أمام الحجرة النبوية

السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته! نشهد أن نبي الله ورسوله قد بلَّغ رسالة ربه وجاهد في سبيله حتى أتم الله النصر لدينه، وأنه وفَّى بوعده، وأمرَ ألَّا نعبد إلا الله وحده لا شريك له.

وقفت أمام الحجرة النبوية وتلوت هذه التحية يوم دخلت المدينة، وذهبتُ مع مضيفي إلى المسجد وتبعت مُزَوِّري من باب السلام إلى حيث وقفتُ مأخوذًا لا أدري ما الله صانع بي، وسلمتُ على الصِّدِّيق أبي بكر وعلى الفاروق عمر المدفونَيْنِ في هذه الحجرة إلى جوار رسول الله، وتلَوْتُ الفاتحة، ثم أقمتُ مكاني شاخصًا إلى الحجرة وإلى عمدها النحاسية الدقيقة الصنع، وإلى النسيج الأصفر الذي يصل بين هذه العمد، وإلى الطاقات الثلاث المفتوحة فيها إزاء القبور الثلاثة، كأنما كل طاقة منها عين تحدِّق في كل زائر وتنفذ إلى أعماق نفسه وطيات قلبه، أقمتُ مكاني مأخوذَ الذهن عن التفكير، متوجهًا بكل انتباهي إلى كل ما يجب أن أقوم به من الشعائر حَذَر أن يفوتني شيء منها، وكأنني في حضرة ملك أؤدي فروض الإكبار والإجلال، وشعرتُ بنفسي تحيط بها هالة من الجلال الروحي الذي أخذ على تفكيري المسالك وجعلني في حيرة ما أصنع، وكذلك بقيتُ حتى تقدمني مزوري إلى ناحية الروضة النبوية لأؤدي فيها تحية الحرم وأصلي وراء الإمام صلاة المغرب.

وعجبتُ حين غادرت موقفي من الحجرة وأتممت صلاتي بالروضة، لقد امتلأتْ روحي إكبارًا وتقديسًا وإجلالًا، ولقد شعرت بما لم أشعر قط من قبلُ به، لكني لم أبكِ ولم تفِضْ عَبَراتي، وكنت قد سألتُ قبيل سفري من مصر إلى الحجاز بعض مَن سبقوني إلى الحج والزيارة عن موقفهم أمام قبر الرسول، فحدثني بعضهم عن اهتزاز أنفسهم وانهمار الدمع من أعينهم، ولم يأبَوْا أن يذكروا أنهم كانوا أشد تأثرًا حين وقوفهم أمام الحجرة منهم حين وقوفهم أمام الكعبة وحين طوافهم بها، وهؤلاء الذين حدَّثوني هم مِن خَيْر مَن أعرف ثقافةً وأكثرهم بُعْدًا عن الغُلُوِّ في الدين أو التزمُّت فيه، ما لي إذن لم تنهمل عبراتي كما انهملت عبراتهم، ولم يزد تأثري أمام قبر الرسول عن تأثري أمام بيت الله، وما أحسبني دون أحد منهم إيمانًا بالله وتصديقًا لرسوله وحبًّا إياه؟! أتراهم أرهف مني حسًّا وأدق شعورًا، أم أنَّا نختلف رأيًا وتفكيرًا؟ ولم أُطِل تقليب النظر في هذه الأمور بادئ الرأي، وكفاني أن ذكرت أني توجهت إلى الله بالحج مخلصًا، فلي في مغفرته ذنوبي أعظم الرجاء، وأنني جئت ألتمس بزيارة نبيه الكريم الذكر والأسوة مزيدًا في الرجاء أن يهديني الله سبيله الذي دعا إليه محمد عبده ورسوله، هذا إلى أنني خُلِقْتُ عَصِيَّ الدمع لا تُسْعفني العبرات ما تسعف غيري، فإنْ أوشكَتْ ضَنِنْتُ بها ضنًّا بكرامتي وإبائي، وما أدري لعلي كذلك خشيت أن يكون في البكاء مظهر عبادة، وقد قال — عليه السلام: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد.» وإنما تفيض دموع المؤمن من خشية الله.

عُدْتُ بعد ذلك مرات إلى المسجد ووقفتُ أمام الحجرة، لشد ما يبعث هذا الموقف إلى النفس من آي الحكمة ومعاني الجلال! إنه ينشر أمامها حياة الرسول وصاحبيه، وجهادهما معه في سبيل الدعوة إلى دين الله، وجهادهما من بعده لتثبيت دعائم هذه الدعوة ونشرها في الخافِقَيْنِ، إنه يصوِّر أمام الذهن من حياته وحياتهما بساطة في العيش، بل خُشونة فيه اتخذوها لهم سُنَّةً وشعارًا مُذْ توَلَّوْا أمرَ الناس، فآثروا الناس على أنفسهم وأهليهم، وعافوا متع الحياة وما لها حَذَرَ أن يدخل عليهم منه ما ليس لهم بحق، وضربوا بذلك للناس مثلًا فيما يجب أن يكون عليه من يلي أمر غيره، وهم قد اتخذوها شعارًا وكان لهم في أموالهم سعة، وفيما رزقهم الله متاع، كان محمد غنيًّا بتجارة خديجة ومالها الكثير، وكان أبو بكر غَنِيًّا بتجارته وإلفِ الناسِ إياه، وكان عمر غنيًّا بسعيه واتصال كَدِّه، فلما بعث الله رسوله هدًى للناس ونورًا أنفق مال خديجة ولم يُبْقِ منه على شيء، ولما آلت خلافة رسول الله إلى أبي بكر كان الزهد في الدنيا والرغبة عنها، وكان التقوى وخوف الله أن يُصيب ظلمٌ رجلًا ممن ولي أمرهم، أما عمر فكان مثال العدل الصارم لا يعرف الهوادة مع غيره، وهو أشد قسوة على نفسه وأهله، أليس عجبًا أن يكون ذلك شأنهم وأن تكون هذه سيرتهم وعبرتهم، ثم تكون هذه الحجرة النبوية وهي ما هي اليوم جمالًا وتألقًا في النقش والزخرف والعمارة حتى لَتُزْرِي بأكثر الحُجَر في أبهى القصور فخامة وروعة، وحتى لكانت تُزْرِي إلى عصر قريب بكل قصر ثراء ونعمة، لما اجتمع فيها من نفائس قدرها بعضهم بسبعة ملايين من الجنيهات؟!

بذلك حدثتني نفسي يومًا وأنا بمجلسي من المسجد بعد وقفة طويلة أمام الحجرة، وذكرتُ لهذا الحديث ما كانت الحجرة عليه قبل أن تضاف إلى المسجد يوم دُفن بها الرسول، ويوم دفن بها أبو بكر، ثم يوم دفن بها عمر، كانت هذه الحجرة في بيت عائشة أم المؤمنين، فلما مرِض النبي انتقل إليها ومرَّضه أزواجه فيها حتى اختار الرفيق الأعلى، وكانت هذه الحجرة كالبيت كله من جريد، مستور بمسوح الشعر، أو كان البيت — في قولٍ — من اللَّبِن له حُجَرٌ من جريد، فلما تُوفي رسول الله وانتهى المسلمون بعد خلاف إلى دفنه حيث قُبَض، حفروا له في هذه الغرفة مكان السرير الذي كان يُمرَّض عليه، ودفنوه بعد أن ودَّع المسلمون جثمانه رجالًا ونساءًا وأطفالًا، ودفن أبو بكر بعد سنتين وثلاثة أشهر من موت الرسول، والحجرة على حالها لم يغير فيها شيء، ولم يُقَم على القبر قبة ولا مقام، وبعد عشر سنين من موت أبي بكر دفن عمر بالحجرة وهي على حالها لم يزد عليها إلا جدار أقامه عمر بينها وبين سائر الدار التي كانت عائشة تقيم بها، ذكروا أن ابن الخطاب أرسل إلى عائشة لما طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة يسألها أن يُدفن مع صاحبيه، فقالت: كنتُ أريده لنفسي، لَأُوثِرَنَّه اليوم به، وأَوْصَتْ أن تدفن مع صواحبها بالبقيع، ولعلها إنما فعلت بعد دفن عُمر حتى لا تدفن إلى جواره وهو منها غير ذي رحم محرم، فهي قد كانت تزور حجرة القبر سافرةً حين لم يكن بها غير زوجها وأبيها؛ فلما دفن عمر إلى جانبهما لم تكن تدخلها إلا محتجبة لابسة كامل ثيابها.

