الفصل الثالث عشر

جيني تستمتع باحتساءِ الشاي والثرثرة

في عصر يوم الخميس، شهد صالون الأميرة فون شتاينهايمر الفسيحُ جَمْعًا مشهودًا. شكَّلَت الملابس الفاخرة التي ترتديها السيدات سلسلةً من الصور الكينتوجرافية المُبهرة؛ ولِمَ لا والنساء في فيينا بارعاتٌ في فنِّ الأزياء مثل أخواتهن الباريسيات؟ ولم يُقَدَّم الشاي في فناجينَ بأطباقٍ مثلما اعتادت جيني رؤيته، وإنما جاء في كئوسٍ من زجاج البندقية الرقيق الشفَّاف، داخل حاملٍ مُرصَّع بالذهب المُزركَش. وقُدِّم كل ما تشتهيه الأنفس من أصناف الكعك اللذيذ التي تشتهر بها المدينة. أما الشاي فهو من النوع المُستورَد برًّا عبر روسيا قادمًا من الصين؛ ولذا لم تتردَّ جودته مثلما يحدُث عند الاستيراد بحرًا عبر المحيط. وقُدِّم الشاي المَغلي مُصفًّى، مع السكر لِمَنْ يرغب في ذلك، مع شريحة من الليمون، ووجدَت جيني أنه أطيبُ مشروب تذوَّقَته على الإطلاق.

همَسَت الأميرة لجيني عندما سنَحَت الفرصة: «أعتذر إليكِ كثيرًا؛ لكن الكونتيسة شترون أرسلت مرسالًا لتقول إنها لا تستطيع الحضور اليوم؛ إذ يبدو أن زوجها، رئيس الوزراء، مريض، وهي، كزوجةٍ وفيَّة، ستبقى في المنزل لرعايته. وهذا يُحبِط خُطَطَنا بعض الشيء، أليس كذلك؟»

أجابت جيني: «يا للحظ العَسِر! لا أعرف؛ من المُرجَّح أن تكون زوجة رئيس الوزراء حريصةً للغاية على عدم مناقشة أي مسألةٍ سياسية في هذا الجَمْع. ولذلك، عوَّلتُ على زوجة مسئولٍ أقلَّ مكانةً أكثرَ من تعويلي على الكونتيسة شترون.»

قالت الأميرة: «أنتِ مُحقَّة، والآن تعالي معي؛ أودُّ أن أُقدِّمكِ إلى زوجة أمين الخِزانة، وربما يُمكنكِ أن تعرفي منها شيئًا عن الحادث الذي أصاب حبيب جريتليش المسكين.»

ومن ثمَّ تبيَّن أن زوجة أمين الخزانة سيدة عجوز ثرثارة تفتخر بمعرفة كل ما يحدُث حولها. وهكذا بدَت هي وجيني تتهامسان وهما تحتَسِيان كأسَيِ الشاي، ذلك المشروب الذي بالغت السيدة العجوز في التلذُّذ به. وبينما تتجاذبان أطراف الحديث، رأت جيني أنها شخصٌ يَسعد بإخبار كل ما يعرفه، والسؤال الوحيد الذي يطرح نفسه الآن هو ما إذا كانت تعرف أيَّ شيءٍ ترغب جيني في معرفته. ولكن قبل أن تتحدَّث معها عن السياسة العُليا، قرَّرت الفتاة معرفة المزيد عن الكارثة التي أدَّت إلى مثل هذه النهاية المفجِعة لفتى أحلام جريتليش.

فقالت: «يَشغلني كثيرًا أمرُ إحدى الخادمات هنا التي فقدت حبيبها قبل بضعة أسابيع في حادثٍ وقع في مبنى الخِزانة. ويبدو أن الخادمة لا تعرف الكثير عما حدث باستثناء ما قيل لها فقط عن أن حبيبها، وهو أحد جنود مناوبة الحراسة هناك تلك الليلة، قد لقِيَ حتفَه.»

همست السيدة العجوز بصوتٍ مُنخفض: «نعم، هذا صحيح يا عزيزتي! يا له من حادث مروِّع، لقد قُتِلَ أربعة رجال، بينما ثمانية أو تسعة الآن في المستشفى. إنَّ زوجي المسكين قلَّما يغمض له جَفنٌ منذ وقوع الحادث، ورئيس الوزراء مريض يُلازِم فراشه بسبب ما استبدَّ به من الجزَع.»

