الفصل الثالث

المسألة الشرقية

اليونان ومصر

تمهيد

المسألة الشرقية تعبير يُقصد به تعريف الإمبراطورية العثمانية في ضوء علاقاتها مع الشعوب التي خَضَعَتْ لها وتألفت منها الإمبراطورية، ثم في ضوء علاقاتها مع الدول الأوروبية خصوصًا، وموقف هذه الدول منها؛ ولذلك فإن تاريخ المسألة الشرقية إنما يمر في دورين هامين: أولهما؛ يستغرق القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حين بلغت الدولة العثمانية أَوْج قُوَّتها، فلم يكن يشغل أوروبا حينئذ غير التفكير في أجدى الوسائل التي يُمْكِن بها تجنُّب الخطر العثماني ودَفْعه عنها، وأما ثانيهما: فقد استمر طوال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وذلك عندما أخذ الضعف يدب في جثمان الدولة وانهزم العثمانيون أمام أسوار فينَّا (١٦٨٣)، ثم في واقعة موهاكز بعد أربع سنوات (١٦٨٧)، وفي القرن الثامن عشر كان الذي اهتمت به الدول هو البحث في الطريقة التي يمكن بها ملء الفراغ الذي نَجَمَ من تقلُّص سلطان الدولة العثمانية بصورة تدريجية من أوروبا، ولقد كان في أواخر هذا الدور أن اتخذت المسألة الشرقية ذلك الشكل الحديث الذي عرفتها به أوروبا خلال القرن التاسع عشر.

وأهم العوامل التي أَبْرَزَت المسألة الشرقية ذلك شكلها الحديث، كانت ازدياد ضَعْف العثمانيين في القسطنطينية، ونهضة شعوب البلقان الصغيرة المسيحية، واطراد نمو الشعور القومي بين هذه الشعوب، ثم الأثر الذي نَجَمَ من تفاعُل هذين العاملين على سياسة الدول الأوروبية الكبرى.

فقد اشتركت كل من روسيا والنمسا بين سنتي ١٧٨٨، ١٧٩١ في مهاجمة تركيا، وأَخَذَتْ روسيا لنفسها حق حماية المسيحيين داخل الإمبراطورية العثمانية، وتقدَّمَتْ في زحفها صوب البحر الأسود، حتى ضَمَّتْ إليها ميناء آزوف، ولقد حاوَلَ وقتئذ الوزير الإنجليزي «ويلم بت الأصغر» إظهار خَطَر التقدم الروسي على كيان الدولة العثمانية، وما سوف يترتب عليه من آثار في محيط السياسة الدولية، ولكن دون جدوى، ومن ذلك الحين وَضَعَتْ إنجلترة المبدأ الذي استرشَدَتْ به سياستها في المسألة الشرقية عمومًا مدة التسعين سنة التالية، وهو المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، ثم لم تلبث أن سَلَكَت النمسا في سنة ١٧٩١ طريق الاعتدال مع تركيا، فأعادت إليها كل الفتوحات السابقة تقريبًا، وانبنت سياستها على الرغبة في مساعدة الدولة العثمانية وحمايتها.

وكان السبب في سياسة المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، من جانب النمسا وإنجلترة؛ أن هاتين الدولتين صارتا تدركان منذ ١٧٩١ أن تركيا وإنْ ظَلَّتْ حقيقةً مصدرَ أخطار على أوروبا، فإن ذلك لم يكن بِسَبَبِ قُوَّتها كما كان الحال في الأزمنة السابقة، ولكن بسبب ضعفها؛ ولذلك فحينما كانت روسيا في مطلع القرن التاسع عشر لا تزال تهتم بمتابعة الزحف على شواطئ البحر الأسود، وتهدف دائمًا لامتلاك القسطنطينية، جَعَلَت النمسا من نفسها رقيبًا على النشاط الروسي، وهددت بالانقضاض على جناح روسيا إذا أثارت هذه الحربَ مع تركيا، وانشغَلَتْ بها، أما إنجلترة فقد صَمَّمَتْ على حماية التجارة في حوض البحر الأبيض الشرقي (الليفانت)، والدفاع عن القسطنطينية ذاتها ضد كل هجوم يقع عليها.