وبقيت حجرة القبر على بساطتها إلى أن أمر الوليد بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز واليه على المدينة أن يزيد في المسجد وأن يضم حجرات أزواج النبي إليه، وكل ما قيل: إنه حدث قبل ذلك أن وُضعت على القبور الثلاثة حجارة مُسَنَّمة، وكانت في العهد الأول مُسَوَّاة بالأرض، وانقضَّ جدار من الحجرة حين أمر عمر بن عبد العزيز ببنائها، فانكشف أحد القبور عن ساقٍ وركبة، فتولى عمر الفزع أن تكون ساق رسول الله وركبته، فلما تبين أنها ساق عمر وركبته زايله الفزع وهدأ رَوْعُهُ، وأمر مولاه مُزاحم فقام فسترها وسوى التراب عليها، وبعد ذلك أُقيمت الحجرة فخيمة البناء فخامة أعجبت الوليد بن عبد الملك ودعتْه أن يقول لأبان بن عثمان: «أين بناؤنا من بنائكم؟!» وكان جواب أبان: «بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس.»

بنى عمر بن عبد العزيز الحجرة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين للهجرة، هي إذن قد ظلت ثمانيًا وسبعين أو ثمانين سنة بعد وفاة الرسول في مثل بساطتها حين وفاته لم يزد عليها إلَّا ما قيل عن هذه الأحجار المسنَّمة، ولم يكن الناس إذ ذاك أقل إكبارًا لها وذكرًا لصاحبها — عليه السلام — مما كانوا بعد أن بُنيت، وأقيم عليها سقف أنفق عمر أربعين ألف دينار ذهبًا في إقامته وتزيينه، ولئن تفاوت تقدير الناس إياها، لقد كان المسلمون الأولون في عهد الخلفاء الراشدين والأيام الأولى لعهد بني أمية أدنى إلى التقدير الصحيح، أولئك كانوا الصحابة والتابعين؛ وكانوا لذلك يُدركون روح الرسالة وأغراضها إدراكًا سليمًا، لم يكن الخيال ولا كان الهوى السياسي قد عبث بأفئدتهم ولا بمنطق عقولهم، ولم يكونوا لذلك قد اضطربوا بين الإفراط والتفريط، والغلو في ناحية أو العكوف على نقيضها، كانت حياة الرسول وصاحبيه ماثلة أمامهم على حقيقتها التي رأوها؛ وكانوا لذلك يُكبرونها ويلتمسون فيها الأسوة، ولم تكن نفس أحد لتطاوعه على عبادة غير الله مما ينكر الإسلام؛ لذلك لم يتحمس أحد من أهل المدينة لما صنع الوليد من بناء الحجرة، بل أنكره كثيرون من أتقيائهم، وبرئوا منه، ورأوا فيه خروجًا على الأسوة الحسنة، وحق لهم يومئذٍ أن يفعلوا وقد أنكر بعض إخوانهم وآبائهم على عثمان بن عفان أن يبني المسجد بالحجارة وأن يخرج به لذلك عن بناء النبي إياه باللبِن والجريد وخشب النخل يجعلها له عمدًا.

أراني أشدَّ ميلًا لرأي هؤلاء المسلمين الأولين فيما صنع الوليد بن عبد الملك، فلو أن الحجرة بقيت كما كانت يوم دفن بها رسول الله لكان منظرها أقوى إلهامًا من منظر الحجرة المزخرفة البديعة النقش الجميلة العمد الثمينة الأثاث، والتي تبعث إلى النفس من الروعة أكثر مما تدعو إليه من الأسوة والعبرة، كانت تلك الحجرة الأولى صورةً حية من حياة رسول الله، ومن جهاده، ومن آلامه، ومن مرضه ومن دفنه، أين يرى الإنسان اليوم حجرة الرسول التي كانت مَثَل التقشف ومظهر الخشونة في العيش والبراءة من كل زينة وبهرج؟ أين موضع فراشه فيها، وكان أَدَمًا حَشْوُه ليف؟ أين هذه الصورة التي تملأ النفس روعة، صورة الرسول في بيته وفي مِهْنة أهله، ينظف ثوبه ويرقعه، ويحلب شاته، ويَخْصِف نعله ويخدم نفسه، ويأكل مع الخادم؟ أين هذا المكان الساذج يجلس محمد فيه إلى أهله وهو اللطف بهم والدعابة معهم، والبر والرأفة والرحمة؟ أين هذا الباب الذي لم يكن عليه قفلٌ، والذي كان محمد يفتحه لدِيكٍ مريض فيترفق به ويمرِّضه؟! ترى أين كانت الغرفة التي أقام بها رسول الله حين هجر نساءه شهرًا لما لجَّتِ الغَيْرةُ بهن بعد أن ولدت مارية ابنه إبراهيم؟ وأين من حجرات أزواجه كان مجلسه المفضل للتفكير والتأمل، ولتنظيم سياسة المسلمين وتوجيههم في مختلف شئونهم؟ وأين من هذه الحجرات نزل عليه الوحي؟ وأين فيها سرير مرضه وحيث كان به من لهب الحمَّى ما يعاني منه أشد الكرب؟ وأين منها المكان الذي مر به المسلمون بعد موته وغسله، رجالًا ونساء وأطفالًا، يودِّعون جثمان نبي الله ورسوله، ويشهدون أنه بلَّغ رسالة ربه وجاهد في سبيله حتى أتم الله النصر لدينه؟ لم يبقَ من ذلك كله أثر بعد أن ضمت الحجرات إلى المسجد، فلم يبقَ لزائر المدينة أن يقف على تفصيله أو أن يستمد إلهامه، وقد كان له في الإسلام وفي حياة المسلمين أبلغ الأثر، ألا لو أن ذلك كله بقي إلى اليوم لألهم المؤرخين والكُتَّاب والشعراء ورجال الفن ما لم تلهمهم الحجرة البديعة الزخرف مُذْ شادها عمر بن عبد العزيز، لم يفكر الوليد في شيء من هذا يوم أمر بهدم الحجرات وإدخالها في المسجد، وإنما فكر في حَسَن بن حسن بن علي بن أبي طالب وفاطمة بنت الحسين وفي الدعوة العلوية وفي هذه الخصومة التي استحرَّت بين بني هاشم وبني أمية بعد مقتل عثمان، ولو أنه فكر في شيء مما ذكرت أو وجد مَن يُذَكِّره به لما عَدَل أغلب الأمر عن رأيه، فالهوى السياسي أعنف من أن يذَرَنا نفكر في أمر سواه، وهو كذلك خاصة إذا اتصل بالمُلْك وما يحيط به من شهوات أهواء.

