آثار المدينة

لمَّا اختار رسولُ الله الرفيقَ الأعلى اختلف أصحابه أين يُدفن؟ قال جماعة من المهاجرين: يُدفن في مكة مسقط رأسه وبين أهله، وقال غيرهم: بل يُدفن في بيت المقدس حيث دُفن الأنبياء قبله، ثم رأوا أن يُدفن بالمدينة التي آوتْه ونصرتْه والتي استظلت قبل غيرها بلواء الإسلام، تُرَى لو رجح الرأي الأول ودفن بمكة إلى جوار البيت العتيق، أو رجح الرأي الثاني ودفن ببيت المقدس، أفكان الناس يزورون المدينة اليوم؟! وهل كان المسلمون يفكرون في سكة حديدية تصل بين المدينة والشام ويكتتبون لها بمئات الألوف من الجنيهات وينشئونها، فإذا عطلتها الحرب في سنة ١٩١٤ عادوا إلى التفكير في أمرها؟! أم كانت المدينة تصير إلى ما صارت إليه الطائف وغير الطائف من مدائن بلاد العرب فلا يقيم بها إلا من تكفي مواردها لقُوتهم في حدود قُدرتهم البدوية على استغلال هذه الموارد، وقلَّ أن يزورها أحد من غير أهلها، وبذلك يبقى أهلها عربًا خُلَّصًا بدل أن يمُتُّوا بأصولهم إلى بلاد العالم الإسلامي المختلفة في الهند والجاوة وفي مصر والشام وفي تركيا وأوروبا وفي غير هذه من البلاد التي يُقيم بها المسلمون شأن أهل المدينة اليوم؟!

لست في حاجة إلى الإجابة عن هذا السؤال، وليس يختلف فيها اثنان، على أن السؤال لذاته فرض جدلي، فدَفْن النبي بالمدينة كان أمرًا مقدورًا كما كانت هجرته إليها أمرًا مقدورًا، وأحدث الآراء في العلم تثبت هذا المقدور كما تثبته الآراء المقررة في الدين، فما يحدث في الكون أثر من سُنَّة الكون التي لا تبديل لها والتي تنتظم كل عوامل الحياة فيه، ولو أننا ذهبنا نتقصَّى النتائج التي تترتب على هذا الفرض لطال بنا الجدل، أفكانت الخلافة الإسلامية تقوم بالمدينة إذا دُفن النبي بمكة أم كانت العاصمة تُنقَل إلى أم القرى؟ أفكان ما حدث من الفتح الإسلامي يسير في الاتجاه الذي سار فيه أم في اتجاه غيره؟ وإنما أردنا من هذا السؤال في أول حديثنا عن آثار المدينة أن يذكر القارئ أن ما بهذه البقعة المباركة من الآثار يتصل كله بهجرة الرسول إليها ومقامه بها ودفنه فيها، واتخاذ خلفائه الأولين إياها عاصمة للإسلام كما اتخذها هو له منذ الهجرة مَقَرًّا.

والحق أن ما بالمدينة اليوم من آثار يتصل كله بالرسول، فهو له ولأهله وأصحابه، والقليل القليل منه لخصومه من اليهود الذين كانوا أُولِي ثروة وسلطان بالمدينة يوم هاجر إليها، ثم لم يلبث أن أجلاهم عنها إلا مَن آمن به منهم واتَّبعه، وأنت إذْ تسير في المدينة أو بظاهرها تشعر بأن الحياة الباقية لهذه الآثار هي التي تقف نظرك وتسترعي انتباهك ويهتز لها قلبك، وهي التي جذبتك إليها لتزورها، وهي التي أمسكتك لتقيم حولها، أما حياة الحاضر بالمدينة فتتعلق بآثارها وتكاد تكون حَمِيلة عليها، مِن ثَمَّ كان تفكير الناس وحديثهم بالمدينة منصرفًا إلى هذه الآثار الخالدة على الزمن، لا يُغَيِّر منها تفاوت حظ المدينة بين الرخاء والشدة والبؤس والنُّعْمَى.

أوَتحسب أن لهذه الآثار شواهَد عليها عُنِيَ الناس بإقامتها وأسبغوا عليها من صور الفن قوة وفخامة تتفق مع ما تثيره في النفس من ألوان الذكرى؟! لقد تحدثتُ عن المسجد النبوي وعمارته وما أُضيف من الزيادات إليه، والمسجد كل ما في المدينة من أثر الفن في العمارة والنقش، فأما ما سواه من شواهد الآثار القديمة فلا يعدو أكثره هذا النمط للمساجد القائمة بمكة، والتي لا تزيد على مربع من الأرض تحيط به جدران غاية في البساطة، يعلوه من ناحية المحراب سقف ساذج يستند إلى عُمُد ليست دونه سذاجة في بنائها، أما بعضها فخير من مساجد مكة بناء، ولبعض هذه المساجد الحسنة البناء قباب ومآذن، وفي بعضها تُقام الصلاة أحيانًا، على حين تقام في المسجد النبوي دائمًا، لما أُثِرَ عن النبي أنه صلى في تلك المساجد، وبالمدينة كما بمكة آثار غير المساجد، بها آبار وعيون ودور وأمكنة وجبال وأودية مأثورة، لكن هذه الآثار تختلف دلالتها جميعًا عن دلائل آثار مكة اختلافًا ظاهرًا، آثار مكة تتصل كلها بأيام الدعوة الأولى، وما أصاب الرسول وأصحابه من الأذى والمساءة في سبيلها، وليس يشذ عن ذلك من آثار مكة إلا ما اتصل بحياته في المدينة، كمسجد الرضوان الذي أُقيم ذكرى لعام الحديبية، حين ذهب المسلمون من المدينة إلى مكة حاجين البيت معظمين حرمته، ومسجد الراية الذي أقيم حيث ركز الرسول رايته حين فتح مكة، فأما آثار المدينة فتكاد تتصل كلها بجهاد المسلمين في سبيل الله، ولا غرابة في ذلك، والآثار إنما تُصور الجلائل من أحداث العصر الذي وقعت فيه، واتصالها بالعظيم الذي وجَّه العالم في ذلك العصر وجهته، ثم كان له بعد ذلك الأثر الباقي على الدهر، وقد كان محمد بمكة داعيًا إلى الحق الذي بعثه الله به باذلًا حياته في سبيل دعوته، وكان بالمدينة مدافعًا عن هذا الحق وحرية الدعوة إليه، مجاهدًا في سبيل انتشار هذه الدعوة ليُظِلَّ الخافِقَيْنِ عَلَمُهَا.

ولستُ أجد في العالم بلدًا يحوي من جلائل الآثار ما تحوي المدينة، فبيت المقْدِس مثوى الأنبياء وبلد المسجد الأقصى وكنيسة القيامة ومَبْكَى اليهود، وطيبة عاصمة مصر الفراعنة الأقدمين، والقاهرة عاصمة مصر الإسلامية، ورمية التي شهدت قيام الإمبراطورية الرومانية العظيمة وسقوطها، وباريس ولندن وسائر عواصم العالم تَقْصر آثارها دون التعبير عما تعبِّر عنه آثار المدينة من المعاني.

هذا، على أن آثار المدينة لا شيء فيها من عظم العمارة إلا في المسجد النبوي، أما سائرها فهو البساطة كل البساطة، ولست أدري لعل أبسط الآثار عمارة أعمقها في النفس أثرًا، فجبل الزيتون وطريق الآلام في بيت المقدس يهزَّان القلب بما يُحَدِّثان عنه من تاريخ المسيح أكثر مما يهزه كنيسة المهد وكنيسة القيامة، وما يحدث عنه هذان الأثران الفخمان في العمارة من معجزات، والآثار القائمة في المدينة والتي انمحى بعضها فما يكاد يبقى إلا اسمه، تبعث أمام الذهن من صور الجهاد في سبيل العقيدة والحق ما يهتز له وجود الإنسان كله إشفاقًا تارة، وإعجابًا طورًا، وإيمانًا بالله وثقة بنصره الحق في كل حال.

