الطائف

الطائف مدينة من أقدم المدن في بلاد العرب، ولعله لا يغلو من يحسبها أقدم من مكة أو من المدينة، وإن كانت الأساطير تذهب إلى أن بقعة الأرض التي تقوم منطقة الطائف عليها لم توجد ببلاد العرب إلا بعد أن أقام إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل، فقد ذكروا أن إبراهيم لما جاء بهاجر وبإسماعيل إلى وادي مكة فأقام قواعد البيت توجَّه إلى الله بقوله: رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ. عند ذلك أمر الله الملائكة فانتزعوا قطعة من أرض الشام ووضعوها في المكان الذي تقوم الطائف به، وعلماء الجغرافيا وعلماء طبقات الأرض يُنْكِرون — لا ريب — هذا الكلام، وإن روي فيه حديثٌ للنبي ، وهم يُنْكِرون هذا الحديث ويؤكدون أن النَّبي لم يقُله؛ لأن الطائف وباديتها وأوديتها وجبالها وُجدت مع بلاد العرب ومع الشام جميعًا، فلم يُنقَل منها إلى الشام شيء ولم يُنقل من الشام إليها شيء.

والتسليم برأي هؤلاء العلماء لا ينفي ما تُصوِّره الأسطورة من تَبَايُن بين طبيعة الطائف وطبيعة مكة، يتجلى لكل من قرأ كتب الأدب القديم، وقرأ سيرة النبي العربي، ومن عُني بتاريخ بلاد العرب بوجه عام، وأقل مظاهر هذا التباين مما تحدَّث عنه الكتب خِصْب الطائف وإمْحَال مكة، وما ترتب على هذا الخصب وهذا الإمحال في الطبيعة من أثر في الرجال، فالعرب الذين تركوا على التاريخ الإسلامي ذكرًا أكثرهم من ثقيف وهوازن، وأقلهم من مكة والحجاز، ولولا بيت الله بمكة، ولولا أنها مسقط رأس النبي العربي، لكانت الطائف صاحبة الأمر في الحجاز، وخاصة بعد أن فقدت مكة مكانتها التجارية حين تحول من ذلك اليوم البعيد طريق التجارة من البر إلى البحر، ومن سفينة الصحراء إلى سفينة الماء، وأقول: اليوم البعيد؛ لأنه يبدأ قبل الإسلام، ولأن طريق القوافل المارَّ بمكة فَقَدَ كلَّ خطره منذ صدر الإسلام وحين انتقلت العاصمة الإسلامية من بلاد العرب إلى الشام والعراق ومصر.

وليس هذا التباين في الطبيعة هو وحده الذي يجعل للطائف هذه المكانة المرموقة؛ فتاريخها يكفل لها مكانة مثلها، وليس يستطيع الباحث في سيرة النبي العربي أن يمر بالطائف دون أن يقف عندها، فمنازل بني سعد الذين استرضع النبي فيهم قريبة من الطائف، بل هي من باديتها، وإذا لم يكن يسيرًا أن يقطع الإنسان بأن حليمة السعدية ظِئْر النبي مرت بالطائف في ذهابها إلى مكة أو في عودتها منها، فإن طبيعة الطائف وباديتها الخصبة الكثيرة الأودية والجبال قد كانت أول ما وقعت عليه عينا محمد الطفل المترعرع في هذه البيئة البدوية، الناعم بهوائها وبين أهلها ذوي النفوس الحرة الطليقة من كل قيد.

ولما بعث النبي وقضى من السنين ما قضى بمكة فلم تثمر دعوته الثمرة التي تهيئ له التغلب على ضلال قومه، كانت الطائف في مقدمة البلاد التي اتجه نظره للامتناع بها وببأس أهلها، صحيح أنهم لم يسمعوا له، وأنهم كانوا أشد حرصًا على عبادة اللَّات منهم على اتباع هذا الذي جاء يصرفهم عن دينهم كما حاول عبثًا أن يصرف أكابر قومه عن دينهم، لكن تفكير محمد في أمرهم، وذهابه وحيدًا إليهم، وتعريضه نفسه لما تعرض له منهم، وهو لا يملك في وحدته دفاعًا عن نفسه، كل ذلك يدلُّ على أنه رآهم أرجح عقلًا وأدنى إلى إجابة داعي الحق من غيرهم، فأما ما كان مِن صَدِّهم إياه ومن تَحَرُّش صبيانهم به، ثم ما كان بعد ذلك بينه وبين عدَّاس النصراني، فتلك آية الله على أن الحق في حاجة إلى صلابة في النفس وقوة في الخُلق لينتصر، فإذا دعا إليه القوي الأمين الذي يُخْلص في الدعوة تمَّ له النصر ولو بعد حين.

ذهب محمد يومئذٍ إلى الطائف وحيدًا بعد أن تولاه اليأس من قومه لما اشتهر عن الطائف وأهلها من رجاحة الحكم وسعة الصدر وقوة البيان، وجعل يصعد الجبل وينحدر إلى السهول ثم يصعد ثم ينحدر، حتى إذا بلغ القوم في ديارهم قصد إلى دار أبناء عمرو بن عُمَير بن عوف الثقفي وهم يومئذٍ سادات قومهم: أولئك عبد يالِيل ومسعود وحبيب، وجلس إليهم يحدثهم عن رسالته ويدعوهم إلى القيام معه على مَن خالفه من قومه ويَعِدُهم النصر والجنة، لكنهم كانوا كغيرهم من أهل شبه الجزيرة، يريدون العاجلة، ويجدون في أصنامهم الوسيلة إلى ربهم، ثم كانوا يرون محالفته على قريش أمرًا قليل النفع مَخْشِيَّ الضرر، هو كذلك، بخاصة لأن الخلاف يتصل بعبادة الأصنام، على حين لم تنازعهم قريش عبادة اللات ولا نازعتهم قدسية بيتها، كما أنهم لم ينازعوها حرمة البيت العتيق وأصنامه، جال هذا كله بخاطر القوم ومحمد يحدثهم، فلم يجدوا لمجادلته موضعًا، بل أنكروا عليه رسالته في غِلْظَة وفظاظة، قال أحدهم: «هو يَمْرُطُ ثياب الكعبة إن كان أرسلك.» وقال الثاني: «ما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟!» ورأى الثالث ما في هاتين العبارتين من قسوة فلجأ إلى التهكم وقال: «والله، لا أكلمك أبدًا؛ إن كنت رسولًا من الله — كما تقول — فأنت أعظم خطرًا من أن أردَّ عليك، وإن كنت تكذب على الله فما ينبغي أن أكلمك.»