سألت جيني ببراءة: «بسبب الخسارة في الأرواح؟»

«أوه، كلَّا البتة! إنَّ خسارة الأرواح لا تُهِم. لكن خَسارة الأموال هي الأهم، فكيف سيُعوضونها أو يُفسِّرون اختفاءها، أنا على يقينٍ بأنني لا أدري. فالعجزُ يَزيد عن مائتَي مليون فلورين. أليس هذا بأمر مروِّع؟»

«هل تحطَّم المبنى إلى هذا الحد؟» استفسرت جيني، التي لم تكفَّ عن التفكير في أنَّ مثل هذا المبلغ يُمكنه إعادةُ بناء أي صرحٍ في فيينا، حتى لو مُحيَ تمامًا عن وجه الأرض.

«لقد تضرَّر مبنى الخِزانة بالطبع، لكن تكلفة الإصلاحات لن تكون باهظة. كلَّا يا بُنيتي، إنه حادث جلَل للغاية، يفوق في خَطْبه تدميرَ أي مِرْفَق تابع للدولة في أرجاء الإمبراطورية. إنَّ ما أصاب رئيس الوزراء بالمرض، وما يقضُّ مضجع زوجي المسكين حتى إنه يُوشك على هلاكٍ محتوم، هو فقدان صندوق الحرب.»

ردَّدت جيني: «صندوق الحرب! وما هو صندوق الحرب؟»

«يا عزيزتي، إنَّ كل أمَّةٍ عظيمة لديها صندوق حرب. إنجلترا لديها واحد، وكذلك فرنسا وألمانيا وروسيا، بغضِّ النظر عن مدى فقر الدولة، أو مدى صعوبة تحصيل الضرائب، يجب أن يكون لتلك الدولة صندوقُ حرب. وإذا اندلعَت الحرب فجأة، حتى مع أكثرِ الدول ازدهارًا، فستَسودُ فورًا حالةٌ من الذُّعر المالي، وسيكون من الصعب تدبيرُ السيولة اللازمة، كما أنه من المستحيل تقريبًا الحصولُ على قرض، وما تحتاجه الحرب فورَ إعلانها هو المال — ليس وعودًا بالمال، ولا نقودًا ورقية، ولا حتى نقودًا فِضية، بل ذهب — ولذلك، فكل أمةٍ مُهدَّدة بخطر الحرب يكون لديها مخزونٌ من العملات الذهبية. ولا يتكوَّن هذا المخزون بالأساس، أو حتى في الغالب، من عملات الدولة التي تمتلكه؛ بل يتكوَّن من عملاتٍ ذهبية مثل عملات ملوك إنجلترا، وعملة لويس الفرنسية، وفيليم دور الهولندية، والعملات النمساوية فئة ثمانية فلورين، وعملة التاج المزدوَج الألمانية، والعملات الروسية فئة ٥ روبلات، والعملات الدنماركية التي تحمل صورة مزدوجة للملك فريدريك، وغيرها من عملات الدول الأخرى. كلُّها من الذهب ثم الذهب ثم الذهب! وأعتقد أنه قد أُودِعت عملات ذهبية لدولٍ مختلفة في صندوق الحرب في النمسا، بما يقرُب من مائتَي مليون فلورين. لم يُخبرني زوجي قط كم كان هناك بالضبط، لكن في بعض الأحيان عندما يبدو الوضع هادئًا ومُستقرًّا، يُصبح المال في صندوق الحرب أقلَّ مما هو عليه عند وجود خطرٍ وشيكٍ باندلاع حرب في أوروبا، وهو ما نخشاه جميعًا. وقد كان صندوق الحرب النمساوي داخل غرفة مُحصَّنة بالحجارة، في واحدٍ من أقوى الأبراج المُحصَّنة في مبنى الخزانة. وقد يُسمَح للجمهور بدخول العديد من غرف مبنى الخزانة، ولكن لا يُسمَح أبدًا لأي شخصٍ غريب بالدخول إلى ذلك الجزء من المبنى الذي يُحتفَظ فيه بصندوق الحرب. تظلُّ هذه الغرفة تحت الحراسة ليلَ نهار. ويرى زوجي أنه لا يُمكن لومُه إطلاقًا جرَّاء ما حدث، ولا أعتقد أن رؤساءه يميلون إلى اتهامه بالتقصير في واجبه. فالجيد في الأمر أنه في اليوم السابق لوقوع الكارثة، قد ضاعفَ من تِلقاء نفسه الحراسةَ على الغرفة والطرقات المُؤدِّيَة إليها. وكان صندوق الحرب مُمتلئًا تمامًا. ولم يحدُث أبدًا — حسبما أخبرَني — أن احتوى على هذا المبلغ الهائل من المال مثلما كان في ذلك الوقت بالذات. ولكن حدث شيءٌ يستدعي مزيدًا من الحيطة في رأيه، فضاعفَ جنود الحراسة. ولكن في منتصف الليل اندلع انفجارٌ هائل. وانتزع البابَ القويَّ المُتصل بالممر من مفصلاته، وقذفه إلى الخارج حيث تُوجَد الرَّدْهة. ويُقال إنَّ الفاعِل قد استخدم الديناميت، وبكمياتٍ هائلة للغاية. ولم يتبقَّ من الصندوق غير بضع قِطَعٍ من الحديد المُتشظِّي. وتحوَّل الجنود الأربعة في الغرفة إلى أشلاء، وأُصيبَ مَنْ كانوا في الممرِّ بالصدمة. ويبدو أن حقيقة فقدِهم الوعيَ لبعض دقائق قد أعطت الجانيَ، أيًّا كانت هُويته، فرصةً للهروب؛ ذلك أنه على الرغم من إطلاق إنذار فوري، وعدم السماح لأي شخصٍ بدخول المبنى أو الخروج منه باستثناء أولئك الذين لديهم الحقُّ في أن يكونوا داخل المبنى، ومع ذلك لم يُلقَ القبض على أحد، وحتى يومِنا هذا لم يُلقَ القبض على الفاعِل.»

