الفصل العاشر

جيني تُساعد في البحث عن نفسها

في اليوم التالي، توجَّهَت جيني باكستر إلى العنوان الذي أعطاها إيَّاه رئيس التحرير، ووجدت السيد كادبوري تايلور هناك، في مكتبٍ فخم إلى حدٍّ ما في الطابق الأول. حيث وجدت على بابه لافتةً نُحاسية مكتوبًا عليها:

كادبوري تايلور

مُحقِّق خاص

ومن الواضح أن المُحقق كان سعيدًا جدًّا برؤيتها.

حيث قال: «لقد كنتُ أنوي الحضور اليوم إلى مكتب صحيفة بيجل عَلِّي أُقابلكِ؛ لكنني سعيدٌ بلقائكِ هنا؛ إذ في وسعنا التحدُّثَ دون خشية المقاطعة. هل أخبركِ رئيس التحرير بأي شيءٍ عن هذه القضية؟»

«قليلًا جدًّا؛ إذ يبدو أنه لا يعرف الكثير عنها.»

«لم يكن من الممكن بالنسبة لي أن أخوض معه في كامل التفاصيل. لكنني فقط أعطيته تلميحًا أو اثنين لكي أُوصِّل إليه فكرةً ما عن الأهمية التي يُمكن أن يُشكِّلها هذا اللغز، عند حلِّه، من المنظور الصحفي. وبالطبع كنتُ أرغب في أن يساعدني أملًا في أنه ربما يُقنعكِ بمساعدتي في هذا الأمر.»

قالت جيني: «يبدو أنه يرغب تمامًا في أن أساعدك قدْر استطاعتي، ولكن يجب أن تُوضح لي كامل التفاصيل قبل أن أعِدَك؛ إذ إنَّ لدي الكثيرَ من العمل في الصحيفة، وإذا لم تكن هذه القضية مُثيرة للاهتمام من المنظور الصحفي — كما قلتَ — فلا أعتقد أنني يجب أن أكترث بالخوض فيها.»

طمأنها المُحقق بحماس: «أوه، سوف تجدين أنها ذات أهميةٍ كبيرة، إنها تتعلَّق باختفاء امرأةٍ على نحوٍ مفاجئ وغير مُبرَّر حتى الآن. وهذا في حدِّ ذاته أمر مُستغرقٌ للاهتمام، وأؤكد لكِ — من واقع خبرتي الكبيرة — أنه لا شيءَ في هذا العالَم أصعب على أي امرئ، وبالأخص لو كان امرأة، من أن يختفيَ تمامًا ولا يترك أيَّ أثرٍ وراءه.»

قالت جيني: «كنتُ أظنه أمرًا سهلًا للغاية، لا سيَّما في مدينةٍ كبيرة مثل لندن.»

«لقد عبَّرْتِ عن الرأي الدارِج، لكنني أُؤكِّد لكِ أن الاختفاء الناجح تمامًا هو أحد أكثر الأحداث استثناءً التي قلَّما نُواجهها نحن المُحققين في مسار تحقيقنا.»

قالت الفتاة: «أرجوك أخبرني القصة، وبعدها يُمكننا التحدُّث عنها بمزيدٍ من التفاهم.»

تخيَّر المُحقق رزمة أوراق، من بين عدة رزم موضوعة عند طرف مكتبه. وأزاحَ عنها شريطًا من المطاط يجمع الأوراق معًا.

«بدأ أولُ فصلٍ من المسرحية — إذا جاز أن نُسمِّيَها بذلك — في حفل دوقة تشيزيلهورست.»

كرَّرت جيني ما قاله برجفة: «حفل دوقة تشيزيلهورست! يا إلهي!»

نظر إليها المُحقق متسائلًا:

«لماذا تقولين «يا إلهي»؟»

قالت الفتاة بضجر: «لأنني مللتُ من سماع أخبار حفل دوقة تشيزيلهورست؛ يبدو أنه لم يكن هناك شيء بخلاف ذلك تتداوله الصحف خلال الأسابيع الماضية.»