حزن النبي لما سمع منهم وأيقن أنه مُلاقٍ من سائر ثقيف مثل رَدِّهم، لقد كان يطمع في معونتهم لحكمتهم وسيادتهم ونزول قومهم على حكمهم؛ أما وذلك جوابهم فلا خير في التحدث إلى غيرهم، لكن قريشًا بمكة لن يفوتها أن تسمع بما أصابه إذا تناقل أهل الطائف روايته، فيزداد محمد والمسلمون هوانًا عليها، وتزداد إيذاءً لهم وقسوة بهم؛ لذلك ألحَّ محمد على محدثيه الثلاثة أن يكتموا ما دار بينه وبينهم حتى لا تصيبه قريش بأذًى، أما عبد يالِيل وأخواه فخافوا مَغَبَّة الكتمان وما يمكن أن تئول به زيارة محمد إياهم، فلم يسمعوا له، بل أغرَوْا به سفهاءهم حين خرج من عندهم، وتعقبه السفهاء يقذفونه بالحجارة، فالتجأ منهم إلى حائط لشَيْبة وعُتْبة ابنَيْ ربيعة وجلس إلى ظل شجرة فيه، ورفع طرفه إلى السماء يشكو إلى ربه سوء ما حَلَّ به، ورآه ابنا ربيعة ورَأَيَا ضراعته وما هو فيه من سوء حال، وبعثا مع غلامهما عدَّاس النَّصراني بقِطْف من عنب يروي به ظمأه ويرفه به عن نفسه، ومدَّ النبي يده إلى العنب، وقال: باسم الله، ثم أكل، ودهش عدَّاس لما رأى وسأل محمدًا عن شأنه، فلما علم أنه نبي أقبل عليه يقبِّل رأسه ويديه، وحذَّر صاحبا الكَرْم غلامهما من أن يؤمن به، فنصرانية عدَّاس خير عندهما من هذا الذي يدعو محمد إليه، وانصرف محمد عن الطائف كسيرَ الخاطر، وعاد يصعد في الجبال وينحدر في السهول ثم يصعد ثم ينحدر حتى بلغ مكة، فإذا الأنباء سبقته إليها، وإذا قريش تستقبله بالسخرية وتناله وأصحابه من الأذى بأكثر مما نالته ونالتهم به من قبلُ.

لو أن محمدًا كان رجلًا كالرجال لَفَتَّ ما صنع أهل الطائف في عَضُدِه، ولآثر السلامة بين قومه، فعاد إليهم وانضوى تحت لوائهم، لكنه أقام يدعو إلى هذا الحق الذي لم تأبه له ثقيف، قوية بالحق نفسه، عامرًا بالله قلبه، حتى نصر الله هذا الحق بعد حين، فعاد محمد بعد عشر سنوات أخرى إلى الطائف قويًّا بلواء هذا الحق الذي أظل بلاد العرب كلها، فتحصن أهلها منه ولم يُذعنوا لدعوته كرَّةً أخرى، لكنهم ما لبثوا، حين رأوا أن لا ملجأ من الحق إلا إليه، أن بعثوا إلى محمد من تلقاء أنفسهم يلتمسون الانضواء إلى دينه والأخذ بناصره، أوَليس عجيبًا أن يأبَى الناس الحق إذا دُعُوا إليه بالحسنى وأن يحاربوا الرسول الذي يدعوهم إليه، فإذا تولى عنهم ورأوا أن لا قِبَلَ لهم باعتزال الحق بعد أن آمن الناس به أقبلوا طائعين يلتمسون رضوان مَن سخروا منه من قبلُ وأغرَوا به سفهاءهم، ثم حاربوه ومنعوا منه وطنهم؟! فلقد تحصنت الطائف من المسلمين بعد انتصارهم في حُنَين فلم يستطيعوا فتحها وانصرفوا عنها، ثم بعثت هذه الطائف سادات ثَقيف يُعلنون إلى محمد إسلامهم ويَكِلون إليه أن يبعث معهم مَن يُفَقِّهُهم في الدين ويرشدهم إلى عظمة الحق فيه، هذه آية خالدة على الزمن تشهد بأن للحق لا محالة النصر آخرَ الأمر ما استمسك به صاحبه عن إيمان ويقين، وبأن النفس الإنسانية تهفو إلى الحق ما اطمأنت إلى اقتناع الداعي إليه وإلى إيمانه به.

خرجت مع أصحابي أزور هذه الطائف ذات التاريخ المجيد، وصحبنا في زيارتنا رجل من أهل الطائف هو الشريف حمزة الغالبي، ولقد أقبل هذا الرجل علينا منذ الصباح، وقدَّمه إليَّ السيد صالح القزاز، فبادر الرجل فحياني ضيفًا للطائف أجمل تحية، وهو بدوي في سحنته وفي حديثه وفي لباسه وفي تحيته وفي كل ما يبدو من مظهره، أسمر السحنة، عربي التقاطيع، تلمع عيناه السوداوان ببريق من ذكاء فطري، وتدل لهجة حديثه اللينة على دهاء وسَعَة حيلة، يلبس الصمادة والعقال الصوف على رأسه، وجلبابًا يتمنطق فوقه بقماشة حمراء أشبه شيء بالفوطة، تتدلى من خصره إلى أسفل ظهره حتى تحاذي الركبتين في مثلث لا يبدو منه من الأمام غير انحدار القماش من حيث يربط حتى يستدير ليبدو في صورة المثلث وراء ظهره، وهو يلبس في قدميه نعلين حجازيتين لا شيء فيهما من زخرف النعال التي يلبسها اليوم أهل مكة، والتي زُخرفت منذ الفتح الوهابي الأخير على طراز النعال النجدية، ولما ذَكَر السيد صالح القزاز وهو يقدمه أنه سيكون دليلنا في بادية الطائف وما حولها أبدى الرجل من الاغتباط بذلك ومِن تَفَتُّح قلبه له ما زادنا اغتباطًا برفقته وأُنْسًا به.

يقع منزل السيد محمد سرور الصبان، حيث أقمنا، في أقصى الطائف بضاحية تدعى قَرْوة، وبهذه الضاحية عدة آبار أشهرها بئر عَجْلان المعروفة بعذوبة مائها، ومكان هذه البئر منها على مقربة من جبل السكارى في جنوب الطائف، ويطلق هذا الاسم على الجبل الذي تسمى به منذ العصور الأولى، وأنت لذلك تجده في الكتب القديمة، وسبب إطلاقه فيما يذكرون أن أهل الطائف كانوا يذهبون إليه في أعيادهم الأهلية يسمُرون ويسكرون.

ومنازل قروة قليلة، وبها مبانٍ لم تتم، وبها آثار منازل مهدمة، هذا مع وَفْرة مائها وكثرة آبارها وصلاحها للسُّكْنى والاصطياف، ويذكر أهل الطائف، وتؤيدهم كتب الرحلات إليها، أن قروة كانت عامرة كثيرة الدُّور مقصودة من المصطافين من أهل مكة وغيرهم، وأنه كان بها خمسة عشر بستانًا، فلما وقعت الحوادث الأخيرة ودخل الوهابيون الطائف دُمِّرت أكثر منازلها وهجرها أهلها، وصارت إلى ما رأيتُها عليه من قلة المنازل وانعدمت بساتينها.

غادرتُ المنزل مع أصحابي ومعنا الشريف حمزة وركبنا السيارة نبتغي زيارة الطائف ذات التاريخ المجيد، فلنذهب إذن إلى البقعة التي تُفاخر بها الطائف كل مكان آخر في بلاد العرب، تلك حيث دفن أصحاب الرسول الذين قُتلوا حين حصار الطائف، والذين بقي اسمهم علمًا على التضحية بالحياة في سبيل الحق، كما بقي أبناء الطائف المثل الأعلى لاستماتة أبناء الوطن في الدفاع عن وطنهم، وذهبت بنا السيارة إلى مسجد ابن عباس القائم حيث كان جيش المسلمين الذين حاصروا الطائف على عهد النبي، والمجاور لقبور الصحابة الذين استُشهدوا في هذا الحصار، إذ تقع القبور في مكان مسور بجوار المسجد من ناحية الشمال، وقد سلكت السيارة إلى المسجد طرقًا خارج المدينة ثم انحدرت من طريق ينتهي إلى ميدان المسجد، ولم يكن ذلك عسيرًا والمسجد يقع من المدينة في الطرف الذي يقابل موقع قروة، فلا حاجة بالذاهب إليه أن يجوس خلال مساكنها، وبين الميدان وباب المسجد ممر يبلغ طوله بين الخمسة عشر مترًا والعشرين، وعرضه نحو ستة أمتار أو سبعة، وإلى يسار السائر في هذا الممر متجهًا إلى المسجد مبانٍ يذكرون أنها مدرسة ومكتبة، وهي على نظام المباني المتصلة بالمساجد القديمة في مصر، والتي كانت مكاتب ومدارس إلى أول القرن العشرين، لها نوافذ واسعة تتقاطع فيها قُضُب الحديد لتحول بين داخلها والخارج، ويتعرج الممر عند باب المسجد، فإذا سار الإنسان فيه ألفَى بابًا مقفلًا بالحجر، ذلك باب قبر ابن عباس الذي كان يُزار فيما مضى ولا يُسمح لأحد اليوم بزيارته، وكانت على هذا القبر قبة هدمها الإخوان فيما هدموا من القباب حين دخلوا الطائف والحجاز كله.