من هذه الآثار طائفة تحيط بالمسجد النبوي لم تدخل في عمارته حين زيادات عمر وعثمان والوليد والمهدي، وأكثر هذه الآثار كانت دورًا لأصحاب النبي أو لجماعة من حُكَّام المدينة تولَّوْا أمورها في عصر بني أمية، وما بقي من هذه الآثار اليوم لا يشهد بما كانت عليه أيام أصحابها الذين تُنسب إليهم، بل أصابها من التحوُّل على الزمن ما أصاب كل شيء في المدينة، فبعضها اليوم أَرْبِطة محبوسة وقفًا على طوائف من الفقراء، وبعضها أحيلت مدارس في عصر ما، ثم أصبحت مخازن أو ما إليها، وبعضها تهدَّم فما يجد الإنسان من أثره شيئًا يقف عنده.

وأول ما يلفت الذهن من أسماء هذه الآثار دار أبي أيوب الأنصاري، لقد كانت منزل رسول الله أول ما بلغ المدينة في أثر هجرته من مكة، على مقربة منها بَرَكَتْ ناقتُه إزاء مِرْبَد سهل وسُهَيْل ابني عمرو حيث كان المسلمون يصلون في المسجد الذي أقامه ابن عفراء، وفيها نزل إذ كان صاحبها أبا أيوب أحد بني النجَّار من الخزرج، وبنو النَّجَّار هم أخوال جده عبد المطلب، وقد أقام الرسول من هذه الدار بالسُّفْل ثم انتقل منه إلى العُلْو، وظل زمنًا يتراوح بين سبعة أشهر واثني عشر أوَى بعده إلى مساكنه؛ فلا جرم وذلك تاريخها أن تكون أول ما يلفت الذهن من كل باحث في آثار المدينة ومبلغ صلتها بالرسول الكريم.

وتقع دار أبي أيوب شرقي المسجد من ناحيته الجنوبية؛ فهي بذلك قبالة الحجرة النبوية لا يفصل بينها إلا الطريق، وهي تُلاصق دار جعفر الصادق الواقعة في جنوبها، ويفصل بينها وبين دار عثمان بن عفان الواقعة في شمالها زُقاق يعرف بزقاق الحبشة، ويقوم اليوم في موضعها مسجد ذو قِبَاب ومحراب، وقد كتب على جداره الخارجي بحروف بارزة مذهبة: «هذا بيت أبي أيوب الأنصاري مَوْفد النبي — عليه الصلاة والسلام — سنة ١٢٩١.» مما يدل على أنها بُنيت مسجدًا في هذا التاريخ، أما قبل ذلك فليس يعرف عنها إلا أن مدرسة أقيمت في موضعها سُميت المدرسة الشهابية، نسبة إلى بانيها الملك شهاب الدين غازي، وذلك بعد أن بقيت خربة زمنًا طويلًا.

أما تاريخها القديم فكل ما جاء عنه في «الرَّوض الأُنُف» للسُّهَيْلي أنها آلتْ بعد أبي أيوب إلى مولاه أفلح، وهذا تركها حتى تخرَّبتْ ثم باعها للمغيرة بن عبد الرحمن الذي قام بترميمها ثم تصدَّق بها على أهل بيت من فقراء المدينة أقاموا بها هم ومَن بعدهم إلى أن تهدمت، ثم تركوها عَرْصةً ليس فيها أثر لبناء.

أين الشبه بين هذا المسجد القائم اليوم وتلك الدار التي أوى إليها رسول الله؟ لا شيء من الشبه البتة بينهما، ومع ذلك يثير هذا المكان في النفس صورة ما حدث في اليوم الأول لنزول الرسول دار أبي أيوب، وما حدث في الأشهر التي عقبت ذلك اليوم، قف بنا أمام هذا المسجد الذي كان دارًا لأبي أيوب وانظر، لقد كان ما حول هذه الدار خاليًا من الجهات الأربع، وكان يجاورها إلى الغرب مِرْبَد سهل وسهيل ابني عمرو يجفف فيه التمر، وليس به إلا القليل من النخيل والغَرْقَد وقبور جاهلية تركد أثناءها مياه لا يُعْنَى أحد بتصريفها، وكان هذا المكان مقصودًا من مُسلمي المدينة الذين اتخذوه مصلًّى منذ جعل ابن عفراء فيه عريشًا للصلاة، وكان هؤلاء المسلمون ما يزالون في عدد قليل، لا يتجاوزون بضع المئات عدًّا، وهم على ذلك موضع إجلال أهل المدينة واحترامهم، إلا من أقفل التعصب قلبه من اليهود أو المشركين، وها نحن أولاء اليوم يوم الجمعة الذي أقبل الرسول فيه من قُباء ومعه أبو بكر وحولهما جماعة من مسلمي المدينة رجالًا وفرسانًا في جنوبهم السيوف، وها هم أولاء أهل المدينة جميعًا قد خَفُّوا إلى طُرقاتها يريدون أن يَرَوْا هذا الرجل الذي يتحدث أهلهم المسلمون عنه في إكبار وإعظام ليس مثلهما إكبار أو إعظام.

انظر إلى هذه اليهودية الواقفة هناك فوق ربوة بين صاحبات لها تسأل: «أيُّ الرجلين محمد؟» واسمع إلى جارتها الخزرجية تجيبها: «كيف لا تحزُرينه؟! أوَتحسبينه هذا الأبيض النحيف الخفيف العارضين الناتئ الجبهة؟ كلا! فهذا أبو بكر.» وتُردف اليهودية في إعجاب: «هو الآخر؟ إذن ما أبهى طلعته وما أعظم وقاره! إن له لَعَيْنين نافذتي النظرة من حدقهما الأسود اللامع بين أهدابهما السود الطوال.» ورجال المدينة وفتيانها يسيرون حول النبي في مظاهرة ابتهاج كلها الجلال، وهي لا تخلو مع ذلك من حوارٍ أَيُّهُم يكون له شرف ضيافته، وكلما مَرَّ بقوم من أنصاره استوقفوا ناقته، وعرضوا عليه أن ينزل عندهم في العَدَد والعُدَّة والمَنَعة، فيقول لهم: «دعوها بارَك الله فيكم؛ إنها مأمورة.»

لقد أدركوا الجمعة إذْ هو ببطن وادي رانوناء من أودية المدينة، فنزل فصلاها بالناس بعد أن خطبهم قائلًا: «أيها الناس، أَفْشُوا السلام، وأطعموا الطعامَ، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام.» وها هي ذي ناقته تنطلق كَرَّة أخرى فيندفع أتباعه حوله، وأهل المدينة أشد لأمره عجبًا، وبه إعجابًا، وأصحابه الأنصار ما يزالون يتحاورون أيهم يكون منزله منزلًا لرسول الله، والآنَ بركتْ الناقة عند مِرْبَد سهل وسهيل، واجتمع كبار الأنصار حول الرسول يحتكمون إليه أيهم ينزل عليه، قال رسول الله حسمًا لنزاعهم: «إني أنزل على أخوال عبد المُطَّلب؛ أكرمهم بذلك، فأي بيوتهم أقرب؟» هذا أبو أيوب يُقبل فرحًا مستبشرًا يقول وهو يشير إلى داره: «أنا يا رسول الله، هذه داري وهذا بابي!» ويأخذ رحل النبي إلى داره وينطلق به ليهيئ للضيف الكريم مَقِيلًا.