وافقَها المُحقق الرأي قائلًا: «لقد أثارَت الكثير من التعليقات، وبالمناسبة، كان تقرير صحيفة دايلي بيجل حول هذا الحفل هو أحد أفضل التقارير التي نُشِرت عنه في أي صحيفة.»

قالت جيني بلا مبالاة: «لقد سمعتُ بذلك، لكنني في الواقع لم أقرأ هذا المقال في صحيفة بيجل.»

«أنتِ تُدهشينني! أظن أن هذا هو أول جزءٍ من الصحيفة تقرؤه أي سيدة. ومع ذلك، فإن تقرير الحفل ليس له علاقة بالقضية التي نحن بصددها. والآن، هل تتذكَّرين الأميرة فون شتاينهايمر، التي كان من دواعي سروري أن ألتقيَ بكِ في قلعتها لأول مرة؟»

قالت جيني، مُتحدثةً دون التفكير فيما قالت: «لقد حظِيتَ بمقابلتي قبل ذلك.»

صاح المُحقِّق وألقى أوراقه على المنضدة: «حقًّا! وأين كان ذلك؟»

«أوه، حسنًا، كما قلتَ للتو، لا علاقة لذلك بهذه القضية. ربما كنتُ مخطئة عندما قلتُ إنكَ رأيتني؛ إذ كان من الأصح أن أقول إني رأيتُكَ. فلا يغيب عنكَ بالطبع أنك شخصية عامة يا سيد تايلور.»

قال المُحقق بزهو، مُلتفتًا إلى أوراقه: «أها، معكِ حق. والآن، لقد دُعِيَت الأميرة فون شتاينهايمر إلى حفل دوقة تشيزيلهورست، لكنها لم تحضره.»

قالت الفتاة: «هل أنت متأكد من ذلك؟ اعتقدتُ أن اسمها كان ضمن قائمة الحضور.»

«كان في القائمة، وهنا بالضبط يبدأ لُغزنا. لقد حضرَت امرأةٌ أخرى الحفل مُنتحلةً شخصية الأميرة فون شتاينهايمر. وهذه هي المرأة التي أرغبُ في العثور عليها.»

«أها، إذن لقد استعان بكَ دوق تشيزيلهورست لهذا الغرض؟»

«لا، لم يستعِن بي الدوق، فالغريبُ هو أن الدوق يعتقد أن الأميرة هي فعلًا مَنْ حضرت الحفل، لكنَّ رجلًا واحدًا فقط يعرف أن الأميرة لم تكن موجودة، رجل واحد وامرأتان؛ إحداهن هي الأميرة فون شتاينهايمر نفسُها، والأخرى هي السيدة التي انتحلت شخصيتها. أما الرجل فهو اللورد دونال ستيرلنج، من السلك الدبلوماسي، والذي لا شكَّ أن اسمه مألوفٌ لديكِ. لقد شرَّفني اللورد دونال بإسناد القضية إلي.»

سألَته جيني وهي تتحدَّث ببطءٍ وبصعوبة: «لماذا يرغبُ سيادته في العثور على هذه … هذه … المرأة المُحتالة؟»

قال المُحقق بنبرة رجل يفهم ما يتحدَّث عنه: «إنه يُحبُّها.»

«ما الذي يجعلك تظن ذلك؟»

«أنا لا أظن ذلك، بل أفقهه. استمعي إلى وصفِهِ لها.»

انتقى المُحقق ورقةً من بين مجموعة مستندات القضية، مطويةً ومميزة بعلامة، وموضوعًا عليها ملصق للرجوع إليها.

«إنَّ الفتاة متوسطة الطول، أو ربما أطول من ذلك قليلًا؛ مُعتدَّة بنفسها على نحوٍ رائع، مثل دوقةٍ حقيقية. عيناها سوداوان عميقتان مخمليَّتان …»

صاحت الفتاة: «عجبًا! إنه يصفها كما لو كانت قطة!»

قال المُحقق: «انتظري لحظة.»