ومن أواخر القرن الثامن عشر، كان واضحًا أن المسألة الشرقية سوف تحمل الدول الكبرى على التدخل عاجلًا أو آجلًا في شئون الإمبراطورية العثمانية، التي أَخَذَتْ تنتشر الاضطرابات في أنحائها بسبب ما ظَهَرَ من رغبة قوية في التخلص من الحكم العثماني، والظفر بالاستقلال من جانب الشعوب المسيحية في داخل الإمبراطورية العثمانية، في حين اعتبرت الدولة نشاط رعاياها هؤلاء عصيانًا يجب إخماده بكل الطرق، ولو استلزم الأمر اللجوء للمجازر ووسائل الإبادة الأخرى.

وثمة سبب آخر للتدخل؛ هو أن الدولة العثمانية لم تُحَاوِل أن تُصْلِح شيئًا من أحوال «الذميين» وهم رعاياها المسيحيون، حتى إذا كانت قد اضْطُرَّتْ في بعض الأحايين إلى مَنْح هؤلاء قدرًا من «الامتيازات» التي تَحْفَظ لهم أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، فإن هذه «الامتيازات» لم تكن لها قيمة من الناحية العملية.

ولذلك، لم تلبث أن ظَهَرَتْ بوضوح في مطلع القرن التاسع عشر العناصر الجوهرية التي تَأَلَّفَتْ منها مشكلة «المسألة الشرقية»، وهي: أولًا: وجود حكومة أو دولة شرقية في أوروبا تسيء الحكم بين ملايين من الشعوب المسيحية الخاضعة لسلطانها، وذلك في الوقت الذي كان ظاهرًا فيه أن الضعف ينتاب هذه الحكومة أو الدولة الشرقية، وأنها تسير تدريجيًّا في طريق الانحلال، وثانيًا: وجود مجموعة من الحكومات أو الدول الأوروبية التي تهتم بمصير هذه الحكومة أو الدولة الشرقية، ثم وجود روسيا من بين هذه الحكومات، وقد انفردت وَحْدَها في رغبة العمل على زيادة هذا الانحلال العثماني سرعة على سرعته، وثالثًا: وأخيرًا، وجود مجموعة من الشعوب التي نَضَجَ شعورها القومي، وصارت تريد التخلص من السيطرة العثمانية.

ولقد كان من هؤلاء الأخيرَيْن الصرب، الذين بدءوا الثورة ضد تركيا قبل غيرهم من الشعوب البلقانية؛ فقد ثار الصرب بقيادة قره جورج، (ومعنى قره Kara: الأسود) في سنة ١٨٠٤، واستمر النضال مدة حتى نال قره جورج وعدًا بإنشاء حكومة ذاتية في بلاده، وذلك في معاهدة بوخارست التي أُبْرِمَتْ في ٢٨ مايو ١٨١٢ بين روسيا وتركيا، ولكن لم تلبث أن لحقت به الهزيمة، واضطر للفرار من البلاد في العام التالي (سنة ١٨١٣).
ثم استطاع منافِسُه وعَدُوُّه، ميلوش أوبرينوفيتش Milos Obrenovic إشعال الثورة في الصرب مرة أخرى في سنة ١٨١٥، وأَفْلَحَ في إقامة حكومة «واقعية de Facto»، تكفل استقلالًا فعليًّا لبلاده، ثم تَخَلَّصَ من قره جورج عند عودة هذا الأخير إلى صربيا بقتله (سنة ١٨١٧)، واختار الزعماء الصربيون «ميلوش» أميرًا وراثيًّا عليهم، وحَصَلَ على اعتراف من تركيا بهذه الإمارة سنة ١٨٢٠ عندما مَنَحَتْه الحكومة العثمانية لقب «أمير الصرب في باشوية بلغراد»، ثم اعتمد ميلوش على روسيا في تأييد مركزه، وقد ظَهَرَ أَثَرُ هذا التأييد الذي ناله منها في المعاهدات التي عَقَدَتْها روسيا مع تركيا في أكرمان (١٨٢٦) وإدريانويل (١٨٢٩) — وسيأتي ذِكْر هاتين مفصلًا — تَأَكَّدَ بفضلهما استقلال الصرب الذاتي، وأَعْلَنَتْ تركيا اعترافها بهذا الاستقلال الذاتي في ٥ فبراير ١٨٣٠.