بذلك حدثتني نفسي يومًا وأنا بمجلسي من المسجد بعد وقفة طويلة أمام الحجرة، وذكرتُ لذلك ما حدث من عمارة الحجرة بعد الوليد، وكيف نهج غيره نهجه في البناء والزخرفة، وكيف نسي المسلمون العهد الأول ووقَر في نفوسهم أن كل زُخرف يضيفونه إلى الحجرة يُقربهم إلى الله، ولقد بلغ أمرهم من ذلك أن اختلفوا على موضع المدفونين بالحجرة بعضهم من بعض، هذا وأبو بكر وعمر وزيرا رسول الله في حياته وخليفتاه بعد موته، وهما اللذان ثبَّتا قواعد الإسلام ونشرا في الخافقين لواءه، ولقد بلغ من اختلافهم على هذه المواضع أن روى السمهودي عنها سبع روايات اعتمد في كل منها على راويةٍ لروايته مبلغها من القوة أو الضعف، ونقل السمهودي ما صُوِّرت به هذه المواضع في مختلف الروايات على النحو الآتي:

figure

هذه هي الأوضاع التي ذكرها السمهودي، وهي سبعة يمكن أن تُردَّ إلى ستة، وأنت تستطيع كما ترى أن تعتبرها ثمانية، على أن الوضع الأول منها هو المأثور، والرواية فيه أن رأس النبي وضع إلى ناحية الغرب، وأن رأس أبي بكر وضع إزاء منكبي النبي، وأن رأس عمر وضع إزاء منكبي أبي بكر وهذا الخلاف على وضع أبي بكر وعمر من النبي يقع مثله على بناء الحجرة حين شادها عمر بن عبد العزيز، فقد ذكروا أنه بناها مخمسة ولم يبنها مربعة خيفة أن يتخذها المسلمون قبلة يتوجهون إليها في صلواتهم، أما السمهودي فيقول: إنه رآها حين عمارة المسجد في عصره، أي: في القرن التاسع الهجري، وأنه ألفاها مربعة، وأن تخميسها كان بعد ذلك، وقبر النبي معلم اليوم بمسمار من الفضة موضوع في الجدار القبلي من الخارج، والمأثور أنه قبالة الرأس، وقد وضع هذا المسمار في عهد متأخر، ولكنه يشير إلى موضع الرأس لا ريب، فالمسلمون قد حرصوا على الدقة في تحديد قبر النبي وإن لم يحرصوا على مثلها في تحديد قبري صاحبيه.

وهذا الخلاف على تحديد مواضع القبور من الحجرة إنما حدث في عهد متأخر، فقد رأيت أنه لما انقضَّ جدارٌ وانكشفت بذلك ساق وركبة في ولاية عمر بن عبد العزيز المدينة عرفوا أنها ساق عمر وركبته، مما يدل على أن مواضع القبور كانت محددة يومئذٍ أدق التحديد، فلما أُقيمت الحجرة حولها ولم يكن يدخل إليها إلا الموكلون بها، وقلَّ منهم العلماء، بدأ هذا الخلاف، ولا نعرف مَن الذي بدأ بإثارته، ولو أن الحجرة بقيت على صورتها الأولى لما حدث خلاف؛ ولما ترتب على هذا الخلاف ما ترتب عليه من جدل طويل.

فاتني أن أشير إلى ما يذكرونه عن قبر رابع موجود بالحجرة إلى جانب القبور الثلاثة، وما يروى من أن هذا القبر لعيسى بن مريم، وما ينسب إلى النبي من أحاديث تؤيد أن المسيح سيدفن به، ولست أريد أن أخوض مع الخائضين في هذا الأمر، وكل ما أذكره أن النبي لم يعين مكانًا يدفن به؛ ولذلك اختلف أصحابه: أيدفن بمكة أم ببيتِ المقدس؟ ثم اتفقوا على دفنه بالمدينة حين قال أبو بكر: إني سمعتُ رسول الله يقول: «ما قُبِض نبيٌّ إلا دُفن حيث يقبض.» ولم يكن بدار عائشة يومئذٍ قبر، ولم يحفر بها قبر غير قبر النبي إلا بعد أن دفن أبو بكر وعمر، ولم يذكر رسول الله أنهما سيدفنان بها، ولم يكن أحد يعلم ذلك، بل لقد دفن عمر بها بعد أن سأل عائشة أن تأذن به، وبعد أن آثرته عائشة على نفسها فأذنت أن يُدفن في دارها.

تجدد بناء الحجرة بعد ذلك غير مرة، ولقد أشرتُ إلى شيء من ذلك حين الحديث عن المسجد النبوي وتجديد بنائه على أثر الحريق الذي أصابه في القرن السابع، وامتد إلى الحجرة كما امتد إلى المسجد كله، وعلى أثر الصاعقة التي نزلت به في أواخر القرن التاسع الهجري، ولقد عُدِّل بناء الحجرة أثناء ذلك فخُمِّست بعد أن كانت مربعة، وزيد عليها ما لم يكن منها حين بناها عمر بن عبد العزيز، يقول السمهودي في حديثه عن عمارة القرن التاسع: «إن متولي العمارة ومن كان معه خبَّروني أنهم وجدوا عند نقض جدار البيت الشامي — أي: الشمالي — من داخله رأس جدار في محاذاة الأسطوانة المذكورة يشهد الحال أنه كان آخذًا من الشامي إلى ما يحاذيه من القبلة، فكأنه كان نهاية الحجرة الشريفة من جهة الشرق، وكأنه لما انهدم زيد فيها ذلك القدر، قالوا: ولا يخفى على الناظر أن بقية الجدار الشامي مما يلي الشرق لم تُبْنَ مع الجانب الآخر منه، بل هي ملصقة إلى رأس الجدار المذكور بحيث لم تدخل أحجار أحدهما في الآخر ولا هي مرتبطة كما هي عادة البناء الواحد، ورأيت أنا ما يقابل هذا الجانب من الجدار القبلي مما يلي الشرق، فرأيت ما يشهد بإحداث بنائه بحيث إنه مبني بالحجارة غير الوجوه كنسبة الجدار الشرقي بخلاف بقية جدارات الحجرة الشريفة فإنها كلها من داخلها وخارجها مبنية بالحجارة الموجودة المنحوتة، وأنا لم أشاهد ما قَدَّمْتُه مما حُكِي لي في أمر الجدار الشامي؛ لأنني اجتنبُت حضور الهدم احتياطًا لنفسي.»١

ويقص السمهودي في فصلٍ عَقَدَه وجعل عنوانه «فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في زماننا على وجه لم يخطر قط بأذهاننا، وما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك المحل الشريف ومشاهدة وضعه المنيف وتصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في هذه العمارة.» — يقص صورة ما حدث في عهده حين جاء شاهين الجماليُّ إلى المدينة مُنصَرَفَه من جدة فأراه وجوهها ما تكسر من أخشاب المسجد، وأروه ما في الحجرة من تصدُّع قديم في جدارها الشمالي، رأى معه إصلاح عُمدها وإعادة بنائها، وقد اختلف يومئذٍ في ضرورة ذلك، ورأى كثيرون الخير في عدم التعرض له ما دامت الحاجة لا تدعو إليه، لكن شاهينًا وزير سلطان مصر الأشرف قايتباي، كان له غرام بإصلاح الحرمين لا يعدله غرام؛ لذلك كان دائبًا على تعمير ما يرى الخير في تعميره منهما، فلما استقر الرأي على تعمير المسجد والحجرة بدءوا بإزالة ما كان من تراب الهدم الذي سقط بها حين الحريق الذي وقع في القرن السابع، يقول السمهودي: «بعث إليَّ متولي العمارة لأتبرك بمشاهدة الحجرة الشريفة بعد تنظيفها، وصار قائل يقول: ظهر القبر الشريف، وقائل يقول: لم يجدوا لجميع القبور الشريفة أثرًا، فحَثَّني داعي الشوق وغلبة الوَجْد، واستحضرت ما وقع لبعض السلف من سؤاله عائشة — رضي الله عنها — أن تريه القبور الشريفة … فعزمتُ على الإقدام وتمثلتُ بقول بعضهم:

ولو قيل للمجنون: أرضٌ أصابَها
غُبَارُ ثَرَى لَيْلَى لجَدَّ وأَسْرَعَا
لعلَّ يَرَى شيئًا له نسبةٌ بها
يُعَلِّل قلبًا كادَ أن يَتَصَدَّعَا

فتطهرتُ وتوجهتُ لذلك مستحضرًا عظيم ما توجهتُ إليه، وموقع المثول ببيت أوسع الخلق كرمًا وعفوًا، وذلك هو المعوَّل عليه، واستحضرت قول بعضهم:

عصيتُ فقُلْ لي كيف أَلْقَى محمدًا
ووجهي بأثواب المعاصي مُبَرْقَعُ؟!