وباب المسجد يقابل الميدان، ويتخطى الإنسان منه إلى فناء مكشوف لا تقام فيه صلاة، فإذا وقف فيه متجهًا إلى ناحية القبر كان المسجد أمامه والمحراب في صدره، والمسجد مسقوف كله، قائم سقف على عمد فوقها عقود، مفروش كله، بعضه بالسجاد وبعضه بالحصير، فسيح الجنبات يتسع لبضعة آلاف من المصلين، وللقبر باب من ناحية المسجد غير بابه المطل على الخارج والذي أُقفل بالحجر، وقد أقفلت أبواب مقصورة القبر من ناحية المسجد إقفالًا محكمًا لا سبيل معه إلى دخول أحد عند القبر للتبرك به أو لاتخاذ صاحبه إلى الله زُلْفَى، فمذهب الإخوان في هذا الأمر حاسم لا يقبل هوادة.

وكان الناس فيما مضى يُصلون الجمعة في مساجد الطائف الأخرى ولا يقصدون إلى هذا المسجد العباسي؛ ذلك بأن أهل المدينة وما حولها اتخذوه مقبرةً تيمنًا بدفن موتاهم إلى جانب الصحابة، ورجاء أن يلتقوا في الآخرة بهم فيكونوا لهم شفعاء عند الله، وقد كثرت القبور في المسجد في بعض العهود حتى امتلأ نصف صحنه بها، فلما كان مستهل القرن الحادي عشر الهجري نهى الشريف زيد بن محسن عن الدفن فيه خِيفَةَ أن يصير مقبرة كله، وأمر بأن يُصلي الناس الجمعة فيه بعد أن كانوا يعتبرونه مقبرة لا تقام فيها الصلاة.

ولم يكن المسجد يومئذٍ على ما هو عليه مِن سعة، ولعله لم يُبنَ إلا بعد زمن غير قليل من حُكم العباسيين إكرامًا لقبر ابن عباس، على أنه كان موضع التَّجِلَّة والإكرام في مختلف العصور، فكان كلما تخرب منه جانب عُمِّر، وقد تضافر أمراء المسلمين من أهل اليمن والحجاز ومصر على عمارته، كذلك كان شأنه، حتى لقد عهد والي الشام محمد باشا العظم إلى أحد المعماريين المشهود لهم بالتفوق بأن يزيد في عمارته فزاد فيه اثنتين وثلاثين ذراعًا في الطول ومثلها في العرض وذلك في سنة ١١٩٣ هجرية.

وابن عباس صاحب هذا القبر والذي سُمي المسجد باسمه، أو الحَبْر ابن عباس كما يسميه بعضهم، هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عمِّ النبي العربي، وجَدُّ الخلفاء العباسيين، وليس أحد قرأ علوم الإسلام إلا يعرفه كل المعرفة، فهو من رُواة الحديث المعروفين، وهو من أكثر أهل زمانه ذكاء وعلمًا، وكان أبيض وسيمًا، جسيمًا، مشربًا صفرة، طويلًا، صَبِيح الوجه، له وَفْرة، يخضب بالحناء ويلبس الخَزَّ، ويَعْتَمُّ بعمامة سوداء يُرخِيها شبرًا، تُوفي سنة ٨٨ هجرية بعد أن كُفَّ بصرُه.

أما قبور الصحابة الواقعة إلى جوار المسجد من ناحية الشمال فيبلغ عددها اثني عشر قبرًا، ويحيط بها مكان مسور ويقوم فوقها زرع أخضر، وليس يَعرِف أحد ممن تحدثت إليهم لِمَن مِن الصحابة الذين استُشهدوا في الحصار هذا القبر أو ذاك، مع أنهم جميعًا معروفة أسماؤهم، ولقد سألت: أيعرف أحدٌ قبرَ عُرْوة بن مسعود الثقفي، فلم أجد من يعرفه أو يدلُّني عليه، هذا مع ما كان لعروة من مكانة وسُؤْدد في الطائف على عهد الرسول، صحيح أنه لم يكن ممن استشهد مع المسلمين في حصار الطائف، فقد كان عروة يومئذٍ على دين قومه ولم يكن قد مات، لكن له في تاريخ النبي العربي مواقف تجعل له من المكانة في النفوس ما يخلد به ذكر قبره، وما يخلع عليه أسطورة من مثل الأساطير الكثيرة التي يسمعها الإنسان بمكة عن مساجدها وقبورها وآبارها.

فقد كان عروة سفير قريش إلى النبي عام الحديبية، هو الذي خرج إليه يُذَكِّره بأن مكة بيضته، وأنه إن يفْضُضْها على أهله المقيمين بها كان العار الخالد لقريش عارًا لا يرضاه محمد لأهله وإن اتصلت الحرب بينه وبينهم ما اتصلت، فلما عاد إلى قريش قال لهم: «يا معشر قريش، إني جئت كسرى في مُلكه، وقيصر في مُلكه، والنجاشيَّ في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكًا في قوم قطُّ مثل محمد في أصحابه، لا يتوضأ إلا ابتدروا وَضوءه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، وإنهم لن يُسلموه لشيء أبدًا.» وكان عروة هو الذي أسرع إلى محمد بعد غزوة تَبُوك يعلن إسلامه وحرصه على دعوة قومه للدخول في دين الله، فلما حذره النبي قومه وقال له: «إنهم قاتلوك». كان جواب عروة جواب المعتز بمكانه منهم أن قال: «يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبصارهم.» وعاد عروة إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام؛ فتشاوروا بينهم، وعزَّ عليهم أن يتركوا عبادة اللَّات، فلما أصبح عروة قام على علِّيَّة له ينادي للصلاة، فضاق قومه به ذرعًا فرموه بالنبل، فقال وهو يُسْلِم الروح: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ، فليس فيَّ إلا ما في الشهداء الذين قُتلوا مع رسول الله قبل أن يرتحل عنكم.» ثم طلب أن يُدفن مع هؤلاء الشهداء فدفن معهم.

هذه بعض مواقف عروة بن مسعود الثقفي، ومع ذلك لا يعرف أحد من ثقيف قبره بين هذه القبور لشهداء المسلمين، ولقد دعاني ذلك إلى كثير من التدبر وأنا بموقفي أستذكر صورة اليوم الذي استشهد فيه أولئك الشهداء، واليوم الذي استشهد فيه عروة بن مسعود من رمية النبل وهو ينادي: «الله أكبر الله أكبر» ويدعو الناس للصلاة.١

وعدتُ وأصحابي من مسجد ابن عباس ندور في المدينة، وقد مررنا على مقربة من مسجد ابن عباس بمسجد للسنوسي، يسميه بعضهم مسجد الطرابلسي، فألفيناه مُغلقًا، فنظرت من ثقب في أعلى بابه فإذا هو على طراز مساجد مكة بسيط العمارة غير فسيح، يتقدمه لدى الباب صحن مكشوف، ويقوم المحراب قبالة الباب، ويعتمد سقفه على عمد فوقها عقود تفصل بين الصحن والمسجد، فلما تخطينا سوق المدينة منحدرين غربًا استوقفنا مسجد الهادي، وهو مسجد فسيح من مساجد الطائف السبعة التي يصلي أهل الطائف بها كل أوقاتهم، ما خلا صلاة الجمعة، فهم يجتمعون لها في مسجد ابن عباس.