ما لهؤلاء المتظاهرين لا ينصرفون؟! إن عيونهم لا تدع النبي لحظة، كأنما يزداد شوقهم إليه وشغفهم به، والآن ها هم أولاء يتطلعون إلى ناحية الدُّور المجاورة، لقد طرق سمعهم صوتٌ لفت نظرهم، ذلك صوت فتيات من رَبَّات الخدور صَعِدْنَ الشُّرُفات يتغنين:

طَلَعَ البدرُ علينا
مِن ثَنِيَّات الوَدَاع
وَجَبَ الشكرُ علينا
ما دَعَا لله دَاع
أيُّها المبعوثُ فينا
جِئتَ بالأمر المُطَاع

تُرى مَن ذا صاغ لهن هذا القول الحلو ولحَّن لهن هذا النشيد العذب؟ لعله فتًى من شعراء المدينة، أُولِع بالنبي حُبًّا من قبل أن يراه، ولعله أحد هؤلاء الفتيان المتظاهرين يتدافعون بالمناكب حوله وهم يتنادون نشوة وفرحًا: «جاء رسول الله .» والحبشة يلعبون أثناء ذلك بحِرَابهم فَرَحًا بقدومه، فيطلق اسم الحبشة لذلك على الزقاق المجاور لدار أبي أيوب.

وأولئك جَوارٍ من بني النجَّار يُقْبِلن يضْرِبن بالدفوف ويَقُلْن:

نحن جَوارٍ مِن بني النجار
يا حَبَّذا محمدٌ مِن جَارِ

ويبتسم لهن محمد ويقول: «أتُحْبِبْنَنِي؟» فيُجِبْن: نعم يا رسول الله، فيُرْدِف: «يعلم الله أني أحبكن!»

أية غبطة هذه الغبطة؟! وأي فيض من السرور أضاء المدينة في هذا اليوم الخالد في صحف التاريخ؟! لقد نسي الناس طعامهم فما يريدون الانصراف إليه، وهم لم ينصرفوا حتى قام النبي إلى بيت أبي أيوب يَقِيل فيه من حَرِّ ذلك اليوم القائظ من الصيف، هنالك بدءوا ينصرفون ولا حديث لهم إلا مَقْدَم رسول الله وما اختار الله للمدينة من فضل بمهاجرته إليها.

لم يكن هذا اليوم على جلاله هو الذي خَلَّد لدار أبي أيوب كل ما لها من جلال الذكرى، إنما خلد لها ذلك مُقام النبي بها شهوره الأولى بالمدينة، وما أتم أثناء هذه الشهور من عمل كان له في الإسلام وسياسته الأثر الباقي على التاريخ، أثناء مُقام محمد بهذه الدار آخَى بين المسلمين مهاجريهم والأنصار، ووضع سياسة المُعَاهَدة بينه وبين اليهود، وأقام في المدينة بذلك نظامًا لم يكن مألوفًا من قبلُ، ولم يدُرْ بخَلَد أحد يوم وُضع أنه يصوِّر سياسة بعيدة المَدَى تنتهي بالمدينة إلى وحدة أساسها الإخاء والتضامن، وتنتهي باليهود إلى الجلاء عنها، ثم تنتهي بالإسلام إلى الانتشار في بلاد العرب كلها لينتشر منها بعد ذلك في أنحاء العالم وربوعه جميعًا.

وهذا نوع من التفكير السياسي كان جديدًا يومئذٍ في حياة محمد، فهو لم يَرْمِ حين مقامه بمكة إلى تنظيم سياسي، أو أن يجعل من التنظيم السياسي وسيلة إلى الدعوة للدين الذي أُلْقِيَ عليه تبليغُه للناس، لكنه ما لبث حين أقام بدار أبي أيوب واتصل بالمسلمين من أهل المدينة أن قدَّر ما بين العقيدة ونظام الحياة من صلة، وأن العبادات التي تدعو العقيدة إليها تتصل بنظام الحياة ويتصل بها هذا النظام أوثق اتصال، فالعقيدة أمرٌ فردي من حيث اتصالها بالرأي وتكييفه، فإذا انتقل الأمر إلى مظهرها العام وإلى العبادات المتصلة بها وإلى الفضائل التي يتحلَّى بها صاحبها، أصبحت مسألة اجتماعية لا مفر من أن يتناولها التنظيم، وليس يقف تنظيمها عند فرائض العبادة من وضوء وصلاة وصوم وزكاة وحج، بل يتعدى الأمر هذه الفرائض إلى صِلات الناس بعضهم ببعض، والأمر في تفاصيل هذه الصلات أمر دنيا، والناس في كل عصر أعلم بحاجاتهم فيها، لكن المبادئ العامة التي يجب أن يقوم التنظيم عليها، كالمبادئ العامة التي تقوم عليها صِلات المسلمين بغيرهم من الناس، يجب أن تَتَّسِق مع تنظيم هذه الفروض التعبُّدية، ويجب أن تظلَّ أبدًا على هذا الاتساق وإن اختلف تصويرها واختلف تفصيلها باختلاف الزمان والمكان، هذا ما اتَّجه إليه تفكير الرسول أثناء مُقامه بدار أبي أيوب، وكان من أثره هذه المؤاخاة بين المسلمين وهذه الموادَعة مع اليهود.

تقع دار عثمان بن عفان إلى الشمال من دار أبي أيوب لا يفصل بينهما إلا زقاق الحبشة، والمعروف أن عثمان كان له في هذا المكان داران متصلتان بناهما في عهد الرسول — عليه السلام، دار صغرى ودار كبرى، أما الدار الصغرى فيقوم موضعها اليوم رِباط للمغاربة يُدْعَى رباط سيدنا عثمان، وبهذا الرباط اليوم مكتبة تحوي كُتب الفقه المالكي وغيره موضوعة في خزانات تدل نقوشها على أنها من مصنوعات الدولة العباسية، ويقال: إن هذه الخزانات كانت بالحرم وكانت مُهْدَاة إلى الحجرة النبوية ثم أُخرِجت منه ووضعت في هذا الرباط، أما الدار الكبرى فموضعها اليوم رباط العَجَم، وهي مخصصة لشيخ الحرم النبوي، وبها قبر أسَد الدين شِيركوه عَمِّ السلطان صلاح الدين الأيوبي وقبر والد صلاح الدين الذي دُفن مع أخيه.

وقد روى ابن جُبَير في رحلته أن عثمان استُشهد في هذه الدار الكبرى، وذكر السمهودي أن قَتَلَة عثمان تسوَّروا عليه من الدار الصغرى إلى الدار الكبرى التي كان يقطنها يومئذٍ، ومن العسير أن يحقَّق اليوم المكان الذي تسوَّروا منه أو الطريق الذي سلكوه في انتقالهم بين الدارين بعد أن استحالت هذه الدور غيرَ صورتها الأولى، وبعد أن أصبح تعيين الموضع الذي قُتل عثمان فيه تعيينًا دقيقًا غير ميسور.