تابعت جيني بلهفة: «لا أرى ما يدل على الحُب في ذلك.»

كرَّر المحقق: «انتظري لحظة؛ إنهما تلمعان وتتألقان بهجةً، وتذوبان في حنانٍ أخَّاذٍ ورِقَّةٍ فاتنة.»

صاحت جيني وهي تنهض: «يا إلهي! خيالُ الرجل لا حدودَ له. هل يقصد أنه رأى حنانًا في عينَيِ امرأةٍ التقى بها لمدة ساعة أو ساعتَين؟»

قال المحقق ضاحكًا: «هذا كل ما في الأمر. الرجل غارقٌ في الحُب تمامًا حسبما ترين. من فضلك اجلسي مرةً أخرى يا آنسة باكستر واستمعي. أعلم أن هذا النمط العاطفي من الكتابة لا بدَّ أن يكون مُزعجًا لامرأةٍ عملية مثلكِ، لكن في عملنا لا يُمكننا إهمال شيءٍ على الإطلاق حتى لو أدق التفاصيل. لنرَ، أين توقفْتُ … «حنان أخَّاذ ورقة فاتنة.» أوه، نعم. «أما شعرها فيُشبه سواد منتصف الليل، ويميل إلى التموُّج، مع القليل من التجعيدات التي تنسدِل على وجنتَيها. وبشرتها نقية مثل الفجر، تتورَّد بين الحين والآخر بحُمرةٍ رقيقة مثل بَتَلة زهرة».»

صاحت جيني بصبرٍ نافد: «يا له من كلامٍ سخيف! لون بشرة امرأة في حفل! لقد وضَعَت بالطبع مساحيقَ تجميل على بشرتها في مثل هذه المناسبة.»

وافقها المُحقق قائلًا: «بالطبع، لكن هذا يُظهِر لكِ فقط عُمق حبه. اللورد دونال شابٌّ صغير السن. لقد جاء إلى هنا يستشيرني، وبالتأكيد لا يعرف الفرق بين بشرة فتاةٍ فقيرة نشأت في جادة ساري؛ وبشرة فتاة تشتري مساحيق التجميل من شارع نيو بوند.»

ردَّت جيني، دون أن يستهويَها على ما يبدو أنَّ السيد تايلور مُتفقٌ مع النظرية التي كانت هي مَن طرحتها بالأساس، وقالت: «وكأن تورُّد الوجه دليلٌ على أن البشرة كانت نضرة بلا مساحيق تجميل.»

«أوه، لا دراية لي بذلك. أعتقد أن العِلم الحديث قد يُمكِّن المرأة ذات البشرة اللامعة المصقولة من تورُّد وجنتيها كما تشاء؛ لستُ متأكدًا من ذلك؛ لأنه أمرٌ خارج عن مساري في التحقيق، لكنني فهمتُ أن هذا هو الحال.»

وافقتْهُ جيني قائلة: «على الأرجح. وما هذا الشيء الذي تضعه أسفل رزمة الأوراق؟»

قال المحقق وهو يسحب هذا الشيء ويُناوله الفتاة: «هذا هو قفازها.»

التقطت جيني القُفاز — الذي، مع الأسف، اشترته ولم ترتَدِه إلا مرة واحدة فقط — ومرَّرته بين أصابعها. كان عليه ملصق مكتوب عليه: «تصميم: جونت إي سي، شارع هونسمان؛ فقد اشترته من باريس امرأةٌ تدَّعي أنها الأميرة فون شتاينهايمر.»

قالت جيني بعد أن انتهت من قراءة الملصق: «لقد اكتشفتَ كلَّ شيء عن القفاز.»

«نعم، هذا من صميم عملنا؛ لكن القفاز لم يُساعدنا كثيرًا.»

سألت الفتاة ببراءة: «وماذا قال عن كيفية حصوله على القفاز؟ هل أعطته إياه؟»

«لا؛ لقد انتزعه من يدِها بينما كانت في عربتها تهمُّ بمغادرة المكان. بدا لي أنه فعلٌ لا يليق برجلٍ دبلوماسي مثله، ولكن بالطبع ليس من شأني أن أُخبر اللورد دونال بذلك.»