ثم أنشدتُ الذي يليه:

عسى اللهُ من أجْلِ الحبيب وقُرْبِهِ
يُدارِكُني بالعفو فالعفْوُ أوْسَعُ
وسألت الله أن يمنحني حُسن الأدب في ذلك المحل العظيم، ويلهمني ما يستحقه من الإجلال والتعظيم، وأن يرزقني منه القبول والرضا، والتجاوز عمَّا سلف ومضى، فاستأذنت ودخلت من مؤخر الحجرة ولم أتجاوز ذلك المحل فشممت رائحةً ما شممت في عمري أطيب منها، ثم سلَّمت بوَجَلٍ وحياء، على أشرف الأنبياء، ثم على ضجيعَيْه خلاصة الأصفياء … ودعوت بما تيسر من الدعوات، وتشفعت بسيد أهل الأرض والسموات، واستنزلت به في بيته من الأزمات، واغتنمتُ هذه الفرصة في جميع الحالات … فلما قضيت من ذلك الوَطَر، متَّعْتُ عيني من تلك الساحة بالنظَر، لأتحف بوصفها المشتاقين، وأنشر من طيب أخبارها في المحبين، فتأملتُ الحجرة الشريفة فإذا هي أرض مستوية وتناولت من ترابها بيدي فإذا به نداوة وحَصْباء … ولم أجد للقبور الشريفة أثرًا غير أن بأوسط الحجرة موضعًا فيه ارتفاع يسير جدًّا توَهَّموا أنه القبر الشريف النبوي، فأخذوا من ترابه للتبرك فيما زعموا، ومنشأ ذلك الوهم جَهْلُ مَن كان هناك بأخبار الحجرة الشريفة، وذلك المحل ليس هو القبر النبوي قطعًا، ولعله قبر عمر — رضي الله عنه … لأن قبر رسول الله كان قريبًا من الجدار وكان اللحد تحت الجدار.»٢

وكان مهرة الصناع قد نقضوا قبل تنظيف المكان ما رأوا حاجة إلى نقضه من العمد، ثم أعادوها بعد صَبِّ الرصاص فيها وجعلوها قوية قوة دهش لها السمهودي، وبعد التنظيف أقاموا بناء الحجرة حول مربعها الذي كان عمر بن عبد العزيز أقامه، وجعلوا عليها قبة مكان القبة التي سبقتها والتي لم تقاوم عمل الزمن؛ لأنها كانت من خشب، أما في هذه العمارة فقد بُنيت من الحجر الأسود وكُملت من الحجر الأبيض.

وبعد زمن من تمام بناء الحجرة سقطت الصاعقة التي ذكرنا نبأها في فصل المسجد النبوي على مئذنته الرئيسية فامتد الحريق إلى المسجد كله، أما الحجرة فلم تحترق، على أن هذا الحريق قد ترك أثرًا في القبة إذ تشققت أعاليها، وقد أُعيد بناؤها محكمًا بعد أن أخذ لها الجبس الأبيض من مصر، وتم ذلك في سنة ٨٩٢ هجرية، وكتب على طرازها من الناحية الغربية: «أنشأ هذه القبة الشريفة العالية المعترف بالتقصير؛ الراجي عفو ربه القدير؛ قايتباي.» وبقيت القبة من ذلك العهد إلى أن جددها السلطان محمود بعد أن هدم أعاليها في سنة ١٢٣٣، وهو الذي أمر بصبغها باللون الأخضر.

ليس يسعنا وقد تحدثنا عن عمارة الحجرة أن نغفل أمرًا حدث أثناء ذلك له بهذه العمارة اتصال، ذلك ما تذكره الروايات وتنسبه إلى نور الدين الشهيد محمود بن زنكي الذي كان يحارب الصليبيين في القرن السادس الهجري، فقد ذكروا من أنباء سنة ٥٥٧ﻫ أنه رأى في نومه رؤيا أفزعته: رأى النبي يشير إلى رجلين أشقرين وهو يقول: أنجدني، أنقذني من هذين، ثم توضأ نور الدين وصلَّى ونام فرأى ما رأى من قبلُ وقام فزعًا، وتوضأ وصلَّى ونام فرأى ذلك مرة ثالثة، وكان له وزير من الصالحين يقال له: جمال الدين الموصلي أرسل في طلبه وقصَّ عليه ما رأى، قال الوزير: وما قعودك؟! اخرج الآن إلى المدينة النبوية واكتُم ما رأيت، وتجهز الملك بقية ليلته وخرج على رواحل خفيفة ومعه وزيره وعشرون رجلًا، فوصلوا المدينة في ستة عشر يومًا، وبعد أن اغتسل الملك وتوضأ وصلى ركعتين بالروضة جلس لا يدري ما يصنع، واستدعى أهل المدينة وأخبرهم أنه جاء للزيارة ومعه مال كثير للصدقة، وسألهم بعد أن وزع المال: أبقي أحدٌ لم يأخذ منه حظه؟ قالوا: لم يبق إلا رجلان مغربيان صالحان غنيان لا يأخذان من أحد شيئًا، ويُكْثِران الصَّدقةَ على المحاويج، وجيء بالرجلين فرآهما يُشبهان مَن أشار إليهما النبي في المنام.

وتظاهر الرجلان بالصلاح وأنهما جاءا إلى المدينة يُجاوران القبر النبوي، وشهد أهل المدينة بأنهما صائمان الدهر، ملازمان الصلوات في الروضة، وزيارة الحجرة كل صلاة، وزيارة البقيع كل يوم بكرة، وزيارة قُباء كل سبت، وأنهما لا يردَّان سائلًا، لكن نور الدين لم يطمئن إليهما، وذهب إلى بيتهما فرأى فيه مالًا كثيرًا، ثم إنه جعل يجوس خلاله إذ رفع حصيرًا فيه فرأى سردابًا محفورًا متجهًا صوب الحجرة … وارتاع الناس حين علموا ذلك وأحاطوا بالرجلين لما جيءَ بهما إلى نور الدين يسائلهما أن يَصْدُقاه، وضربهما ضربًا مبرحًا، فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما الصليبيون في زي حُجَّاج المغاربة وأمالوهما بأموال عظيمة، وأمروهما بالتحَيُّل لسرقة جثة النبي، هنالك أمر نور الدين فضُرب عنقاهما، ثم أمر بحفر خندق عظيم حول الحجرة من كل جوانبها حتى بلغ الحفر الماء، وأمر بإذابة رصاص ملأ به الخندق، فصار منه حول الحجرة إلى الماء سور متين لا يستطيع أحد اجتيازه.