وفي السنة نفسها جَعَلَتْ تركيا لقب الإمارة وراثيًّا في أسرته، ثم صَدَرَ خط شريف بعد سنوات ثلاث (١٨٣٣) رسم حدود الإمارة الصربية الجديدة، والتي بَقِيَتْ مع تمتعها بالاستقلال الذاتي تَدِين بالتبعية للسلطان العثماني، حتى تَقَرَّرَ نهائيًّا استقلالها في سنة ١٨٧٨ في ظروف سوف يأتي ذِكْرها.

على أن الذي يعنينا الآن أن ثورة الصرب هذه سواء في سنة ١٨٠٤، أو في سنة ١٨١٥ لم تَسْتَرْعِ وقتذاك انتباه الدول الكبرى في أوروبا، بل بَقِيَتْ تسير الأمور في مجراها العادي، في حين أن الذي لَفَتَ أنظار أوروبا كان قضية شعب آخر من شعوب البلقان، هم اليونانيون الذين كانت لهم أطماع تشبه أطماع الصرب، من حيث الرغبة في التحرر من سلطان العثمانيين، فقد تَحَدَّثَ عن هذه «الآمال الوطنية» في مؤتمر فينَّا، كلٌّ من القيصر إسكندر ووزيره كابوديستريا (ومن المعروف أن الأخير من أصل كرفوي).

ولكن في مؤتمر فينَّا لم تكن الدول متفقة بينها على موقف معيَّن تجاه المسألة اليونانية، فمن ناحية كانت النمسا (ووزيرها مترنخ)، تريد المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، في حين أن روسيا (والقيصر إسكندر) تقِفُ ضد هذه السياسة، ولقد بقي الحال على ذلك إلى أن حدث في ٦ مارس ١٨٢١ أن عَبَرَ نَهْرَ بروث Pruth، أحدُ اليونانيين الذين كانوا في خدمة روسيا، هو الأمير إسكندر إبسلانتي Ypsllanty، ليُشْعِل الثورة ضد تركيا في ولايتها الدانوبية ملدافيا وولاشيا (البغدان والأفلاق)، فأثار بعض النجاح الذي لقيه إبسلانتي في أول الأمر اهتمام الدول، ولم يلبث أن حرَّك هذا الاهتمام المسألة الشرقية.

استقلال اليونان

اشتعلت الثورة في ياسي Jassy ببلاد البغدان (ملدافيا) في مارس ١٨٢١ وشَجَّعَ على قيامها اعتماد الثوار على مساعدة القيصر إسكندر لهم، وكان غرض هؤلاء ليس فقط تحرير المقاطعات الدانوبية (الأفلاق والبغدان)، بل وطَرْد العثمانيين كذلك من أوروبا كلها، وإحياء إمبراطورية اليونان القديمة في الشرق «أي الدولة البيزنطية»، وأذاع إبسلانتي أنه يتلقى التأييد والعون الكامل من دولة عظمى معينة.

إلا أن القيصر الذي كان قد انحاز إلى مترنخ، ووقع على «بروتوكول ترباو» منذ نوفمبر ١٨٢٠ لم يكن في وُسْعه تعضيد الثورة العلنية ضد صاحب السلطة الشرعية في البلاد، وهو السلطان العثماني، ثم إن رغبة الثوار في الاستقلال والتحرر من كل نفوذ أجنبي، وإنشاء الإمبراطورية البيزنطية القديمة مرة أخرى، جعل القيصر يعدل عن مساعدتهم.