«إذن، لم يكن القفاز مصدرَ عونٍ كبيرٍ لك. أخبِرني، إذن، ماذا فعلت، وربما أكون أكثر قدرةً على تقديم المشورة لك.»

«لقد فعلْنا كلَّ ما أملاه علينا المنطق. حيث تتبَّعنا مسار الأميرة المزعومة من فندق بريستول في بانز إلى كلاريدج في لندن. كما أن إحدى معارفي في باريس، وهي امرأة ذكية جدًّا، قد ساعدتني، وتوصَّلت إلى مكان شراء القفاز ومكان صُنع الفستان. هل قرأتُ لكِ وصفَ اللورد دونال لفستان السيدة؟»

«لا، لا عليكَ؛ استمِر في سرد قصتك.»

«حسنًا، لقد وفَّر لها فندق كلاريدج عربة، مع سائق وحارس، لكي تُقِلَّها إلى الحفل، ثم أعادتها هذه العربة إلى الفندق في منتصف الليل تقريبًا. وهنا، حدث شيء غريب؛ فقد طلبت السيدة من الحارس الليلي لبوابة الفندق استدعاء عربة أجرة، وبعد فترةٍ وجيزة نزلت خادمتُها لتركب العربة.»

كرَّرت جيني: «خادمتها!»

«نعم. لقد نزلت الخادمة بزي الشارع العادي بعد فترةٍ وجيزة، وهي تُخفي وجهها، ثم ركبت العربة وابتعدت، وفي صباح اليوم التالي دفعت السيدةُ فاتورتها واستدعت عربةً مع سائق وحارس، وذهبَت لتستقلَّ قطارَ الثامنة المُتجهَ إلى باريس. لقد استرعى انتباهي بالطبع احتمالُ أن تكون السيدة نفسها هي مَن ركبت عربة الأجرة، لكن بعد التفكير للحظةٍ وجدتُ أنه من غير الوارد أن تُغادر الفندق في عربة أجرة في منتصف الليل، وتسمح لخادمتها أن تستقل العربة الكبيرة الخاصة في صباح اليوم التالي.»

تمتمَت جيني: «هذا لا يبدو منطقيًّا. ولكن ألم تبذل أي محاولة، بعد ذلك، لتقفِّي أثر الخادمة؟»

«أوه نعم، لقد فعلنا. وجدنا سائق عربة الأجرة الذي أخذَها من كلاريدج، وتركها في محطة تشارينج كروس، ولكن هناك تلاشى كلُّ أثرٍ لها. ربما غادرَت في أحد القطارات المتأخرة إلى مكان ما في البلاد؛ إذ لا يُوجد سِوى القليل من القطارات بعد منتصف الليل. أما السيدة فقد اشترت تذكرة درجة أولى إلى باريس، وغادرت بمفردها صباح اليوم التالي عند الساعة الثامنة صباحًا في القطار الأوروبي السريع. لقد استدلَّ عليها مُساعدي والتقط لها صورةً سريعة وهي تسير في الشارع؛ ها هي الصورة.»

ناولَ المُحققُ الآنسة باكستر صورةً فورية لأحد الشوارع الكبيرة التُقِطَت في ضوء الشمس الساطع. ولم تجد جيني صعوبةً في تمييز الشخصية الرئيسية في صدْر الصورة، وهي خادمتُها، مُرتديةً ذلك الفستان الأنيق الذي تهيم به النساء الباريسيات.

قالت جيني: «يبدو أنها تُماثل الوصف.»

أقرَّ المحقق: «ظننتُ ذلك، وأرسلتُ الصورة إلى اللورد دونال. انظري ماذا كتب على ظهر الصورة.»

قلبت جيني الصورة، فوجدتْ عبارةً تصِف محتوى الصورة: «صورة مزعومة للمرأة المفقودة.» ولكن كُتِبَ تحتها بخط غامق: «إنه زعمٌ في غير محله! اقرأ وصفي للفتاة؛ من الواضح أن هذه خادمة لسيدة باريسية.»

