ظاهر مكة

كان وادي مكة خاليًا إلا من بعض مضارب الخيام حين أقام إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل، ولما جاءت جُرْهُم ثم خُزَاعة فأقامتا بالوادي، ثم لما تزوج إسماعيل من جرهم، لم يُقم أحد منهم جوار بيت الله بيتًا غيره، بل تركوه قائمًا يطوفون به أثناء النهار وزُلفًا من الليل، فإذا جنَّهم الظلام ذهبوا إلى الحِلِّ فقَضَوْا ليلهم فيه، كذلك تجري الروايات إذ تقص تاريخ مكة، وتزيد الروايات إلى ذلك أن قُصَيًّا — الجد الخامس للنبي — لما اجتمع له أمر مكة وأصبح الأمير المطاع فيها جمع قريشًا وأمرهم أن ينشئوا الدُّور فيها وأن يقيموا حول البيت ما شاءوا، وبنت قريش دورها حول الكعبة فلم يتركوا خاليًا إلا مكان الطواف بها، وتركوا بين كل دارين طريقًا ينفذ منه إلى المطاف، وسبقهم قُصيٌّ إلى البناء في جوار الكعبة، فأقام دار الندوة لأهل مكة جميعًا يجتمعون فيها يتحدثون ويتشاورون ويعقدون العقود ويتمون من أمورهم ما يريدون إتمامه.

أين كانت حدود الحرم أيام جرهم؟ وأين كان هذا الحِلُّ الذي يذهبون للمبيت به حتى أمر قصيٌّ بالبناء بالحرم؟ يتعذر اليوم تحديد ما كان ذلك عليه في الأيام الخالية، وإن قومًا ليذهبون إلى أن الحرم قد كان محصورًا إذ ذاك في حدوده المعروفة اليوم، والتي تعينها الأعلام القائمة على منافذ أم القرى، وهذه الأعلام قائمة اليوم في خمس جهات تحيط بمكة من نواحيها جميعًا، فثَمَّ عَلَمان عند الحُديبية، وهي التي يطلق عليها الشميسي في طريق القادم من جدة إلى مكة؛ وعلمان عند التنعيم في طريق القادم من المدينة إلى مكة، وعلمان عند الجِعْرانة في طريق القادم من العراق، وعلمان عند عرفة في طريق القادم من الطائف، وعلمان عند أضاءة في طريق القادم من اليمن، والأعلام التي يشهدها الإنسان اليوم أحجار متقنة النحت ترتفع عن الأرض قرابة متر وتقوم متحاذية على جانبي كل طريق من هذه الطرق، وتختلف أطوال المسافة من الحرم إلى كل واحد من هذه الأعلام، فعلما الحديبية يقعان على نحو عشرين ميلًا من المسجد الحرام، وعلما التنعيم يقعان على نحو ستة أميال منه، وعلما الجِعْرانة يقعان على مسافة ثلاثة عشر ميلًا، وعلما عرفة يقعان على ثمانية عشر ميلًا، وعلما أضاءة يقعان على اثني عشر ميلًا، فأما ما يجيء وراء هذه الأعلام إلى مواقيت الحج فذلك هو الحِلُّ، ومِن وراء الحل تمتد الآفاق إلى أقصى الأرض في مختلف بقاعها وقاراتها.

يذهب قومٌ إلى أن الحرم كان محدودًا من عهد جرهم بالحدود القائمة هذه الأعلام عندها، بل يذهب بعضهم إلى أن إبراهيم — عليه السلام — هو أول من نَصَبَ الأعلام تعظيمًا للبيت وتشريفًا، ويقول آخرون: إن إسماعيل بن إبراهيم هو الذي نصب هذه الأعلام، ويذهب قوم إلى أن قصيًّا هو الذي عين هذه الحدود حين أمر بالبناء حول الكعبة، ويقال: إن عدنان أول من وضع أنصاب الحرم، وإن قريشًا نصبتها بعد ذلك في عهد النبي وقبل هجرته من مكة، وفي قول يرجحه بعضهم أن النبي وضع حدود الحرم عام الفتح ونصب الأعلام حوله، ثم نصبها عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم معاوية بن أبي سفيان، ثم عبد الملك بن مروان، ثم المهدي العباسي، وقد أمر جماعة من الملوك والأمراء بتجديد هذه الأعلام بعد ذلك، وأحدث ما تذكره الكتب من تجديدها أنه كان في سنة ٦٨٣ﻫ بأمر المظفر صاحب اليمن، والحالة التي عليها الأعلام اليوم تدل على أنها جددت بعد ذلك غير مرة وأنها لا ترجع إلى أكثر من بضع عشرات من السنين.

فيما بين حدود الحرم ومواقيت الحج يقع الحِلُّ، وليس بين أعلام الحرم ومواقيت الحج أبعاد نائية إلا فيما بين مكة والجُحْفة، وفيما بين مكة وذي الحُلَيْفة، وتقع ذو الحليفة بظاهر المدينة، وهي ميقات أهل المدينة، منها أحرم الرسول وأصحابه حين خرجوا إلى عمرة القضاء، وحين خرجوا إلى حجة الوداع، أما الجُحْفة فتقع في منتصف الطريق بين مكة والمدينة، وهي ميقات المصريين والشاميين وكل من حاذاها في البر والبحر، أما ميقات العراقيين فذات عِرْق، على مقربة من الجِعْرانة، وأما ميقات النجديين فقَرْن المنازل، على مقربة من العُشَيرة، وأما ميقات أهل اليمن فيَلَمْلَم، وعلما أضاءة يقعان بينها وبين مكة، وهي لذلك تلي الجحفة في بُعْد مواقيت الحج عن مكة، وعند هذه المواقيت يُحرم المقبلون للحج ويظلون على إحرامهم حتى يدخلوا مكة ويتموا العمرة ثم يحلوا إحلال التمتع ما لم يسوقوا الهَدْيَ معهم ينحرونه، فمن ساق الهدي فقد وجب عليه أن يبقى على إحرامه حتى يتم العمرة والحج جميعًا قارنًا غير متمتع.

أما فيما خلال أشهر الحج فشأن ما بين المواقيت وأعلام الحرم كشأن الآفاق مما وراء المواقيت إلا لمن ذهب معتمرًا إلى مكة، فإنه يحرم من ميقات الحج إحرامه بالحج، ولا يحل إحرامه إلا إذا أتم عمرته.

وقد جعل كتاب الله حرم مكة من البيت العتيق إلى هذه الأعلام مثابة للناس وأمنًا، وحرَّم التعرض لصيده ولنباته وحيوانه، فلما أزمع رسول الله فتح مكة جعل كل همه أن يدخلها من غير أن يسفك دمًا، ولقد تم له ذلك، إلا ما سُفِك دفعًا لاعتداء جماعة من قريش على جيش خالد بن الوليد، فلما كانت الغداة من يوم الفتح قتلت خزاعة رجلًا من قريش وهو مشرك، فقام الرسول في الناس خطيبًا، وقال: «يا أيها الناس، إن الله حرَّم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة، فلا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا أو يعضد فيها شجرًا، لم تُحْلَلْ لأحد كان قبلي ولا تحِلُّ لأحدٍ يكون بعدي، ولم تُحْلَلْ لِي إلا هذه الساعة غضبًا على أهلها، أَلَا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشَّاهدُ منكم الغائبَ …»

كان حرم مكة إذن أمنًا من قبلُ إلى عهود بعيدة، يذكر بعضهم أنها ترجع إلى أيام إبراهيم وإسماعيل كما قدمنا، وكان شأن الحِلِّ في أشهر الحج كشأن الحرم مدى السنة جميعًا، وما رُوي عن سَرِيَّة عبد الله بن جحش يصور هذا الأمر خير تصوير، فقد بعثه رسول الله في رجب من السنة الثانية للهجرة على رأس جماعة من المهاجرين، ودفع إليه كتابًا وأمره ألَّا ينظر فيه إلا بعد يومين من مَسِيره، فيمضي لما أمره ولا يستكره من أصحابه أحدًا، وفتح عبد الله الكتاب بعد يومين فإذا فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا فامضِ حتى تنزل نَخْلَة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشًا وتعلم لنا من أخبارهم.» وما لبث عبد الله ومَن معه حين نزلوا نخلة أن مرَّت بهم عيرٌ لقريش تحمل تجارة عليها عمرو بن الحَضْرَمي، وكان يومئذٍ آخر رجب، ورجب من الأشهر الحرم، وتشاور المسلمون وقال بعضهم لبعض: «والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليَدْخُلُنَّ الحرم فليمتنعُنَّ، ولئن قتلتموهم لتقتلُنَّهم في الشهر الحرام.» وترددوا ثم شجَّعوا أنفسهم وأغاروا على المشركين وقتلوا عمرو بن الحضرمي وأسروا رجلين وعادوا إلى المدينة بالعير والأسيرين، فلما رآهم الرسول وعرف خبرهم قال لهم: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام.» ووقف العيرَ والأسيرين وأبَى أن يأخذ من ذلك شيئًا، وانتهزت قريش الفرصة فنادت في كل مكان: إن محمدًا وأصحابه استحلُّوا الشهر الحرام وسفكوا فيه الدماء وأخذوا فيه الأموال وأسروا الرجال، ولقد ظل المسلمون في حيرة من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه حتى نزل قوله — تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا.