ولقد تعدَّدَتْ — إلى جانب ذلك — العواملُ التي جَعَلَتْ هذه الثورة مقضيًّا عليها بالفشل من البداية، من ذلك قيام الثورة في المقاطعات (الولايات) الدانوبية، أي بعيدة عن أرض المورة (اليونان)، وتوجيه الدعوة للفلاحين ملاك الأرض، أي طبقة البويار Boyar، وهم من الفلاحين «الولاشيين»؛ ليقوموا بالثورة، في حين أن هؤلاء إنما كانوا يكرهون اليونانيين — الذين يحكمونهم مباشرة — أكثر من كراهيتهم للأتراك، أَضِفْ إلى هذا وجود الفوارق الجنسية بين اليونانيين الذين يُشْعِلون الثورة، وبين الرومانيين والبلغار أهل مقاطعتَي الأفلاق والبغدان، ثم إن اليونانيين اعتمدوا على تحريك ثورةٍ كانت في جوهرها «طبقية»، باستثارة البويار ضد الطبقة الحاكمة العثمانية، وفضلًا عن ذلك فإن إبسلانتي بدلًا من الزحف فورًا على بوخارست واحتلالها قبل أن يتحرك الأتراك لمطاردته أضاع الوقت في ياسي، حيث أَخَذَ يَسْلك مسلك الملك المتوَّج، فانْفَضَّ أتباعه من حوله، ثم إنه أَقَرَّ المجازر التي ذَهَبَ ضحيتها ألوف المسلمين في «جالاتز Galatz» وياسي وغيرهما، فانصرف كثيرون عن قضيته.
وجاءت بوادر الفشل عندما بعث «كابوديستريا» برسالة إلى إبسلانتي يوبِّخُه فيها على إساءة استخدامه اسم القيصر، ويأمره بإلقاء السلاح فورًا، وكان في صالح إبسلانتي أن يَفْعَلَ ما أُمِرَ به، ولكنه أَعْلَنَ أنَّ تَنَصُّل القيصر وإنكاره العلني للثورة ليس إلا مناورة غَرَضُها المحافظة على السلام في أوروبا، في حين أن القيصر قد أكد له سرًّا إسداء روسيا كل معاونة له، ولقد كان هذا ادعاء لا فائدة فيه؛ لأن الاختلافات والنزاعات أخذت تَتَفَاقَم بين اليونانيين والفلاحين الولاشيين الذين كانوا انضموا إليهم، ولأن الجيوش العثمانية الزاحفة عليهم لم تلبث أن أَوْقَعَتْ بقوات الثوار اليونايين الرئيسية هزيمة حاسمة في معركة دراجاشان Dragashan (في ١٩ يونيو ١٨٢١) فأَنْهَتْ هذه الهزيمة الثورة في الأفلاق (ولاشيا)، وعندئذ فَرَّ إبسلانتي عبر حدود ترنسلفانيا إلى النمسا.
ثم أمكن إخماد الثورة بسهولة في البغدان (ملدافيا) عندما تَبَيَّنَ أن روسيا لن تبعث بأية نجدات للثوار الفلاحين، فعزلوا الحاكم المحلي الذي كان يؤيد إبسلانتي واضطروه هو أيضًا إلى الفرار خارج البلاد، فدخل الأتراك إلى ياسي في ٢٥ يونيو ١٨٢١، وانسحب بقايا اليونانيين إلى نهر بروث، حيث وقفوا عند «سكاليني Skaleni»، يدافعون عن أنفسهم ببسالة، ولكن دون جدوى، وبهذه الهزيمة في «سكاليني» قُضِيَ على الثورة الشمالية نهائيًّا، وتلاشى بانتهائها كلُّ أَمَلٍ لدى اليونانيين في إحياء الإمبراطورية اليونانية القديمة (الدولة البيزنطية).