لشدَّ ما تختلف الذكريات التي تبعثها هذه الدار إلى الذهن عَمَّا تبعثه دار أبي أيوب، كانت دار عثمان من أفخم دور المدينة في ذلك العصر، على حين لم تكن دار أبي أيوب تختلف عن دور أوساط الناس من الخزرج، مع ذلك توحي هذه الدار إلى النفس ما رأيت من ذكريات، فأما ما بقي من ذكر لدار عثمان فَقَتْلُه بها، واختلافُ المسلمين بعده ثم انقسامهم واتخاذ دمه ذريعة لهذا الانقسام، ومع ما رأت دار عثمان في عهد خلافته من فتح المسلمين بلاد الروم والفرس ومنه امتداد مُلكهم إلى تونس وإلى قلب إيران ومن استيلائهم على جُزر البحر الأبيض المتوسط، لقد غَشَّى على ذلك كله ما حدث في آخر هذا العهد حين اتخذ عثمانُ مَرْوَانَ بن الحكم كاتبَ سِرِّه، وحين آثرَ بني أمية على قريش وعلى الأنصار وعلى سائر المسلمين، مما أدَّى إلى الفتنة وانتهى إلى قتله، غَشَّى ذلك على هذا الفتح الذي انفسحت به رقعة المملكة الإسلامية، وبقيت صُحف التاريخ تُقلِّب مقتل عثمان أمام الذهن في صورة تثير النفس وتلذع بالألم كل مسلم لِما تَرَتَّبَ على هذا الحادث من آثار ما زال خَلَف المسلمين يتناقلونها عن سلفهم، وحقٌّ ما قيل: «إنما الأعمال بخواتيمها.» ولو أن أَجَلَ عثمان حُمَّ قبل أن تثور الفتنة لإيثاره بني أمية فمات ولم يقتل، لتَغَيَّر وجه التاريخ أغلب الأمر، ولَمَا نجمت في المسلمين هذه الشِّيَع التي أنشأها قَتْلُه والخلاف على دمه، وما أثاره هذا الخلاف من حَفَائِظَ قديمة بين بني هاشم وبني أمية.

إلا أن في هاتين الدارين المتجاورتين — دار أبي أيوب ودار عثمان — العبرة أبلغ العبرة؛ عبرة الأخوة بين المسلمين، وما في الأخوة من قوة يضاعفها الإيمان الصادق، والخلاف بينهم وقيام الحكم فيهم على التنازع والغلب يناجز به بعضهم بعضًا، ولقد كان هذا التنازع في صدر الإسلام، وحين كانت أسوة الرسول حاضرة في الأذهان، أفكُتب على المسلمين أن يظل الانقسام دَيْدَنهم، وألَّا يذكروا مؤاخاة النبي بين المؤمنين أول ما جاء المدينة، وقبل أن ينتقل من دار أبي أيوب إلى منازله، وأن ينسوا قوله — تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ؟ أم آنَ لدورة الزمن أن تدور وأن تصبح للأمم الإسلامية عُصْبة تدعو إلى الإسلام والسلام متآخيةً إخاء المسلمين في الصدر الأول، يوم خرجوا من شبه الجزيرة فأضاءوا العالم بنور التوحيد ونشروا فيه أسمى المبادئ؟!

تقع دار عثمان إلى جوار المسجد من جهة الجنوب الشرقي، وتقع دار مروان بن الحكم مقابلها من الجهة الجنوبية الغربية في جوار باب السلام، ولقد وَلِيَ مروان بن الحكم إمارة المدينة في عهد معاوية بن أبي سفيان بعد أن كان كاتب السر لعثمان بن عفان، فأتم من أعمال الإصلاح فيها ما جعل أهلها يلهجون بحمده والثناء عليه وينسبون باب السلام إليه فيسمونه باب مروان، ويظلون على ذلك إلى عهد العباسيين، أجرى مروان العين الزرقاء، ورصف أطراف المسجد النبوي بالحجارة، وجعل للمدينة من أموال الفتح الأموي ما لعله أنساها مقتل علي بن أبي طالب بالكوفة لولا مقتل الحسين ابنه بعد ذلك بكربلاء، وسخاء مروان هو الذي جعل المدينة أقل مقاومة من مكة في عهد معاوية وأول أيام يزيد، ومن يومئذٍ بدأ أهل المدينة من الأوس والخزرج يغادرون مدينتهم إلى بلاد المملكة الإسلامية الفسيحة الأطراف، ويقيمون بها ليحل المسلمون من بلاد هذه المملكة محلهم فيها، ولم تنقضِ إلا أجيالٌ حتى لم يبق فيها إلا الأقلون من أبنائها الأولين.

دار أبي أيوب هي التي نزل رسول الله بها أول مُهاجَره إلى المدينة، ويقابلها داخل المسجد موضع حجرات أزواج النبي التي ضُمت إليه في عهد الوليد بن عبد الملك، ويفصل زقاق الحبشة بين دار أبي أيوب ودار عثمان، وتقع دار مروان بن الحكم في جوار باب السلام، أليس لأبي بكر ولعمر وعلي آثار باقية اليوم حول المسجد تكمل بها سلسلة التاريخ في هذه الفترة؛ فترة نصف القرن الأول من الهجرة؟ أما أبو بكر فله بجوار المسجد الغربي الخَوْخَة التي أوردتُ عند الحديث عن المسجد بعض خبرها، وله فيما تذهب إليه الرواية، دار تُجاور دار عثمان بن عفان من الشمال، ولا يفصل بينهما إلا طريق البقيع، وهذه الدار هي التي مات بها، وليس حول المسجد مكان ثابت النسب إلى عمر بن الخطاب باعتباره موضع داره، وإن حاول بعضهم أن ينسب إليه دارًا في شمال المسجد، لكنما تقع في جنوب المسجد دار تُطلُّ على الحجرة النبوية تعرف بدار آل عمر، ويقول السمهودي: إنها دار عبد الله بن عمر بن الخطاب، آلْت إليه عن أخته حفصة أم المؤمنين، وكان لهذه الدار نَفَقٌ يصلها بالمسجد حتى سنة ٨٨٨ من الهجرة إذْ سُدَّ هذا النفق ورُدم بالتراب.

ولا تُعرف باسم علي بن أبي طالب دار ولا موضع لدار فيما حول المسجد، وإنما يعرف باسم زوجه فاطمة ابنة رسول الله مكان من الحجرة النبوية، يزعم بعضهم أنها مدفونة فيه، والرواية الراجحة أنه موضع دارها التي كانت تُقيم بها والتي أقام بها أبناء الحسن والحسين من بعدهما حتى ضمها الوليد بن عبد الملك إلى المسجد، أما قبرها فبالبقيع.

أما دار نائب الحرم اليوم، وهي التي تُلاصِق دار أبي أيوب من الجنوب، فتنسب إلى جعفر الصادق الحسيني، والمقيم اليوم بهذه الدار بعد إلغاء وظيفة «نائب الحرم» هو القائم بإدارة أوقاف الحرم النبوي.

ألا ما أكثر ما تثير ذكريات هذه الدور من أثر في النفس! إنها تثير عهد الرسول وعهد الخلفاء الراشدين كله، ويقع على مقربة منها أثر يثير في النفس من ذكريات البطولة والإقدام ويرسم أمام الذهن صورة من الفتح الإسلامي تهز القلب إعجابًا وإكبارًا، فقُبالة باب النساء من أبواب المسجد وإلى جانب الأثر الباقي من دار أبي بكر، قبة صغيرة مبنية باللَّبِن والطين واقعة بمُقدم رباط يدعونه رباط خالد بن الوليد، هذه القبة تقوم في الموضع الذي كانت تقوم فيه دار بطل الإسلام خالد، ويعيد صغرها إلى الذاكرة ضِيق هذه الدار ضيقًا شكا خالد منه إلى النبي، فقال له: «ارفع البناء في السماء، وسَلِ اللهَ السَّعة.»