من هذه المساجد بالطائف مسجد له قصة طريفة جديرة بالرواية، ذلك مسجد المحجوب الواقع في سفح جبل السكارى بقروة، وتتصل قصة هذا المسجد بمحرابه المشهور بأنه محرر على القبلة بدقة لا تعادلها دقة تحرير المحاريب في سائر مساجد الطائف، وقصة هذا المحراب أن السيد محجوب الميرغني السوداني أمر ببنائه، فلما أقام البناءون المحراب اشتبه في دقة استقباله القبلة، وقال لرئيس البنائين: «أَصْلِح قبلتك». ثم مَدَّ كُمَّ جبته أمام هذا المعلِّم فنظر فيها فرأى الكعبة من كُمِّ الجبة، وبذلك حرر المحراب على عين القبلة، وأنا أضع هذه الرواية تحت نظر القارئ، وليس لي منها إلا حظ الناقل.

مررنا بسوق الطائف في انحدارنا من مسجد ابن عباس إلى مسجد الهادي، وسوق الطائف كما رأيت أشبه شيء بما نراه في حوانيت القاهرة إذ نمرُّ بالفحَّامين والمُغَرْبِلين وتحت الربع، ولقد عادت بي ذاكرتي وأنا أجتازها إلى أسواق أم درمان، وإن بينها وبين أكثر الأسواق بمكة لشبهًا عظيمًا، وهي تشبه أسواق دمشق كما رأيتها في سنة ١٩١٤ — إذا لم تُخُنِّي الذاكرة — وهذا كله يدل على أنه طراز السوق المعروفة في بلادنا الشرقية قبل أن تغزونا حضارة الغرب وأن تجعل من أسواقنا ما نراه اليوم بالقاهرة والإسكندرية ودمشق والخرطوم في الأحياء الجديدة، فالحوانيت صغيرة ضيقة لا تُعنَى بعرض ما فيها عناية تلفت النظر، والجالسون فيها هم أصحابها، وهم يرتبطون بصلة المودَّة حتى ليدع أحدهم عميله جالسًا إلى باب حانوته ليقوم بنفسه فيبتاع له من الحوانيت الأخرى ما ليس عنده، وتمتلئ هذه الحوانيت الصغيرة الضيقة بَرَكةً من الله وفضلًا لقيام أصحابها بأنفسهم على تصريف تجارتها.

إذا اعتبرت الطائف هذه المدينة التي تتوسطها السوق ويقع فيها مسجد ابن عباس والمساجد الستة الأخرى، فهي — لا ريب — مدينة صغيرة لا تزيد على مُدن المراكز في مصر؛ لذلك تضاف إليها الضواحي المتصلة بها، والتي يتخذها أهل مكة مَصِيفًا ويعتبرونها من الطائف — كما يتخذ أهل مصر رمل الإسكندرية مصيفًا ويعتبرونه من الإسكندرية.

وقد أشرت إلى ضاحية قروة حيث يقع منزل مضيفنا الشيخ محمد الصَّبَّان، وثَمَّ إلى جوار الطائف من ناحية الشمال بستان اسمه نجمة، جميل الموقع غاية الجمال، وبه قصر تمنيت إذ رأيته أن يكون لي، فموقع نجمة بديع حقًّا، يقع من خلفه وادٍ يطلقون عليه اسم وادي العقيق، وإن أنكر الشريف حمزة الغالبي قِدَم هذا الاسم، ويقوم من وراء هذا الوادي جبل أبي صَحْفة، وهذا كله يحيط نجمة بهالة طبيعية بارعة تبلغ روعتها ساعة المغيب حين تنحدر الشمس وراء الجبل وتُلقي بأشعتها على وادي العقيق مبلغًا تتعلق به النفس ويأخذ الفؤاد منه البَهْر؛ لذلك اختارها الشريف عون الرفيق أمير مكة السابق لبناء هذا القصر الذي بها والذي أريد بالبستان أن يحيط به، لكن تصاريف القَدَر أقوى من إرادة الإنسان، وله فيها العبرة البالغة، فقد بغتت حوادثُ النهضة في بدء الحرب الكبرى بُناة هذا القصر فلم يتموه، وبقي لذلك بناءً قائمًا من الآجر الجميل لم يجصَّص ولم توضع له أبوابه ونوافذه، لكن متانة البناء حفظته مدى هذين العقدين من السنين اللذين انقضيا منذ بنائه، فهو اليوم قائم كأنه ينتظر بُناته يستأنفون عملهم فيه صبح الغداة. أما البستان فصار اسمًا لا مسمى له، وهلك عون الرفيق وتَرَكَتْ ذريته الحجاز، وهي تقيم بمصر الآن، ولا يفكر أحد في استئناف هذا البناء البديع في ذلك الموقع الساحر، ولا في غرس البستان حوله ليكون مَصِيفًا بارعًا قلَّ نظيره.

أما وهذا شأن نجمة فهي أدنى إلى الأثر منها إلى الضاحية، وإن تكن أثرًا يسهل بعثه إلى الحياة ليكون قصرًا فخمًا وبستانًا جميلًا، فأما الضاحية البديعة حقًّا فتلك شبرة التي مررنا بها في طريقنا من مكة إلى الطائف، والتي تقع على أبواب الطائف، ولم تقف السيارة بنا إذ ذاك عندها، ولم ألتفت يوم ذاك إليها رغم انبساط ضوء القمر عليها، لتقدُّم الليل، وشدة الجهد، وطول الشُّقة التي قطعناها، لكني عدت إليها قبيل المغيب ذات يوم من أيام مقامنا بالطائف فخلتني إذ دخلت قصرها واخترقت بساتينها كأنما انتقلت من بلاد العرب كلها إلى جزيرة الروضة بالقاهرة، أو إلى بعض الجوانب النضرة من سويسرا، هذا مع أني كنت قد مررت قبل ذلك ببساتين عدة في بادية الطائف، وكنت قد نسيت الجدب والإمحال المحيطَيْن بمكة، واللَّذين ينتشران في تهامة إلا في قليل من أوديتها.

وشبرة ليست مع ذلك بالضاحية القديمة، فقصورها وبساتينها من بناء آل عون في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل هذا القرن العشرين، بنى الشريف عبد الله بن عون القصر الأول، أو شبرة القديمة كما يسمونها، وبنى الشريف علي ولده القصر الثاني أو شبرة الجديدة، وغُرست حول القصرين بساتين فخمة يقصر دونها الطرف، بها من أشجار الفاكهة النادرة والأزهار البالغة في البهجة ما جلبه بُنَاة القصرين من مختلف بلاد الأرض، كما جلبوا رخام القصرين من إيطاليا، وأخشابهما من تركيا، وقد آل هذان القصران إلى الملك ابن السعود بعد جلاء الأشراف عن الحجاز، فاتخذهما مصطافًا له ولعائلته، أما وحريم ابن السعود من زوجاتٍ ومِلْكِ يمين يَفُقْنَ في العدِّ ما يتصوره ذهننا المصري، أما وأبناؤه منهن يجاوزون العشرات، أما ولكل زوجة في القصر جناح، فالقصران جميعًا لا يسعان الأسرة الملكية السعودية كلها؛ لذلك يضطر الأمير فيصل، وزير خارجية ابن السعود ونائب الملك بالحجاز، أن ينزل بالطائف إذا اصطاف بها؛ لأن قصرَيْ شُبرة وبساتينها تضيق به.