الفرق بين الحَرَم والحِلِّ والآفاق إذن فيما خلا أمر الإحرام والمناسك، أن الحرم يحرُم فيه القتل والغزو والأسر طيلة العام، وأن الحِلَّ لا يحرم ذلك فيه إلا في الأشهر الحرم، في حين لا يحرم في الآفاق دم لم يحرِّم الله سفكه إلا بالحق، وحَرَمُ مكة فسيح كما رأيت؛ لذلك لا تشغل عمارة مكة منه إلا أقله، فأما ما وراء عمارة مكة إلى أعلام الحرم فذلك ظاهر مكة، ويعتبر أكثره من ضواحيها، وهو بعدُ بادية تتداول فيها الجبال والأودية تداولها في كثير من جهات البادية، وقلَّ أن تترامى فيه الصحراء تراميها في سائر أرض تهامة مما يلي البحر.

وهذا التداول بين الجبال والأودية وما يكون أحيانًا من ترامي الصحراء يجعل ظاهر مكة متغيرة ألوانه بتغير اتجاهه إلى الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، أضِفْ إلى ذلك أن به من الأماكن الأثرية على التاريخ ما جعلني أحرص على أن أَجُوس خلاله وعلى أن أقف على أسراره، وما وقفتُ عليه من مظاهره وأنبائه المتصلة بسيرة الرسول وبتاريخ الأيام الأولى التي سبقت الإسلام والتي عاصرته هو الذي أدَّى بي إلى كتابة هذا الفصل، كما أدَّى بي إلى كتابته ما أدركته من وحي البادية إلى العرب الأولين فيما خلفوا لنا من صور الشعر وأخيلته.

أقرب أعلام الحرم إلى مكة علما التَّنعيم، ويخرج الإنسان إلى التنعيم من مكة في طريق القوافل إلى المدينة، وقد أُطلق على هذا المكان اسم التنعيم لاعتبارات تاريخية يسوقها واضعو تاريخ مكة ويختلفون عليها، وأشهرها أنه يقع بوادٍ يقال له: نَعْمان محصور بين جبلين اسم أيمنهما ناعم واسم الأيسر نُعَيْم.

ولعل أشهر حادث في تاريخ جهاد المسلمين على عهد النبي وقع عند التنعيم مقتل خُبَيْب بن عَدِيٍّ، وخبيب أحد المسلمين الستة الذين بعثهم النبي من المدينة في السنة الثالثة من الهجرة إجابة لطلب رهطٍ من هُذَيْل ليعلِّموهم شرائع الإسلام ويُقْرئوهم القرآن، وسار خبيب مع الرهط حتى بلغوا ماءً لهذيل بالحجاز بناحية تُدْعَى الرَّجِيع، هنالك خرج عليهم من هذيل رجال بأيديهم السيوف وأرادوا أن يذهبوا بهم إلى مكة أسرى، فأبى المسلمون وقاتلوا هُذَيْلًا حتى قُتِل أربعة منهم وأُسِر الرجلان الباقيان، وأحدهما خبيب بن عدي، وذهبتْ هُذيل بهما فباعتهما من قريش، إذ كانت لا تزال في نشوتها بيوم أُحُد.

أما صاحب خبيب فقتل بمكة، وأما خبيب فخرج به القوم إلى التنعيم ليصلبوه، وصلَّى ركعتين ثم رفعوه إلى خشبة وأوثقوه إليها، فنظر إليهم بعينٍ فيها الغضب وصاح: «اللهم أَحْصِهَمْ عددًا، واقتلهم بَدَدًا، ولا تُغادر منهم أحدًا.» وأخذت القوم الرهبة من صيحته، فاستلْقَوا إلى جُنُوبِهم حذرَ أن تصيبهم لعنته ثم أنهضهم البغيُ فقتلوه وهو موثق مكانه.

أما الذكريات الدينية المتصلة بالتنعيم فأشهرها عمرة عائشة أم المؤمنين، رُوي عن النبي أنه قال لعبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق: «أَرْدِف أُختك عائشة — فأَعْمِرْها من التنعيم، فإذا هبطت بها الأكمة فمُرها فلْتُحْرِم فإنها عمرة مُتَقَبَّلةٌ»، وفعل عبد الرحمن، وأحرمت عائشة من التنعيم وطافت وسعت بعمرة، وقد بُنِي مسجد هناك باسم مسجد عائشة، ذكر صاحب مرآة الحرمين أن آخر من جدَّده السلطان محمود في سنة ١٠١١ﻫ، وخلف المسجد حوضٌ لخزن المياه، وصهريج كبير قديم كان يمتلئ من السيول ويتوضأ منه المعتمرون، ثم تُخُرِّب فأصلحه الوزير سنان باشا في سنة ٩٧٨ﻫ، وأصلح بئرًا قريبة منه وأقام عليها ساقية، لكن الصهريج والبئر أُهْمِلَا وعفَّت عليهما يد الزمن.

ولما بنى عبد الله بن الزبير الكعبة بعد مهاجمة الحصين بن نُمير قائد يزيد بن معاوية إياه وتوهينه البيت، خرج مع أهل مكة في ليلة الإسراء في السابع والعشرين من شهر رجب لسنة أربع وستين من الهجرة، فأحرموا من التنعيم وذبح مائة بَدَنَة، وذبح كل واحد على قدر سعته، وقد بقيت هذه عادة أهل مكة إلى اليوم.

والمقيم بمكة إذا فرض الحج أحرم من بيته بمكة ثم صعد إلى عرفات وعاد بعد الحج فطاف وسعى، ذلك أن الحج عرفة، فالإحرام للحج إنما يكون من مكة، إلا حاج جاءها يسوق هديه معه، أما من اعتزم العمرة وهو مقيم بمكة فقد وجب عليه أن يغادر مكة إلى الحِلِّ فيحرم منه، والتنعيم أفضل أعلام الحرم بعد الجِعْرانة؛ ذلك أن عائشة أحرمت معتمرة من التنعيم، أما الجِعْرانة فقد أحرم منها رسول الله بعمرة، على ما ورد في كثير من الروايات.

ويقع التنعيم اليوم بظاهر مكة على الطريق إلى المدينة كما قدمنا، ويمتد الطريق بعد التنعيم إلى وادي فاطمة مارًّا بِسَرِف حيث بنى رسول الله بميمونة بعد عمرة القضاء، وتذهب أنباء السلف إلى أن قرية تُدْعَى يأجَج كانت قائمة عند التنعيم، كما أن سَرِف كانت قرية كذلك، فأما اليوم فليس عند التنعيم غير العلمين، عَلَمَي الحرم، وليس عند سرف شيء يدل عليها غير مسجد ميمونة، وأنت تسير من مكة إلى وادي فاطمة فلا تكاد ترى مظهرًا لحياة فيما قبل هذا الوادي، بل تحيط بك الجبال والأودية منسابًا بينها الدرب الذي تسير فيه القوافل صوب المدينة، وهذه القوافل تكثر أيام الحج كثرة تجعلك تلقاها كلما خرجت إلى هذا الطريق.

ويذهب أهل مكة إلى التنعيم كما يذهبون إلى الشهداء والزاهر للرياضة، والطريق إليها ميسور في السيارة، ولقد ذهبتُ إليها غير مرة أستمتع بهواء الصحراء الصفو ساعة المغيب، كما ذهبت بعدها إلى سرف وإلى وادي فاطمة، فرأيت من حياة الصحراء ومن حياة البادية غير ما رأيت من حياة الصحراء في مصر، وما كان مقدمة لما رأيت من حياة البادية بالطائف وفيما حول المدينة، وقد كشفتْ لي حياة البادية هذه من وحيها لشعراء العرب في الماضي ما لم تكشف الكتب التي درست فيها الأدب العربي، فبدت لي معانيه في وضوحٍ شعرتُ به مذْ رأيت حياة البادية بعيني وأحسستها بجوارحي إحساس بدويٍّ يسير مع أهل الحجاز ويعيش عيشهم، ولقد آمنت بعدَ الذي رأيت من ذلك بأن الشعر ثمرة بيئته حقًّا، وأن الفنَّ والأدب هما أصدق صورة للبيئة التي ينشأان فيها.

لي بمصر صديق مُدَلَّهٌ بالأدب شديد الإعجاب بأبي نواس كثير الترديد لبيت له يتهَكَّم فيه بشعراء العرب الأولين، ذلك قول ابن هانئ:

قلْ لِمَن يبكي على رسمٍ دَرَس
واقفًا، ما ضَرَّ لو كان جَلَس؟!

وكنتُ أشارك صديقي في الإعجاب بهذا البيت وبدقة النكتة وبالتهكم اللاذع فيه، فلما خرجت إلى التنعيم ثم إلى سرف وإلى وادي فاطمة ورأيت القوافل متجهة صوب المدينة ورأيت إبلًا تنقطع عن القافلة وتسير فُرادى وعلى هُون، ذكرت هذا البيت من شعر أبي نواس فلم يُثِرْ مني إعجابًا ولا طربًا، بل سخرتُ منه ومن أبي نواس، فهذه البادية المترامية الأطراف يرتحل أهلها البدو من مكان إلى مكان، يضربون خيامهم إذا نزلوا، فإذا ارتحلوا دَرَسَ رَسْمُهم، ليس فيها معنى أبعث للتشوق وللحنين من هذه الرسوم الدوارس، كانت إلى أمس عامرة بمن جاء إليهم هذا السائر على بعيره يحثُّ مطيته من بعيد وقد براه الشوق إلى محبوبته، وها هو ذا يراها اليوم خلاءً تحمَّل أهلها ولم يتركوا بعدهم أثرًا، ماذا تراه يصنع وقد ذهب أمله في لقاء المحبوب هباء؟ أفيجلس ليبكي؟ أم هو يقف ساعة ثم يستحثُّ بعيره قافيًا أثر هؤلاء الذين جاء في طلبهم، وليس أمامه في هذه الساعة التي يقف فيها من يتحدَّث إليه أو من يُسائله إلا هذا الرسم الدارس يبثُّ له شوقه ويُعلن إلى صمت البادية عنده وجده؟! وهو فيما يفعله من ذلك صادق العاطفة بليغ التعبير عنها.

