في حاجة إلى تلك الرسالة لتعلمنا بما كنا نعلمه من قبل، ولكن حكامنا في حاجة إليها ليعدُّوا العدة تمهيدًا لمحاكمة الحبيب بورقيبة.

وقد انتهت الحرب الباردة التي شنها دي هوتكلوك على شنيق بانتصار المقيم الفرنسي انتصارًا مؤقتًا، ولكنه لم يحرز على الدخول من جديد إلى قصر الباي إلا عندما اندس خلف مبعوثي رئيس الجمهورية، وما كان أحد يعتقد عندما أذيع إنذار يوم ٢٦ مارس أن فرنسا ستذهب إلى هذا الحد مع أن رد ١٥ / ١٢ / ١٩٥١، وعوامل السياسة الداخلية التي ذكرناها تؤدي حتمًّا إلى مثل تلك الحلول، وقالوا: إن شرف فرنسا تدنس بموقفها هذا. ولم يكونوا مخطئين، إذن لم نستفد من درس الهند الصينية، وبلاغ الانتصار الذي نشره دي هوتكلوك يشبه إلى حد بعيد تصريح تييري دارجنليو Thierry d’Argenlieu في سنة ١٩٤٦ فهل هو إنذار؟

إن الإصلاحات التي رفضتها أغلبية اليمين قبل ١٥ ديسمبر صارت اليوم تعتبر ضرورية، وإذا جرى الحديث اليوم حول الحكم الذاتي أو السيادة التونسية، فإنما يحصل ذلك نتيجة للحوادث المروعة التي وقعت في شهري يناير وفبراير وبعد استعمال وسائل البطش.

وهكذا يقضى مقدمًا على ما في العروض من فوائد إيجابية، أنه من المؤكد لو كانت التدابير التي عرضها روبير شومان على لجنة الشئون الخارجية يوم ٢٨ مارس، فحَوَى الرد على مذكرة ٣ / ١٠ / ١٩٥١ لاكتفى التونسيون بذلك، ولكن لا يمكن أن ينطبق هذا القول على التهرب الجديد المتمثل في التدقيقات التي أدلى بها دي هوتكلوك عن طريق صلاح الدين البكوش في أول أبريل.

فالأمر الأول هو إخضاع الباي، ثم تطمين الفرنسيين المقيمين بتونس، وغرضنا اليوم ليس تحليل الأسس السليمة التي تقوم عليها عروضنا الجديدة، ولكننا نقول: هل هناك حاجة إلى المرور بمحنة الدم لكي نفرض اليوم ما كنا مطالبين أمس بإعطائه؟ وهل ستبقى فرنسا دائمًا في علاقتها مع أقطار ما وراء البحار بلاد الفرص الضائعة؟

١  الجريدة الرسمية الفرنسية ٥ / ٦ / ١٩٥٢ ص ٢٦٦٨.
٢  قالت جريدة «الصباح» التونسية (٢٠ / ٣ / ١٩٥٣): وقد قامت سلطات الأمن في ساعات متأخرة من ليلة يوم الثلاثاء (٢٠ مارس) بحملة اعتقالات في كافة أطراف المملكة وفي العاصمة وضواحيها، ولا يمكن ضبط عدد ولا أسماء جميع المعتقلين، ففي العاصمة أُلقي القبض على الأستاذ محمود الزرزري رئيس الغرفة التجارية التونسية للشمال، وعلى الأستاذ جلول فارس عضو الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري التونسي، وعلى السيد الفرجاني بن الحاج عمار الأمين العام للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، وعلى الأستاذ باروش كاهية رئيس الغرفة التجارية، والأستاذ فكتور بارانص عضو الغرفة المذكورة.
وفي بلدة منوبة على الشيخ مصطفى الباعي، والسيد حسين فرحات، والسيد حسين الكناني، والحكيم الطاهر بن سلطان نائب مدير مستشفى الأمراض العقلية، وعلى السيد كبير درغوث المدير السابق، وعلى الأخوين ابني الكامل.
كما أُلقي القبض على عدد كبير من التونسيين في القرى الواقعة بمشيخة منوبة، وكذلك الحال في ضاحية إريانة، وأُلقي القبض على السيد عبد الجبار الغضبان، وعلى السيد عمر بن نور، وعلى السيد بن أحمد وشرف الدين بن قمرة، وعلى السيد محمد بن عثمان النابلسي.
واعتقلت السلطات العسكرية الفرنسية أمير الأمراء السيد إسماعيل زويتن عامل (مدير) نابل، وشملت الاعتقالات كل مدينة وبلدة وقرية من القطر.
٣  وقد توصلت جريدة «الصباح» إلى معرفة بعض المعتقلين، ففي ليلة ٢٦ مارس بين الساعة الثانية والساعة الرابعة بعد منتصف الليل، هاجمت القوات الفرنسية على بيوت كثيرة: (١) بخمير محلات السيد صالح بن زروق، والشيخ يوسف بوريال، والسيد يوسف الفرجاني، وألقت عليهم القبض جميعًا. (٢) بسوق الخميس اعتقلت السادة: حسن ياسين، وأخاه مبارك ياسين، والأستاذ حافظ، والعربي قدور، وإبراهيم بن محمد. (٣) بالفحص ألقت القبض على السادة: عبد الحفيظ الجريدي، والشاذلي بن الصادق الشراربي، ويوسف بالحاج.
وقد تمت اعتقالات كثيرة في تلك الأيام نذكر البعض منها: اعتقلت السلطات الفرنسية ببلدة الحامة ثلاثين تونسيًّا من بينهم: عبد الله بن حسن تينو، الحاج علي خضر، الطيب بن بلقاسم بن محمود، التهامي بن خليفة، الطيب بن بلقاسم، الكيلاني بن القناوي، الطاهر بن القناوي، أحمد بن عمار العمامي، علي القندوز، محمد بن العيادي، البشير بن بركة، أخوه العربي، القناوي بو جمعة، حمادي بن خليفة، المولدي بن محمد، عيد، بلقاسم الختال، الجيلاني الختال، عبد الله القناوي، محمد بن الجيلاني.
وأجرت القوات الفرنسية تفتيشات واسعة في بيوت الوطنيين بمدينة بنزرت، وألقت القبض على السادة: حمدة بن محمد الصالح، عبد القادر بن جواني، الشريف بوزيد، الصادق الذاودي الكاتب العام للاتحاد الجهوي للصناعة والتجارة، حمادة الساقي وغيرهم كثير ممن لم يُعثر على أسمائهم.
٤  كان بيني رئيس الحكومة الفرنسية إذ ذاك.
٥  راجع جريدة «لابريس» بتاريخ ٢٩ / ٣ / ١٩٥٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١