وبينما يصطاف ابن السعود وأهله بشبرة الطائف إذا الشريف علي باشا الذي أقام شبرة الجديدة بعد أن أقام أبوه الشريف عبد الله بن عون شبرة القديمة يقيم بمصر يستعيد ذكريات عهدٍ سلف، ويتطلع بآماله إلى هذه البادية التي شهدت عظمة سلطانه ثم نسيته كما نسيت عُتاةً سبقوه وكان لهم فيها السلطان، وإن حفظت ذكر الذين عَطَّروا جوها من عهد رسول الله بالتضحية بحياتهم جهادًا في سبيل الله.

عدت إلى شبرة قبيل المغيب ذات يوم من أيام مقامنا بالطائف بعد أن قضينا نهارنا بالبادية نصعد في الجبال وننحدر عنها، وكان السيد محمد صالح القزاز قد أبلغ حارس القصر أن يلقانا عنده وأن يفتح لنا بابه أول وصولنا إليه، ووقفتُ قبالة القصر أحدق في عمارته، ولم يدهشني ألَّا ينم شيء منه على الطراز العربي في قليل ولا كثير رغم قيامه في قلب بلاد العرب؛ فقد شاده الأشراف في عصر كانت صفة العربية تدل على الانحطاط والتأخر في كل ما تنسب إليه، وكان سلطان الحضارة الغربية متغلغلًا في نواحي الحياة في ربوع العالم جميعًا، إنما بُني القصر على طراز أدنى إلى الروماني، فتح حارسه لنا بابه فصعدنا إلى درجات فسيحة مريحة تبلغ عرض الباب، أي: نحو المترين، ومصراعا الباب من خشب جميل النقش ثمين، وطالَعَنا سلم القصر وراء الباب وهو في مثل عرضه، صنع من رخام إيطالي جميل، وقام عن جانبيه درابزون من الحديد الدقيق الصناعة، وتدل آثار من النحاس باقية بأعلى الدرابزون على عنايةٍ بنقشه وزخرفته، وقد قيل لنا: إن الوهابيين لما وصلوا الطائف واقتحم جندهم القصر حسبوا النحاس ذهبًا فنزعوه واعتبروه من الغنائم الثمينة، ويفضي هذا السلم إلى الطابق الأول للقصر فيفضي بذلك إلى أبهاء فسيحة، وغُرف تُذكرك سعتها بأبهاء الفنادق، وزادها سعة خلوها من الأثاث، وأردت أن أعرف هذا الأثاث ما يكون حين نزول الأسرة المالكة أثناء الصيف بالقصر فلم أَجِد إقبالًا على إجابتي، فحسبت القوم غلبهم الحياء دون الحديث في أمر ملكي ذلك مبلغه من الاتصال بالحياة البيتية في الليل والنهار، وأردت أن أشجعهم فذكرت ما يراه الإنسان بالقصور الملكية في إنجلترا وأوروبا من الطنافس وأدوات الزينة وأَسِرَّة النوم، فنظر أحدهم إليَّ في دهشة وقفتني عن المُضِيِّ في القول وذكرتني أنني في بلاد العرب ولست بأوروبا.

ولم نصعد إلى الطابق الثاني من القصر إذ قيل: إنه على نظام الطابق الأول، وعدنا من الغرف إلى السلم لنهبطه، فأشار إلينا الشيخ صالح القزاز فدخلنا من باب قبالة السلم يؤدي إلى طُنُف «بلكون» مطلٍّ على بساتين القصر، فجلسنا حتى تناولنا القهوة، ثم هبطنا إلى البساتين نسير فيها متنقلين من بستان شبرة القديمة إلى بستان شبرة الجديدة نقضي من الوقت أثناء سيرنا بهما ووقوفنا أمام أشجار مختلفة فيهما ما يُشيع في النفس المسرَّة ويذهب عنها نَصَب النهار في متاعها بمنظر شجرة باسقة لفاكهة نادرة، وأخرى متشعبة الفروع لزهر ذكي عطِر، وإن لم يكن الفصل بالطائف بعدُ فصل جَبْيِ الفاكهة أو تضوُّع أريج الزهر.

وهذه البساتين، على ما فيها من أشجار ثمينة نادرة، لم يُعْنَ أحد بتنسيقها أو بتنظيم الطريق خلالها لتيسير المرور بها والوقوف عند محاسنها والمتاع بعطر زهرها وأريج فاكهتها، هي أدنى إلى أن تكون غابة مستوحشة ألقت المصادفة إليها بهذه الأشجار فنمتها تربتها الخِصْبة في نضرة وبهاء دون أن تجمع بين المتشابه منها أو تُعْنَى باتساق ألوان الزهر فيما يجتمع من أشجاره، يشير لك البستاني إلى شجرة من الورد ويصف لك بهاء لون زهرها، ثم يذكر لك أن شجرة مثلها تقع في ناحية من البستان نائية أو قريبة، وأن شجرة من فصيلتها تقع في الطرف الآخر منه، وما سوى الورد والفاكهة مبعثر في هذه البساتين كالورد سواء، فسبيلك إلى معرفتها أن تدرس مواقعها من هذه الغابة وأن تقتحم طريقك إليها خلال الأشجار الباسقة البارعة النمو المتشابكة الغصون.

وبلغنا بابًا صغيرًا بآخر البساتين فيما وراء القصور، واتجه أصحابي يريدون الخروج منه، وإني لعلى أهبة اتباعهم إذ وقف إلى جانبي الشريف حمزة الغالبي، وقال: أتعلم أن لهذه البساتين كرامة لن ينساها أهل الطائف ولا أهل مكة؟! وعجبتُ أن تكون البساتين أولياء أُولِي كرامات، فقال: لا تعجب! فقد كان أهل مكة يصطافون بالطائف حين أغار الوهابيون عليها، ولم تكن بالطائف حامية تصدُّ غارتهم، فلما سَلَّمَت المدينة ودخلها الإخوان أخذوا من بها أسرى، وبحثوا عن محلة تتسع لهم جميعًا فلم يجدوا إلا هذه البساتين فحشروهم فيها زُمَرًا ولم يدفعوا إليهم بطعام ولا بشراب، وكان الفصل فصل الفاكهة، فوجد هؤلاء الأسرى فيها طعامهم، وفي العيون التي تستقي منها البساتين شرابهم، ولولا ذلك لهلكوا جوعًا وعطشًا، ألا ترى هذه كرامة لهذه البساتين تُسجَّل لها مع ما يُنسب لبعض الآبار والآثار من الكرامات؟!

وألقيت على هذه البساتين كأنها الغابات قبل خروجنا من بابها الصغير نظرة أحاطت بها، ثم سِرْتُ وأصحابي بعد أن انحدرت الشمس إلى المغيب تاركة وراءها بقية من الضوء تنير الطريق للسالكين، وأفضيت إلى أصحابي والسيارة تجري بنا إلى الدار بما رأيت من عدم تنسيق البساتين وتركها غابة غير ذات نظام، فقال أحدهم: «لعلها كذلك أجمل! ولعل ذلك رأي الأشراف الذين نسقوها.»