أما إبسلانتي فقد اعتقله مترنخ — الذي التزم خطة الحياد التام في المسألة اليونانية، وهو الذي قام النظام الرجعي في أوروبا على يديه — بمجرد عبوره الحدود النمسوية، وسَجَنَه في قلعة موهاكز، فقضى إبسلانتي في الحبس سبع سنوات إلى سنة ١٨٢٧، ثم توفي في العام التالي (١٨٢٨) في فينَّا.

غير أن حركة إبسلانتي سرعان ما جعلت اليونانيين يقومون بالثورة في بلاد المورة وفي الجزر اليونانية هذه المرة، فبدأ اندلاع الثورة في بتراس Patras في أبريل ١٨٢١ دون ترتيب أو تنظيم سابق، وأَوْقَعَ الثوار بالمسلمين مذبحة كبيرة، ثم امتدت الثورة عبر مضيق كورينت Corinth إلى الشمال، فانتشرت في مقدونيا وطراقيا Thessaly، ولقد تَبَيَّنَ أن الثورة في هذه المرة تختلف عن ثورة إبسلانتي في المقاطعات الدانوبية اختلافًا كليًّا؛ وذلك لأن «جمعية الأخوان Hetairia Philike» السرية — وهي التي تأسست منذ ١٨١٤ في أوديسا لطرد الأتراك من أوروبا وإحياء الإمبراطورية الإغريقية القديمة (الدولة البيزنطية) — لم تكن ترضى عن الحركة التي قام بها إبسلانتي في المقاطعات الدانوبية للأسباب نفسها التي كانت من عوامل فشل هذه الثورة الشمالية، وعَمِلَ الأخوان لتحريك الثورة في المورة؛ ليقوم بها شعب مُتَّحِد في الجنسية هو الشعب اليوناني، ثم تحددت أغراض الثورة فصارت الرغبة في تحرير اليونانيين من سيطرة شعب أجنبي عنهم هم العثمانيون، الذين يختلفون عنهم في الجنس واللغة والدين، ثم الظفر باستقلال اليونان فحسب بدلًا من محاولة إحياء الإمبراطورية اليونانية القديمة.
وكان مما شجع الثوار على المضي في ثورتهم عصيان علي باشا والي يانينا Janina، ومشغولية الأتراك في الحرب ضد فارس؛ فاحتل الثوار تريبوليتزا Tripolitza مَقَرَّ الحكومة، ومَثَّلوا بالأتراك أفظع تمثيل، وبين سنتي ١٨٢١، ١٨٢٥ كان النجاح حليف الثوار عمومًا، بسبب تفوقهم البحري، ثم بسبب تدفُّق المتطوعين من أوروبا للذود عن اليونان، وعن «حضارتها القديمة» كما اعتقدوا، ولو أن الحكومات الأوروبية ذاتها لم تتدخل في المسألة.
وفي هذه الفترة أعد اليونانيون دستورًا (١٨٢٢) أنشأ حكومة في مجلس تشريعي واحد، وكان رئيسها إسكندر مافروكرداتس Mavrokordats، ثم تألَّفَت اللجان لمساعدة اليونانيين في جنيف وباريس ولندن، وخَضَعَتْ سياسة الدول الخارجية لضغط الرأي العام في أوروبا، فصار من الواضح أن إنجلترة وفرنسا سوف تضطران تحت ضغط هذا الرأي في كل منهما إلى التدخل في المسألة اليونانية، حتى ولو بقيت روسيا ممتنعة عن التدخل في هذه المسألة، ثم لم تلبث أن عظمت الضجة في أوروبا عندما استقدم السلطان العثماني محمود الثاني، قوات وَالِيهِ في مصر، محمد علي، لإخماد الثورة في اليونان، فنزل إبراهيم بن محمد علي بجيشه في المورة في فبراير ١٨٢٥، وأنزل بالثوار الهزيمة، وصار لزامًا على الدول الكبرى أن تهتم بأمر هذه الثورة، فبدأ من ذلك الحين التدخل الأوروبي بصورة جدية، وانفتح على مصراعيه باب المسألة الشرقية.

