الفصل الحادي والعشرون

جيني تستعدُّ لموكب زفافها

تحرَّك القطار بسلاسةٍ وسرعة من كاليه إلى دوفر، ثم وصل إلى محطة تشارينج كروس في موعده بالضبط؛ حيث وجد اللورد دونال عربة خاله في انتظاره، وأثناء نزوله هو وجيني من القطار رأى الرجل العجوز يُمعِن النظر في وجوه الرُّكَّاب بحثًا عنه، وما إن رآهما السير جيمس حتى تقدَّم نحوَهما بلهفةٍ وشَدَّ على يدَي ابن أُخته مُصافحًا وهو يصيح:

«دونال؛ أنا سعيد حقًّا برؤيتك. هل كل أمورك على ما يُرام؟»

«على خيرِ ما يُرام خالي العزيز.»

«أنا سعيد لسماع هذا أيضًا، فقد بلَغَتنا بعض التلميحات المُقلقة للغاية من الشرق.»

«إنها تلميحاتٌ مُبرَّرة تمامًا، كما سأُخبرك لاحقًا؛ ولكن في هذه الأثناء خالي العزيز، اسمح لي أن أُقدِّم إليك الآنسة باكستر، التي منحتني شرَف خِطبتها لتُصبح زوجتي.»

احمرَّ وجه جيني خجلًا تحت ضوء المصباح الكهربائي عندما استدار الرجل العجوز بسرعة تجاهها. وأمسك السير جيمس بيدِها للحظاتٍ قبل أن يتكلم، وهو يُحدِّق فيها باهتمام. ثم قال بتأنٍّ: «حقًّا يا دونال، لطالما كانت لديك عينٌ ثاقبة تجاه الجميلات.»

صاح الشابُّ مُستاءً من صراحة خاله: «أظنُّ أن هذا ليس تصريحًا دبلوماسيًّا على الإطلاق كما تعلم.»

قالت الفتاة وهي تضحك في سعادة: «في الواقع، يا سير جيمس، هذا أكثرُ من مجرد تصريح دبلوماسي، إنه مُجاملة لطيفة، وأؤكد لك أنني أُقدِّرها. ففي المرة الأولى التي قابلَني فيها، كان يظنني شخصًا آخر تمامًا.»

أجاب الرجل العجوز: «إذن، أيًّا كان هذا الشخص يا عزيزتي، فأنا واثقٌ من أنها امرأة جميلة، ويجب ألا تُعيري كلامي اهتمامًا؛ فلا أحد يفعل، وإلا لأصبح لدونال شأنٌ آخر غير شأنه الحالي، ولكن يُسعدني أن أُخبرك أن الرحلة التي أتَمَّها الآن ستعود عليه بالنفع الكبير.»

قال الشاب، وهو ينظر إلى خطيبته: «أجل، يا خالي العزيز، هذا صحيح؛ لأنني قابلتُ في هذه الرحلة الآنسة باكستر، التي عانَيتُ فقدانها لبعض الوقت. والآن، أودُّ أن تُسديَ إليَّ معروفًا. هل تعرف السيد هاردويك، رئيس تحرير صحيفة دايلي بيجل؟»

«أجل أعرفه؛ لكنه لا يروقني، وكذلك صحيفته.»

«حسنًا، لن يُعجِب الروس أيضًا بعد ما فعله، وأودُّ فقط أن أُخبرك أنه لولا حُسْنُ تصرُّفه هو وأحد أعضاء فريقه، لكنتُ فشِلتُ في هذه المهمة. لقد خدَّرني رجال الشرطة الروسية ثم سرقوا الوثيقة. وشاهدَت الآنسة باكستر، التي كانت في القطار، كل ما حدث، ثم نجحت ببراعةٍ شديدة في استعادتها من اللصوص. لقد كنتُ مُلقًى على الأرض عاجزًا عن الحَراك وفاقدًا الوعي. فاستعادت هي الوثيقة وسلَّمتها إليَّ عندما عبرْنا الحدود، وتركَت في أيدي الروس مظروفًا مُشابهًا يحتوي على نسخةٍ من صحيفة دايلي بيجل؛ ولذا، أرى يا خالي العزيز، أنه إذا كان بإمكانك فعلُ أي شيءٍ مستقبلًا كي تردَّ الجميل للسيد هاردويك، فسوف تُساعد في سداد الدَّين الذي تدين به عائلتُنا له.»