وبلغنا الدار فعلمنا أن شعراء البادية سيحضرون إلينا في المساء، ودخلت غرفتي أزيل غبار النهار، ثم توضأت وصليت وأقمت على سجادة الصلاة أذكر ما رأيت، وتمثلت لي البساتين في غاباتها وسألت نفسي: أهي حقًّا كذلك أجمل مما لو نُسقت ونُظمت وخُططت فيها الطرق وجمع فيها كل ضَريبٍ من الأشجار إلى ضريبه، وكل لون من الزهر إلى نظيره؟ أم هي كذلك أجمل لأنها في بلاد العرب بين أحضان الطبيعة البِكْر لم تنظمها يد الإنسان، وأنها لو نظمت لكانت نابيةً في هذه البيئة؟ فالبدوي المتنقل من مكة أو من نجد إلى الطائف، والذي قضى في البادية ما قضى يَخُبُّ به الجمل تتقاذفه الفلوات، أو تجري به السيارة منذ غزت السيارة هذه الربوع جريًا مضطربًا بين المرتفعات والمنخفضات، لا يألف نظرُه البستانَ المنظم ما يألف هذه الغابة الموحشة في روعة جمالها البارع! أم يرجع عدم تنظيمها إلى بقاء الخُلُق البدوي متأصِّلًا في النفس العربية فهي لمَّا تألف الحضارة ونظامها، وهي لا تحتمل هذه الحضارة ولا تسيغها إلا أن تُحمَل على ذلك حملًا وتُكرَه عليه إكراهًا؟

والحق أن أهل هذه البلاد ما يزالون مترددين بين الاعتزاز ببدويتهم والإعجاب بالحضارة الحاكمة، فهم يتمنون أن يتاح لهم المتاع بكل ما تُيَسِّره هذه الحضارة من متاع بالحياة، وهم يخشون ألا تطيق نفوسهم هذا المتاع، أو لا تطيقه بلادهم وبيئتهم لو أنه جلب إليها، كما يخشون أن يُضيع ما تجلب هذه الحضارة إليهم ما ينعمون به من حرية البداوة، فهم يعتزون بها ويذكرون ماضي مجدها ويرجون لو يستطيعون الجمع بينها وبين ما في الحضارة من خير، ناسين أو متناسين أن الخير وحده لا وجود له، وأن الشَّرَّ وحده لا وجود له، وأن اجتماعهما طبيعي، فلا مَفَرَّ منه ولا مَعْدَى عنه، وأن غاية ما نستطيعه أن نستر الشرَّ عن الأعين، كما يتوارى المريض أثناء مرضه عن أعين الناس.

وأقبل المساء وأقبل شُعراء البادية إلى بهو الدار يبلغون الخمسة عشر عدًّا، وجلس كل منهم في المكان الذي تؤهله له مكانته، في الصدر جلس رجل منهم يناهز الستين، تُحدِّث سيماه ويُحدِّث لباسُه عن وجاهة في قومه وتَقَدُّمٍ على أبناء قبيلته، وجلس على مقربة منه مَن لا يبلغ الثلاثين ولكنه فصيح القول، في نبرة صوته أمارة الرياسة، وجلس الباقون وقد اختار كل منهم مكانًا لا ينازعه إليه غيره، وألقى كثير من هؤلاء مشالحهم عن أكتافهم، أمَّا أُولو الصدارة فقد احتفظوا بها وكأنها بعض أمارة الصدارة، وبادلتُهم التحية جميعًا، ثم فسحوا لي في الصدر مكانًا وسألوني عمَّا شهدت بالطائف وعن رأيي فيه، واتصل بيننا حديث سرعان ما خالطه ذلك الود الفياض من ميراثنا المشترك في اللغة والتاريخ والعقيدة، ذلك الود الذي يجعلنا نشعر حيث كنا من بلاد هذا العالم العربي أننا بين أهلنا وذوي قربانا، التقى أجدادنا وأجدادهم، وجرى في عروقنا وعروقهم عن طريق النسب دم مشترك، فأصبحنا أمة واحدة وإن تباعدت البلاد وتباينت العادات.

ولم أكن أطمع في أن أسمع من شعراء العرب هؤلاء شعرًا عربيًّا كالذي انتهى إلينا عن الجاهلية وعن شعراء العرب أيام سلطانهم وازدهار حضارتهم، فلقد طمعتُ في أن أسمع بالبادية حديثًا عربيًّا في صفاء اللغة التي درسناها، فلم أسمع في الأودية ولا في أعالي الجبال من ذلك شيئًا، وإنما هي لهجات تعذَّر عليَّ فهم بعضها كما يتعذر عليَّ فهم لغة أهل الصعيد الأعلى في مصر، وفهمت بعضها في عُسر، كما لو كنت أسمع بعض اللهجات في سوريا ولبنان، وليس في البادية مدارس يتعلم أبناء البادية العربية الصحيحة فيها ويدرسون الشعر القديم كما يدرسه أبناؤنا ليقولوا الشعر متأثرين ببيئتهم محاكين الأقدمين في نظمهم، ولم يُخلِف هؤلاء الشعراء ظني، فقد بدءوا يُلقُون مقاطيع في الغزل وفي ذكر الأيام، أيام البادية المجيدة، هي أشبه شيء بالمواويل الحمر في صعيدنا الأعلى، ولقد كانت طريقة الإلقاء تبعث إلى النفس من معاني ما يقولون أكثر مما تبعثه الألفاظ الغريبة عني، والتي تنطوي عليها لهجاتهم المختلفة، وكثيرًا ما حاول الشريف حمزة الغالبي أو الشيخ صالح القزاز أن يترجم لي هذه المقاطيع باللغة التي نتفاهم بها، لغة أهل مكة الجامعة بين خليط من لغات المسلمين في أقطار العربية المختلفة، وكنت أقف من هذه الترجمة على صورة بدوية بديعة في هذا الشعر الساذج أكاد أذكر بها معاني الأقدمين.

وجاءت نوبة الشريف حمزة الغالبي فألقى قصيدة باللغة العربية الفصحى، وكأنما أراد أن يُرَفِّه عني بلغة يتيسر عليَّ فهمها، وعاد أصحابه إلى مقاطيعهم، ثم عاد هو فألقى قصيدة أخرى، وعاد في نوبته فألقى قصيدة ثالثة، إذ ذاك ضاق القوم به ذرعًا أن رأوني أسرع إلى فهم ما يقول، فحدثه أسنُّهم يعيب عليه أن يحاول إبداء تفوقه عليهم أو ازدراء لغتهم ولغة آبائهم، واعتذر الشريف في تأدب بأنه إنما يريد أن يُطْلِعَني على شيء مما يقولونه، ولم يعد بعدها إلى إلقاء شيء من شعره.

وكان الطريف في هذه القصائد الثلاث التي أنشدها أنه يمدح بأولها حُكم الترك، وبالثانية حكم الأشراف، ويُشِيد في الثالثة بحكم ابن السعود، دون أن يرى في ذلك ما يعاب به أو يقدح فيه، ألم يكن هؤلاء جميعًا حكامًا لبلاده؟ فهم سواسية عنده، يقول فيهم جميعًا قولًا واحدًا، ويتخذ إزاءهم من شِعره ما يتقي به ظلمهم وما يصل به إلى رضاهم، وإلى ما يسبغه هذا الرضا على مَن يناله من خير ونعيم.