من عيون قصائد الشاعر الفرنسي «لامارتين» قصيدة البُحيرة، وأبدعُ ما في هذه القصيدة تَحْنانُ الشاعر لأيام كانت تجيء فيها محبوبته إلى شواطئ هذه البحيرة، بحيرة ليمان، فتقف معه عندها، ويستلهمان معًا وحيها، وتوحي إليه هي مزيدًا من المتاع بجمالها، والبادية والرسم الدارس فيها، والحنين إلى من تركوا وراءهم هذا الرسم حين ارتحلوا، والشدو بما خلفوا وراءهم في قلب المُحِبِّ من لوعة، لا يقلُّ في بهاء روعته الشعرية عن البحيرة وموجها والجبال المحيطة بها والسماء المطلة عليها، فإذا تحدَّث بعد ذلك عن هذه الرسوم الدوارس مَن لم يشهدها، بل تحدث عنها مُقَلِّدًا، فمَثَلُه في ذلك كمثل مَن يتحدث عن البحيرة مقلدًا «لامارتين» من غير أن يشعر بشعوره، أما وحي البادية البديعة في صفاء جوها ورهبة صمتها وموج رملها وتتابع هضابها وجبالها، فمما يلهم الشاعر الصادق العاطفة عيون الشعر وغُرَر الصور والإحساس والمعاني.

اجتازت السيارة بنا يومًا عَلَمَي التنعيم قاصدة وادي فاطمة، وظلت في مسيرها حتى بلغت بنا سرف ووقفت منه عند مسجد ميمونة أم المؤمنين، وقلَّ من يعرف اليوم اسم «سرف» أو يُطلق على المكان اسمًا غير مسجد ميمونة، فقد درس هنالك كل ما سوى المسجد، ولم يبق من المسجد إلا أطلال دوارس، وتخطت السيارة القوافل القاصدة إلى المدينة وانفسح أمامنا وادٍ تموج جنباته بالرمال وتقوم الهضاب على جانبيه، وتمهَّلت السيارة حينًا، فأدرتُ البصر فيما حولي، ما أجمل هواء الصحراء! وما أجمل هذا الفضاء المترامي صمته فلا نسمع فيه هسيسًا أو نبأة!

كم مرَّ ها هنا من أقوام لم يذروا من بعدهم أثرًا نذكره، وكان لهم على الحياة من فسيح الأمل ما لنا اليوم، وسنقْضِي كما قَضَوْا، وسيمرُّ بعدنا من يقول عنا ما نقوله عمَّن قبلنا، لكن التاريخ لا ينسى قومًا مروا بهذا المكان آتين من المدينة معتمرين يريدون بيت الله ثم صدَّهم المشركون عنه وكادت الحرب تنشب بينهم حتى عقد رسول الله معهم عهد الحديبية، ولكن التاريخ لا ينسى هؤلاء القوم حين جاءوا بعد ذلك بعام فدخلوا مكة وطافوا بالبيت وأتموا مناسك عمرة القضاء وأقاموا بمكة ثلاثة أيام والرسول على رأسهم، ولا ينسى أن قريشًا جلت أثناء هذه الأيام الثلاثة عن مكة نزولًا عن حكم العهد الذي وُقِّع بالحديبية في العام الذي قبله، وبعد ثلاثة الأيام خطب رسول الله ميمونة إلى عمه العباس، ثم جاء بها بِلَالٌ إلى سرف فبنى محمد في خيامه بها، والتاريخ لا ينسى عشرة آلاف من المؤمنين جاءوا بعدَ ذلك بسنتين ومحمد على رأسهم يغُذُّون السير ليفتحوا مكة، فيدخلونها ولم يلتحموا في حرب ولم يسفكوا دمًا.

والتاريخ لا ينسى بعد سنتين أُخْرَيَيْن مائة ألف من المسلمين مرُّوا بهذا المكان والرسول على رأسهم وقد فرضوا حج البيت على أنفسهم، ولا ينسى طوافهم وسعيهم ووقوفهم بعرفة وقضاءهم مناسك الحج جميعًا، نعم! لا ينسى التاريخ أولئك المسلمين الأولين الذين مروا بهذا الدرب آتين من المدينة؛ لأنهم هم الذين فتحوا مكة، وهم الذين قضوا على عبادة الأوثان، وهم الذين أقروا التوحيد في العالم، ونحن الذين نسير اليوم في عشرات الألوف وفي مئات الألوف من كل عام متخذين هذا الدرب الذي مروا به طريقنا بين مكة والمدينة إنما نسير على نهجهم، نبتغي أداء فرض الحج ليغفر الله لنا ذنوبنا، لا نريد بمسيرنا غزوًا ولا فتحًا، ولا نخاف أن تصْمُد قريش لقتالنا لتصدنا عن بيت الله، ما أعظم الفرق بين مسيرنا ومسير أولئك المسلمين الأولين! هو الفرق بين المجاهد الذي يفتح الطريق عنوةً، مخاطرًا بحياته، غير مبالٍ يُتْمَ أولاده وحزن ذويه وشقاءهم، ومن يسير في الطريق الذي عَبَّده المجاهد، لا يخشى أن يصيبه من بأساء الحياة وضرائها إلا ما يصيب غيره، دون أن يكون له في ذلك فضل الجهاد وفضل الإقدام.

وحين بلغنا سرف نزلنا من السيارة وزُرنا مسجد ميمونة، وهو قائم اليوم وسط الصحراء في عزلة الناسك، إلا أن يزوره من يقصد إلى زيارته، فأما قبل أن يحل النجديون بالحجاز ويتولَّوْا حكمه فقد كان أهل مكة يزورون هذا المسجد زَرَافَات ويقيمون حوله ويشربون من البئر المقابلة لبابه في الثالث عشر من شهر صفر من كل عام، وكانت أنباؤهم تدعو كثيرين من الحجيج إلى زيارته تبركًا بقبر أم المؤمنين ميمونة، فلما حَلَّ النجديون بالحجاز واحتلوا مكة كانت القبة القائمة على هذا القبر بعض ما هَدَموا، وكان تحريم زيارة القبر والتبرك به بعض ما صنعوا؛ لذلك انصرف الناس عن زيارة القبر والمسجد، وأصبح هذا المكان خلاءً لا يكاد ينزله إلا من قصد إلى الوقوف عنده ومعرفة أمره.

ومسجد ميمونة أفسح من مساجد مكة، وهو خير منها نظامًا وأجمل بناء، وجدرانه من الخارج تشهد بأن عمارته ليست بالغة في القدم؛ فقد حاولتُ أن أَقِفَ على تاريخ بنائه فلم أجد في الكتب القديمة شيئًا عنه، وكل ما رواه الأزرقي في كتابه «أخبار مكة» عن قبر ميمونة قوله: «قال أبو الوليد: وقبر ميمونة بنت الحارث الهلالي زوج النبي وهي خالة عبد الله بن عباس، على الثنية التي بين وادي سرف وبين أضاءة بني غِفَار، ماتت بسرف فدُفنت هنالك.» وكانت وفاة الأزرقي في القرن الثالث للهجرة، ولم يذكر الأزرقي ولا ذكر الذين جاءوا من بعده ممَّن دوَّنوا تاريخ مكة ما يدل على وجود مسجد على قبر ميمونة في أيامهم؛ فلا عجب أن يكون المسجد قد استُحدِث في عهد متأخر، وأن تكون القبة قد بُنيت على القبر للتبرك في العصر الذي أصبح التبرك بالقبور وبناء القباب فوقها والمساجد حولها بعض ما يؤمن به جماعة من المسلمين.

ويرتفع مسجد ميمونة عمَّا أمامه من أرض البادية، ولكنه يتصل في ارتفاعه بما خَلْفَه من هضبة، لا ريب أنها الثنية التي أشار إليها الأزرقي إن كان المسجد قد بُني فوق القبر حقًّا، وأغلب الظن أنه بني فوقه، ويصعد الإنسان إلى باب المسجد بضع درجات فيجد الجُدُر مما حوله أرفع من جدر مساجد مكة، ويرى في شُرف البناء حلية من أقواس صغيرة متتابعة تعيد إلى الذاكرة الطراز العربي، ثم يرى أمامه عقدين من ورائهما المحراب، ومن وراء المحراب القبر مكشوفًا إلى السماء بعد أن هدمت القبة التي كانت فوقه، وليس يفرش أرض المسجد حصير ولا فرش أيًّا كان نوعه، مما يدل على أنه غير مقصود، فشأنه في ذلك شأن غيره من المساجد خلا المسجد الحرام.