أوَيظن أحد أن تكون هذه البقعة الضيقة دار خالد بن الوليد، بطل قريش وفارسها المُعْلَم وصاحب لوائها قبل أن يُسْلم، وبطل الإسلام وسيف الله المسلول بعد إسلامه؟! خالد الذي ضاقت الأرض بفتوحه شرقًا وغربًا في فارس وفي بلاد الروم، والذي كان في عهد الرسول بطل مُؤتة وقائدها بعد موت أصحابه، تكون داره بهذا الضيق؟! يا للنزاهة ويا للإباء! حقٌّ إن هذا العَرَض من متاع الدنيا لا وزنَ ولا قيمةَ له، ولا يساوي عند الله جناح بعوضة، كم من ملوك في زماننا هذا وفيما سبقه من القرون يودون لو حفظ التاريخ لهم قطرة من بحر مما حفظ لخالد من ذكرى فلا يُغني عنهم مالُهم من ذلك شيئًا ولا يجدون إليه الوسيلة، أَلَا إنها عظمة النفس هي الباقية، وسلطان النفس على الحياة هو الخالد في صحف الحياة.

تقع دار خالد إلى جانب زاوية السِّمَّان التي كانت دار رَيْطة ابنة أبي العباس السفَّاح، وزاوية السمان واسعة فخمة، وكانت دار ريطة واسعة فخمة كذلك، فليست دار خالد شيئًا بالقياس إليها، وإذ كانت دار رَيْطة تقع قُبالة باب النساء، وكان لريطة ما يجب لابنة أبي العباس السفاح من مكانة، فقد أُطلق اسمها على هذا الباب من أبواب المسجد النبوي، فسمي بابَ رَيْطة زمنًا غير قليل، فلما ماتت ريطة وتوالت القرون رُدَّ إلى باب النساء اسمه، وبنى «يازكوح» أحد أمراء الشام دارها من جديد وجعلها مدرسة للحنفية وجعل فيها قبره.

إلى جوار المسجد مواضع يقال: إن دُور عمرو بن العاص وسُكَيْنة بنت الحسين كانت بها، وموضع دار سُكينة يُنسب إلى تميم الداري الصحابي المعروف، كذلك يُرْوى أن الدار التي كان يُجرِي عمر بن الخطاب فيها قضاءه كانت في الموضع الذي تقوم به المحمودية الآن، وهذه مجموعة من الدور كانت قائمة في عهد النبي وفي العصر الذي تلاه تُفاخِرُ بها المدينة كل مدينة سواها، ولعل أهلها إذ يذكرون من الدور ما كان بعد عهد النبي إنما يذكرون بها أيام كانت مدينتهم عاصمة عزيزة الجانب، تمثل القوة الإنسانية ذات الأثر الخالد في العالم، فالمدائن كالأشخاص تتغَنَّى بأيام مجدها وعِزِّها، وإنْ بَعُدَ في التاريخ عهدُ هذا المجد، وإن أصبح هذا العز الذي تربَّع الأجداد على عرشه أُقصوصة يتحلَّب لها رِيقُ مَن فاته العز بعد أن طال التماسه إياه في غير جدوى.

تقع هذه الدور كلها حول المسجد النبوي كما رأيت، وقلَّما يحدثك أحد عن دور أثرية غيرها بالمدينة، إنما يحدثونك عن أمكنة تاريخية وعن مساجد وحصون وآبار، ويقع بعض هذه بالمدينة وبعضها بظاهرها، وإن تعذر عليك أن ترسم خطًّا واضحًا يفصل بينهما، ويرجع تعذر ذلك إلى أن المدينة انبسطت وانقبضت على التاريخ مما اقتضى أن يُبنَى لها سُورَانِ، أحدهما باقٍ إلى اليوم ولم يبقَ مِن الآخر إلا آثار تراها ها هنا وهناك، ولقد تخطَّتِ المدينة السورين في بعض العصور الزاهرة من أيام رخائها، ومن هذه الأيام ما قبل الحرب العالمية الأولى (١٩٠٧م–١٩١٤م)، حين سُيِّرت السكة الحديدية الحجازية، من ثَمَّ لا يقف أكثر المؤرخين لآثارها عند تخطيط دقيق، ولم تُتح لي الفرصة الضيقة التي قضيتها بها أن أرسم لآثارها حدودًا دقيقة، وخاصة أن ليست لها خريطة يمكن الاعتماد على دقتها.

ولقد فكرت أن أجعل الخندق الذي حفره المسلمون في غزوة الأحزاب أيام النبي حدًّا فاصلًا ما بين المدينة وظاهرها، لكني لم ألبث حين البحث أن رأيت تحديده الصحيح عسيرًا، فقد سألت الأستاذ عبد القدوس الأنصاري يومًا أن يُرِيَني إياه، فلم يُخْفِ عليَّ أنه يتوهمه ولا يعلمه علم اليقين، وله من العذر عن ذلك ما نقله في كتابه «آثار المدينة المنورة» عن المطري الذي أرَّخها في القرن الثامن الهجري، إذ قال: «وقد عفا أثر الخندق اليوم ولم يبقَ منه شيء يُعرف إلا ناصيته؛ لأن الوادي — وادي بُطْحان — استولى على موضع الخندق وصار مسيله في الخندق.» على أنه حاول أن يقف بي عند ما يعتقده أثره كما بيَّنه على خريطة تقريبية ضَمَّنَها كتابه، أما والتحديد الصحيح للخندق غير ميسور فلأجعل هذا التحديد التقريبي بديلًا منه للغرض الذي أتوخَّاه، غرض الفصل ما بين المدينة وظاهرها.

والخندق كما صوَّره الأستاذ عبد القدوس يقع في شمال المدينة بينها وبين أُحُد، وينحدر إلى الشرق بينها وبين حَرَّة وَاقِم، ويتصل من الجنوب بوادي بُطْحان، ومن الغرب بحَرَّة الوَبَر، وفيما وراء الخندق من الشرق تقع منازل اليهود في عهد الرسول؛ بني قريظة وبني النَّضير، وفيما وراءه من الغرب يقع وادي العقيق، وتقع قُباء في جنوبه، وسنتناول ما هنالك في هذه الجهات جميعًا حين حديثنا عن ظاهر المدينة.

أخالني غاليًا حين أذكر ما ساورني من أسف لإهمال أثرٍ كالخندق حفره المسلمون الأولون برَأْيِ سَلْمان الفارسي، ولم تكن الخنادق معروفة في حربهم، فكان له من الأثر أن حَمَى المسلمين وحَمَى الإسلام وكانا عُرْضَةً لفتك المشركين بعد أن ألَّبهم اليهود بإمرة حُيَيِّ بن أَخْطَبَ عليهم، وهل حافظ المسلمون على غير الخندق من الآثار فيُلامون على إهمالهم إياه؟! وإذا كانت غزوة حُنين المجيدة لا يُعرف موضعها على وجه التحقيق في جوار مكة، فلا عجب أن يصيب الخندق ما أصابه، لقد نزل في حنين قرآن كما نزل في الخندق قرآن، ففي غزوة الخندق وموقف الأحزاب من المسلمين فيها يقول الله — تعالى: إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا. أوَلم يكن حقًّا على المسلمين أن يقيموا لهذا الخندق أثرًا باقيًا يُذكر به؟! أوَليس حقًّا اليوم أن نقوم بما لم يقوموا به ليكون لنا في صبر المسلمين حين الخندق على البأساء وعلى مواجهة الموت عبرة؟! أم أنَّا لا يعنينا من تاريخ السلف إلا بركته، وإن غابت عنا عبرته؟!