ومُدَّتْ لشعراء العرب الموائد، وقُدِّم لهم العشاء، فالتفوا حوله بعد تمنُّع ونالوا منه شبعهم، وبعد أن تناولوا القهوة وتحدثوا استأنفوا قول الشعر، لكنهم لم يقولوه مقاطيع كما فعلوا قبل العَشاء، بل بدءوا بالمطارحة: يَرْتَجِل أحدهم في أمْرٍ فيجيبه آخر ارتجالًا في هذا الأمر، وما كان لي أن أحكم بينهم ولم أكن أفهم مما يقولون إلا قليلًا، لكنني رأيت بعضهم يتحمس لما يسمع من جانب، ورأيت آخرين يتحمسون لما يسمعون من الجانب الآخر، وذكرت شيئًا من هذه المطارحة سمعته في لبنان، ورأيت هناك ما رأيت بالطائف من تحمس لهذا ولذاك من المرتجلين، فأيقنتُ أن الشعر شعبيٌّ يثير الحماسة، وأن قائله يتوخى في قوله أن يثيرها في النفوس ليُذكي فيها من صرام هذه الحماسة غاية ما يستطيع إذكاءه.

وانتهى القوم من هذه المطارحة يتبادلونها جلوسًا، ثم قاموا فريقين يواجه كل منهما الآخر، وقد أمسك الزعيم من كل فريق عصًا، واندفعوا يتطارحون في حماسة أشدَّ مِن الأولى وأنا لا أكاد أفهم مما يقولون شيئًا؛ لبُعد ما بين لهجتهم وما عرفت من لهجات البلاد التي تتكلم العربية الفصحى، وحَمِيَ وطيس المطارحة، وأخذت الحماسة من نفوس الفريقين أعظم مأخذ، ولم يصبح الأمر بينهم أنهم يريدون إظهاري على شعر البادية ما هو، بل أصبح منافسة واستعلاء، يريد كل فريق أن يكون له التفوق والغَلَب، وهل بقي من أمري ما يعنيهم وقد رأوني لا أفهم ما يقولون؟! لكنهم يفهم بعضهم بعضًا، ولكنهم رأوا حديقة الدار قد امتلأت بأهل الطائف كبارًا وصغارًا يلقون إليهم السَّمع ويتحمسون لهم فيزيدونهم حرصًا على الإجادة والتفوق، وامتلأت حديقة الدار منذ بدأت هذه المنافسة ولم يكن بها أول المساء إلا القليل، فلا عجب أن يحرص كل فريق على أن يَحْكُم النَّظَّارةُ بتفوقه، وإن امتد به القول، وإن أقام مكانه حتى الصباح يتلقى الهجمات ويدفعها حتى يبلغ من ذلك إلى إخفات صوت خَصْمه.

وأدرك الشيخ صالح القزاز أني أُقيم معهم مجاملة لهم ما دمت لا أفهمهم، وأني في حاجة إلى الراحة والنوم، وكان الليل قد انتصف ولا بد لنا من التبكير في اليقظة صبحَ الغد لنخرج إلى جبال الشَّفَا؛ لذلك أخذ يشكر القوم علامة الإذن بانتهاء الحَفْل، إذ ذاك سمعتُ زَمْجَرةَ استياء من ناحية الحديقة وبدا على المتنافسين الضجر مما سمعوا، وكأنما كان كل فريق يحسب النصر قد دنا، أو أن فريقًا طرب للانتهاء؛ لأنه كان وشيك الخذلان، في حين كان الفريق المتفوق هو المزمجر استياء لهذا التبكير بفضِّ الحفل قبل تمام انتصاره، على أن حركة الاستياء لم تلبث غير ثوانٍ جلس القوم بعدها ثم استأذنوا وانصرفوا، وقمت إلى مضجعي مكدودًا فلم تك إلا لحظات حتى اشتملني عالم النوم.

واستيقظت بكرة الصباح وصُوَر هؤلاء الشعراء ما تزال ماثلة أمام عيني، وساءلت نفسي عن هذه المطارحة وهذا التفاخر: أهما صورة ما كان يقع عند العرب من سكان هذه البادية في العصور القديمة حين كانت الفصحى ما تزال في سلامتها، وأن ضياع الفصحى لم يَحُلْ دون انتقال هذه الصورة على العصور من الآباء إلى الأبناء؟ ولم أُعَنِّ نفسي بالوقوف عند هذا السؤال والتماس الجواب عنه، مكتفيًا بما علِقته الذاكرة من كتب الأدب عن المطارحة ارتجالًا وذيوعها عند العرب الأقدمين، فأما هذه المفاخرة في صفَّين يقف أحدهما قبالة الآخر فقد تكون صورة من المطارحة في الفخر لم تُطل كتب الأدب الحديث عما كان يقع منها فيما مضى، وقد لا تكون مما ورثه عرب البادية اليوم عن أسلافهم، وإنما هي بدعة انتقلت إليهم من بعض البلاد التي غزاها هؤلاء الأسلاف بعد الفتح الإسلامي بزمن قصير أو طويل.

وسألت الشيخ عبد الحميد حديدي، ونحن نتناول طعام الإفطار، عن المكان الذي لقي النبي فيه عدَّاسًا النصراني النِّينوي حين جاء إلى الطائف مستنصرًا أهلها فخذلوه وأغرَوا به صبيانهم فوجد في عدَّاس هذا عَزاءً وسلوى عن تحرش الصبيان به وتنكُّر الرجال له، وأجاب الشيخ عبد الحميد: إن مسجد عدَّاس يقع بالمثنَاة إحدى قرى بادية الطائف، ولا يقع بالطائف المعروفة اليوم، أما وكتب السيرة جميعًا تشير إلى أن عداسًا لقي النبي بالطائف حين احتمى بحائط شيبة وعتبة ابنَيْ ربيعة، كما تشير إلى أن مضارب المسلمين حين حصارهم الطائف كانت تقع على مرمى النَّبل منها، وإلى أن قبور الشهداء الذين أسلموا الروح أثناء هذا الحصار، وهي القبور الواقعة إلى جانب مسجد ابن عباس، تقع حيث كانت تقوم هذه المضارب، ففي هذا كله ما يدل على أن الطائف لا تقوم اليوم حيث كانت تقوم على عهد الرسول، وأنها نُقلت من مكانها، حيث كانت تحيط بهذه المَثْنَاة التي يشير الشيخ عبد الحميد إليها وإلى وجود مسجد عداس بها، وشُيِّدت حولها قبور هؤلاء الشهداء تبركًا بهم وتيمنًا بهذا المكان الذي أقام النبي به أثناء حصار الطائف، وقد أقنعني تَجْوالي ببادية الطائف ووقوفي بالمَثْنَاة من قراها بصحة هذا الرأي، وبأن موقع الطائف اليوم غير موقعها القديم، وأن إحاطتها بمسجد ابن عباس وقبور الشهداء من المسلمين إنما ترجع إلى هذه الاعتبارات التاريخية التي رواها صاحبي.