وعدنا إلى السيارة فانطلقت بنا في الطريق بين المسجد والبئر، وبلغت بنا وادي فاطمة بين العصر والمغرب، تباركتَ ربي! هذا اليوم الذي جئنا فيه إلى هذا الموضع هو يوم السبت الرابع عشر من شهر مارس، ثمانية عشر يومًا قد انقضت إذن منذ غادرتُ مصر. وها أنا ذا لأول مرة من يومئذٍ أشعر بنشوة الطرب لمرأى الخضرة الناضرة والزرع البهيج، نعم! فالوادي الذي كان أجرد قاحلًا قد استحال جنةً يانعة تجري فيها جداول المياه، وتقوم على جانبيها زروع مختلفة من نبات وشجر، وتتنفس خضرتها عن ابتسامة عذبة تهَوِّن من وحشة الرمال والهضاب التي كانت تحيط بي مذ هبطتُ الحجاز، لقد شعرت لمرأى النبات في هذا الوادي كأنما وجدت شيئًا فقدته، وأحسستُ ما يحسه أبناء مصر — بلد الخصب والنماء — من الشوق والوحشة إذا التمسوا مظاهر الخصب والنماء فلم يجدوها! وعلى حافة وادي فاطمة قامت أكواخ كأكواخ أهل العِزَب من سكان مصر، وأحسنَ أبناءُ هذه الأكواخ استقبالَنا حين سِرْنا في حذرٍ على حافة الجدول نستنشق عبق الخضرة والحياة، فجاءوا لنا برداءٍ جلسنا عليه، ودعَوْنا إلى قهوة اعتذرنا عنها شاكرين، ووضعتُ في الجدول يدي وأنا بمجلسي على الرداء كأني في ريب من مسيل الماء فيه، أو أني أردت أن أضيف إلى شعوري المعنوي بالمسرَّة شعورًا ماديًّا بمصدر هذه المسرَّة، وجاء أحد الغلمان من أهل الوادي بأبراج من قطن قيل لنا: إنهم يزرعونه، وذكروا لنا أنهم يبعثون بالكثير مما يُنبِتون من الخضر إلى مكة، وأما ما يُنبِتون من الفاكهة فقليل.

وأقمنا زمنًا على حافَّة الجدول، ثم قمنا ندور في أنحاء هذه الحقول حتى آذنت الشمس بالمغيب، هنالك استأذَنَّا القوم وعدنا إلى سيارتنا فأقلتنا إلى مكة، ولَشَدَّ ما كان اغتباطنا حين سمعنا ونحن على مقربة من التنعيم غناءً مصريًّا تردِّدُه قافلة تقصد المدينة على طريقة غناء الحجاج، فلما جاوزنا التنغيم ألفيتُني فَرِحَ القلب بما رأيت من ماء وخضرة وما سمعت من غناء، وإن كان الماء جدولًا وكانت الخضرة قليلة ولم يكن في ترجيع الغناء من سبب للطرب إلا أنه مصري، ما لي لا أقنع بالقليل يوم أحصل عليه؟! بل ما لي لا أجد فيه غاية النعمة ولذاذة العيش؟! أليس هذا القليل خيرًا من كثير تغصُّ به النفس؟! وكثيرًا ما يورثها الملال.

•••

أدنى أعلام الحرم إلى مكة بعد التنعيم عَلَمَا الحديبية وعَلَمَا الجِعْرانة، وقد مررت بعَلَمَي الحديبية ليلًا حين مجيئنا من جدة إلى مكة أول ما وصلنا الحجاز محرمين، ثم مررنا بهما بعد ذلك نهارًا في طريقنا من مكة إلى جدة لنتخذ طريقنا منها إلى المدينة، والطريق بين مكة وجدة عامر بالمارَّة أكثر مما سواه من الطرق؛ لكثرة المتنقلين بين البلدين من أهل الحجاز، بَلْهَ الحجاج؛ لذلك يمر الإنسان في الطريق من مكة إلى الحديبية بمشرب قهوة يقف عنده بعضهم إذ يخرجون من مكة يستنشقون هواء الصحراء، فأما ما بعد مشرب القهوة فالرمال والهضاب حتى نصِلَ الحديبية، هنالك يجدُ الإنسان فندقًا من الفنادق التي أقامتها حكومة الحجاز لينزل بها من شاء، واسم الفندق أدنى هنا إلى المجاز منه إلى الحقيقة، فتلك منازل قائمة في الصحراء بها غرف ضيقة، في بعضها فرش لمن أراد النوم، ولعل فندق الحديبية من خيرها، ومن بعد الفندق وعلى مسافة غير قليلة منه يجد الإنسان مسجد الرضوان، وهو مربع مكشوف نصفه إلى السماء، مسقوف نصفه الآخر بعقود الحجر تقوم على ثلاثة عُمُد، وقد كُتبتْ بأعلى محرابه هذه العبارة: «هذا مسجد بيعة الرضوان، مأثُرة من مآثر حبيب المنَّان، عمَّره الفقير إلى رحمة الرحمن، المغفور له السلطان محمود خان سنة ١٢٥٤ﻫ.»

وتجري الرواية بأن هذا المسجد أقيم في الموضع الذي كانت تقوم فيه الشجرة التي بايع المسلمون رسول الله تحتها بيعة الرضوان، وقد أمر عمر بن الخطاب بقطع هذه الشجرة من خوف أن يفتتن المسلمون بها لوُرُود ذكرها في القرآن فيتخذوا منها مَنْسَكًا من المناسك يحجُّون إليه، وكان عمر — رضي الله عنه — حريصًا غاية الحرص على أن يظلَّ التوحيد في صفائه لا تشوبه شائبة، ولا يرضى أن يُسبِغ المسلمون على هذه الأماكن من التقديس ما يُخاف معه الشرك، ولا يرضى أن يكون التقديس لمكان غير بيت الله، وألَّا يحج المسلمون إلا إياه.

ولقد وقفتُ عند مسجد الرضوان هذا، وجعلتُ أصوِّر لنفسي موقف المسلمين الذين صحبوا محمدًا قاصدين العمرة، ثم بايعوه في هذا المكان على جهاد المشركين، وأذكر ما كان من سياسة محمد مع ذلك وحرصه على السِّلْم حتى كان عهدُ الحديبية فتحًا مبينًا، فقد جاء المسلمون معه يريدون الطواف بالبيت معتمرين، فلما سمعت قريش بمسيرهم قرَّرَتْ أن تحُولَ دون دخولهم مكة، حتى لا يقال: دخلها محمد عليهم عنوة، وعقدت لخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل على جيش يبلغ عدد فرسانه وحدهم مائتين، وتَراءَى الجَمْعان، وأبدى المسلمون استعدادهم للقتال، ولكن النبي لم يخرج غازيًا بل خرج حاجًّا، وهو قد خرج مسالمًا لا يريد حربًا؛ لذلك انحرف بمن معه عن طريق مكة وساروا حتى بلغوا الحديبية وهنالك نزلوا، وأوفدت إليه قريش من يسأله: ما الذي جاء به؟ ولم يُعجب قريشًا أن اقتنع رُسُلُها بأنه جاء حاجًّا لا يريد حربًا، بل أوفدت غيرهم ثم غيرهم.

ورأى رسل قريش تحَفُّز المسلمين للحرب لولا حِرْص النبي على السلم، لكنهم لم يستطيعوا إقناع أهل مكة بما رأوا، هنالك أرسل النبي عثمان بن عفان سفيرًا إلى أهل مكة، وغاب عثمان عندهم حتى ظن المسلمون وظن النبي أنه قُتِل، وعظُم عليه هذا الغدر من قريش، فدعا أصحابه إليه وقد وقف تحت شجرة في الوادي فبايعوه جميعًا على ألَّا يفرُّوا حتى الموت، وهنا كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، ولما أتم القوم البيعة ضرب — عليه السلام — بإحدى يديه على الأخرى بيعة لعثمان كأنه حاضر معهم بيعة الرضوان، وإن المسلمين لينتظرون يوم الظفر أو يوم الاستشهاد إذ عَلِموا أن عثمان لم يُقْتَل، ثم جاءهم عثمان يروي نبأ قريش وأنهم أيقنوا أن النبي وأصحابه إنما جاءوا حاجين معظمين للبيت، لكنهم وقد تأهبوا للقتال لا يستطيعون أن يدعوه يدخل مكة أو تتحدث العرب بأنه دخلها عنوة بعد أن هزمهم، وبذلك تسقط في نظر العرب مكانتهم؛ لذلك هم يُصِرُّون على موقفهم منه، موقف الخصومة إلى أن يجدوا من خوف العار مخرجًا، وتفاوض رُسُل قريش مع الرسول وانتهَوْا إلى عهد الحديبية أن تتهادن قريش والمسلمون، وأن يرجع محمد وأصحابه عن مكة هذا العام على أن يعودوا إليها في العام الذي يليه فيدخلوها ويقيموا بها ثلاثة أيام.

جعلتُ وأنا بموقفي من مسجد الرضوان أُصوِّر لنفسي هذا الموقف من مواقف رسول الله، فيبلغ مني الإعجاب بالحكمة السياسية التي أمْلَت عليه خطته، والتي جعلته يرغب عن القتال ويحرص على السلم، ويبلغ من ذلك حتى يغضب عمر بن الخطاب — على قوة إسلامه وعظيم إيمانه، ثم تشهد الحوادث بأن خطته كانت الحكمة حقًّا، وأن ما أغضبَ عُمَر وكثيرين من أصحاب الرسول مِن طُول أناته، وعظيم صبره، وجميل محاسنته لخصمه، إنما كان الفتح المبين الذي مهَّد للإسلام أن يزداد انتشارًا وللمسلمين أن يفتحوا مكة بعد عامين اثنين من صلحهم، وكذلك كان عهد الحديبية حجرًا لا ينقض في سياسة الإسلام والمسلمين.