هذه رواية السمهودي عن هذا البناء، ويروي البتانوني في الرحلة الحجازية أن نور الدين زنكي بلغه أن الصليبِيِّين الذين كان مشتغلًا بمحاربتهم كانوا يعملون لسرقة الجثة الشريفة، فأمر بإحاطة الجثة ببناء آخر نزل بأساسه إلى منابع الماء، ثم صبَّ الرصاص على دائرة حتى صار بحيث لا يمكن أن تنال منه يد الزمان، وذكر صاحب مرآة الحرمين مثل هذا، وقد وُضع على هذا البناء، على ما ذكر البتانوني، سِتْرٌ من الحرير الأخضر مكتوب فيه «لا إله إلا الله محمد رسول الله» يحيط بها أحجبة مكتوب فيها قوله — تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ، وفيما بين ذلك دوائر مكتوب فيها أسماء النبي ، ويحيط بهذا الستر المنسدل على بناء الحجرة حزام من الحرير الأحمر مكتوب فيه اسم السلطان الذي أمر بعمل الستر.

وقد تُخَيل الطريقة التي سرد بها صاحب الرحلة الحجازية نبأ كسوة الحجرة أن لهذه الكسوة اتصالًا بما صنع نور الدين الشهيد، والواقع أن كسوة الحجرة أقدم عهدًا من نور الدين، والرحلة الحجازية نفسها تشير إلى هذا، فأول من كساها الخيزران أم هارون الرشيد حين حجَّت، كستها الزنانير وشبائك الحرير، ثم كساها ابن أبي الهيجاء وزير ملك مصر الديباج الأبيض عليه الطرز والجامات المرموقة، وجعل عليه زُنَّارًا من الحرير الأحمر كُتبت عليه سورة يس، وأرسل المستضيء بعد سنتين من ذلك كسوة من الديباج البنفسجي مطرزًا عليها اسمه، ووضعت مكان كسوة أبي الهيجاء، وكساها الخليفة الناصر بالديباج الأسود، ثم صارت كسوة الحجرة ترسل من مصر كل ست سنوات، كما كانت ترسل منها كسوة الكعبة كل عام، وكانت هذه الكسوة من الديباج الأسود المرقوم بالحرير الأبيض وعليها طراز منسوج بالذهب والفضة، فلما استقرت الخلافة في بني عثمان بالآستانة صارت كسوة الحجرة ترسل منها كلما جلس سلطان على العرش، وبقيت كسوة الكعبة ترسل من مصر كل عام، فلما انتقضت بلاد العرب على سلطان الأتراك، ثم لما زالت الخلافة بعد ذلك، تولت حكومة البلاد الإسلامية المقدسة أمر هذه الكسوة، وقد جرى التقليد من زمان بعيد كلما وردت كسوة جديدة أن تُقسَّم القديمة، شأنها في ذلك شأن كسوة الكعبة.

كنا نودُّ أن نقف عند ما حدث من التطور في بناء الحجرة قبل أن نتناول بالحديث أمر كسوتها، فهذا التطور أوضح دلالة على تطور التفكير الإسلامي مما حدث في بناء المسجد، أما وقد تتبعنا «الرحلة الحجازية» في استطرادها إلى حديث الكسوة، فإنا نؤثر أن نتم أنباء الحجرة بحديث الهبات التي قدَّمها الملوك والأثرياء إليها، والتي تتضاءل الهبات التي قُدمت إلى المسجد بجانبها، فحديث هذه الهبات يزيد التطور الذي حدث في التفكير الإسلامي وضوحًا، ولعله كذلك أبلغ ما يُقال في نَقْض ما رواه الحاج عبد الله برخارت السويسري عن رغبة المسلمين عن التبرع لمنشآتهم الدينية، إذ قال تعليقًا على وصفه الروضة: «إذا ذكرنا أن هذا المكان من أقدس الأماكن في العالم الإسلامي كله، وأنه اشتهر بروعته وفخامته ونفاسة حليته، وأنه زخرف بكل ما اجتمع من هبات الغلاة في هذا الدين، ازددنا دهشة وعجبًا أن يكون ذلك كل مظهره، فهو لا يقاس إلى مثوى بقية من رفات قديس، وإن هان شأنه، في أية كنيسة من كنائس أوروبا الكاثوليكية، وهو بهذا ينهض دليلًا مقنعًا على أن المسلمين لم يساووا المسيحيين الغُلاة في هِبَاتهم الدينية في أي عهد من العهود، ودع عنك أحوالًا كثيرة أخرى تؤيد الاعتقاد بأنه مهما يكن من تعصب المسلمين وأوهامهم فإنهم لم يُبدوا قط ميلًا إلى البذل والتضحية المالية من أجل منشآتهم الدينية، كما يُضَحِّي الكاثوليك، بل كما يضحي المسيحيون البروتستنتيون من أجل منشآتهم.»٣
وإنه مع ذلك ليجمل بي قبل تناول هذه الهِبات بالحديث أن أشير إلى خلافٍ وقع بين علماء المسلمين في عصور مختلفة على جواز تحلية الحجرة بالذهب والجواهر النفيسة، مع العلم بأنها مكروهةٌ شرعًا حليةً للأفراد ولمنازلهم وللمساجد، أما الذين يقولون بالجواز فيستندون إلى ما كان يُوهب للكعبة، وأن رسول الله لم ينكره، وأن أبا بكر لم يفكر في التصرف فيه، وأن عمر فكر في ذلك ثم عدل عنه تأسِّيًا برسول الله، وأما الذين يقولون بعدم الجواز فيذكرون حديث النبي لعائشة: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لأنفقتُ كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلتُ بابها بالأرض.» فهو — عليه السلام — لم يفعل وما منعه اعتبار من الشرع وإنما منعته اعتبارات السياسة، ويذهب قوم إلى أن المسجد النبوي لا يجوز تحليته بالذهب والفضة أُسوة بالمساجد جميعًا، ويذهب آخرون إلى أن الحجرة غير المسجد ويبلغون حد القول بأن المدفن الشريف بالحجرة له شرف على جميع المساجد وعلى الكعبة، فلا يلزم من المنع في المساجد والكعبة المنع هنا!٤ وقد كان لهذا الخلاف أثره في الهبات ونوعها في القرون الأولى من الإسلام، وله اليوم أثره والحجاز في حكم الوهابيين، أما ما بين ذلك فقد بلغ التفاني في الهبات حدًّا سترى شيئًا منه فيما نقصُّ الآن عليك، وسترى منه مبلغ خطأ الحاج عبد الله برْخَارْت.

فقد ظلت الحجرة وليس بها من الزينة إلا دفن الرسول وصاحبيه بها إلى أن ضُمَّت للمسجد في سنة ثمان وثمانين للهجرة، ثم بقيت وليس بها إلا هذه الزينة، ومن حولها زخرف البناء البديع بعد أن ضُمت للمسجد، بناها عمر بن عبد العزيز بالحجارة السوداء القوية زمنًا طويلًا، بعد ذلك ألِفَ الناسُ أن يرَوْا قناديل الذهب والفضة المعلقة حول الحجرة.

وفي ذلك يقول السمهودي ما نصه: «لم أَرَ في كلام أحد ذكر ابتداء حدوث ذلك إلا أن ابن النجار قال ما لفظه: وفي سقف المسجد الذي بين القبلة والحجرة على رأس الزوَّار إذا وقفوا معلَّق نيِّفٌ وأربعون قنديلًا كبارًا وصغارًا من الفضة المنقوشة والسادة، وفيها اثنان بِلَّور وواحد ذهب، وفيها قمر من فضة مغموس في الذهب وهذه تَنْفِذُ من البلدان من الملوك وأرباب الحشمة والأموال.»