سألته جيني: «حسنًا، ماذا فعلتَ عندما استعدتَ هذه الصورة؟»

«تذكَّرتُكِ، وذهبتُ إلى مكتب صحيفة دايلي بيجل، وهذا يقودنا إلى اللحظة الحاليَّة. وهكذا أصبح لديكِ الآن القصة كاملة، ويُسعدني جدًّا الاستماعُ إلى أي اقتراحاتٍ تتكرَّمين بتقديمها.»

جلسَت الفتاة في مكانها لبضع لحظاتٍ وتأمَّلتِ الموقف. بينما وضع المُحقق مرفقه على المنضدة وأسند ذقنه على يده، وأخذ ينظر إليها بترقُّب شديد. وكلما فكرَت جيني في الأمر، اندهشت أكثر من الرجل الجالس أمامها، والذي بدا عاجزًا عن معرفة ناتج جمع اثنين زائد اثنين؛ لقد تحدَّث بالفعل عن التقرير الذي نُشِرَ في دايلي بيجل عن الحفل؛ وعن مدى دقتِه وتميُّزه. وهو يعلم أنها أحد أفراد فريق التحرير في الصحيفة، ومع ذلك لم يخطر بباله أبدًا أن يسأل عمَّن كتب هذا التقرير، كما يعلم أنها كانت ضيفةً في قلعة شتاينهايمر عندما وصلَت دعوة الحفل إلى الأميرة. لقد كانت هذه الحقائق باديةً جدًّا للعيان، حتى إن الفتاة كانت تخشى التحدُّث مخافةَ أن تصدر عنها كلمة عفوية، فتُشكِّل حلقة الوصل بين ذهن المُحقق وهذه الحقائق الواضحة على ما يبدو. وفي النهاية، رفعت عينَيها لتنظُر إليه، بينما تورَّدت وجنتاها، مثلما وصفها اللورد دونال بدقة.

ثم قالت: «لا أعتقد أن بوسعي أن أُفيدك بأي طريقةٍ في هذه القضية يا سيد تايلور. لقد فعلتَ كل ما يمكن أن تُوحي به عبقرية المرء وذكاؤه.»

«نعم، هذا صحيح؛ كل ما يمكن أن توحي به عبقريتي. لكن، أمَا من شيءٍ جال بخاطركِ؟ هل من نظرية تطرحينها؟»

«ما من شيءٍ يمكن أن يكون ذا جدوى فِعلية. هل اللورد دونال متأكد من أنه لم يلتقِ بالأميرة نفسِها؟ هل أنت مقتنع تمامًا أنه كان هناك بالفعل انتحال شخصية؟»

«ماذا تقصدين يا آنسة باكستر؟»

«حسنًا، لقد قابلتَ الأمير فون شتاينهايمر؛ ما رأيك فيه؟»

«إن أردتِ سماع رأيي، فإنه شخصٌ مُتنمِّر مُتعجرف. لا أستطيع أن أتصوَّر ما الذي تراه الفتيات الإنجليزيات أو الأمريكيات في هؤلاء الأجانب ليحمِلهنَّ على الرغبة في الزواج منهم. إنها رغبتهنَّ في الحصول على لقب أميرة، على ما أظن. لقد كان الأمير عنيفًا للغاية، وأصدر إليَّ شبه أمرٍ بالخروج من القلعة، وتحدَّث إلى والد زوجته بطريقة فظَّة لأقصى درجة، وكان من الواضح أن الأميرة مذعورة.»

«توصيفٌ دقيق للغاية لشخصية سموِّه يا سيد تايلور. والآن، بما أن الأميرة امرأة — وفي ريعان شبابها — من دون شكٍّ، فإن هذا من شأنه أن يجعلها توَّاقة جدًّا بطبيعة الحال لحضور حفل دوقة تشيزيلهورست، أليس كذلك؟»

«قد يعتقد المرء ذلك.»