صاحت جيني بحماس: «لكن الذهب، ماذا عن الذهب؟»

«لم تتبقَّ منه قطعة واحدة. تلاشت جميعها. إنها بالفعل أذكى وأكبرُ عملية سطوٍ لسرقة الأموال حدَثَت في نطاق معرفتنا.»

قالت جيني: «لكن مثل هذه الكمية من الذهب لا بدَّ أنها ذات وزنٍ هائل. مائتا مليون فلورين! يا للغرابة، إنها تُعادل عشرين مليون جنيه إسترليني، أليس كذلك؟ وهي تستلزم عُصبةً من اللصوص لحملها والهرب بها. كيف حدث ذلك؟ وأين خبَّئوا الذهب؟»

«آه يا بُنيتي، لو أن بإمكانكِ العثورَ على إجاباتٍ لهذه الأسئلة، لدفعَت لكِ الحكومة النمساوية أيَّ مبلغٍ تطلبينه تقريبًا. فالشرطة مُتحيرة تمامًا. وبالطبع، لم تُنشَر أيُّ أخبارٍ عن هذه السرقة الضخمة. لكن كل مخارج فيينا تخضع للمُراقبة الصارمة، وليس هذا فحسب، ولكن كل الحدود أيضًا مُؤمَّنة. فما تريده الحكومة بالطبع هو استعادة ذهبها، الذي هو حصيلة سنواتٍ من الضرائب، لا يُمكن بسهولةٍ إعادةُ جبايتها.»

سألت جيني: «ومتى وقعت هذه السرقة؟»

«في ليلة السابع عشر.»

«ليلة السابع عشر!» أخذت الفتاة تُكرِّر العبارة أكثر من السيدة العجوز الثرثارة، ثم قالت معقِّبة: «وقد ألقى رئيس الوزراء خطاب الحرب يوم السادس عشر.»

