الفصل الأول

دستور العام الثامن

١٣ ديسمبر سنة ١٧٩٩

استغرق وَضْع الدستور الجديد مدة شهر ونصف شهر تقريبًا من ١١ نوفمبر إلى ٢٤ ديسمبر سنة ١٨٩٩، ومنذ أول ديسمبر كانت جريدة المونيتر قد أذاعت ملخصًا لبعض الآراء التي تقدم بها «سييس» كقواعد للدستور الجديد، يبغي منها أن يجعل حق الانتخاب مقصورًا على شاغلي الوظائف العمومية في الهيئات الإدارية والقضائية والتشريعية في الدولة، الذين سماهم الشعب أصلًا لهذه الوظائف، أو الذين عينتهم الحكومة بها، وصاروا لذلك يهتمون جديًّا بضرورة المحافَظة على المبادئ التي أتت بها الثورة والإبقاء على النتائج التي تمخضت عنها، وأما الهيئة التشريعية؛ فقد أشار «سييس» بأن تتألف من أربعمائة عضو يتجدد ربع عددهم سنويًّا، يضعون القوانين وفق حاجات المجتمع ومَطَالِب الحكومة، وقد وضع «سييس» على رأس هذا النظام كله «ناخبًا أعظم» لا يمكن عَزْله، يُعطَى مخصصات قَدْرُها ستة ملايين فرنك ويقيم في قصر فرساي، ويلحق بخدمته ثلاثة آلاف حارس، تصدر باسمه القرارات والقوانين وأحكام القضاء، ثم إن هذا الناخب الأعظم يسمي قنصلين: أحدهما للحرب، والآخر للسلام.

هذه المقترحات لم تَلْقَ قبولًا لدى بونابرت الذي سرعان ما هاجمها هجومًا عنيفًا بدعوى أنها خليط من الآراء المهوشة، وحَمَلَ بونابرت على ذلك «الناخبِ الأعظم» خصوصًا؛ إذ قال عنه: إنه «ظل هزيل لملك كسول»، وأمكن بفضل وساطة «تاليران» و«رودرر Roederer» تَجَنُّب القطيعة بين بونابرت وسييس، ولكن بونابرت ما لَبِثَ حتى جَمَعَ لديه بمَقَرِّه في قصر لكسمبورج أعضاء لجنة الدستور (يوم ٢ ديسمبر سنة ١٧٩٩)، فلم يَمْضِ أحد عشر يومًا على اجتماعهم حتى كان قد تم إنجازُ مواد الدستور الجديد في ٩٥ مادة، وذلك في ١٣ ديسمبر سنة ١٧٩٩ (أي يوم ٢٢ فريمير من السنة الثامنة)، وقد صار يُعرف بدستور العام الثامن.

وقد احتفظ هذا الدستور بنظام التمثيل النيابي، ولو أنَّ هذا التمثيل كان اسميًّا فقط؛ حيث كاد يقضي النظام الذي جاء به الدستور على كل صوت للشعب، ذلك بأن الانتخاب جُعِلَ على أربع مراحل؛ إذ ينتخب سواد الشعب «أعيان أو نواب القومونات»، بينما ينتخب هؤلاء من بينهم عُشْر عددهم فقط «أعيان أو نواب المديريات»، ثم ينتخب هؤلاء بدورهم من بينهم عُشْر عددهم كذلك «أعيان أو نواب فرنسا»، ثم يجري من بين هؤلاء الأخيرين انتخاب أعضاء الهيئة التشريعية.

