الفصل السابع

بيمارستانات بلاد الروم (أي الأناضول)

(١) بيمارستان قيسارية أو دار الشفا

دار الشفاء بقيسارية منسوبة إلى كوهي خاتون١ وكان بناؤها سنة ٦٠٢ﻫ وهذه الخاتون المباركة كانت ابنة قليج أرسلان السلجوقي، وهذه الدار تسمى أيضًا مدرسة شفائية غياثية لأنها بنيت على وصية هذه السيدة بأمر غياث الدين كيخسرو ابن قليج أرسلان وهو أخوها.

وعلى هذه الدار بالخط السلجوقي ما يأتي: أيام السلطان المعظم غياث الدنيا والدين كيخسروا بن قليج أرسلان دامت … اتفق بناء هذا المارستان وصية عن الملكة عصمة الدنيا والدين كوهي نسيبة ابن قليج أرسلان سنة ٦٠٢ﻫ.

ولم يعثر على كتاب وقف هذا المارستان، والكتابات المعمارية والتاريخية لهذا الأثر في كتاب «الكتابات القيسارية لخليل أدهم» مدير متحف الآثار القديمة سابقًا طبع استنبول سنة ١٣٣٤ﻫ، وقال الأستاذ الدكتور أحمد سهيل التركي في المؤتمر التاسع لتاريخ الطب المنعقد في بوخارست في ١١ سبتمبر سنة ١٩٣٢: إن مارستان قيسارية لا يزال موجودًا يؤدي خدمته بعد أن أصلح على النظم الحديثة.

وقيسارية مدينة عظيمة من بلاد الروم كانت تابعة لصاحب العراق واسمها القديم Caesaria وكانت عاصمة بني سلجوق ملوك الروم أولاد قليج أرسلان افتتحها ألب أرسلان سنة ١٠٦٦م.

(٢) المدرسة الشفائية بسيواس

بناها كيكاورس بن كيخسرو السلجوقي بن قليج أرسلان سنة ٦١٤ﻫ/١٢١٧م ومكتوب عليها: أمر بعمارة هذه الدار لرضاء الله تعالى السلطان الغالب بأمر الله عز الدنيا والدين ركن الإسلام والمسلمين سلطان البر والبحر تاج آل سلجوق أبو الفتوح كيكاوس بن كيخسرو برهان أمير المؤمنين سنة ٦١٤ﻫ.