قالت السيدة العجوز بعد أن تناهت إلى سمعها الملاحظة التي لم تقصد الفتاة أن تُسمِعَها إيَّاها: «بالضبط؛ ألا تعتقدين أنَّ هناك شيئًا لافتًا للنظر في هذه المصادفة؟»

«أنا لا أفهم تمامًا. أيُّ مصادفة؟»

«حسنًا، أنتِ تعلمين أن خطاب رئيس الوزراء كان ضدَّ إنجلترا. ولم يكن خطابًا وليدَ اللحظة، لكنه بلا شك نتيجةُ مشاوراتٍ عديدة، ربما مع روسيا، وربما مع ألمانيا، أو مع فرنسا، مَنْ يدري؟ لقد نشأَت صداقة كبيرة مؤخرًا بين روسيا وبيننا؛ وبما أن إنجلترا لديها جواسيس في كل أنحاء العالم، فلا شكَّ أن حكومتها كانت تعلم بأمر الخطاب قبل إلقائه، ومن ثمَّ تعتقد شرطة فيينا أن الحكومة البريطانية قد سخَّرت كلَّ مواردها من أجل حصار النمسا وشَلِّ حركتِها في لحظة حرجة.»

«بالتأكيد يا سيدتي أنتِ لا تقصدين أنَّ حكومة إنجلترا قد تتدنَّى إلى مستوى السطو والسرقة، بل والقتل أيضًا؛ إذ إن الجنود المساكين الذين كانوا يحرسون الخزانة قد قُتلوا فعليًّا كما لو كانوا قد اغتِيلوا في الشارع؟ ولا أظنُّكِ تتصوَّرين أن الحكومة البريطانية قد تدنَّت إلى مثل هذه الأعمال؛ أليس كذلك؟»

هزَّت السيدة العجوز رأسها بحِكمة.

«بحلول الوقت الذي تبلُغين فيه مثلَ عمري يا عزيزتي، وتُشاهدين الكثير من ألاعيب السياسة كما رأيتُها، ستعرفين أنَّ الحكومات لا تتورَّع عن فعل أي شيءٍ لتحقيق غاياتها. ولا يمكن لأي عصابة خاصة من اللصوص أن تضع مثل هذه الخطط التي تُمكِّنها من السطو على مائتَي مليون فلورين من الذهب، إلا إذا كانت لديهم المواردُ الكافية، فضلًا عن عقلٍ مُدبِّر لتوجيههم. إنَّ الدول لا تتردَّد في فعل أي شيءٍ لتحقيق مصالحها. وليس من مصلحة أي إمبراطورية أخرى سوى إنجلترا أن تستنزف النمسا في الوقت الراهن، وأن تختبر مدى إنجاز مكائدها. لا تُوجَد دولة تثق بأخرى، ولو كان لدى النمسا دليلٌ على أن إنجلترا هي مَنْ وراء هذه السرقة، فما كانت لتجرؤ على أن تنبس ببِنت شفة؛ لأن صندوق الحرب خاصتها فارغ، كما لا يُمكنها السماح لألمانيا أو روسيا بمعرفة حجم السرقة التي تعرَّضَت لها؛ لأنه ما من أحدٍ يُمكنه التنبُّؤ بما قد تفعله أيٌّ من هاتين الدولتَيْن في ظلِّ هذه الظروف. وتخشى الحكومة من السماح لشعبها بمعرفة ما حدث. إنها ضربة انتقامية حاسمة. وستظلُّ النمسا تتجرَّع ويلاتها لسنواتٍ قادمة، ما لم تجد الذهب المسروق في أراضيها.»

كانت السيدة العجوز قد اندمجت في حديثها المُشوِّق، لدرجة أنها لم تَلحَظ أن معظم رفيقاتها المدعوَّات قد غادرن، وعندما اقتربت الأميرة منهما، نهضت في شيءٍ من الفزع.

وقالت: «يا أميرتي العزيزة، لقد كان مذاق الشاي رائعًا جدًّا، وكذلك رِفقة مُواطِنتكِ الشابة كانت مُمتِعة للغاية، لدرجة أنني لم أفعل شيئًا سوى الثرثرة ثم الثرثرة ثم الثرثرة، حول أمور ينبغي عدمُ التحدُّث عنها إلا بصوتٍ خفيض، والآن عليَّ أن أهمَّ بالرحيل. هل لي أن أجرؤ على الأمل في أن تشرفيني بحضوركِ في إحدى حفلات الاستقبال التي أعقدها عندما أرسِلُ إليكِ بطاقة دعوة؟»

ردَّت الأميرة بتواضُع وكياسة: «يُسعِدني ذلك.»