«يا عزيزي، سيكون من دواعي سروري أن أفعل. أخشى أنني كنتُ مُزعجًا وفظًّا تجاهه. وأنا على استعدادٍ تامٍّ للذهاب إليه على الفور والاعتذار منه، إن كانت هذه رغبتك.»

صاحت جيني: «لا، ليس عليك الاعتذار؛ ولكن إذا كنتَ تستطيع مساعدته دون الإضرار بالمصالح الدبلوماسية، فسأكون مُمتنةً للغاية.»

قال دونال: «وأنا أيضًا.»

أخرج الرجل العجوز حافظة البطاقات الخاصة به، وكتب على ظهر بطاقته دعوةً وديَّةً إلى هاردويك يدعوه فيها إلى الحضور لمُقابلته، وسلَّمها إلى جيني قائلًا:

«أخبري السيد هاردويك أنني تُسعدني رؤيته في أي وقت.»

قال اللورد دونال: «والآن، يجب أن تَدَعينا نصطحبكِ إلى المنزل في العربة.»

«لا داعيَ لهذا. سوف أستقلُّ عربة أجرة، وأذهب مباشرةً إلى مكتب الصحيفة؛ لأن السيد هاردويك سيكون في انتظاري حاليًّا.»

«ولكن يُمكننا أن نوصلكِ إلى هناك.»

«كلَّا من فضلك.»

ثم صافَحَت السير جيمس وقالت، بأقل قدرٍ من التردُّد قبل أن تنطق الكلمة الأخيرة: «طابت ليلتُك خالي العزيز.»

حيَّاها الرجل العجوز: «طابت ليلتكِ يا عزيزتي، بارك الله فيكِ.» قالها بحنانٍ غير مُتوقَّع منه في ظلِّ مظهره الجليل والمهيب.

ساعد اللورد دونال خطيبته في أن تستقلَّ عربة أجرة رغم اعتراضه طوال الوقت على السماح لها بالخروج دون حماية.

فتمتَمَت جيني مُتجاهلةً اعتراضه: «يا له من عجوزٍ لطيف، أعتقد أنه لو كان السيد هاردويك قد سمح لي برعاية مصالح الصحيفة في وزارة الخارجية، عندها لم يكن السير جيمس ليُعاملني على نحوٍ مزعج.»

«إذا أقدَمَت وزارة الخارجية على فعل شيءٍ كهذا، فستُقابَل باعتراضٍ شديد من السلك الدبلوماسي؛ أتمنَّى لكِ ليلةً سعيدة يا عزيزتي.» وعلاوةً على ذلك، كرَّر ابنُ الأخت دعاءَ خاله.

توجَّهَت جيني مباشرةً إلى مكتب الصحيفة، وللمرة الأخيرة، صعدت السلالم، ودخلت مكتب رئيس التحرير حيث كان السيد هاردويك في مكتبه، وبمجرد أن رآها نهض سريعًا من كُرسيه عند رؤيتها. وصاح قائلًا: «ها قد عُدتِ؛ أظنُّ أن عدم إرسالكِ برقيةً يعني فشل مهمتكِ.»

«لا أعرف يا سيد هاردويك. إنَّ الأمر يتوقَّف على ما إذا كان هدفُك هو بالضبط ما أخبرتَني به أم لا.»

«وماذا كان ذلك؟ أعتقد أنني أخبرتكِ بأن رغبتي كانت الحصولَ على الوثيقة التي ستُنقَل من سانت بطرسبرج إلى لندن.»

«كلَّا؛ لقد قُلتَ إن الهدف هو إقناع السير جيمس كارديف، المسئول بوزارة الخارجية، بأن يتخلى عن عدائه تجاهك.»

«بالضبط، كان هذا هو الهدف النهائي، بالطبع.»

«حسنًا. اقرأ هذه البطاقة. لقد أعطاها لي السير جيمس في محطة تشارينج كروس قبل أقلَّ من نصف ساعة.»

أخذ رئيس التحرير البطاقة، وقلَّبها في يدَيه مرةً أو مرتَين، ثم قرأ الرسالة الودية التي كتبها الرجل العجوز على ظهرها.