والآن، فماذا وراء الخندق في داخل المدينة من آثار تذكر اليوم؟ لا أحسب أثرًا لما بعد عهد النبي أبقى ذكرًا عند المسلمين من سَقِيفَة بني سَاعِدَة، وهم لا يذكرونها لجلوس النبي فيها ما يذكرونها لوقوع بيعة أبي بكر بها، بعد ما وقع من خلاف بين الأنصار والمهاجرين أَيُّهم تكون له الإمارة؟ وقد ألِف الناس أن يذكروا تاريخ الخلاف بينهم أكثر مما يذكرون أسباب اتفاقهم وإخائهم، أتُرى مكان هذه السقيفة ثابتًا مع ذلك لا يقع عليه خلاف؟ كلَّا! فمن المؤرخين من يقول: إنها خارج الأسوار على مقربة من بئر بُضاعة، وهذا الرأي الأخير رأي المطري، وقد انتهى السمهودي إلى ترجيحه، وبذلك تكون السقيفة واقعة عند الباب الشامي من أبواب المدينة قبيل ملتقى الطريق إلى الشام والطريق إلى أُحُد.

ولا يزال أهل المدينة يحتفظون للسقيفة بأثر لم يُثِرْ عنايتي، فهو فضلًا عن عدم قِدَمه لا يصوِّر في الذهن معنًى من حياة الأنصار الأقدمين، وما قيمة الأثر أو النُّصُب إذا خلا من المعنى المقصود منه وفقد مزيَّة القدم؟!

هذا، ولقد كنت حريصًا على الوقوف بالآثار التي تذكر عهد النبي بالمدينة أكثر من حرصي على سواها، وما تذكره سقيفةُ بني ساعدة من ذلك قليل؛ إذْ كانت لا تذكره بأكثر من أن النبي جلس فيها، وما ذلك إلى جانب ما تذكره المُناخة الفسيحة التي ما تزال باقية فضاء كما كانت في العهد الأول، والتي تأوي قوافل الحُجَّاج إليها إذْ تتخذ منها مناخة إبلها ومضارب خيامها، كما فعل العرب على عهد الرسول إذ جاءوا زَرَافات ووِحْدانًا مُلَبِّين الداعي لحجة الوَداع! وليس يذكر الحجاج اليوم شيئًا من حجة الوداع ومقدم المسلمين إلى المدينة لأداء فرضها مع رسول الله، هذا وحجة الوداع من أعلام الإسلام التي لا تُنسَى؛ إذ نزل في أثرها قوله — تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.

وكانت المناخة قبل حجَّة الوداع وأول ما جاء الرسول إلى المدينة سوقًا لبني قَيْنُقَاع من اليهود الذين اتخذوا منازلهم على مقربة منها، وكانت سوقًا للمدينة كلها حتى استحرَّ الخلاف بين المسلمين واليهود، فتحولت السوق عنها، وبنو قينقاع من اليهود هم أول من تحرَّش بالمسلمين في المدينة، فنشِبَت العداوة والبغضاء بينهم وبين اليهود، فقد كان بنو النضير وبنو قُريظة يقيمون خارج المدينة فيما وراء موقع الخندق من قبل أن يُحفر الخندق، أما بنو قينقاع فكانوا يقيمون بين أهل المدينة، وكان لهم فيها من سلطان المال ما لليهود حيث نزلوا من أقطار العالم.

وكان أول ما بدأت الخصومة بين اليهود والمسلمين بعد انتصار المسلمين في غزوة بَدْر، أما قبل بدر فكان اليهود يدُسُّون بين المسلمين يحاولون الوقيعة بينهم لتبقى لهم هم الكلمة العليا، فلما رأَوْا كلمة المسلمين تَعْلُو ومكانتهم في شبه الجزيرة تستقر وتُهاب خافوا المَغَبَّة، فأْتَمَرُوا وجعلوا يُغرون بمحمد وأصحابه، ويرسلون الأشعار في التحريض عليهم، ولم يُطِقِ المسلمون ذلك منهم، فاندفع شباب الأنصار فقتلوا أبا عَفَك وعَصْماء من المنافقين وكَعْبَ بن الأشرف من اليهود، عند ذلك اشتدت مخاوف اليهود ولم يبقَ منهم من يأمن على نفسه، لكنهم شَعْبٌ طويل الأناة، كثير المكر، ذو مِرَّة في العناد، أمَّا وقد رأوا أن المسلمين لا ينجح معهم الدَّسُّ والوقيعة فلْيُرْهِبوهم بالسخر منهم لعلهم يرجعون.

أرادوا امرأة مُسلمةً جاءت سوقهم تُصلح حِلْية لها عند صائغ منهم على كشف وجهها فَأَبَتْ، وجاء يهودي من خلفها على غِرَّة منها فأثبت طرف ثوبها بشوكة إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها، فصاحتْ، إذْ ذاك وَثَبَ رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله، وشدَّت اليهود على المسلم فقتلوه، وأراد رسول الله حَسْمَ الشرِّ فطلب إلى اليهود أن يكفُّوا عن أذى المسلمين وأن يحفظوا عهد الموادعة الذي عقده معهم أو ينزل بهم ما نزل بقريش، وكان جواب بني قينقاع: «لا يَغُرَّنَّك يا محمد أنك لقيتَ قومًا لا عِلْمَ لهم بالحرب فأَصَبْتَ منهم فُرْصَة، إنَّا والله لئن حاربناك لتعلمَنَّ أنَّا نحن الناس.» فلما سمع النبي ذلك منهم حاصرهم خمسة عشر يومًا لم يخرج منهم أحد ولم يدخل عليهم بطعام أحد، فلم يبق لهم إلا النزول على حُكم محمد والتسليم بقضائه، وقام عبد الله بن أُبَيٍّ — وكان لليهود كما كان للمسلمين حليفًا — فطلب إلى محمد أن يعفوَ عنهم وأن يُعفيهم من القتل، وانتهى الأمر بعد خلاف أن غادروا المدينة إلى وادي القُرَى ثم إلى أَذْرِعات على حدود الشام وعلى مقربة من أرض المَعاد.

تُذَكِّرنا المُنَاخة بهذا الحادث في حياة المدينة على عهد الرسول وبما ترتَّب عليه من جلاء اليهود عن المدينة، وما كان بعد ذلك من جلاء اليهود عن بلاد العرب كلها، ويدعونا هذا الحادث إلى التفكير، أيهما خير لحياة أمة من الأمم: أن تكون على عقيدة واحدة ودين واحد، أم يُترك فيها أمر العقيدة جانبًا فلا بأس بأن تتعدد فيها الأديان والمذاهب؟ والجواب أن الناس في العصور كلها قد حرصوا على أن تكون الأمة رأيًا واحدًا في دينها وعقيدتها كفالةً لأمنها وسلامها، وحيثما تعددت الأديان وتشعبت المذاهب كان ذلك مبعث الثورة والاضطراب، ولا يزال الناس من أهل عصرنا على هذا الرأي، وإن عبَّروا عنه بما سموه حرية العقيدة، وهم إنما أرادوا بهذا التعبير أن يُهَوِّنوا من حِدَّة التعصُّب وما كان يؤدي إليه من سفك الدماء لاختلاف مذهبي قد يكون أهون أمرًا من أن يختصم فيه رجلان، بَلْهَ أن تَزْهَق بسببه أراوح وأن تضطرب له حياة الجماعة.