والهيئة التشريعية تتألف من مجالس ثلاثة: مجلس الشيوخ Le Sénat من ٨٠ عضوًا يعينهم القناصل لمدة حياتهم، مهمتهم السهر على الدستور والإشراف على تطبيقه، ثم تعيين أعضاء المجلسين الآخرين «التربيون Tribunat» و«المجلس التشريعي Corps Législatif» باختيارهم من قوائم الانتخاب، وأما «مجلس التربيون» فيتألف من مائة عضو، ومهمته بحث ومناقشة القوانين والمسائل التي تعرضها عليه الهيئة التنفيذية، «والمجلس التشريعي» يتألف من ٣٠٠ عضو، ومن حقه فقط الموافقة على هذه القوانين أو رَفْضها.
أما السلطة التنفيذية: فقد تألفت من ثلاثة قناصل لمدة عشر سنوات، من الممكن تجدُّدها بصورة مستمرة، على أن يكون بونابرت «قنصلًا أول» وأن يحتفظ بالمنصِبَيْن الآخرين لكل من «كمباسيرس Cambacérès» و«لبران Lebran»، ونصَّت المادة ٤١ من الدستور على أن من حق القنصل الأول «استصدار القوانين، وتعيين وعزل أعضاء «مجلس الدولة Conseil d’Etat» حسب إرادته، والوزراء والسفراء وكبار الوكلاء الخارجيين، وضباط الجيش في البر والبحر، وأعضاء الحكومات «الإدارات» المحلية، وقومسييري الحكومة «نوابها» لدى المحاكم، وهو الذي يسمي كل القضاة لدى المحاكم الجنائية والمدنية، خلاف قضاة الصلح وقضاة النقض دون القدرة على عزلهم»، بينما نصَّت المادة ٤٢ على أن للقنصل الأول القول الفصل في كل أعمال الحكومة الأخرى؛ فيكفي قرار القنصل الأول لاعتماد أي إجراء أو لإبطاله، وليس للقنصلين الثاني والثالث إلا صوت استشاري فحسب.

وواضح إذن أن هذا الدستور أعطى كل سلطة فعلية للقنصل الأول، فإلى جانب الحقوق التشريعية والتنفيذية الواسعة التي صارت له، كان من حقه — بالاشتراك مع القنصلين الآخرين، ولم يكونا في نفس مرتبته — تعيينُ أعضاء مجلس الشيوخ، وهؤلاء هم الذين يُعَيِّنون أعضاء الهيئة التشريعية «بمجلسيها: التشريعي، والتربيون»، وذلك باختيارهم من بين الأسماء الواردة في آخر قائمة للانتخاب بعد تعدُّد عملية الانتخاب ذاتها في مراحلها الأربع السالفة الذكر، فلم يعد الشعب قريبَ الصلة بممثليه، بل كادت تختفي تمامًا في هذا النظام كل إرادة له.

ولقد أُعْلِن هذا الدستور رسميًّا يوم ١٥ ديسمبر سنة ١٧٩٩، وأدرك سواد الشعب أن الدستور الجديد إنما يعطي كل سلطة لقائده المظفر «بونابرت»، ولم يَرَ الشعب في ذلك إلا سببًا لرضائه ولزيادة اطمئنانه على أن الأمور سوف تسير في الطريق المحقق للسكينة والاستقرار في الداخل ولبسط ألوية السلام في الخارج.

وأعرب الشعب عن ثقته الكاملة في النظام الجديد عندما تقرَّرَ الاستفتاء العام على هذا الدستور — تطبيقًا للمادة الأخيرة منه — في اليوم نفسه (١٥ ديسمبر)، فأيَّدَ الشعبُ الدستور بأغلبية ساحقة، حيث تبين عند إعلان نتيجة الاستفتاء في ٧ فبراير سنة ١٨٠٠ أن الذين قبلوا الدستور ٣٠١١٠٠٧، بينما الذين رفضوه بلغوا ١٥٦٢ فقط، ولم يَنْتَظِر بونابرت ظهور نتيجة الاستفتاء ليعلن بداية العمل بالدستور، بل تحدد لوضعه موضع التنفيذ يوم ٢٥ ديسمبر سنة ١٧٩٩.

وبادر بونابرت بتأليف «مجلس الدولة»؛ فاختار للتعاون معه رجالًا اعتقد فيهم القدرة على القيام بمهامهم، دون نظرٍ إلى ماضيهم السياسي، مِنْ هؤلاء كان «بولاي دي لامورث Boulay de la Meurthe» صاحب القانون المعروف الذي حرم نبلاء العهد القديم كل حقوق المواطن، ثم «رودرر Roederer» من رجال العهد القديم، وأحد أعضاء الجمعية الأهلية التأسيسية، ثم «ديفرمون Defermon» وكان من الجيروند، ثم «برون Brune» وكان من مؤسسي نادي الكوردلييه قبل التحاقه بالجيش، ثم «غانتوم Ganteaume» وقد اشترك في الحرب الأمريكية، وقد تعيَّن هؤلاء لرئاسة أعمال التشريع والشئون الداخلية والمالية والحربية والبحرية.