وقد بقيت القناديل ومعاليقها ترسل إلى الحجرة أجيالًا متعاقبة حتى بلغ من كثرتها أن رفع خدم المسجد بعضها ووضعوه بالقبة التي في صحن المسجد حتى اجتمع فيها منه شيء كثير، وظل الأمر كذلك إلى أن كان القرن التاسع الهجري إذ كان جمَّاز بن هَبة أمير المدينة عام ٨١١ هجرية، في هذا الحين صدرت المراسيم بتولية ثابت بن نُغير إمْرَة المدينة وأن يكون أمر الحجاز لحسن بن عجلان، ومات ثابت قبل توليته وشعر جمَّاز بأن الأمر يفر من يده فأعلن العصيان، وأباح نهب بعض بيوت المدينة، وأهان شيخ خُدَّام الحرم، ورفع عليه وعلى مَن معه السيف، وكسر باب القبة وأخذ جميع ما فيها من قناديل الذهب والفضة التي اجتمعت على تعاقب السنين من جميع الآفاق وفرَّ بها ثم أخفاها وقُتل، وقد وضع بعض علماء ذلك العصر قائمة بما نهبه جمَّاز جاء فيها أن وزن ما كان بالحجرة من قناديل الذهب تسعة قناطير، وقد شجع جماز هذا غيره من المعتدين، فأخذ الأمير غُرير بن هيازع بن هبة الحسيني الجمَّازي جانبًا مما وُضع بالقبة زنته سبعة عشر ومائة رطل من الفضة زاعمًا أنه على سبيل القرض، ثم فرَّ به إلى القاهرة حيث مات مسجونًا، وفي آخر سنة ستين وثمانمائة عدا عليها برغوث بن بُتير بن جريس الحسيني، إذْ تسوَّر جدار المسجد ودخل بين سَقْفيه ونهب منه ما استطاع في ليال متكررة.

على أن ما حدث من ذلك لم يصرف المؤمنين عن إرسال الهدايا من الذهب والفضة من جميع أقطار العالم الإسلامي.

ولما آلَ الأمرُ إلى بني عثمان زادت هذه الهدايا نفاسةً وقيمة، ويقول البتانوني في «الرحلة الحجازية»:

في مقابلة الوجه الشريف على جدار المقصورة حجر من الماس البرلنتي في حجم بيضة الحمام الصغيرة، يحيط به إطار من الذهب المرصع، ويُقَدِّرون ثمنه في ذاته بثمانمائة ألف جنيه، أما في شرف نسبته إلى الحجرة النبوية فقيمته أكبر من أن تُقدر بثمن، ويسمونه بالكوكب الدُّرِّيِّ لشدة تألقه وعظيم سنائه وبهائه، وهو مثبت في لوحة من الذهب، ورُصِّع محيطُه بمائتين وسبع وعشرين قطعة من الجواهر الثمينة، وهذا الكوكب أهداه للحجرة الشريفة السلطان أحمد خان الأول ابن السلطان محمد خان من سلاطين آل عثمان في مبادئ القرن الحادي عشر الهجري، وقد عُلِّق تحته كَفٌّ من الذهب المرصع بالجوهر، في وسطه حَجَر من الماس أصغر من الكوكب الدري، أهداه إليه السلطان مراد الرابع ابن السلطان أحمد الأول في سنة سبع وأربعين وألف للهجرة، وهناك لوح كبير من الذهب المنقوش فيه بخط جميل جدًّا بحجارة الماس البرلنتي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أهدته إليها صاحبة السمو والعصمة عادلة سلطان بنت السلطان محمود سنة ألف ومائتين وإحدى وتسعين هجرية، وفي هذه الحجرة الشريفة غير هذا كثير من الجواهر الفاخرة التي لا تُقدر بثمن، منها قطعة كبيرة على مثال الكردان مكتوب فيها بالماس اسم السيدة فاطمة الزهراء.

وبعد أن ذكر البتانوني ما هنالك من نفائس أخرى كمصاحف مجوهرة وشمعدانات من الذهب الخالص المرصع بالجواهر الكريمة ومكانس من اللؤلؤ، قال: وبالجملة فقد قُدِّر ثمن ما للحجرة الشريفة من الذخائر بسبعة ملايين من الجنيهات.

لم تبقَ هذه النفائس اليوم بالحجرة، وليس يرجع ذلك إلى ما أخذه الوهابيون منها في غزوتهم الأولى للحجاز في أوائل القرن التاسع عشر المسيحي، فقد رد محمد علي باشا والى مصر الشيء الكثير مما أَخَذوا، وبقيت هذه النفائس التي ذكرها البتانوني، والتي رآها في أول العقد الثاني لهذا القرن العشرين، فلما كانت الحرب الكبرى وثار العرب بسلطان آل عثمان نقل الأتراك الكوكب الدري وقطعة الماس التي كانت معلقة تحته وأنفس نفائس الحجرة إلى الآستانة ولم تُردَّ إلى الآن.

كنت واقفًا أمام الحجرة يومًا وأحد أصحابي يقص عليَّ نبأ هذه النفائس وما سُلب منها ويُبدي لذلك أسفًا ولوعة، وأطرقت مليًّا أسمع له، فلما أتم حديثه قلت: وهل أَغْنَتْ هذه النفائس قبرَ النبي الكريم شيئًا؟! نظر إليَّ الرجل بعينين واسعتين فتحهما وكأنهما ملئتا مما أقول عجبًا، ولم يصدَّني عجبه ولا صدتني نظرته عن الاستطراد في بيان فكرتي فأردفتُ: «ما كان قبر محمد النبي العربي بحاجة إلى جواهر تضيء جوانبه وهو مُضيء بالحقيقة العليا التي جاء بها صاحبه من عند الله هُدًى للناس ونورًا، وليس البَهْرَج الذي يُخدع الناس به هو العبرة التي تلتمس في هذه الحجرة، وما سُلب من جواهرها ولآلئها إنما سُلب يوم أراد الله لدينه أن يعود فيملأ النفوس سُمُوًّا على كل زينة وبهرج، وإنما العبرة الكبرى التي تملأ النفوس رهبة وجلالًا، ويخشع أمامها القلب مهابةً وإكبارًا، فتلك ما تتحدث هذه الحجرة عنه من سيرة خاتم الأنبياء والمرسلين — عليه الصلاة والسلام، ومن سيرة صاحبيه ووزيريه وخليفتيه؛ أبي بكر وعمر، ومَن وقف أمام الحجرة وشُغل عن سيرة صاحب الرسالة وبلاغه إياها الناس، وعن سيرة صاحبيه وجهادهما في سبيل الله ليُظلَّ لواءُ الإسلام العالمَ كله وكان شغله عن ذلك بزخرف البناء وما كان فيها من تحف وجواهر، فقد فاتته العبرة ولم يبلغ من زيارة قبر الرسول ما يجب أن يجعله كل مسلم غايته من هذه الزيارة.»

وخلوت يومًا إلى نفسي، وعدت أفكر في هذه الجواهر وفي إهداء أصحابها إياها إلى الحجرة وفي قوله — عليه السلام — لعائشة: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لأنفقتُ كنز الكعبة في سبيل الله.» أترى المسلمين اليوم ما يزالون حديثي عهد بكفر فلا ينفق أحد كنز الحجرة في سبيل الله؟! أوَليس إنفاقه في هذه السبيل الكريمة خيرًا من تَرْكِه تعدو عليه الأيدي ولا يفيد منه أحد شيئًا؟ إن الذين وهبوه للحجرة التماسًا للقربى قد بلغوا من هبتهم غايتهم، فحسب المرء أن ينفذ صادقًا ما نواه مخلصًا لتتم له نيته، فإذا خرج عمله أو ماله من يده وأصبح ملكًا عامًّا فقد أصبح حقًّا لبيت مال المسلمين، يتصرف فيه صاحب الأمر ما يتصرف في بيت مال المسلمين؛ يجعل منه للحجرة وزينتها ما يتفق مع كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين، وينفق سائره في سبيل الله.