وكتاب الوقف محفوظ بدار الأوقاف٢ ننقل خلاصته وهي: وقف الواقف المذكور المبرور سقاه الله تعالى شآبيب الرحمة والرضوان، وكساه جلابيب العفو والغفران: الضياع الخمس والحوانيت المائة والأشقاص السبعة والمبقلة والرحى والهري والإسطبل، المذكورة المحدودة الموصوفة في هذا الذكر بجميع حدودها وحقوقها ومرافقها وتخومها ومصالحها ورسومها كلها، أرضها وبناءها ونقضها وسماءها وعلوها وسفلها وبيوتاتها ومنازلها ومعالفها وأصايلها وأواخيرها ومنابدها ومراعيها ومساكنها وأشجارها وكرومها، وأفراخها وبساتينها ومستأجرها ومروجها ومقاصها ومحاسنها ومحاطبها ومبقالها، وأنهارها وسواقيها وآبارها ورياضها وغياضها وغدرانها وحياضها وعيونها، ووهادها وتلالها وقيعانها وجبالها، وحق شربها المعلوم، وملقى ذيلها المرسوم، وعامرها وغامرها، وكل حق هو لها داخل فيها وخارج عنها، ومتصل بها ومنفصل عنها، ومعروف بها ومعلوم لها، ومعزى إليها ومعدود منها بأسرها وحذافيرها على «دار الشفاء» ومأوى المرضى والأعلاء، التي رسم بإنشائها وأمر ببنائها الكائن موضعها ظاهر كورة سيولس، حماها الله تعالى وحرسها، على فوهة جادة توقات حيث عن الآفات؟ المشتملة عليها حدود أربعة: أولًا … (صرفنا النظر عن ذكره اجتنابًا للتطويل) وثانيًا … وثالثًا … ورابعًا … وقفًا مؤبدًا صحيحًا شرعيًّا وتصدقًا سرمدًا صريحًا سمعيًّا ونحبيًا جائزًا قطعيًّا بتًا بتلًا فضلًا جاريًا على منهج الشرع، حاويًا مقتضى الحكم، خاليًا عن الموانع الفادحة، جامعًا لشرائط الصحة لاتباع هذه الأوقاف المذكورة، ولا يوهب ولا يرهن ولا يورث ولا يملك ولا يتلف ولا يهلك ولا يخلف لوجه من الوجوه وسبب من الأسباب، بل يجري على أصلها المؤيد، وتقام على شرائطها المؤكد [كذا]، لا ينقصها مرور الأيام، ولا ينقضها كرور الشهو والأعوام … وجعل الأمير الأجل الكبير المبجل الأمير العاقل العالم العادل الكافي الكامل المظفر المؤيد المنصور المشيد؟ جمال الدين، جلال الإسلام والمسلمين عمدة الملوك والسلاطين في الممالك، أستاذ الدار فرخ بن عبد الله الخازن الخاص دام توفيقه متوليًا الأوقاف المذكورة في هذه الوثيقة … وناظرًا فيها يتولى بنفسه ويستنيب من ينوبه [كذا] ويوكل إلى من يشاء، ويفوض إلى من آثر واختار، ويوكل فيها من أراد، ويعزل عن الوكالة أنى أحب ومتى شاء، لا اعتراض لأحد من الناس كائنًا من كان فيها عليه، فهو المعول عليه في تقدير واردات الأطباء الحاذقين والمترفقين الفائقين المجربين المهذبين الغير المتحذلقين، والكحالين الفاضلين والجراحين المصلحين الشفيقين الرفيقين القاضين بها، وترتيب غير التعبير؟ لتحصيل الأدوية والعقاقير وتمشية أحوال المستخدمين من الملازمين على تباين درجاتهم وتفاوت طبقاتهم، فما أفاد الله تعالى من فوائد ربيع مستغلها يصرف في عمارة الأوقاف المذكورة، وبناء ما انهدم، وإصلاح مرماتها واستزادة غلاتها، فما فضل عنها يصرف إلى نفسه منها كل سنة من القراطيس البيض بالفضة السلطانية الرائجة ببلاد الروم في معاملات أهلها أربعة آلاف درهم قرطاس فضي من النقد المذكور، النصف منها كلها تأكيدًا لها ألفا قرطاس فضة من الغلة النقية ألف مد (بن براتي) النصف من ذلك خمسمائة مد حسب المحرر، ويختزن الفاضل في خزانة دار الشفاء المذكور إذن لتنفق شراء أعلى من العقارات، ونفائس المستغلات حصلها بالمبايعة، وأضافها على الأوقاف المذكورة ردمًا لازيادها. وشرط الواقف المذكور على المتولي المذكور والناظر في أوقافه المذكورة وكل متولي بعده أن لا يؤجر شيئًا منها عند مسيس الحاجة في الإجارة أكثر من ثلاث سنين متوليات، ثم لا يعقد عليه عقد إجارة أخرى حتى تنقضي هذه الإجارة المعقود عليها الأولى، ولا يؤجر من ظالم أو طامع ولا متغلب ولا متعد، ولا من يخشى غائلته، فإن انطمست دار الشفاء المذكورة عياذًا بالله واستحال استجراؤها وتعذر السكون إليها وعدم الانتفاع بها صارت الفوائد الحاصلة من الأوقاف المذكورة إلى فقراء المسلمين ومحاويج الموحدين ومساكين المسلمين … إلخ.

قال الدكتور أحمد سهيل في مؤتمر تاريخ الطب ببوخارست: هذا المارستان لا يزال موجودًا.

(٣) مارستان قوتلوغ توركان بإيران

مآثر قوتلوغ توركان٣ خاتون بن ملكات قره خطائية الحاكمة بإيران جديرة بأن تذكر في ساحة الفتوة والكرم، وهذه الملكة جلست على كرسي السلطنة بعد السلطان قطب الدين بإيران سنة ٦٧٠ﻫ وسيرتها مضبوطة في تاريخ آل سلجوق بمكتبة أيا صوفيا (رقم ٣٠١٩ ورقة ٨٨ و٨٩)، يذكر فيها أنها وقفت تلك الآثار مدرسة وسائر بقاع خيراز رباطات ومساجد ودار شفاء وقناطر وخانقاهات وسائر أبواب الخير.

(٤) بيمارستان أماصيه

أنشأت إيلدوز من خاتون زوجة السلطان أولجايتو دار الشفا محتمشة بأماصيا سنة ٧٠٨ﻫ/١٣٠٨م ولا تزال موجودة.

(٥) بيمارستان ديوركي

أنشأت توران خاتون زوجة أحمد شاه الرانشمندي دار الشفاء بمدينة ديوركي في سنة ٦١٤ﻫ/١٢٢٨م ولا تزال موجودة.