وهكذا كانت السيدة العجوز الثرثارة آخِرَ مَنْ غادرت، وعندما أصبحت الأميرة مع ضيفتها على انفراد، صاحت:

«جيني، لم أتوصَّل إلى شيءٍ على الإطلاق، فهل اكتشفتِ شيئًا؟»

ردَّت الفتاة: «كل شيء!» وراحت تجوب القاعة ذهابًا وإيابًا في حماس؛ لاكتشافها مثلَ هذا الكَمِّ الهائل من الأخبار.

«حقًّا! إذن اجلسي وأخبريني بكل التفاصيل على الفور.»

وبعد أن انتهت جيني من سرد القصة المثيرة، قالت:

«كما ترين، فإن هذه السرقة تُفسِّر السبب الذي جعل رئيس الوزراء لا يُتبِع خطابه الداعيَ إلى الحرب بخطابٍ آخر. ويبدو أن الشرطة تعتقد أن إنجلترا لها يَدٌ في هذه السرقة، لكن هذا أمر غير معقول بالطبع.»

ردَّت الأميرة مُتخذةً وجهة نظر شيكاجو، ومتناسيةً في هذه اللحظة مكانتَها وسط الطبقة الأرستقراطية في أوروبا: «لستُ متأكدة من ذلك؛ إن إنجلترا تستولي على مُعظم الأشياء التي يُمكنها الاستيلاء عليها، وهي لا تتورَّع عن نهْب منجم ذهب هنا وهناك، فلماذا إذن تتردَّد عندما تجد أمامها ذهبًا مسكوكًا بالفعل في هيئة عملاتٍ متداوَلة؟»

تابعت جيني بهدوء: «إنه أمر غير معقول بالمرة كي نتجادَلَ حوله، ومن ثمَّ لن نتحدَّث عن هذه الجزئية من الموضوع. يجب أن أذهب إلى إنجلترا على الفور. هيا لِنَعرف موعد مُغادرة أول قطار.»

احتجَّت الأميرة قائلة: «غير معقول! لماذا ستعودين إلى إنجلترا؟ أنتِ لم ترَي شيئًا من فيينا بعد.»

«أوه، يُمكنني رؤية فيينا في زيارةٍ أخرى؛ فلا بدَّ أن أصل إلى إنجلترا بهذا التقرير عن السرقة.»

«ألن تدفعَ لكِ جريدتُكِ ثمن إرسال برقيةٍ بمثل هذا الخبر المهم؟»

«بلى ستدفع بالتأكيد؛ لن تكون هناك صعوبة في ذلك، لكنني لا أجرؤ على الوثوق في مكتب البريد أو التلغراف في حالةٍ كهذه. فالشرطة تُراقبهما بكل تأكيد.»

«لكن ألا يُمكنكِ إرسالها بنظام التشفير؟ لقد اعتاد والدي دائمًا إرسالَ برقياته عبر التلغراف عن طريق التشفير؛ وهذا يُوفر الكثير من المال كما أنه يَحُول دون معرفة الآخرين أيَّ معلوماتٍ عن فحوى أعماله.»

«لديَّ نظام تشفير، لكني مُتردِّدة في الوثوق حتى بذلك.»

قالت الأميرة: «سأُخبركِ بما سنفعله، أُريدكِ أن تبقَي في فيينا.»

قالت جيني: «أوه، سأعود، لقد شعرتُ للتوِّ بروعة هذه المدينة المُبهِجة. وسأعود على الفور.»

«لا أستطيع أن أثق في أنكِ ستفعلين. فعندما تصلين إلى لندن ستمكُثين هناك. والآن، فقد أخبرتكِ باقتراحي، وستكون لهذا ميزة إضافية؛ توفيرُ يومٍ آخَر على جريدتكِ. سنُسافر معًا إلى إيطاليا؛ إلى البندقية، ومن هناك يمكنكِ إرسال البرقية المُشفَّرة بأمانٍ تام. وبعد ذلك تعودين معي إلى فيينا. وهناك شيءٌ آخر، تأكَّدي أن رئيس تحرير الصحيفة سيُريدكِ أن تمكثي هنا في قلب الأحداث لإعلامه بتطوُّرات هذا الموقف الخطير.»