وتقع الجِعْرانة إلى الشمال الشرقي من مكة، على حين تقوم الحديبية إلى الغرب المنحرف شمالًا منها، ويقع طريق التنعيم وسرف ووادي فاطمة وما وراء ذلك فيما بين الحديبية والجِعْرانة، والذاهب إلى الجِعْرانة ينحرف عن طريق السيارة إلى الطائف مغرِّبًا إلى الشمال بعد أن يبلغ من طريق الطائف منتصف ما بين حِراء والشرائع، ولا يشير كثيرون إلى الجِعْرانة على أنها من أعلام الحرم؛ لأنها لا تقع على طريق متصل بما وراء الحجاز من بلاد يقام لأهلها ميقات الحِلِّ؛ كي يحرموا عنده حين مجيئهم إلى مكة معتمرين، لكن ما بقي للجِعْرانة على التاريخ من ذكر، وما كان من إحرام الرسول منها عام حُنين إحرام العمرة، قد جعلها أفضل مكان في حرم مكة للإحرام بالعمرة؛ مِن ثَمَّ كان الحديث عن حرم مكة وأعلامه لا يتم إلا إذا تناول الجِعْرانة، وكان المؤرخ الذي يسير في أثر الرسول وينسى الجِعْرانة قد نسي موقعًا في تاريخ الإسلام مذكورًا، وهذا ما استحثني للذهاب إليها والوقوف عندها والشرب من مياه بئرها، والتصعيد في الهضاب المحيطة بها.

روى الأزرقي في «تاريخ مكة» أن النبي لما غزا حُنَينًا وحاصر الطائف ثم رجع منها انثنى في طريقه نحو مكة إلى الجِعْرانة، «فقسم بها مغانم حُنين في ذي القعدة ثم دخل مكة ليلًا معتمرًا فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة من ليلته، ومضى إلى الجِعْرانة فأصبح بها كبائتٍ، فأنشأ الخروج منها راجعًا إلى المدينة، فهبط من الجِعْرانة في بطن سرف»، حتى لقي طريق المدينة من سرف، وذكر الفاسي في «شفاء الغرام» أن النبي أحرم من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالجِعْرانة، ولم يَجُز الوادي إلا محرمًا، وذلك لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة، وأن أهل مكة يحرمون كل عام من الجِعْرانة ليلة سبع عشرة من ذي القعدة، وربما أحرموا منها العشيَّ في السابع عشر إذا خافوا من الإقامة بها إلى الليل.

وبالجِعْرانة مسجد يُقابل البئر، وهو مسجد من طراز مساجد مكة، وقد ذكره الأزرقي في تاريخه، فدلَّ بذلك على قِدَمه، وأضاف أن عُمرة النبي قد كانت من المكان الذي يقوم المسجد اليوم به، وأنه خرج في عمرته هذه إلى مكة ليلًا وأصبح بالجِعْرانة كبائت؛ لذلك خفيت هذه العمرة على كثير من الناس.

ومسجد الجِعْرانة اليوم أدنى إلى أن يكون أثرًا، أما بئرها فمعنيٌّ بها، أقيم بناء مستدير حول فوهتها، وعُلقت فيها دلو يشرب الناس منها، وذلك أن ماء هذه البئر عَذْبٌ ليس كمثله بمكة ماء، والموسرون من أهل مكة يؤثرونه على ماء زُبَيْدة ويجيئون به إلى دورهم؛ لأنه أصلح من كل ماء غيره، وأشهد إنهم لصادقون، فلطالما شربت من هذا الماء بمنزل مضيفي فلذَّتْ لي عذوبته وأعجبتني رِقَّتُه.

والطريق من مكة إلى الجِعْرانة طريق صالح للإبل وللسيارات جميعًا، يخرج الإنسان من مكة حتى يحاذي حراء ويكون في أول طريق منًى، هنالك ينعطف يسرةً بين الجبال دائرًا حول حراء، ولقد استمهلتُ السائق فسار مبطئًا في هذا المنعرج كيما أملأ ناظري من جبل النور في عزلته، ولمَّا أكن قد صعدت إليه، وكان لي بالوقوف أمامه وبالتحديق فيه من الشغف ما ازداد بعد أن وقفتُ أمام الغار الذي نزل الوحي الأول على الرسول فيه.

ثم انبعثت السيارة في طريقها بين الجبال حتى نفذت بنا إلى فرجة وادٍ ضيِّق نَمَتْ فيه أعشاب اتخذت منها الإبل مرعاها، فهي تمرح منها في كلأ تجد فيه الشبع والنعمة، وهي تسير أسرابًا في رعيها لا يحول بينها وبينه وَعَث الطريق ولا التصعيد في الجبال، ولشد ما كانت دهشتي حين رأيت بعضها يتسلق الهضاب إلى قممها يبحث فيها عن أسباب العيش! فقد ألفيت جِمَالَنا في مصر رقيقة العظم على ضخامتها، حتى ليبلغ أحدها حجم اثنين من جِمَال الحجاز، ورقة عظمها تدعو للإشفاق عليها أن يصيبها مكروه إذا زَلِقَتْ في اليوم المطير، أو هفت خطوتها عند قناة، أو ارتطمت بحجر، فأما هذه القطعان من إبل الحجاز فتسير أسرابًا وتجري أفرادًا وتتسلق الجبال ولا يأخذ الإشفاق عليها راعيها، ولعلها كذلك تفعل لأنها نشأت في أحضان الطبيعة معتمدة على ذاتها؛ فالبادية بيئتها، وهي تعيش فيها كما يعيش الإنسان في داره، أما بيئتنا المصرية في الوادي فالجَمَل فيها ضيف على دواب الحَمْل الأخرى، وإن يكن سفينة صحارانا كما أنه سفينة صحراء العرب، وكيف لا تعتمد هذه الإبل في بلاد العرب على نفسها في تسلق الجبال والتماس الكلأ بين الصخور وليس لديها سبب غير ذلك من أسباب العيش؟! والجبال في البادية تتصل بالأودية ويتصل بعضها ببعض، فهي محيطة بهذه الإبل حيثما توجهت وأنَّى سارت.

ولقد أحاطت بنا هذه الجبال طول الطريق إلى الجِعْرانة، فما تكاد تنفرج إلى أفسح من الطريق إلا في أماكن قليلة، مع ذلك تتابعت أسراب الجمال تسير عشرات وعشرات، وتسير مطمئنة لا تزعجها السيارة ولا تدعوها إلى الفرار لطول ما أَلِفَتْها في السنوات الأخيرة، وتياسرت السيارة بعد مسير ساعة فإذا وادٍ فسيح ينفرج أمامنا ويمتد النظر في فسحته إلى حيث يشاء، ذلك وادي الجِعْرانة، وانكشف لنا المسجد، وتبدَّت لنا فوهة البئر، ووقفت السيارة بينهما، فأسرع إلينا صغيران ينتظران الخير من مجيئنا ومن وقوفنا.

وزرتُ المسجد، وشربت من ماء البئر، ووقفت أسرِّح الطرف فيما حولي وأستعين بمنظاري المقرِّب أرى به ما يكسو قمم الجبال من كلأ لا يفلُّ من حِدَّة عبوسها، وماذا عسى أن يكشف المنظار عنه غير هذا الكلأ وليس هاهنا إلا رمال الوادي والجبال المحيطة به؟! وقصدتُ هضبةً على مقربة من المسجد صعدت فيها حتى بلغت منتصفها، ثم دُرتُ بالمنظار كرَّة أخرى فيما حولي فلم أرَ غير ما رأيت من قبلُ، ولم أرَ في صخور هذه الجبال شيئًا يلفت النظر.

وسألت صاحبي: ألهذا المكان موسم يقصده الناس فيه كما كانوا يقصدون أسواق العرب قبل الحج إلى مكة؟ قال: إنهم يخرجون إلى هذا المكان في شهر رمضان فيُحرمون بالعمرة؛ ذلك لما روي عن النبي — عليه السلام — أنه قال: «عمرة في رمضان تساوي حجَّةً معي.» كذلك كانوا يفعلون قبل حُكْم الإخوان، ولا يزالون كذلك يفعلون وإن كانوا أقلَّ على هذه العمرة إقبالًا.

وسألته في هذا الحديث وروايته عن النبي، فابتسم وقال: لعلك تحسبه من روايات المكيين مما يجذبون به الغلاة في الدين إلى مدينتهم، أمَّا أنا فلا أُحَقِّق سنده، لكني أحسبه يرجع إلى الأسوة بالنبي في عُمرته من الجِعْرانة بعد عودته من الطائف، وإن كان هذا الحديث يجعل العمرة في شهر رمضان، وكانت عمرة الرسول من الجِعْرانة في ذي القعدة، ولئن صحَّ ظنك ليكونن قصدُ رُواته أن يباعدوا ما بين عمرة شهر رمضان والحج ليجعلوهما مَوسمَين، بدل أن تجتمع العمرة والحج في موسم واحد.