وكان من أسباب التدخل الأوروبي وفاة القيصر إسكندر، واعتلاء أخيه الأصغر القيصر نيقولا الأول العرش في أول ديسمبر ١٨٢٥، وكان نيقولا مملوءًا بالحمية والنشاط، ولم يكن يقيد نشاطه وجود اتفاقات سابقة بينه وبين الدول، على خلاف ما كان عليه الحال أيام أخيه الإسكندر؛ فاسترشد نيقولا بتقاليد روسيا السياسية القديمة في موقفه من الإمبراطورية العثمانية، وأراد مؤازرة اليونانيين في محنتهم، وساعَدَهُ على ذلك وجود أسباب كثيرة تدعو للاحتكاك بين روسيا وتركيا، فقد أَهْمَلَتْ تركيا تنفيذ المادة الخامسة من مواد معاهدة بوخارست، التي ذَكَرْنَا أنها أُبْرِمَتْ بين تركيا وروسيا في ٢٨ مايو ١٨١٢، ومن بين ما نَصَّتْ عليه هذه المادة أنْ تخلي تركيا البغدان (ملدافيا) من العسكر العثماني؛ ولذلك فقد عَظُمَ خوف النمسا وإنجلترة من أن تقوم روسيا بالهجوم الآن ودون إبطاء على تركيا.

ولقد كانت سياسة كل من كاننج ومترنخ متفقة في مبادئها الجوهرية بصدد القضية اليونانية منذ قيام الثورة في اليونان في سنة ١٨٢١ إلى وقت نزول إبراهيم باشا في أرض المورة (١٨٢٥)؛ فقد اعْتَبَرَ كلاهما هذا النضال مسألةً خاصةً بالعثمانيين واليونايين وحدهم، وأن واجب الدول العظمى أن تَحُولَ دون إقدام دولة من الدول على التدخل واستخدام القوة لفض أو تسوية النضال القائم، واعتقد كاننج إذا تَدَخَّلَتْ روسيا منفردة بطريق الحرب لتسوية النزاع العثماني اليوناني، فذلك معناه أن تَلْتَهِم روسيا اليونان أولًا، ثم تركيا ثانيًا.

ولكن النجاح العظيم الذي أَحْرَزَه إبراهيم في المورة جَعَلَ روسيا تُقَرِّر قطعًا ضرورة التدخل؛ لتَحْفَظ الشعب اليوناني من الفناء والإبادة، واضطر كاننج بسبب التغيير الذي طرأ على الموقف أن يعيد النظر في سياسته، وكان كاننج يعطف على اليونانيين في نضالهم من أجل الخلاص والحرية، وإن كان في الوقت نفسه من مؤيدي سياسة إنجلترة التقليدية من أيام وليم بت الأصغر، ومن قواعدها المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، فكانت مهمته إذن محاولة التوفيق بين هذين الاتجاهين، وذلك باستمالة روسيا إلى جانب إنجلترة في العمل لتحرير الشعب اليوناني، ثم مَنْع روسيا في الوقت نفسه من اللجوء للحرب كوسيلة ظاهرة ومواتية لتحقيق هذه الغاية؛ وعلى ذلك فقد أراد كاننج أن يحول دون انفراد روسيا بالعمل في المسألة اليونانية.