والواقع أن تعدد الأديان في الأمة الواحدة قد كان أبدًا مثار منازعات دموية أو غير دموية لها في حياة الأمم أسوأ الأثر، وليس ينسى أحد مذبحة «سان بارتلمي» في فرنسا ولا حروب البروتستنتية والكثلكة قبلًا، ولن ينسى أحد ما وقع في عهود كثيرة بين إنجلترا واسكتلندا بسبب الخلاف الديني، وعالمنا اليوم — ومنذ عشرات من السنين — يضطرب بنزعة العداوة لبني إسرائيل مصوَّرة في صورة عداوة السامية، ويَصْلَى من ذلك ويلات وأهوالًا، ولقد عانت فرنسا من حادث «درِيفوس» وقضيته أشد العناء، وهذه ألمانيا في هذا القرن المتمم للعشرين قد أجْلَتِ اليهودَ عنها وضرَبَتْ بينهم وبينها حجابًا، وكانت في شأنهم أشد تطرُّفًا مما كان محمد والمسلمون الأولون في بلاد العرب، وما تُحاوله إنجلترا اليوم من إنشاء وطن قومي لليهود بفلسطين على كُرْهٍ من أهلها ليس إلا مقدمة لإجلاء اليهود عن إنجلترا، وهي مقدمة يدركها تمام الإدراك مَن عرف السياسة الإنجليزية ومراميها البعيدة وأساليبها الخفية، وهذا كله ينهض دليلًا على أن العقيدة أساسًا للحياة الاجتماعية أكبر شأنًا من الأساس الاقتصادي، وأن تفكيرنا الحاضر في هذا الشأن لم يخالف تفكير مَن سبقنا، وأن ما نُسمِّيه حرية العقيدة قد يصدُق بالنسبة للفرد فيما بينه وبين نفسه، لكنه لا يزيد في أمر الجماعة على أنه ثَوْب رياءٍ قد يُواري ما تحته وإن لم يُخْفِ الحقيقة التي لم تختلف على الأجيال.

والذين يُلبسون تفكيرهم ثوب الرياء يتهمون غيرهم بالتعصب، وهم — عَلِمَ الله — أشد الناس تعصبًا لآرائهم وعقائدهم، وما نعيبهم بذلك، وإنما نعيبهم بنفاقهم، ولو أنهم آثروا الصراحة وأنصفوا لقالوا الحق من أن وحدة العقيدة هي المظهر الأول للحياة الاجتماعية، وأن هذه الوحدة تكون أساسًا صالحًا حقًّا ما قامت على إدراك وفهم، لا على تقليد جامد يمسك صاحبه في ظُلَم الضلالة ويأبى أن يخرج به إلى نور اليقين ليسلك سبيله التي تؤدي إلى صراط الله المستقيم.

وإنما تقوم الحياة على هذا الأساس الصالح المتين يوم يسمو الإنسان في صلته بالإنسان إلى التفاهم عن طريق المجادلة بالتي هي أحسن، والقصد إلى الحق بالدليل والحجة البالغة، مع الحرص على بلوغ هذا الحق والمصارحة بالاقتناع به متى حدث هذا الاقتناع، وما تزال الإنسانية — مع الشيء الكثير من الأسف — بعيدة عن أن تقيم صلاتها على هذا الأساس، وهي ما تزال تلجأ إلى القوة تعتبرها وسيلة مجادلة وسبيل إقناع، وما دام ذلك شأنها فلن يتهيأ لها من وحدة العقيدة بين أهل الأمة الواحدة ما يقيم علاقات الأفراد فيها على أساس من الإخاء الصحيح وحُبِّ أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، وهذا ما فطن الإسلام له؛ ولهذا وضع القواعد لمعاملة أهل الذمة وأهل الكتاب وأجارهم، وجعل لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم فيما لا يتصل بالعقيدة وما ترتبه على المؤمنين بها من جهاد في سبيلها، وما تنشئه لذلك من تكاليف وحقوق عامة.

تذكِّرنا المناخة سياسة المسلمين واليهود بعضهم إزاء بعض، وتنشر المدينة القديمة أمامنا بما فيها من دور ومساجد وآبار وأمكنة أثرية حياة المسلمين في عهد النبي وخلفائه الراشدين وحياتهم أيام كان الإسلام يصور للإنسانية حضارتها وينشرها في الخافِقَيْنِ، وما تنشره من ذلك في عهد النبي عظيم حقًّا، بالغ غاية الجلال، فقد رأيت من حديث دورها حول المسجد ما قصصتُ عليك، وما تروي الكتب من مستفيض أنبائه يزيد الصورة التي تنشرها المدينة أمام الذهن وضوحًا، ويزيدها لذلك جلالًا ومهابة.

figure

وأقرب هذه الآثار إلى المناخة مسجد الغَمامة، فأنت ما تكاد تتخطى باب العَنْبَرية داخلًا إلى المدينة حتى تراه أمامك، بل إنك لتراه وأنت ما تزال خارج المدينة، فهو اليوم مبنيٌّ بناء متقنًا، وله قباب ست تلفت النظر، ومئذنة قصيرة يسترعى قصرها الانتباه إذ يقرنها إلى مآذن المسجد النبوي السامقة في السماء؛ ولهذا المسجد فضلًا عن اسم الغمامة اسم المصلَّى، ذلك بأن رسول الله كان يُصَلِّي العيدين في المكان الذي يقوم به، وظل على ذلك إلى أن لاقى ربه، لكن هذا المكان لم يكن في ذلك العهد مسجدًا، بل كان فضاءً من الأرض شأنه شأن سائر المناخة، ويذكر السمهودي رواية عن ابن شبَّة عن أبي عثمان الكناني أحد أصحاب الإمام مالك بن أنس أن المصلَّى بُنِي مسجدًا في القرن الثاني للهجرة.

وبداخل المدينة خلا مسجد المصلَّى: مسجد السُّقْيَا، ومسجد الفتح، ومسجد ذُباب، ومسجد الإجابة، هذا إلى مساجد أخرى ليس يذكرها أكثر المؤرخين، فأما المساجد القائمة بظاهر المدينة فسنتحدث عنها من بعدُ.

ومسجد السُّقيا أقرب المساجد التي ذكرنا إلى المناخة وإلى مسجد الغمامة، وهو لا يزيد اليوم عن قُبة يسمونها قبة الروس قائمة عند باب العنبرية في جوار بئر السقيا، وإنما يفصل بينهما طريق مكة، ويذكرون أن النبي صلَّى بهذا المسجد ودعا فيه بالبركة لأهل المدينة وذكر أن بلدهم حرام كمكة، وهذا الذي يروونه من حُرْمة المدينة موضع جدل طويل أسهب السمهودي في بيانه في أول كتابه «وفاء الوفا»، والسمهودي هو الذي اكتشف هذا المسجد في القرن التاسع وكان دارسًا، ولما اكتُشف أُعيد بناؤه ثم تهدَّم كَرَّة أخرى وأقيمت قبة الروس موضعه.

أما مسجد الفتح فيقع في شمال المدينة على قطعة من جبل سَلْع، فهو بذلك أدنى إلى ظاهرها، وهو يقع حيث كان الخندق، وهو من المساجد التي بنيت في عهد الرسول، ويُرْوَى أنه دعا الله فيه ثلاث مرات استجاب له ربه في الثالثة منها، فعُرِفَ البِشْرُ في وجهه، وكان دعاؤه أن يصرف الله الأحزاب، فلما استجاب الله له وصرف الأحزاب عاد النبي بالمسلمين إلى المدينة وكلُّهم حمدٌ لله وثناء عليه، وقد جدَّد الحسين بن أبي الهيجاء بناء هذا المسجد سنة ٥٧٥ للهجرة، ثم جدَّدَتْه الدولة العثمانية بعد ذلك، ولقد كان في عد رسول الله مبنيًّا بالحجارة واللبِن والجريد، أما اليوم فهو مبني كله بالحجارة، وقاصده يرتقي إليه على سفح سَلْع.

وعلى مقربة من مسجد الفتح يقع مسجد ذُباب على سفح جبل ذُباب فيما بين سَلْع وأُحُد، وكل ما يؤثر عن هذا المسجد أن رسول الله صلَّى في موضعه، وأنه ضرب قبة له على جبل ذباب في غزوة الخندق.