قلت: لك رأيك، ولكنني أفكر الساعة في المسلمين الذين عادوا يقتسمون ها هنا فيء حنين، فالذين سمعوا حديث العمرة في شهر رمضان لا يزيدون على مائة أو بضع مئات، أما الذين عادوا مع النبي من حصار الطائف فكانوا ألوفًا بلغت العشرة أو زادت عليها، وكان الفيء الذي جاءوا يقتسمونه هنا ستة آلاف من الأسرى، واثنين وعشرين ألفًا من الإبل، وأربعين ألفًا من الشاء، خلا أربعين ألف أوقية من الفضة، أَفَشَهِد هذا الوادي في كل ما مضى من تاريخه مثل هذا العدد من الناس ومن الإبل والشاء؟ ومحمد على رأس المسلمين يقسم بينهم هذا الفيء، إذ جاءه وفد مَن أَسْلَمَ مِن هَوَازِن يرجونه أن يردَّ عليهم أموالهم ونساءهم وأبناءهم، ويقول له أحدهم: «يا رسول الله، إن في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللواتي كُنَّ يكفُلْنَك، ولو أَنِّا مَلَحْنا للحارث بن أبي شَمِر أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل بنا بمثل الذي نزلت به لرَجَوْنا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين.»

كلَّا: ما عرف تاريخ الجِعْرانة كله يومًا كهذا اليوم، وإن من الأرض لبقاعًا جرداء، قلَّ أن تصلح لمقام أو حَضَر، ثم يكون بها حادث يتغير له وجه التاريخ، فإذا هي عَلَمٌ باقٍ بين الناس ذكره، وإن عادت بعد هذا الحادث جرداء غير صالحة لإقامة أو حضر، وهل ينسى الجِعْرانة من يعرف حُنَيْنًا؟! وهل ينساها من يعرف سيرة محمد بن عبد الله، وهي اليوم كما كانت على التاريخ، فيما خلا أيام حُنَين، وادٍ غير ذي زرع، لا يستوقف النظر منه إلا ما يحتفظ به من ذكرى أيام حنين! ولعلع لهذه البقاع من الأرض عزاء فيما تحتفظ به من هذه الذكريات الخالدة عمَّا تعانيه من عزلة وإمْحَال، كما أن من الناس من يجد في ذكريات ماضيه من المجد ما يملأ حياته خيرًا ألف مرة مما يملأ أكثر الناس الحياة به مما يثيرونه فيها من ضجة وضوضاء.

جالت هذه الخواطر بنفسي وأنا بموقفي فوق الهضبة المجاورة لمسجد الجِعْرانة أُجِيل بصري في هذا الوادي الخلاء اليوم وقد ملأته الذكرى بما أعاد إلى خيالي صورته يوم قسمة الفيء مليئًا بالحياة وضجتها، مليئًا بالرضا والتذمُّر، وبالصفو والغضب، عفا رسول الله عن نساء هوازن وأبنائها، فغضب لذلك رجال حديثو عهد بالإسلام، وأفشى محمد أُعطِياته في المؤَلَّفة قلوبهم من أهل مكة، فغضب المهاجرون والأنصار وتهامسوا، وبَلَغَه الهمس، فوقف مُغْضبًا إلى جانب بعير فأخذ وبرة من سَنامه فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها وقال: «أيها الناس، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردودٌ عليكم.» ولم يرضَ عباس بن مِرْداس عن نصيبه الذي أخذه، فقال النبي: «اذهبوا به فاقطعوا عني لسانه.» فأعطَوْه حتى رضي، فكان ذلك قطع لسانه، ويقول الأنصار بعضهم لبعض: «لقي والله رسول الله قومه»، فيحدثهم النبي ويقول في ختام حديثه لهم: «ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهبَ الناسُ بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟! فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْبًا وسلكت الأنصار شِعْبًا لسلكت شِعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار»، فيتأثرون ويبكون ويقولون: «رضينا برسول الله قسمًا وحظًّا.»

أية حياة كالحياة التي كان يموج هذا الوادي ذلك اليوم بها؟! لقد ارتسمت صورته في هذه الساعة أمام خيالي فعجَّ الوادي بمَن فيه من الناس وما فيه من الإبل والشاء، وخِلْتُني أراهم جميعًا، ترهق الذلة وُجوه الأسرى، وتبدو العزة على وجوه المسلمين في حالي الغضب والرضا، وخلت التاريخ مُطِلًّا من عليائه على هذا المشهد وكأنما قرأ في لوح القدر ما ستتجه الأمة العربية إليه بعد أن مهدت هذه الغزوة لتوحيد صفوفها، وما ستقوم به من فتح العالم ونشر الإسلام في ربوعه، ثم ما سيكون بعد ذلك من ثورات وتقلبات ومن انحلال وبعث، حتى ينصر الله كلمته، ويعود الدين كله لله.

وناداني صاحبي فعدنا إلى السيارة فارتدَّت بنا صوب مكة، فلما بلغنا حراء كان الليل قد أرخى سدوله، وكان القمر يحبو من ناحية المشرق، وكان النسيم صفوًا عليلًا، وقضينا ساعة نتحدث ثم تواعدنا أن نزور وادي نَعْمان عصر اليوم التالي.

ووادي نَعْمان يقع بعد عرفة، والذاهب إليه يسلك طريق مِنًى إلى المزدلفة فعرفات، وكذلك فعلنا، فلما جاوزت السيارة بنا قصر الملك قال صاحبي: هلُمَّ بنا نقف عند مسجد البَيْعة فإني لأظن العقبة الكبرى كانت عنده ولم تكن عند جمرة العقبة، ووقفت بنا السيارة إلى يسار الطريق قُبالة المسجد، فسرنا بضع عشرات من الأمتار حتى بلغناه، وألفيناه مُقْفلًا، فدُرْنا حوله، فدَلَّتْنا جدرانه على أنه مسقوف كله أو أكثره على خلاف مساجد مكة، ورأينا شيئًا يشبه الكتابة بظاهر محرابه، فحاولنا عبثًا أن نقرأه، ويقع المسجد الآن في فسيح من الأرض، تحيط الجبال بكل نواحيه إلا ناحية الطريق، مما يدل على أن هذه الجبال نُسفت نسفًا، أو دُكَّت دكًّا، لينكشف المسجد لمن يريد زيارته؛ لذلك يتعذر على الإنسان أن يجد الشِّعب الذي تسلَّل إليه الأنصار جوف الليل من أيام التشريق حين بايعوا النبي بحضرة عمِّه العباس بيعة العقبة الكبرى، وأغلب الظن أن يكون هذا الشعب قد نسف فيما نسف من الجبال، وأن مسجد البيعة قام مكانه.

يُرجِّح هذا الرأي ذهاب المسجد في القِدَم إلى القرن الثاني للهجرة؛ فقد ذكره الأزرقي في كتابه «تاريخ مكة» وإن لم يصفه، وفي كتاب قطب الدين النهرواني «الإعلام بأعلام بيت الله الحرام» ذكرٌ لمسجد البيعة وبنائه، قال:

مسجد البيعة مسجد على يسار الذاهب إلى منًى، بينه وبين العقبة التي هي حَدُّ مِنًى غَلْوَة أو أكثر، وهو مسجد متهدِّم فيه حجران مكتوب فيهما ما يدلُّ على ذلك؛ في أحدهما: «أمر عبد الله أمير المؤمنين — أكرمه الله تعالى — ببناء هذا المسجد، مسجد البيعة التي كانت أول بيعة بايع بها رسول الله وعقدها العباس بن عبد المطلب، وأنه بُني في سنة ١٤٤ﻫ.» والمُشار إليه أبو جعفر المنصور العباسي، وعمَّره أيضًا المستنصر العباسي، كما في حَجَر آخر: «بناه في سنة ٦٣٩.» وتلك الأحجار مُلْقاة بهذا المَحِلِّ الخراب يُخشَى عليها الضياع فيندثر هذا المسجد، وكان المرحوم إبراهيم دفتردار مصر سابقًا أمين عرفات — رحمه الله — شرع في تجديد هذا المسجد وأسَّسَه وبنى بعض طاقاته وجدرانه، وتُوفِّي إلى رحمة الله قبل أن يُتِمَّه، وما وُفِّق أحد بعده إلى الآن لإتمامه.

وهذا الذي ذكره النهرواني وذكره غيره ممن أرَّخوا مكة هو حجة القائلين بأن هذا المسجد يقوم حيث كانت البيعة، وأن جمرة العقبة لا تؤرخ العقبة الكبرى، وإن أمكن أن تؤرخ العقبة الصغرى أو العقبة الأولى، يؤيِّد ذلك أن البيعة الكبرى وقعت في أواسط أيام التشريق بمِنًى حيث يجتمع الناس من مختلف بلاد شبه الجزيرة وهم لمَّا يؤمنوا برسالة محمد، ويرون مثل هذه البيعة حِلفًا لحربهم، ولقد حدث بالفعل بعد أن تمَّتْ هذه البيعة أن سمع المسلمون صائحًا يصيح بقريش: «إن محمدًا والصُّباء معه قد اجتمعوا على حربكم.» وفي رواية أخرى: «إن الأوس والخزرج بايعوا محمدًا على أن ينصروه.» وقد فزعت قريش لِمَا بلغها من ذلك، وفزعُها هو الذي جعلها تحسب لهجرة محمد من مكة ألف حساب، فمن الحق إذن أن تكون البيعة قد تمَّت بعيدًا عن مجتمع الناس بمِنًى، وذلك حيث يقوم اليوم مسجد البيعة.