واختار كاننج للمفاوضة مع قيصر روسيا دوق ولنجتون «الدوق الحديدي»، صاحب الشهرة العسكرية الواسعة في أوروبا، وخير شخصية «جذابة» للتأثير على حاكم روسيا الأوتقراطي، والمعروف بميوله العسكرية، فوصل ولنجتون إلى بطرسبرج في ٢٦ فبراير ١٨٢٦، وذلك في وقت كانت تأزَّمَتْ فيه العلاقات بين روسيا وتركيا، فلم تَمْضِ أسابيع على وجوده بالعاصمة الروسية حتى كان قد أتم إبرام «بروتوكول بطرسبرج» في ٤ أبريل ١٨٢٦، وفيه اتَّفَقَ الفريقان على عَرْض وساطتهما على تركيا — وكان اليونانيون أنفسهم قد طلبوا من قبل الوساطة بينهم وبين العثمانيين — فإذا قَبِلَ الباب العالي وساطة إنجلترة وروسيا، وَضَعَتْ هاتان الدولتان تسويةً للمسألة اليونانية على قاعدة إعطاء اليونان الحكم الذاتي مع بقاء التبعية لتركيا صاحبة السيادة عليها، أما إذا رَفَضَتْ تركيا الوساطة تظل الدولتان متمسكتين بهذه القاعدة ذاتها كأساس لأية تسوية تحدث على أيديهما للمسألة اليونانية في المستقبل، ثم نَصَّتْ المادة السادسة على إبلاغ البروتوكول إلى عواصم فرنسا والنمسا وبروسيا، ودعوة هذه الدول الثلاث لضمان المعاهدة التي تُسَوِّي العلاقات بين تركيا واليونان، وهو ضمان تعطيه روسيا كذلك.

وفي ٧ أكتوبر ١٨٢٦ سُوِّيَت الخلافات بين روسيا وتركيا عندما عَقَدَ الفريقان معاهدةً في أكرمان Akerman، تأيَّدَتْ بفضلها نصوص معاهدة بوخارست (١٨١٢)، وتَدَعَّمَتْ على وجه الخصوص المزايا التي كانت نالَتْها في هذه المعاهدة كلٌّ من الأفلاق والبغدان والصرب.

أما بروتوكول بطرسبرج فقد اتضح عند تبليغه للدول، أن فرنسا وَحْدها كانت مستعدة لتأييده؛ ولذلك فقد تَحَوَّل بروتوكول بطرسبرج إلى معاهدة بين بريطانيا وروسيا وفرنسا، أُبْرِمَتْ في لندن في ٦ يوليو ١٨٢٧، واشتملت — إلى جانب ما جاء بخصوص التسوية في البروتوكول الأصلي — على نصٍّ صار للدول بمقتضاه أن تتبادل تعيين القناصل مع بلاد اليونان، لإنشاء الصلات التجارية معها، إذا رفَضَتْ تركيا الوساطة، وكذلك أن تعمل بقدر المستطاع «ومن غير أن تشترك مع هذا في القتال الدائر»؛ لوقف الاصطدام بين الفريقين المتحاربين.