تمتَمَت جيني: «هذه ليست بفكرةٍ سيئة؛ كم سنستغرق من الوقت للوصول إلى البندقية؟»

«لا أعرف، لكنني متأكدة من أنه سيُوفر ساعاتٍ من وقتكِ عمَّا لو سافرتِ إلى لندن. سأُحدِّد لكِ الوقت المُستغرَق بدقة في غضون لحظة.»

وافقت جيني على اقتراح الأميرة، وذهبتَا معًا إلى مدينة البندقية الساحرة. بحلول الوقت الذي وصَلَتا فيه إلى هناك، كانت جيني قد أتمَّت مقالها وكتبته بنظام التشفير، ثم أرسلت البرقية الطويلة عبر مكتب التلغراف بمجرد وصولهما إلى البندقية. كما أرسلت جيني إلى رئيس التحرير برقيةً خاصة تُوضِّح من خلالها عنوانَها في البندقية، وتُخبِره أيضًا عن سبب إرسال البرقية من إيطاليا بدلًا من النمسا أو ألمانيا. وفي المساء تلقَّت ردًّا من السيد هاردويك. وقال في البرقية: «هذا رائع؛ أشكُّ في إنجاز شيءٍ مثل هذا من قبل. سوف نُذهِل العالَم صباح الغَد. أرجو أن تعودي إلى فيينا؛ إذ إنني متأكد تمامًا — بما أنكِ قد اكتشفتِ كلَّ هذا الكَم من المعلومات — من أنكِ ستتمكنين من القبض على اللصوص. وهذا بالطبع ما يسعى إليه كل رجال الشرطة وجميعُ الصحف في أوروبا، لكنني مُتأكِّد من أنكِ ستتفوَّقين عليهم جميعًا.»

صاحت جيني وهي تُسلِّم البرقية إلى صديقتها: «يا للهول! يا له من عالَم مُزعج؛ لا يُوجَد شيء له نهاية. فكلُّ مهمة عملٍ تُؤدي ببساطة إلى أخرى. لقد اعتقدتُ أنني قد حصلتُ هنا على راحة جيدة لمدة شهرٍ على الأقل، ولكن بدلًا من ذلك، ها هم يُكلِّفونني بمهمةٍ إضافية. لقد أصبحتُ مثل الجِنِّي في الحكايات الخرافية: لم أَكَدْ أنتهي من مهمة مستحيلة حتى تُطلَب مني أخرى.»

«ولكن، كم سيكون رائعًا إذا تمكَّنتِ من اكتشاف اللص أو اللصوص.»

«نعم، كم سيكون رائعًا حقًّا! ولكنه أمرٌ لن يحدُث مطلقًا بدعوة الكثير من النساء المُسِنَّات لاحتساء الشاي، أليس كذلك؟»

«صحيح، لذلك علينا أن نُوجِّه ذكاءَنا معًا في اتجاهٍ آخر. اسمعي يا جيني، لديَّ من النفوذ ما يجعلني أُعيِّنكِ في الشرطة الخاصة. ما رأيُكِ في أن أُقدِّمكِ بوصفك مُحقِّقةً أمريكية مُتخصِّصة في حل الألغاز الغامضة؟ سيَسمح لكِ التعيينُ في الشرطة الخاصة بالدخول غير المُقيَّد إلى الجزء السرِّي من مبنى الخزانة. وستتمكَّنين من مُعاينة الغرَف التي تضرَّرت جرَّاء الانفجار، والاطلاع على ما توصَّلَت إليه الشرطة. ومع هذه المعلومات كبداية، قد نفعل شيئًا ما لحلِّ المشكلة.»

صاحت جيني بحماس: «سيدتي الأميرة؛ أنتِ مصدرُ إلهامٍ حقًّا! هذا بالضبط هو ما نحتاج إليه. لِنَعُد إذن إلى فيينا.» وبِناءً عليه، غادرت المُتآمرتان إيطاليا على متن القطار المسائي المُتجِه إلى النمسا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١