تقوم مساكن منًى بعد هذا المسجد، ولقد تابعنا السير إليها ونحن نعلم أنها لم يبق بها من ضجة الحج كثير ولا قليل، لكنني لم أكن أحسبها موحشة بمقدار ما رأيتها حين دخلناها، لقد خِلْتُها بلدًا أثريًّا كمدينة «حابو» وما إليها من مدن الآثار بالأقصر، خيَّم عليها سكون عميق كسكون البادية حيث لا حياة ولا أنيس، لا تسير فيها الإبل كما تسير في طريق الجِعْرانة، فليس فيها للإبل مرعى، ولا تؤنسها القوافل إيناسها طريق المدينة، فلم يبقَ للقوافل بعد أيام التشريق بها من حاجة، وكل ما بقي من أثر أيام النحر بعض مناضد معدودة في مكان كان مقهى في الأيام المذكورة، وهو اليوم صَفْصَف لا ترى فيه إنسًا.

وقفت السيارة أمام هذا المكان، ونادى صاحبي نداَء مَن يطلبُ المَعونة، وجاء غلام لا أدري من أين خرج؟ فطلب إليه أن يجيئنا بمحمد علي، وانطلق الغلام، فذكر لي صاحبي أن محمدًا عليًّا هذا من أهل منًى، وأن نسبه يرجع إلى قريش أجداد النبي، وأن قبيلته تقيم ها هنا، ولعلها البقية الباقية حول مكة من هؤلاء العرب الأقدمين، وأضاف: وتقيم قبائل بالطائف وبغير الطائف من أرض الحجاز تَتَسَمَّى باسم قريش، ولست أدري مبلغ الصحة في انتسابها إلى أجداد الرسول.

وأقبل محمد عليٌّ فلم أشك إذ رأيته في أني أرى قرشيًّا صميمًا، تبدو العروبة الخالصة على مُحَيَّاه، أسمر السِّحْنة، ذو عينين سوداوين شديدتي البريق، وشعر كَثٍّ فاحِم، وأنف أَقْنَى، وشفاه رقيقة، معتدل القامة، عريض الأكتاف، ينبئ مظهره عن رجوليَّة بدوية لا تعرف الإذعان ولم تعرف الحضارة، تُرى أهو مَثَلٌ لأهل قبيلته، فصورتهم صورته، ورجوليَّتهم رجوليته؟ أما النساء، فلم أر منهن ما أحكم به على جمالٍ كان فتنة لشعراء العرب الغَزليين.

وتقدَّمَنا محمد عليٌّ مُصعدًا في الجبل القائم عن يسار الذاهب إلى عرفات، ووقف عند صخرة مفلوقة من وسطها قال: إنها مَجَرُّ الكَبْش، وإن سِكِّين أبينا الخليل إبراهيم — عليه السلام — أخطأت ابنه إسماعيل لما تَلَّه للجبين ليذبحه فمسَّت الصخرة ففلقتها. وتقوم على مقربة من هذه الصخرة صخرة أخرى أضخم منها يدور حولها طريق هو الذي تسلقنا منه، هذا الطريق هو مَجَرُّ الكبش حيث سار إلى إبراهيم ليذبحه فداء لإسماعيل، وكان في هذا المكان مسجد عليه قبة يقال له: مسجد الكبش يَؤُمُّه الحُجَّاج، فهدمه الإخوان الوهابيون.

ورافقنا محمد عليٌّ إلى مسجد الكوثر ثم إلى مسجد الخَيْف، وذكر أن القبة التي تتخذ مكبرية «مبلغة» بالخَيْف تقوم موضع الخيمة التي صلَّى بها النبي في حجَّة الوداع، والتاريخ لا ينفي هذه الرواية، والثابت فيه أن المسجد لم يكن يومئذٍ كما هو اليوم، بل كان خلاءً تحيط به جدران بسيطة، وإنما استُحدثت عمارته في القرن الثالث للهجرة بأمر المعتمد الخليفة العباسي، ثم جُدِّد بعد ذلك في القرن السادس، وأنفق أهل التقوى من المسلمين مبالغ طائلة لصيانته، وفي القرن التاسع أَمَر سُلطان مصر قايتباي فبُني المسجد كله من أساسه بناء محكمًا، وأُقيمت القبة موضع مصلى النبي، وبُنيت إلى جانبها مئذنة من طراز مآذِن مصر، كما بُنيت مئذنة أخرى على باب المسجد، وقد عُمِّر بعد ذلك مع بقاء بناء قايتباي على أصله.

ويقع غار المرسلات بجبل ثَبِير إلى الجنوب من مسجد الخيف، وهذا الغار يسمى اليوم غار الكوفية أو الطاقيَّة، ويقصُّ المطوِّفون أن النبي اختفى به فَلَانَ الحَجَرُ موضع رأسه فدخلت طاقيته أو كوفيته فيه، وإنما سُمِّي من قبل غار المرسلات لما يذكرونه من أن الله أوحى إلى النبي سورة المرسلات فيه، وكان الحُجَّاج يؤمونه للتبرك به، ويزدحمون عنده حتى يبلغ ازدحامهم أشُدَّه، أما اليوم فقد قَلُّوا نزولًا على مذهب حُكَّام الحجاز في التبرك.

والمشعر الحرام يقع بالمزدلفة بين مِنًى وعرفات، ويمرُّ الإنسان في مسيره من مِنًى إلى المشعر بوادٍ اشتهر الآن باسم وادي النار، وكان يدعى من قبل وادي مُحَسِّر، ويقع هذا الوادي الأجرد بين جبلين يدعى أحدهما جبل قُزَح، ويزعمون أن واقعة الفيل المشار إليها في القرآن وقعت فيه، والتاريخ المعروف لا يروي أن واقعة حدثت في عام الفيل، إنما يروي أن أَبْرَهَة حاكم اليمن جاء على فيله ومِن ورائه جيشه لِهَدْم البيت بمكة بعد أن رأى انصراف الناس عن البيت الذي أقامه وزخرفه بصَنعاء، وأنه نزل بظاهر مكة ودعا إليه قومًا من أهلها وعلى رأسهم عبد المطلب جدُّ النبي، ورأى أهل مكة أنهم لا يطيقون قتاله، فأخْلَوْا مكة عشيَّة اعتزم دخولها لهدم البيت، فلما أصبح أبرهة وجد الجُدَرِيَّ تفشَّى بجيشه تفشيًا أفزع الناس وأفزعه، فارتدَّ عن مكة، وما إنْ بَلَغَ اليمن حتى مات، ولعل هذا الذي أصاب أبرهة وجيشه هو الذي دعا إلى تسمية هذا الوادي باسم وادي النار، ووادي الحسرة أو مُحَسِّر؛ لأن نار المرض أصابت القوم فانقلبوا إلى قومهم في حسرة خاسئين.

أمَّا المشعر الحرام بالمزدلفة فمسجدٌ صغير، إن صَحَّ أن يسمى الفضاء من الأرض مسجدًا إذا أحيط بجدر قصيرة تحدُّه، وكل ما يدل على المشعر الحرام مئذنة وسط هذا الفضاء تضاء أثناء الحج، وفي جوار المسجد بازان مياه حَسَن البناء، ذو فوهة يستقي الناس منها، ويتصل بمجرى الماء المنحدر من نَعْمان إلى مكة والمعروف بعين زُبيدة، وللبازان دَرَجٌ ينزل الإنسان فيه إلى حيث يصل إلى فوهة الماء، فأما ما حول ذلك ففضاء المزدلفة تحيط به جبال، أحدها قُزَح الممتد من قبالة جبل المحسِّر.

ولم يكن بهذا المكان مسجد على عهد الرسول، بل كان المشعر جبلًا في هذه الأودية اعتادت العرب في حَجِّها أن تُشْعِر جِمَالها عنده «أي: تضربها في صفحة سنامها حتى يسيل منها الدم»، وكان العرب قبل الإسلام يوقدون النار فوق قُزح عند المزدلفة؛ كي يهتدي بها الصاعد من مِنًى إلى عرفات، والمُفِيض من عرفات إلى مِنًى، وأوقدتْ هذه النار في عهد النبي وفي الصدر الأول من الإسلام إلى عهد عثمان، أما المنارة القائمة اليوم فلم تُشَيَّد إلا بعد ذلك بقرون، ويذكر النهرواني أن أحدث بناء لها كان سنة تسع وخمسين وسبعمائة أو السنة التي بعدها فيما علم، وبناء المشعر الحرام من البساطة بما رأيت مما يتَّفق مع هذه البيئة البدوية المحيطة به، ولو أن هذا البناء في غير الحجاز وورد ذكر مكانه في كتاب مقدَّس كما ورد ذكر المشعر الحرام في القرآن، لشاده أهله في أضخم عمارة وأجملها.