صاح هاردويك: «إذن لقد نجحتِ، لقد حصلتِ على الوثيقة، ولكن لماذا أعطيتِها إلى السير جيمس بنفسك، بدلًا من السماح لي بتسليمها إليه؟»

أجابت جيني: «هذه قصة يطول شرحُها ولكن يُمكن تلخيصها كالتالي؛ إن السبب هو أن المبعوث الذي يحمل الوثيقة هو اللورد دونال ستيرلنج، وهو صديق قديم لي. والسير جيمس هو خاله، وقد وعدَ اللورد دونال بأنه سيُقنع الرجل العجوز بالتوقُّف عن منح أي مزايا للصحف الأخرى على حساب صحيفة دايلي بيجل. وأنا لم أُعطِ الوثيقة إلى السير جيمس، بل أعَدْتُها إلى اللورد دونال.»

قال رئيس التحرير مُتأملًا: «اللورد دونال ستيرلنج … اللورد دونال ستيرلنج، أين سمعتُ هذا الاسم من قبل؟»

«إنه عضوٌ في السفارة البريطانية في سانت بطرسبرج، لذلك ربما رأيتَ اسمَه في إحدى الإرساليَّات.»

«لا. إنه ليس مشهورًا مثل بقية الدبلوماسيين. حسنًا، أتذكر الآن؛ لقد التقيتُ المُحقِّقَ في ليلةٍ سابقة وسألتُه عما إذا كان قد توصَّل إلى نتيجةٍ في قضية تلك القصة الرومانسية في الأوساط الراقية التي طلبَ مُساعدتَكِ في حلِّها، فقال إنهم أوقفوا البحث عن السيدة المفقودة، وذكر اسم اللورد دونال ستيرلنج باعتباره الشابَّ الأحمق الذي انخرط في مطاردة المجهول.»

تغيَّرت ملامح جيني لسماع هذا ونهضت مُنزعِجةً وهي تصيح بانفعال: «قبل أن تقول أي شيءٍ آخرَ ضد اللورد دونال، أودُّ أن أُبلِغكَ أنني وهو سوف نتزوَّج.»

قال رئيس التحرير ببلادة: «أستميحكِ عذرًا، إذن، بعد أن فشل في العثور على الفتاة الأخرى، سارعَ إلى مواساة نفسِه ﺑ…»

قاطَعَتْه جيني قائلةً: «لم تكن هناك فتاةٌ أخرى. كنتُ أنا الشخص الذي يبحث عنه السيد كادبوري تايلور. لقد قدَّمتُ له عن طيب خاطرٍ مساعدة قيِّمة في مهمة عدم العثور على شخصي. ونظرًا إلى غباء الرجل، لم أجد صعوبةً كبيرة في تحقيق هدفي. لم يشك السيد تايلور ولا السيد هاردويك في أن الشخص المفقود كان موظفًا لديهما.»

صاحَ هاردويك: «حسنًا، أنا محظوظ إذن! فقد حيَّرتِ كادبوري تايلور في البحث عن نفسك، كما حيَّرتِني في الحصول على الرسالة الروسية. يبدو لي يا آنسة باكستر أنه حيثما تتعارَض مطالبُ أربابِ عملكِ مع ميولكِ، فإن مصالح أولئك تذهب سُدًى.»

«لم يدفع لي السيد كادبوري تايلور أيَّ شيءٍ مقابل خدماتي كمُحققة هاوية، ومن ثمَّ ليس لديه الحقُّ في التذمُّر. وبالنسبة إلى رحلة سانت بطرسبرج، فسأُرسِل لك شيكًا بجميع النفقات التي تكبَّدتها بمجرد وصولي إلى المنزل.»

قال السيد هاردويك مؤكِّدًا بجدية: «لقد أسأتِ فهمي، لم أُفكر حتى في التلميح إلى أن ما اكتسبتِه مرارًا وتكرارًا من الأموال التي دفعَتْها لكِ الصحيفة لم يكن عن جدارةٍ واستحقاق، إلى جانب أنني كنتُ أتوق إلى عودتكِ، فأنا أريد مساعدتكِ في حلِّ لغزٍ حيَّرنا جميعًا. إنَّ باريس في حالة اضطراب الآن بسبب …»

أطلقت جيني ضحكةً مجلجلة وقالت:

«سأذهبُ إلى باريس في غضون يوم أو يومَين يا سيد هاردويك لحلِّ لُغزِ تصميم فستاني، وأعتقد من نطاق معرفتي أنه سيتطلَّب اهتمامي الكامل. وما زلتُ مُصرَّة على ردِّ تكلفة رحلة سانت بطرسبرج، ففي النهاية، ثبَتَ أنها رحلة شخصية ولا يُمكنني التفكير في السماح للصحيفة بتحمُّل تكلفتها. لقد جئتُ الليلةَ فقط لتسليمك هذه البطاقةَ من السير جيمس كارديف، كما أنني وددتُ في تقديم استقالتي إليك شخصيًّا؛ ولذا، إلى اللقاء يا سيد هاردويك، وأشكرك حقًّا جزيل الشكر على منحي فرصةَ العمل في صحيفتك.»