«وكما قلتَ للتو، لديها زوج شرس الطباع، وأكبرُ منها بسنوات، ولا يهتم كثيرًا بحفلاتٍ مثل تلك التي دُعِيَت إليها الأميرة. أليس من الوارد تمامًا أن تكون الأميرة قد حضرَت الحفل فعلًا، ولكن لأسبابٍ خاصة بها، رغبت في التكتُّم على حقيقة وجودها هناك وإبقائها سرًّا؛ ولا بدَّ أن تتذكر أن اللورد دونال ستيرلنج لم يرَ الأميرة منذ خمس سنوات.»

قال المُحقق بحِدَّة: «منذ خمس سنوات؟ كيف علمتِ ذلك يا آنسة باكستر؟»

تمتمت الفتاة باضطراب: «حسنًا، كما تعلم، لقد التقى بها آخِرَ مرة في واشنطن، ولم تذهب الأميرة إلى أمريكا منذ خمس سنوات؛ وهكذا كما ترى …»

«أوه، لم أكن أعلم أنه التقى بها في أمريكا على الإطلاق؛ ففي الواقع، لم يقُل اللورد دونال الكثير عن الأميرة، إذ كان في كل حديثه يُشير إلى هذه السيدة التي انتحلت شخصيتها.»

أسندت جيني ظهرها على كُرسيِّها، وأغمضت عينَيها للحظة، والتقطت أنفاسها بسرعة.

وقالت في النهاية: «أخشى أنني لا أتذكَّر التفاصيل التي قدَّمتها لي بدقةٍ كافية، حتى أتمكن من تقديم المشورة. كلُّ ما يسعني فقط هو استنتاج أن اللورد دونال قد قابل الأميرة ذاتها في حفل دوقة تشيزيلهورست، ومن الطبيعي أن ترغب الأميرة في تضليله بشأن هُويتها؛ وبناءً عليه، إذا لم يكن قد التقى بها منذ وقتٍ طويل — لنَقُل عامَين، أو ثلاثة أعوام، أو خمسة، أو أيًّا كانت الفترة — فمن الوارد تمامًا أن الأميرة قد تغيَّرت كثيرًا خلال تلك الفترة، وربما لم تكن مُستاءةً من مغازلة الشاب — وكيلك — وتَودُّدِه إليها. وبالطبع، لم تكن لتسمح أن يتعدَّى الأمر نطاق باب قصر دوق تشيزيلهورست؛ فهي امرأة مُتزوجة حسبما تذكر بالتأكيد، وزوجها رجل عنيف، كما قلت، ولا بدَّ أن اللورد دونال قد أثار استياء الأميرة تمامًا بتصرُّفه، الذي وصفتَه أنت بالوقِح، عندما انتزع قفازها. والآن، فلن تعترِف الأميرة أبدًا بأنها كانت في الحفل، ولذا يبدو لي أنك تُضيع وقتك في مطاردة لا طائل منها. كما أنه إذا كانت هناك امرأة مُختفية بالفعل، فلا يجوز أبدًا أن تظن أنكَ لم تستطع — مع كل خبراتك وإمكانياتك — العثور عليها منذ فترةٍ طويلة. لقد قلتَ في مُستهل حديثك إنَّه لا شيءَ أصعب من الاختفاء. حسنًا، لماذا وقعتَ إذن في حيرةٍ من أمرك؟ ببساطةٍ لأن الأميرة ذاتها هي مَن حضرَت الحفل، وما من سيدة مُختفية على الإطلاق.»

ضرب المُحقق بقبضته على المكتب بحِدَّة وصاح:

«يا إلهي! أعتقد أنكِ على حق. لقد كنتُ أعمى تمامًا، لا سيَّما أن مفتاح حل اللغز موجودٌ هنا بالضبط أمام ناظرَي.»

تخبَّط للحظةٍ وأخرج رسالةً من كومة الأوراق التي أمامه.