وبادية الطائف فسيحة مترامية الأطراف تجعل من الطائف قُطْرًا كاملًا ومملكة، لو أنها عمرت لكانت كبعض الممالك الصغرى بأوروبا، وحسبك أن تعلم أننا أقمنا أربعة أيام نجوب أنحاءها بالسيارة من بُكْرة الصباح إلى ساعة متأخرة من المساء أحيانًا وإلى ما بعد مغيب الشمس دائمًا، ما خلا يوم زرنا شبرة ولم نبلغ من هذه البادية بعد ذلك إلا بعضها، وأقرب بادية الطائف إليها بستانان يضيفهما بعضهم إليها؛ لأنهما يقعان حيث كانت تقع الطائف على عهد الرسول؛ ولأن موقعهما يختلف في طبيعته عن البادية، فبادية الطائف تقتضيك لكي تبلغها تسنُّم هضاب وتسلُّق جبال وجَوْب أودية ليست في شيء من طبيعة الطائف ولا من موقعها في سهلها المترامي الأطراف بين الجبال المحيطة به، وهذان البستانان يقعان في هذا السهل كما تقع فيه قروة وشبرة ونجمة وسائر ضواحي الطائف، وهذا ما يؤيد رواية الرواة أن الطائف القديمة كانت تقع حول هذين البستانين، فالمشهور أن مسجد ابن عباس كان يقع على بعد من أسفل المدينة القديمة من الجهة الشمالية، أما اليوم فهو يقع في أعلى المدينة من الجهة المذكورة، وهذان البستانان يقعان جنوب الطائف الحالية.

البستانان هما حَوَايا وشِهَار، وهما واحتان خصيبتان بين هضاب قليلة الارتفاع مليئة بالأحجار التي قذف بها السيل من أعالي الجبال، وفي كل بستان منهما مياه جارية تسقي أشجاره الباسقة الجميلة، ويتوسط «حَوايا» بناء يقيم به أهله، وقد بُنيت أمام أبوابه بِرْكة ماء فسيحة يرتفع الماء فيها فوق مستوى الأرض لتيسير ريها منه، وماء البركة يؤتَى به من بئر يسهل مَتْح الماء منها لقربه من سطحها، ويوجد على مقربة من هذه البئر بئر أخرى يُشيدون بصلاح مياهها لشفاء رمل الكلى، ويتحدثون متعجبين عن مجاورتها للبئر الأخرى مع اختلاف خواص مياههما بحيث يكون ماء هذه البئر شافيًا صالحًا للشرب ولا تكون الأخرى كذلك.

ويريد بعضهم أن يجعل اسم حَوايا تحريفًا لاسم سبقه هو هوايا؛ ويذكر أن هذا الاسم قد أطلقه على هذا المكان من وجد في مياه بئره الشافية ما يرضي هواه، وعندي أن هذا خيال لا سند له في كتاب من الكتب التي يصح الاعتماد عليها والتي ذكرت اسم هذا المكان.

أما البستان الآخر فشهار، وهو يشبه حوايا، غير أنه لا بناء فيه ولا بئر، وبه شجرة نبق هندي لذيذة الثمر، وآلة رافعة للمياه يديرها الهواء، وقد دُقَّت هذه الآلة في البستان من زمن قريب على سبيل التجربة، وأهل الطائف ينتظرون نتيجة هذه التجربة قبل أن يُقدموا على الاستعانة بمثل هذه الآلة في استنباط مياههم من العيون.

حول هذين البساتين إذن — وبين التلال الواقعة أمامهما من الجهة الغربية — كانت تقوم الطائف القديمة فيما يروي بعض أهلها اليوم، وفي هذا المكان إذن كانت تقوم اللَّات صنم ثقيف حتى عَفَّى الإسلام على أثره إذ هدمه المُغِيرة بن شُعبة ونساء ثقيف حُسَّرًا يبكين، وكان يقوم بيت اللَّات ضريبًا لبيت الله بمكة، كما كانت تقوم دار عُرْوة بن مسعود أول من أسلم من ثقيف، ودار عمرو بن عُمَيْر بن عوف التي قصدها النبي يوم نزل الطائف وحيدًا فردَّه أبناء عمرو ردًّا غير جميل، وفي هذا المكان كانت تقوم المدينة التي حاصرها النبي على رأس جيش الفتح فاعتصمت بحصونها وامتنعت من هؤلاء الذين لم تمتنع عليهم مكة ولم يمتنع عليهم في بلاد العرب كلها بلد ولا حصن، أين يومنا اليوم من تلك الأيام العظيمة التي شهدت عز الطائف وعز العرب جميعًا ببطولة العرب وبمجد الإسلام؟! وأين تلك الطائف القوية ذات الأيْد والمنعة والحصون التي لا تُقْهَر، من هذه الطائف التي يمتنع بها الترك أول الحرب الكبرى فيحاصرهم الأشراف فيها ويأخذونهم أسرى، ويمتنع بها الأشراف في سنة ١٩٢٥، فيحاصرهم النجديون فيها ويقتحمونها عليهم ويأسرونهم بها، بل أين بلاد العرب كلها اليوم من بلاد العرب تلك حين كانت الطائف قطعة من الجنة — أو قطعة من الشام نقلها الملائكة إلى شبه الجزيرة — وحين كانت ثروة الطائف وخصبها مضرب المثل؟!

وتمثَّل لي جيش المسلمين أيام النبي مقبلًا من ناحية الجبال الواقعة شرق الطائف بعد أن انتصر في حنين وخلف أسراها في الجِعْرانة، تمثل لي هذا الجيش يزيد رجاله على عشرة آلاف كلهم إيمان بالنصر، وكلهم حرص على الاستشهاد في سبيل الله، وقد أحاطوا بالطائف، فرماهم أهلها بالنبل من أعلى الحصون واضطروهم للانزواء بعيدًا عن مرمى النبل، وهناك عند مسجد ابن عباس أقام الجيش، وضُربت للنبي خيمتان بعيدًا عن هذا المرمى، ويطول حصار القوم وهم متحصنون بمدينتهم الغنية لا يسلِّمون، وهم فيها كالثعلب في جُحره لا سبيل إلى إخراجه منه إلا بطُولِ المُكْث، ثم يدهمهم المسلمون فيرمونهم بالمنجنيق، ويبعثون إليهم بالدبابات وقد دخل تحتها نفر منهم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فيُكْرِه رجال الطائف هؤلاء الزاحفين على الفرار بأن يلقوا الحديد المصهور على الدبابات فيحرقها، ويأمر النبي بإحراق كروم الطائف، ويبدأ المسلمون ينفذون، فيبعث أهلها إلى النبي أن يأخذه لنفسه إن شاء، وأن يدعه لهم وللرَّحم لما بينهم من قرابة إذا أراد، وينتهي الأمر بأن يرفع المسلمون الحصار وأن ينصرفوا عن الطائف ليبعث الثقفيون بعد قليل من ذلك يطلبون إلى النبي أن ينضموا إلى لوائه.

كيف صارت الطائف إلى ما صارت اليوم إليه؟! وكيف هوت من تلك المكانة التي كانت لها والتي كانت تنافس بها مكة حتى أقامت للَّات بيتًا جعلته منافسًا للبيت الحرام؟! لعل ما حول الطائف مما تحدث عنه باديتها يجلو لنا من ذلك ما يزيدنا فهمًا لما يحدثنا به التاريخ وما تنطوي عليه الكتب، فلنزُرْ بادية الطائف، ولنحاول أن نقف منها عند كل ما نستطيع الوقوف عنده.

١  المأثور أن هذه القبور لسعيد بن سعيد بن العاص، وعرفطة بن عبد الله بن أمية، والسائب بن الحارث بن قيس القرشي، وعبد الله بن الحارث بن قيس، وطلحة بن عبد الله بن ربيعة، وثابت بن الجزع — ويسمى: ثعلبة، والأنصاري الخزرجي السلمي، والحارث بن سهيل بن أبي صعصعة الأنصاري، والمنذر بن عبد الله الأنصاري الخزرجي، ورقيم الأنصاري، وعبد الله بن عامر بن أبي ربيعة … أما عبد الله بن أبي بكر الصديق فقد جرح في حصار الطائف، ثم اندمل جرحه، لكنه نغر عليه حين بلغ المدينة فتوفي متأثرا به.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