قبل أن يتمكن رئيس التحرير من الرد، كانت قد غادرَت المكتب، فجلس ذلك الرجل الطيب على كُرسيِّه مندهشًا من مفاجأة الموقف؛ إذ كانت الغرفة تبدو فارغةً وكئيبة وتفتقر إلى حضورها.

فتمتمَ بصوتٍ خافت: «اللورد المُحيِّر دونال ستيرلنج!» وتابع بعد ذلك عمله الليلي كرئيس تحرير دون اكتراثٍ لما حدث.

•••

كان المُعتزَم أن يكون حفل الزفاف بسيطًا وهادئًا، لكن الظروف كانت أقوى من رغبة العروسَين. فاللورد دونال مشهورٌ جدًّا والعروس جميلة للغاية. واعتقد السير جيمس أن دعوة العديد من الشخصيات المعروفة أمرٌ ضروري، وألمح إلى اللورد دونال بأن شخصًا رفيع المستوى يرغب في تكريم الحفلِ بحضوره. ومن ثمَّ، أحدث الخبر قدرًا ضئيلًا من الضجَّة في هذا الوسط الأرستقراطي. وأكدت صحف المجتمع أن هذا الشخص المرموق كان مُمتنًّا للغاية إزاء بعض الخدمات الدبلوماسية التي قدَّمها إليه اللورد دونال مؤخرًا. ولكن على كل حال، لا يمكن للمرء أن يُصدق كل ما يقرؤه في صحافة المجتمع. ومع ذلك، حضر رجل ذو مرتبةٍ عالية، ولهذا قال الناس إن الشائعة ربما كانت تنطوي على شيء من الحقيقة. وبطبيعة الحال، كان هناك لفيفٌ كبير من السفراء والوزراء أضفى وجودهم فخامةً ورونقًا على الحفل في سانت جورج، بميدان هانوفر. وجاءت الأميرة فون شتاينهايمر في رحلةٍ خاصة من فيينا، وبهذه المناسبة أحضرَت الأميرَ معها. وكان الرأي العام هو أن العريس بدا رائعًا للغاية، وأن العروس، بملابس زفافها الفخمة، كانت أجملَ مَنْ في الحفل.

أما الأميرة فكانت مُتألقةً ومرحة للغاية، وتحدَّثت إلى صديقَيها القديمَين سفيرَي النمسا وأمريكا.

فقالت لسفير أمريكا: «أنا في غاية الأسف، لم يكن لديَّ الوقت للتحدُّث إليك في حفل دوقة تشيزيلهورست، حيث اضطُرِرتُ إلى المغادرة مبكرًا. وكان عليك أن تأتيَ إليَّ في وقتٍ أبكر. فقد كان الكونت هنا مُهتمًّا للغاية، وقد دارت بيننا محادثة مُمتعة، أليس كذلك يا كونت؟ برفقة اللورد دونال، كما قد تتذكَّر.»

أجاب النمساوي المُسن وهو ينحني: «أجل؛ لن أنسى أبدًا هذه المحادثة الشيقة التي أجريتُها مع سموكِ، وآمُل أنكِ — من جانبك — لم تنسَي الدعوة الودية التي وجَّهتِها لي لزيارة قلعتك مرة أخرى في ميران.»

«في الواقع يا كونت، أنت تعرف جيدًا مدى سعادتي برؤيتك في أي وقت، سواءٌ في فيينا أو في ميران.»

وظل السفير الأمريكي صامتًا، وهو ينظر بالتناوب إلى العروس والأميرة والحيرة تعتلي ملامحَه.

لقد برهنَ له لُغز حفل دوقة تشيزيلهورست على الكثير، مثلما برهنَ البحث عن السيدة المفقودة على الكثير للسيد كادبوري تايلور.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١