«هذه رسالةٌ جاءتني من سانت بطرسبرج كتبها اللورد دونال بنفسه، تُفيد بأن الأميرة قد أرسلتْ له قفاز اليد الأخرى الذي تُمسكين به الآن في يدكِ. ويقول إنه متأكد من أن الأميرة تعرِف مَن هي المرأة التي انتحلت شخصيتها، لكنها لن تُخبره بذلك؛ وعلى الرغم من أنني قرأتُ هذه الرسالة، لم يخطر ببالي أن تكون الأميرة نفسها هي تلك المرأة. يا آنسة باكستر، لقد حلَلتِ اللغز!»

ردَّت الفتاة وهي تنهض: «يسرُّني أن ترى ذلك، وأنا سعيدة جدًّا أنْ أقنعتُك بالتخلِّي عن مطاردةٍ غير ذات جدوى.»

أجاب المُحقق: «لقد كان الأمر واضحًا كضوء النهار. كما أن وصف اللورد دونال ينطبق على الأميرة تمامًا، ومع ذلك لم أُفكر أبدًا فيها من قبل.»

غادرَت جيني مكتب المُحقق مُسرعة، وسعيدة لأنها لم تكشف عن هُويتها الحقيقية دون قصدٍ، رغم أنها لم تغضَّ الطرْف عن حقيقة أن خلاصها من هذا المأزق يُعزى بالأساس إلى الحظ المُوفَّق، وليس إلى أي حضورٍ ذهني من جانبها، والذي غاب عنها في نقطةٍ أو نقطتين أثناء الحوار. وعندما رآها السيد هاردويك، سألها عن المساحة التي ينبغي أن يُخصِّصها في إصدار الغد لموضوع غراميات الطبقة الراقية. لكنها أخبرَتْه أن لا شيءَ في القضية — بقدْر ما يُمكنها أن ترى — من شأنه أن يُثير اهتمام أي قارئٍ عاقل.

وهكذا استقرَّ الأمر لمدة أسبوعين. وبعدها تلقَّت الفتاة رسالةً عاجلة من كادبوري تايلور يطلُب منها الحضور في مكتبه في اليوم التالي مباشرةً في تمام الرابعة. وقال إنَّ الأمر مهم للغاية، وإنه يأمُل ألا تُخيِّب ظنه بأي حال. كان أول ما طرأ على ذهن جيني ألا تذهب، لكنها كانت مُتشوِّقة جدًّا إلى معرفة التقدُّم الذي أحرزه المُحقق في القضية، خشية أن يهتدي إلى الطريق الصحيح، وهو ما جعلها تشعر أنَّ من غير الحكمة المخاطرةَ بعدم مقابلته. وإذا كانت الشكوك قد بدأت تُراوده حقًّا، فقد يُصبح عدمُ حضورها بمثابة تأكيدٍ لها. وفي تمام الساعة الرابعة بعد ظهر اليوم التالي دخلت مكتبه ووجدته بمفرده، مما بعث الطمأنينة في نفسها. فنهضَ من مكتبه عندما رآها، وقال هامسًا: «أنا سعيد جدًّا لحضوركِ؛ فأنا في حيرة من أمري إلى حدٍّ ما. لقد حضر اللورد دونال ستيرلنج إلى لندن في زيارةٍ سريعة، وجاء هنا بالأمس.»

حاولت الفتاة التقاطَ أنفاسها، لكنها لم تنطق ببِنت شَفة.

«لقد شرحتُ له الأسباب التي تجعلني أعتقد أن المرأة التي التقى بها في حفل دوقة تشيزيلهورست كانت في الواقع هي الأميرة فون شتاينهايمر. فضحك مُستخِفًّا بما أقول؛ إذ لم يكن هناك ما يُقنعه، وقال إنَّ هذه النظرية تفوق في عبثيتها إرسالَ صورة خادمةٍ والزعمَ بأنها هي مَن التقى بها في الحفل. لقد استخدمتُ معه كلَّ الحجج التي ذكَرْتِها أنتِ، لكنه طرحَها جانبًا مُعتبرًا إيَّاها غير ذات أهمية. وبطريقةٍ أو بأخرى لم تبدُ القضية بنفس القدْر من الوضوح الذي بدَت عليه عندما طرحتِ نظريتَك.»