كان الطريق ما بين المزدلفة وعرفة ضيِّقًا في قرون الإسلام الأولى، فكان من السُّنَّة المستحبة أن يَفْسَح الإنسان لغيره ما استطاع، أما الآن فقد انفسح بما لا تُخشَى معه الزحمة إلا فيما ندر في بعض سُوَيعات الإفاضة، وهو يمر بجبلين متقاربين هما مَأْزِمَا عرفة، ويمر بنَمِرة حيث يقوم المسجد بالمكان الذي وقف فيه رسول الله ممتطيًا ناقته القصواء فخطب الناس في حجة الوداع، ويطلق على هذا المسجد أسماء: مسجد نَمِرة، ومسجد عُرَنة، وجامع إبراهيم، ومصلى عرفة، ونَمِرة جزء من بطن عُرَنة، فالتسمية بهما نسبة إلى المكان، أما اسم مسجد إبراهيم فيرجع إلى ما يقال من أن جبريل علَّم إبراهيم أبا الأنبياء شعائر الحج وهما في هذا المكان، فأما مصلى عرفة فاسم يُطلق؛ لأن الحجاج بعرفة يجمعون فيه بين صلاة الظهر وصلاة العصر جَمْعَ تقديم تأسِّيًا بالرسول في حجة الوداع، ويقع المسجد على مقربة من عَلَمَيْ عرفة، وهو فسيح مترامي الأطراف، كما تقدَّم القول، له محراب يرتفع ثلاثة أمتار وقد أحاطت الأروقة به من جميع جوانبه، وصحنه مكشوف تقوم فيه مكبرية لصلاة يوم عرفة، ويرجع إنشاء هذا المسجد إلى القرن الثاني بعد الهجرة، وقد عَمَّره ملوك المسلمين في مصر وفي غير مصر بعد ذلك غير مرة.

تقع بطحاء عرفة على يسار الصاعد إليها من المزدلفة مارًّا بمسجد نمرة، وفي الجانب الآخر من هذه البطحاء يقع مسجد الصُّخَيْرات، وهو اليوم أثر متهدم كما شهدتُ، وقد تخطت بنا السيارة بعده أثناء وادي نَعْمان والجبال تنفسح عنا تارة وتقترب منا أخرى، حتى بلغتْ بنا مصدر عين زُبَيدة التي تروي مكة وتروي الحجيج اليوم، والتي تعتبر عملًا من الأعمال الهندسية الخالدة الاسم على التاريخ، وإن تغيَّرت من بعدُ وتطوَّر رسمُها مع تقدم العلم.

وسُميت هذه العين باسم زُبَيْدة زوج أمير المؤمنين هارون الرشيد؛ لأنها أول مَن أجراها، فقد كانت مكة قبلها تستقي من الآبار والعيون، وكانت الآبار كثيرًا ما تَغِيض، والعيون كثيرًا ما تُطَمُّ، وقد كان معاوية بن أبي سفيان أجرى الماء إلى مكة من العيون والآبار في قَنَوَات، واتخذ حياضًا بعرفة لسُقْيا الحجيج منها، بَيْدَ أن هذه القنوات والحياض لم تلبث أن تخرَّبت وأصاب الناس بذلك جَهْدٌ شديد، هنالك أمرت زُبيدة بإجراء عين حُنين بوادي نخلة إلى مكة بعد أن اشترت الأراضي التي كانت مياه العين تسقيها، كما أمرت بإجراء عينٍ من وادي نَعْمان إلى عرفة.

وتنبع عين نَعمان من جبل كَرَاء الذي يصل بين عرفة والطائف، وقد أُجريت مياه نعمان حتى بلغت منًى، وتعذَّر إجراؤها بعد ذلك إلى مكة لشدة صلابة الأرض، وتعرَّض هذا العمل لأفاعيل الزمن، فكان يتخرَّب أحيانًا وينقطع منه الماء عن مكة وعن عرفات أحيانًا، ولقد أمر كثيرون من أمراء المؤمنين بإصلاحه في عصور وأزمان مختلفة، وأنفقوا عليه نفقات طائلة، لكن ذلك لم يَحُلْ دون تخرُّبه واضطراب مسيل الماء إلى مكة وإلى عرفة، ففي النصف الأخير من القرن العاشر الهجري طلبت الأميرة فاطمة هانم كريمة السلطان سليمان الإذن في تعمير العيون وفي القيام بعمل جديد عظيم هو إيصال ماء نَعمان إلى مكة، وكان المال المطلوب لذلك ثلاثين ألف دينار، وأَذِن لها أبوها، وتمَّ هذا العمل العظيم في عشر سنوات، وكان يوم تمامه من أعياد مكة الكبرى، تصدَّق الناس وأجرَوا الخيرات وقاموا من أعمال البرِّ بما أعاد إلى ذاكرتهم ما فعله أسلافهم يوم أتم عبد الله بن الزبير بناء الكعبة.

ولقد طغتْ السيول بعد ذلك غير مرة على مجاري هذه المياه تحت الأرض ودخلت الأتربة من البازانات إليها ومسَّت الحاجة إلى إصلاحها، وكان والي مصر محمد علي مِمَّن أصلحوها، ولا يزال المهندسون يرون تعديل نظام المجرى الحالي تعديلًا يجعل مياهه أبعد عن التلوث وعن أن تفسدها الأتربة والرمال التي تدفعها السيول.

ولقد دُهِشتُ أيما دَهَش ونحن نسير في هضاب نَعمان حين ذكر لي صاحبي أننا بلغنا مبدأ العين، فهذا المبدأ أشبه ببئر تنحدر إليها المياه لتسري خلال الجبال ولا يبدو للناظر منها شيء، وليس يبدو من المجرى غير البازانات المختلفة يراها الإنسان في الطريق من مكة إلى عرفة ويراها في أماكن مختلفة من مكة، ولست أدري لعل صاحبي لا يعرف أين تبدأ العين حقًّا، وإن أكَّد لنا رجل لقيناه هناك ما قاله صاحبي برغم إلحاحي في السؤال وإظهار التردد في تصديق النبأ.

يسير الطريق بعد نَعمان إلى شدَّاد على سفح جبل كَرَاء، ومن هناك يبدأ الصاعد إلى الطائف صعوده حتى يبلغ جبل كُرٍّ، ثم ينحدر منه حتى يبلغ الطائف، ولم نجاوز نحن نَعمان إلى ما بعده، بل قفلنا منه راجعين إلى مكة.

هذا الطريق الذي سِرْنا فيه كثيرًا ما طرقه الرسول — عليه السلام — في حياته، وإن كان مسيره فيه في حجة الوداع أشهر ما يذكر التاريخ، كثيرًا ما سلكه في السنوات الأولى من بعثه وإلى حين هاجر من أم القرى، فهو قد كان يذهب في موسم الحج يُبادئ القبائل بالدعوة إلى دين الله، وخير مكان كان يلقاهم فيه عرفة ومنًى، في تلك الأيام النائية منذ أربعة عشر قرنًا كان الرسول يخرج وحيدًا أو في نَفَرٍ مِمَّن اتبعوه، فإذا أَنِس إلى قوم من القبائل الآتية إلى الحج اتصل بهم وتحدَّث إليهم وجادلهم بالتي هي أحسن ودعاهم إلى دينه، ومِن هؤلاء كان يَرُدُّه ردًّا غير جميل، ومنهم مَن كان ينصت إليه ثم ينصرف عنه مفكِّرًا، ومنهم مَن لم يكن الرسول يكاد يتركه حتى يجيئه مِن قريش مَن يحذره مَغَبَّة دعوةٍ فرَّقت أهل مكة شِيَعًا، ويرى الرسول إعراض الناس عنه وتحذير قومه إياهم منه فلا يصدُّه ذلك عن دعوته، بل يزيده استمساكًا بالدعوة وحرصًا عليها، وتؤذيه قريش بمساءتها، ويؤذيه شعراؤها بهجائهم فلا يَهِنُ، ولا يتردَّد، وينقضي العام ويتلوه العام وهو أشد على الدعوة حرصًا، والناس يَنْأَوْنَ عنه، وقريش تحارب دعوته، فلا يصرفه عنها صارف، وقد أمره ربه أن يبلغ رسالته، لقد كنتُ أتصوَّر هذه المواقف ونحن نَمُرُّ بهذه الأماكن، ثم أتصور موقف الرسول الذي صدقه العرب جميعًا في حجة الوداع، فيشيع الإكبار في نفسي وأكاد أسمع بأذني قوله — تعالى: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا.

وهذا الطريق الذي رأى محمدًا يطارده قومه وتزْوَرُّ القبائل عنه، ثم رآه من بعدِ ذلك وقد فتح الله له فانْضَوَى العرب كلهم تحت لوائه، هو الطريق الذي رآه وليدًا يوم حملتْه حليمة السعدية معها من مكة ذاهبة إلى الطائف في طريقها إلى قبيلة بني سعد بن بكر. نعم! في هذا الطريق سار الرضيع تحمله مرضعته الفقيرة على حمارها تتخطى به بين الجبال ثم تصعد به سفوح كُرٍّ وكَرَاء، وتتخطى به بوادي الطائف حتى تصل إلى قومها!

أليس هذا عجبًا؟! الطريق الذي سار فيه محمد طفلًا لأول ما ولد هو الطريق الذي سار فيه شيخًا يعلن إلى الناس أن رسالة ربه بلغت غايتها، إذ يُبَلِّغهم قوله — تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.

هذه أعلام الحرم التي قصدتُ إليها، ولم يسعدني الحظ بالذهاب إلى علَمَيْ أضاءة في طريق اليمن، وإنما قَطَعْتُ من هذا الطريق ما بلغ بي إلى غار ثَوْر.

أما عَلَمَا نخلة في طريق الطائف فكانا في الطريق إليها، ولقد قصدتها وأقمت بها أيامًا كانت أيام نشاط وسعادة، لقيت فيها من أثر الرسول ما اطمأن له قلبي ورضيه تفكيري، ولقيت فيها من تاريخ العرب بعد الإسلام ما أثار أَلَمِي وأَحْرَج صدري، لولا رجاء يُخالج نفسي أن تكون هذه البلاد في المستقبل خيرًا مِمَّا كانت في الماضي بعد أن انتقلت منها عاصمة الإسلام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