ولو عرض الكوكب الدري بعد أن بقي في الحجرة النبوية زمنًا ليحوزه مَن يقدر على ثمنه لأقبل أصحاب الملايين من أمراء الهند وغيرهم يتنافسون في اقتنائه ويبذلون فيه أضعاف قيمته، ويومئذ يُنفق هذا المال في سبيل الله تيسيرًا للحج أو إعلاءً لكلمة الله ورفعًا لمنار الإسلام، وما كان لأحد أن يغضب لذلك بعد إذ تكرر الاعتداء على نفائس الحجرة فسُلبت غير مرة، هذا، وما دار بخَلَد النبي — عليه السلام — أن يكون قبره يومًا من الأيام متحفًا للجواهر، وهو الذي أراد أن يُنفق كنز الكعبة في سبيل الله، لكنَّ قومًا رأوا هذه الهبات وقفًا على الحجرة لا يجوز التصرف فيها بحال، فشَرْطُ الواقف عندهم كنص الشَّارع، وليس يجوز في رأيهم صرف شيء من قناديل الحجرة في عمارتها وعمارة المسجد، وعند كثيرين أن هذا غلو في تقديس إرادة الفرد بعد موته، والشرع الإسلامي الحنيف لا يُجيز إرادة الإنسان إلا في حدود حياته.

ومهما يكن الرأي في ذلك كله فهذه الهبات أوضح شاهد على تطور التفكير الإسلامي إلى ناحية الأَثَرة، مع أن كتاب الله وأسوة رسوله كلهما الدعوة الخاصة للإيثار، وماذا يبتغي من يهب القناديل أو الجواهر للحجرة؟ إنه لا يريد بذلك سَدَّ حاجة للمسلمين، وآية ذلك أن القناديل كانت تبلغ من الكثرة أن تخزن قناطير الذهب منها في القبة التي تتوسط المسجد، وأن إضاءة الحجرة لا تقتضي هذا الذهب ولا هذه النفائس، إنما يهب الواهبون يبتغون القربى إلى رسول الله وشفاعته لهم عند ربه، هم لا يفكرون في المسلمين ولا في أخوتهم ومحبتهم حين يفْتَنُّون في زخرف هذه الهبات، وإنما يفكرون في أنفسهم، وكم من ملك أو أمير وهب النفائس ثم لم يصرفه ما وهب عن الاستبداد بغيره وابتزاز حقه والطمع في ماله، والطمع مع ذلك في شفاعة رسول الله من أجل ما قدم من قناديل الذهب أو نفيس الجواهر! هذه عقيدةٌ تدهور إليها المسلمون مذ نسوا أن المرء مجزيٌّ بعمله، وأن قيمة العمل بالنية التي تبعث عليه، وأن هذا العمل أقرب إلى الله ما كان البر والتقوى والجهاد في سبيل الله.

عدتُ إلى التفكير في هذا التطور يومًا إذ كنت بموقفي من الحجرة أستعيد أمام ذهني هذه الصورة الأخَّاذة بالنفس لأيام مرض الرسول ووفاته ودفنه، فقد أقبل رجل مندفعًا نحو الحجرة كأنما أراد أن يلقي بنفسه على أبوابها وأن يُقَبِّل أعتابها، ودُهِشْتُ لمَرْآهُ في اندفاعه بعد إذ حالت حكومة الوهابيين بين زُوَّار الحجرة وما وراء السلام على ساكنها — عليه السلام، ومَنَعَتْ أن يُقبِّل الناسُ الأعتابَ أو أن يتمسَّحوا بالمقصورة كما كانوا يفعلون من قبلُ، لما تراه في هذه الأعمال من مخالفة قواعد الإسلام الصحيح، دهشت حين رأيت هذا الرجل في تحمُّسه وفي اندفاعه، وأيقنت أن خُدَّام الحجرة لا ريب مانعوه من غرضه، لكن الرجل لم يُلْقِ بنفسه إلى الأرض ولم يُقَبِّل الأعتاب، بل اندفع يدعو ويبتهل ويستغفر، ويطلب إلى رسول الله الشفاعة يوم الحساب، وكان يطلب ذلك في صوت مسموع وفي ضراعة وإنابة انهمل لهما دمعه وفاضت معنا عَبَرَاتُه، فلما فَرَغ من دعائه وتضرُّعه وابتهاله اقترب منه رجل يقول له: ألم تقرأ قوله — تعالى: وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ؟ أَوَلَستَ تعرف أن الحسنات يُذْهبن السيئات؟ فعليك بالحسنات يغفر لك الله من ذنوبك وتكن أعمالك خير شفيع لك، ووقف المستشفع مأخوذًا؛ لأنه لم يكن يتوقع أن يسمع ما سمع، لكنه مع ذلك صاح حين أتم صاحبه كلامه: الشفاعةَ يا رسول الله! وانطلق إلى الروضة النبوية يلتمس أقرب مكان من منبر الرسول.

عدت إلى التفكير في تطور النفسية الإسلامية على أثر هذا المشهد، قلت في نفسي: ألا يغلو الذين يَحُولون بين زائر الحجرة وما سوى السلام على نبي الله ورسوله غُلوَّ الذين يتمرغون على أعتاب المقصورة يلتمسون العفو والمغفرة؟! إن هذا الموقف ليبعث في النفس من العبرة والذكرى ويثير فيها من معاني الحكمة العليا ومن أسباب الأسوة الحسنة ما لا يثيره موقف سواه، إننا نقف أمام قُبور العظماء من فلاسفة وقُوَّاد وملوك وكُتَّاب وحُكماء فتحدثنا صفائحها بأبلغ ما تحدثنا عنه أكثر الكتب بلاغة وأدقها منطقًا، ما بالك بهذا الموقف أمام قبر النبي العربي وما يبعثه إلى النفس من دواعي الحكمة والإيمان وحسن الرأي وجميل الأسوة؟! حسبك أنه منارة الهدى إلى التوحيد في قوة بساطته وصفاء جوهره، وإلى الإيمان بهذا التوحيد عن معرفة وبصيرة، وإلى سلوك سبيل العلم لبلوغ أسمى مراتب الإيمان بملاحظة خلق الله واستنباط سنته — جلَّ شأنُه — في الكون؛ ليكون لهذه الوقفة أمام الحجرة أبلغ الأثر في الحياة، أثر يجعلنا نسمو بأنفسنا فوق الزائل من المنافع العاجلة لهذه الحياة الدنيا لنحدِّق في الوجود وجهًا لوجه نبتغي فيه آية الله، ونرى خلاله أسرار عظمته — جلَّ شأنُه، أليس غلوًّا أن نمنع الناس من هذه الوقفة مخافة أن يغلوا في تقديس هذا القبر إلى حَدِّ العبادة؟! والذين يعبدون القبر أو صاحب القبر غُلاة كذلك، ينكرون تعاليم صاحبه وما جاء به من عند الله فيشوبون صفاء التوحيد بما يصنعون، ويشوِّهون جلاله بما لا يرضى الله ورسوله، تعالى الله عمَّا يصفون.