سألته الفتاة: «حسنًا، وماذا بعد؟»

«حسنًا، بعد ذلك طلبتُ منه الحضور إلى هنا في تمام الرابعة وسماعَ ما ستقوله إحدى مُساعِداتِي بشأن القضية.»

صاحت الفتاة في ذعر: «تمام الرابعة! إذن قد يحضُر إلى هنا في أي لحظة.»

«إنه هنا الآن؛ فهو في الغرفة المجاورة. تعالي، وسأُعرِّفكِ به، وبعد ذلك أُريدكِ أن تُخبريه بكل الحيثيات التي دفعتكِ إلى الاعتقاد بأن الأميرة ذاتها هي مَن التقى بها. أنا متأكدٌ أنَّ في مقدوركِ إطلاعَه على كل النقاط بإيجازٍ بليغ بحيث تنجحين في إقناعه برأيكِ. ستُحاولين يا آنسة باكستر، أليس كذلك؟ وسيكون معروفًا كبيرًا جدًّا تُسدينه لي.»

صاحت الفتاة: «أوه، لا، لا، لا! لن أُصارح أحدًا أنني كنتُ أقوم بدور مساعد مُحقق. لم يكن يحقُّ لك إحضاري هنا. يجب أن أنصرف فورًا. لو كنتُ أعرف هذا لما أتيت.»

توسَّل إليها كادبوري تايلور قائلًا: «لن يستغرق الأمر خمس دقائق، إنه في انتظاركِ الآن؛ لقد أخبرتُه أنكِ ستحضرين إلى هنا في الرابعة.»

«لا يُمكنني ذلك؛ لم يكن يحقُّ لكَ تحديدُ موعدٍ لي دون علمي وموافقتي.»

كان تايلور على وشك أن يتحدَّث عندما تحرَّك مقبض باب الغرفة الداخلية.

وقال اللورد دونال بصوتٍ مُنزعج: «أرى أيُّها المُحقق أن عليك أن تستعين بمساعدين أكثر التزامًا بالمواعيد. فأنا رجل مُثقَل بالمهام للغاية، ويجب أن أغادر إلى سانت بطرسبرج الليلة، ولذا لا يُمكنني قضاء كل وقتي في مكتبك، كما تعلم.»

قال المُحقق بخنوع كبير: «أستميحك عذرًا يا سيدي، هذه الفتاة لديها بعضُ الاعتراضات على إبداء آرائها، لكنني متأكد أنك ستتمكَّن من إقناعها …»

واستدار إليها، لكن المكان إلى جانبه كان شاغرًا، وباب الحجرة مفتوحًا، حيث كانت الفتاة قد لاذت بالفرار عندما رأت مقبض الباب الداخلي يُدار؛ ومن ثمَّ نظر تايلور إلى موكله فاغرًا فاه. فضحك اللورد دونال.

«يبدو أن مساعدتَك قد اختفت تمامًا مثلما اختفت سيدة الحفل. لماذا لا تبعث بمُحقِّقيك لتقفِّي أثرها؟ ربما سيتبيَّن أنها الشخص الذي أبحث عنه.»

تلعثم المُحقق: «أنا آسِف جدًّا يا سيدي.»

«أوه، لا عليك. أنا واثقٌ أنك فعلتَ كل ما يُمكن فعله في ضوء الأدلة غير المُجدية للغاية التي هي كل ما في حوزتنا مع الأسف، لكن يُجانبك الصواب تمامًا في اعتقاد أنَّ الأميرة ذاتها هي التي حضرت الحفل، ولا ألوم مُساعدتك على رفضها دعم قضية مستحيلة. سنعتبر البحث مُنتهيًا. وإذا سمحتَ أحضِر لي كشف أتعابك الليلة في النادي الدبلوماسي قبل السادسة مساءً، وسأُرسل لك شيكًا بالمبلغ. نهارك سعيد يا سيد تايلور.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١