ويقع مسجد الإجابة شمال البقيع بضاحية المدينة الشرقية، وسُمي هذا المسجد مسجد الإجابة فيما يذكر السمهودي؛ لأن رسول الله دعا ربه فيه وطلب إليه ألَّا يُهلك أمَّتَه بالغَرَق، ولا بالجَدْب، وألَّا يجعل بأسهم بينهم، فأجاب الدعوتين الأولى والثانية ومَنَعَه الثالثة.

هذه هي المساجد المأثورة بداخل المدينة، أوَيستطيع المؤرخ أن يقطع بأنها تؤرخ الحوادث التي أقيمت شاهدًا عليها؟ لعله يستطيع ذلك فيما له اتصال بحوادث معينة كغزوة الخندق، وإني لأؤثر أن أُرْجِئَ الحديث في هذا الأمر إلى أن أستكمل هذه الآثار حين الحديث عما يوجد منها بظاهر المدينة، فما بالمدينة وما بظاهرها يتصلان من حيث دلالتهما على حياة الرسول وأصحابه بالمدينة وما يرسمانه لهذه الحياة من صور.

تناولت من آثار المدينة دورها المحيطة بالمسجد النبوي ومساجدها التي تذكر حادثًا بذاته، وتناولت من الأمكنة سقيفة بني ساعدة والمناخة والخندق وسور المدينة، وثَمَّ مِن الأمكنة كذلك ثَنِيَّة الوَدَاع التي دخل النبي منها المدينة، وهي ثَنِيَّة في الجبل كالثنية التي تُقابل الشرائع في طريق الذاهب من مكة إلى الطائف، والنُّقا وحاجر كانا من متنزهات المدينة فيما مضى وهما اليوم عامران بالدُّور الأنيقة، والمُنْحَنَى الذي يجري اليوم طريقًا أمام التكية المصرية وتقوم على جانبيه دور الحكومة.

ولست أستطيع أن أختم هذا الفصل دون الإشارة إلى أمْرٍ لعلَّ له من الخطر عند علماء الحفريَّات والتنقيب عن آثار المدينة أكثر مما يدور بخَلَد مَن لا عهد لهم بهذه الشئون، ذلك أن المدينة الحالية تقوم فوق أطلال قديمة لمدينة سبقتها، صحيح أنه لم تَجْرِ حفريات علمية لإثبات هذا الأمر، لكن حفريات قصد بها إلى تهيئة أسس المنازل أو الأنصاب شهدت به ودلَّت عليه، أو شهدت على الأقل بأن الشبهة عليه بالغة غاية القوة.

وقد روى الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في كتابه «آثار المدينة المنورة» حوادث من ذلك جديرة بأن تسترعي نظر العلماء، فبينما كان العمال يحفرون الأساس بالقسم الشمالي من مدرسة العلوم الشرعية الواقعة قرب باب النساء عثروا بمصباح زيت قديم على عمق أربعة أمتار من سطح الأرض، كما عثروا ببركة صغيرة ومجاري مياه وقِطَع من فَخَّار، وفي عام ١٣٣٥ كان العمال يحفرون موضع الأساس لنصب تذكاري أمر حاكم المدينة التركي فخري باشا بإقامته تذكارًا لتولية الشريف على حيدر على إمارة مكة، إذا هُوَّة انفتحت وكشفت عن بيوت سقفها تحت طبقة هذه الأرض، وقد نزل العمال إليها ووجدوا بها ثيابًا معلقة على حبال محتفظة بهندامها، فلما مسوها بعد دخول الهواء إليها تناثرت، وكان العمال يحفرون في بستان لآل السيد محيي الدين بالطرناوية إذ انفتحت أمامهم هوة واسعة عميقة متصلة بنفق واسع، وقد هبط إليه بعضهم وسار فيه ثم ارتدَّ فزعًا لظلمته، وعثروا في هذا البستان كذلك بآثار لبناء قديم من الآجُرِّ المربع الكبير، فإذا صح أن كانت لهذه الحفريات دلالة على أن المدينة قائمة فوق أطلال مدينة سبقتها كان ذلك جديرًا بمباحث الأثريين والجيولوجيين لمعرفة التاريخ الذي ترجع إليه هذه الآثار والسبب الذي أدى إلى طَمْرِها.

وأكبر الظن عندي، وإن لم أكن من رجال الآثار أو طبقات الأرض، أن السبب في ذلك يرجع إلى طبيعة هذه الأرض التي تقوم المدينة عليها، فكل ما حولها يشهد أنها طبيعة بُركانية سكنت منذ أزمان بعيدة، وهذه الحِرار السوداء التي حولها إنما هي حِمَمٌ اختلط بتراب الأرض ورمالها وارتفع إلى بعض الهضاب فيما يُخَيَّل إليَّ، فإن لم يكن ذلك حقًّا، والحكم به يحتاج إلى مباحث علمية دقيقة، فلا بد أن تكون البراكين قد ثارت بهذه البقعة فطَمَرَت الرمال والأتربة والحمم مساكنها في عصر سبق، وذلك عندي تفسير ما يقصه صاحب «آثار المدينة المنورة» من الأنباء.

ولكن متى حدث هذا؟ أفحدث بعد عهد الرسول أم حدث قبله؟ وهل كان وحده السبب في أن طُمِرَت بالمدينة دور وآثار شتَّى؟ يتعذر القول برأي حاسم في هذا الأمر، فقد رأيت على مقربة من ذي الحُلَيْفة آثار مسجد ذكر لي الأستاذ عبد القدوس أنه كان مطمورًا، وأنه كُشف عنه من عهد غير بعيد، أما والمساجد لم تُعرف إلا بعد الإسلام فقد طُمِر هذا المسجد إذن في عصور متأخرة، لكن مؤرخي المدينة لم يذكروا لنا شيئًا عن البراكين والثورات البركانية، وإن ذكروا هذه الصاعقة التي أحرقت المسجد النبوي وامتد لهبها إلى بعض نواحي المدينة، فما اكتشف إذن فيما حول المسجد وعلى مقربة منه لا بد أن يكون قد طمر قبل عهد الرسول، وهذا احتمال ليس بمستحيل حدوثه، وليس بمستحيل أن تكون الثورات البركانية سببه، وقد يؤيد هذا القول بقاء الآبار المأثورة منذ عهد الرسول — كبئر السُّقيا وبئر بُضاعة اللتين أشرنا إليهما، وكبئر حاء وكبئر أبي أيوب وبئر ذَرْوَان وغيرها من الآبار التي سردتُ أسماءها في فصل المدينة الحديثة — لكن هذا التأييد لا يعدو أن يكون ظنيًّا أقرب إلى الحَدْس المنطقي، فأما السبيل إلى الإجابة عما سألنا عنه وإثباته العلمي، فالحفريات الأثرية والجيولوجية دون سواها.

وأكرر أنني أُرْجِئُ الحديث فيما تدل عليه هذه الآثار من حياة المسلمين بالمدينة في عهد النبي إلى فصل «ظاهر المدينة»؛ فظاهر المدينة قد كان ميدانًا لنشاط الرسول وأصحابه كالمدينة سواء، ولا سبيل لذلك إلى حديث مستقل عن حياتهم في ناحية دون الأخرى من هاتين الناحيتين المتصلتين، ونحن إنما جعلنا الخندق فاصلًا بينهما لنيسر تقسيم البحث، ونهيئ للقارئ تكوين صورة من المدينة أبعد ما تكون عن الاختلاط والاضطراب، أما الواقع من الأمر اليوم، كالواقع من الأمر في أعقاب الهجرة وإلى وفاة الرسول، فالمدينة وظاهرها كُلٌّ متصل ليس من الميسور تجزئته.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