وكذلك اختار سييس، وروجيرديكو، وكمباسيرس، ولوبران مع بونابرت أعضاء «مجلس الشيوخ» دون تمييز بين الأحزاب أو الهيئات القديمة، سواء كان الذين وقع الاختيار عليهم من رجال «العهد القديم» أو أعضاء الجمعية الأهلية التأسيسية، أو حكومة الإدارة، كما كان من بينهم علماء وعسكريون وماليون وغير ذلك، وقد اختار أعضاء مجلس الشيوخ هؤلاء — حسبما نص عليه الدستور — أعضاء المجلس التربيون المائة، وأعضاء المجلس التشريعي الثلاثمائة.

ووقع الاختيار على الأعضاء السبعة الذين تألفت منهم الوزارة، دون نظرٍ كذلك إلى ماضيهم القديم، أو إلى الأحزاب والهيئات التي كانوا ينتمون إليها سابقًا؛ نذكر من هؤلاء الوزراء «برثييه Berthier» الذي تعيَّن للحربية، وتاليران الذي تسلم وزارة الخارجية، و«فوشيه Fouché» الذي عُيِّن للبوليس «أو الشرطة»، وكان إلى جانب هؤلاء وزراء للبحرية، والمالية «لوسيان بونابرت»، وللعدل.

وهكذا كما قال بونابرت: «سوف يجد رجل الثورة (الثوري) ما يبعث على الثقة في هذا النظام عندما يشهد فوشيه وقد صار وزيرًا، وسوف يملأ الرجاء صدر الرجل من النبلاء في إمكان العيش بسلام طالما أن أسقف أوتان القديم (أي تاليران) قد صار كذلك وزيرًا، فأَحَدُ هذين يحمي يساري والآخر يحمي يميني، لقد افتتحت طريقًا عظيمًا في استطاعة الجميع أن يسيروا فيه.»

ولتحقيق «العيش بسلام» عمدت حكومة القنصل الأول إلى استصدار التشريعات التي أَلْغَتْ بها قانون الرهائن، وأجازت عودة المبعدين الذين كانوا قد نُفُوا على أثر انقلاب فريكتدور، وأَوْقَفَتْ إضافة أسماء جديدة على قوائم المهاجرين، واستبدلت بالقسم القديم «الذي تقرر من ١٦ يوليو سنة ١٧٩٧» وكان منطويًا على كراهية شديدة للملكية، وعدًا بسيطًا بالولاء للدستور، وبدأت تحقيقًا لمعرفة عدد القساوسة الذين كانوا في السجن.

ومن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لنشر السلام الداخلي: استصدارها العفو عن ثوار الغرب «الشوان Chouans» الذين يرضون بالتسليم، مع التهديد بتوقيع أشد العقوبة على زعماء ثورة فنديه الذين لا تزال تمدهم إنجلترة بالمعونة، وفي ١٨ يناير سنة ١٨٠٠ قَبِلَ أكثرية زعماء فنديه وبريطانيا الاتفاق مع الحكومة، واستطاعت هذه التخلص من زعماء الثورة الذين أَصَرُّوا على المقاوَمة «مثل «فروتيه Frotté» في نورمانديا الذي قُبِضَ عليه وأُعْدِمَ في ١٨ فبراير سنة ١٨٠٠»، وأما في بريطانيا فقد انهزم زعماء الثورة وسَلَّمَ كادودال Cadoudal في ١٤ فبراير، ثم لم يلبث أن فرَّ إلى إنجلترة «في مايو» عندما اكْتُشِفَت مؤامرة للملكيين ضد النظام الجديد «في مايو» من السنة نفسها (١٨٠٠).

ولتأمين السلام الداخلي من أعداء «الجمهورية» الذين اتخذوا من بعض الصحف أداة ينفثون بها سمومهم، قرَّرَتْ حكومة القنصلية إلغاء حرية الصحافة، وهي التي نَصَّتْ دساتير الثورة الثلاثة التي صدرت بين عامي ١٧٩١، ١٧٩٩ على وجوب احترامها — ولو أنه لم يكن لها وجود عمليًّا — فصدر مرسوم في ١٧ يناير سنة ١٨٠٠ بوقف وتعطيل كل الصحف السياسية في باريس «طوال مدة الحرب» وكان عدد الصحف التي سُمِحَ باستمرار صدورها ثلاث عشرة صحيفة فقط، وَجَبَ عليها أن تجعل اهتمامها مقصورًا على «العلوم والفنون والآداب والتجارة والإعلام».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١