ومثلت أمام ذهني صورة هذا الرسول الكريم يوم دفن بهذه الحجرة، فرأيته في أكفانه، ورأيت أبواب هذه الحجرة تفتح للمسلمين من ناحية المسجد فيدخلون فيلقون على نبيهم نظرة الوداع ويصلون عليه، هذا أبو بكر وهذا عمر يدخلان وقد امتلأت الحجرة بالمسلمين وهم يُصلون صلاة الجنازة كما كان يصليها رسول الله على موتاهم، لا يؤمُّهم في صلاتهم أحد، ويتم القوم جميعًا صلاتهم ويقفون صموتًا كأن على رءوسهم الطير حتى يسمعوا أبا بكر يقول: «السلام عليكَ يا رسول الله ورحمة الله وبركاته! نشهد أن نبي الله ورسوله قد بلَّغ رسالة ربه وجاهد في سبيله حتى أتم النصر لدينه، وأنه وفى بوعده، وأمر ألا نعبد إلا الله وحده لا شريك له.» وأبو بكر يتلو هذا السلام جملة جملة. والمسلمون يجيبون عند كل جملة آمين! آمين! في هيبة وخشوع، ويفرغ الرجال من صلاتهم ويدخل النساء ثم الصبيان من بعدهم، وهؤلاء وأولئك جميعًا كلٌّ واجفٌ قلبه، محزون فؤاده، يَفْرِي الأسى كبدَه لفراق رسول الله خاتم النبيين، ويُساوره على دين الله أشد الخشية من بعده.

تُرى كيف كان دَفْنُ أبي بكر إلى جانب النبي، وكيف كان دَفْنُ عمر إلى جانب أبي بكر؟! لقد مات أبو بكر في الثاني والعشرين من جمادى الأولى للسنة الثالثة عشرة من الهجرة، فتولَّت غسله ابنته أسماء يعاونها ابنه عبد الرحمن إجابة لرغبته قبيل وفاته، ثم إنه كُفِّن في الأثواب التي مات فيها؛ لأنه أبى أن يُكَفَّن في جديد من الثياب، فالثياب الجديدة تنفع الحي، ونَقَله الصحابة من بيته إلى بيت ابنته عائشة، وصلَّى عليه عمر والمسلمون من حوله، ودفن إلى جوار رسول الله، رأسه عند مَنْكِبَيْ صاحب الرسالة، ولقد مات عمر في السادس والعشرين من ذي الحجة في السنة السادسة والعشرين من الهجرة، فتولى صُهَيْب والصحابة نقله من داره إلى دار عائشة حين دفن في جوار صاحبيه، ورأسه إلى مَنْكِبَيْ أبي بكر، فصلى صهيبٌ عليه، وأنزل عبد الله بن عمر جثمانه إلى مقرِّه الأخير.

ما أبلغ العبرة في دَفْنِ خليفتي رسول الله الأوَّلَيْنِ في حجرته! وأول ما يدل ذلك عليه إجماع المسلمين على أنهما تأسَّيَا بالرسول وسارا على نهجه وسنته، فحق لهما أن يكونا في جواره، وهما قد سارا على نهج الرسول وسنته في سياسة المسلمين، فنسي كل منهما نفسه وجعل وحدة المسلمين وعظمة الإسلام والجهاد في سبيل الله غرضه، لم يفكر أحد منهما حين خلافته في مالٍ أو جاهٍ أو سلطان يكون له أو لذويه وأهله، بل رأى فيما وَلِيَ من أمْرِ المسلمين عِبْئًا وواجبًا ألقاه الله على عاتقه، فكان كل هَمِّه ألَّا تَعْلَقَ به فيما ولي من ذلك ريبة من الناس ولا من نفسه، وأن يؤدي في ولايته لكل مسلم حقه، كان الفقر فخر كل منهما، كما كان فخر صاحب الرسالة، وكانت التقوى لباسهما ويجب أن تكون لباس كل مؤمن، وكان الحرص على رضا الله بطاعته غاية رجائهما، بذلك استقرَّ الإسلام بعد أن قَمَعَ أبو بكر مَن حَدَّثَتْهُ نفسه بالخروج عليه، ثم مَدَّ عمر راية الإيمان على بلاد الروم والفرس بعد أن حسب الروم والفرس أن الله أورثهم إياها إلى يوم الدين، ونسوا أن الله إنما يورث الأرض مَن يشاء من عباده الصالحين.

بهذا سما أبو بكر وسما عمر، فحق لهما أن يجاورا رسول الله في جوار الله، فكانت للمؤمنين في ذلك عبرة أن من أطاع الله ورسوله وجاهد في سبيله التماسًا للمثل الأعلى كان جديرًا أن يسمو إلى مكانة المقربين، وأن يرقد رقدته الأخيرة في جوارهم، لقد سأل الوليد بن عبد الملك عن قبر عثمان يوم زار المدينة بعد أن ضُمَّتِ الحجرة إلى المسجد فقيل له: «إنه مات في فتنة.» ولولا ذلك لَدُفِنَ في الحجرة كما دفن أبو بكر وعمر، وقد يكون عجيبًا ألا ترى عائشة دَفْنَه بها وقد كانت مع معاوية بين المطالبين بدمه، ولكن لا عجب، فلم يُجمع المسلمون على تأسِّي عثمان بالرسول ما أجمعوا على تأسي الخليفتين الأولين به، ولو أنه فعل لسَمَا سموهما ولحقَّ له أن يرقد معهما في جوار رسول الله.

وما كان المسلمون ليأبوا عليه ذلك يومئذٍ لو أنهم أقاموا على سنة الرسول يؤثرون على أنفسهم، ويحرصون على العدل ولا يميل بهم الهوى، لكن سيرة الرسول تقتضي مَن يبتغي الأسوة فيها مجهودًا إنسانيًّا كبيرًا، تقتضيه أن يسمو على المادة، وأن يمحو من آثارها كل ما يغشى ضياء الروح، وأن يعالج ذلك بالمعرفة والعلم، وأن يُثَابر في هذه السبيل غير وانٍ ولا قانع، فالقناعة فضيلة في طلب المادة، والونَى دون الطمع في هذا الطلب خير، لكن أجواء السمو الروحي لا حدود لها، ودوام السمو فيها يقتضينا ألَّا نقنع بما بلغنا، وألَّا نَنِيَ عن مواصلة الجهد لبلوغ غاية ما نستطيع منه، وهذا ما شُغِل المسلمون عنه من عهد عثمان بما شَجَرَ بينهم من خلاف.

اللهم إني أضرع إليك أن تُهَيِّئ لي وللمؤمنين في هذا السبيل — سبيل السمو الروحي — ما هيأت لمن ارتضيت من عبادك، وأن تُيسر لنا اتباع رسولك الكريم؛ نتأسى به ونتبع سنته، ونسير في خطاه! اللهم إن هذه الحجرة التي أقف أمامها ألتمس فيها المثل والعبرة لتلهمني من ذلك ما أرجو أن تهديني صراطه، فهو صراطك المستقيم! اللهم بك العَوْن فأعنِّي، ومنك الرضا فارْضَ عنِّي! ربنا لا تُحَمِّلني ولا تُحَمِّل إخواني المؤمنين ما لا طاقةَ لنا به! ربنا اعْفُ عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا وأنت نعم المولى ونعم النصير!

١  السهمودي: وفاء الوفاء، جزء أول صفحة ٤٠١.
٢  السمهودي: الجزء الأول صفحة ٤٤٨.
٣  راجع ما نقلناه من كتاب برخارت «جولات في بلاد العرب» في فصل المسجد النبوي، صفحة ٤٤٣.
٤  السهمودي: وفاء الوفاء، جزء أول صفحة ٤٤٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