(٦) بيمارستان محمد الفاتح

في سنة ١٤٧٠م أنشأ السلطان محمد الفاتح مارستانًا بقسطنطينية ومن الأطباء الذين عملوا فيه:
  • (١)
    المولى محمود بن الكمال٤ الملقب بأخي جان المشتهر بأخي جلبي، كان أبوه في بلدة تبريز ثم أتى إلى بلاد الروم ونزل قسطنطينة، وعانى فيها الطب، وتعين طبيبًا لدار السلطنة ورئيسًا للأطباء في المارستان الذي بناه السلطان محمد خان بمدينة القسطنطينية وتوفي سنة ٩٠٣ﻫ.

(٧) بيمارستان السلطان سليمان

السلطان سليمان٥ ابن السلطان سليم خان عاشر سلاطين آل عثمان والمتوفى في ٢٢ صفر سنة ٩٧٤ﻫ، بنى بالقسطنطينية بيمارستانًا لمداواة المرضى وتربية المجانبين بأنواع الأشربة والأطعمة والمعاجين.

(٨) بيمارستان أدرنة

أنشأ هذا المارستان أحد سلاطين آل عثمان، ولم أتحقق من هو، ويغلب أن يكون إنشاؤه قبل عهد السلطان سليم، ولعل السلطان بايزيد الثاني هو الذي أنشأه، ويفهم ذلك من ترجمة أحد الأطباء الذين عملوا في هذا المارستان وهو:
  • (١)
    الحكيم شهاب الدين يوسف٦ قرأ في أول عمره على علماء عصره ثم رغب في الطب، وقرأ على الحكيم محي الدين، ثم نصب طبيبًا في مارستان أدرنة ومارستان قسطنطينية، ثم جعل طبيبًا للسلطان سليم خان وهو أمير على بلده طرابوزان، ولما جلس السلطان سليم خان على سرير المملكة جعله طبيبًا لدار السلطنة ثم جعله رئيسًا للأطباء، ودام على ذلك إلى أن توفي في سنة ٩٥١ﻫ وكانت سنه مائة سنة أو أكثر، وكان رحمه الله عالمًا صالحًا عابدًا سليم الطبع حليم النفس معرضًا عن أحوال الدنيا.

(٩) بيمارستانات أخرى ببلاد الروم (الأناضول)

وقد أنشئت في بلاد الروم بيمارستانات أخرى لم نقف على تاريخها بالشرح الكافي، ونكتفي بذكر أسمائها وتواريخها، وقد ذكرها الدكتور أحمد سهيل في مؤتمر تاريخ الطب ببوخارست:
  • (أ)

    بيمارستان قصطاموني أو بيمارستان علي فريانه أنشئ سنة ١٢٧٢م.

  • (ب)

    بيمارستان علاء الدين قيقباد بقونيه أنشئ سنة ١٢١٩م.

  • (جـ)

    دار الطب ببروسه أنشئت سنة ١٣٣٩م.

  • (د)

    بيمارستان للجذام بأدرنة أنشئ سنة ١٤٣١م.

  • (هـ)

    بيمارستان بايزيد الثاني بأدرنة أنشئ سنة ١٤٨٥م ولعله البيمارستان السابق ذكره.

  • (و)

    بيمارستان خاصكي سلطان باستنبول أنشئ سنة ١٥٣٩م.

  • (ز)

    بيمارستان والده سلطان بمغنيزيه أنشئ سنة ١٥٥٤م.

  • (ح)

    بيمارستان السلطان أحمد باستنبول أنشئ سنة ١٦١٦م.

١  ذيل على فضل الأخية — الفتيان التركية في كتاب الرحلة لابن بطوطه تأليف م. جودت طبع استنبول سنة ١٣٥٠ﻫ/١٩٣٢م.
٢  الأخية الفتيان التركية تأليف م. جودت طبع استنبول سنة ١٣٥٠ﻫ/١٩٣٢م نقلنا الوقفية كما هي بأغلاطها اللغوية.
٣  ذيل على فصل الأخية الفتيان التركية تأليف م. جودت طبع استنبول سنة ١٣٥٠ﻫ/١٩٣٢م.
٤  الشقائق النعمانية ج٢ ص٢٤ والسنا الباهر للشبلي.
٥  العقد المنظوم في ذكر أفاضل الروم ج٢ ص٢٩٤.
٦  الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية والسنا الباهر للشبلي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