ثم نَصَّت المواد الإضافية في هذه المعاهدة، على أنه إذا رَفَضَ أحدُ الفريقين المتحاربَيْن «الهدنة» التي تَعْرِضها الدول مع وساطتها، فالدول المتعاقدة سوف تجد نفسها مُرْغَمة حينئذ على استخدام كل ما تمليه عليها الظروف من وسائل لتحقيق الأغراض المباشرة من الهدنة المنشودة، بأن تبذل قصارى جهدها لمَنْع وقوع الاصطدام بين الفريقين المتحاربين، وتطبيقًا لهذه المعاهدة إذن وافَقَت الدول الثلاث (إنجلترة وفرنسا وروسيا) على إرسال تعليمات متمشية مع هذه القرارات إلى قواد أساطيلها في «الليفانت»، ولقد كانت معاهدة لندن آخر ما قام به جورج كاننج من نشاط؛ لأنه لم يلبث أن توفي في ٨ أغسطس ١٨٢٧، وكان قد وَصَلَ إلى رئاسة الوزارة منذ شهر أبريل من السنة نفسها، فخَلَفَه في رئاسة الوزارة لورد جودريتش Goderich، وفي وزارة الخارجية لورد ددلي Dudley.
وفي اليونان كانت الحوادث تسير بسرعة عظيمة، ولدرجة أنه لم يعد هناك مَفَرٌّ من التدخل إذا رغبت الدول في استنقاذ اليونان؛ وذلك لأن إبراهيم الذي كان قد نزل في مودن Moden (في طرف المورة الجنوبي الغربي)، وأَخْضَعَهَا في فبراير ١٨٢٥، سرعان ما استولى على غيرها من المواقع، حتى أَخْضَعَ ميسولونجي Missolongi في ٢٢ أبريل ١٨٢٦، ثم سقطت في يده أثينا في ٥ يونيو ١٨٢٧، وبسقوط أثينا صارت المورة بأكملها تقريبًا تخضع لسلطان العثمانيين.
وكان بعد حادث سقوط أثينا بشهر واحد فقط أن أَبْرَمَت الدول الثلاث — إنجلترة وروسيا وفرنسا — معاهدة لندن السالفة الذكر (في ٦ يوليو سنة ١٨٢٧)، وحينئذ حاصرت أساطيل هذه الدول بقيادة هيدن Heyden الروسي، ودي ريني Rigny الفرنسي، وكودرنجتون Codrington الإنجليزي — وكانت له القيادة العامة — خليج نفارينو Navarino، وفي ٢٠ أكتوبرة ١٨٢٧ أَمَرَ كودرنجتون أساطيل الحلفاء بالدخول في الخليج، وكان يبغي الاتصال بالقيادة العثمانية لِوَقْف تخريب قرى الثوار حول الخليج، ومع ذلك فقد تَوَقَّعَ الفريقان أن تؤدي هذه الحركة إلى نشوب القتال، وبالفعل وَقَعَتْ في هذا اليوم نفسه معركة نفارينو البحرية التي انتصر فيها الحلفاء، وحطموا الأسطولين المصري والعثماني، فلم تَشْهَد الإمبراطورية العثمانية كارثة بحرية مثل هذه الكارثة منذ واقعة ليبانتو Lepanto التي انهزم فيها الأسطول العثماني على يد أساطيل الدول المتحالفة (إسبانيا والبندقية والبابوية) قبل ذلك بقرنين ونصف من الزمان (أكتوبر ١٥٧١).
على أن إنجلترة بالرغم من انتصار نفارينو بقيت متمسكة بموقف الحياد، فقد سَقَطَتْ وزارة جودريتش بمجرد ذيوع أنباء المعركة وتحطيم الأسطول العثماني، وشكل الوزارة الجديدة دوق ولنجتون، واستنكرت إنجلترة عمل كودرنجتون؛ لأنه كان مكلَّفًا فقط بوضع الحصار على الأسطول العثماني من غير الاشتباك معه في معركة يكون من آثارها إضعاف تركيا، وخدمة المصالح الروسية، وإثارة موضوع تقسيم الممتلكات العثمانية، فجاء في خطاب العرش الجديد بالبرلمان الإنجليزي — ومن المقطوع به أن ولنجتون هو الذي صاغ هذا الخطاب:
إنه بالرغم من البسالة التي أَظْهَرَتْها الأساطيل المتحدة، يَأْسَف «ملك بريطانيا» عظيم الأسف لوقوع هذا الاصطدام مع بحرية حليف قديم (هو السلطان العثماني)، ولكن جلالته لا يزال كبير الرجاء في أن لا يتبع هذا الحادث المشئوم Untoward Event قتال آخر، وأن لا يعطل الوصول إلى تسوية ودية للخلافات القائمة بين الباب العالي وبين اليونانيين.
ولقد أفاد ولنجتون من هذا النصر البحري في نفارينو بأن أفلح في الوصول إلى اتفاق مع محمد علي، أُبرم بالإسكندرية في ٦ أغسطس ١٨٢٨، انسحب بمقتضاه الجيش المصري من المورة، ولكن قَبْلَ أن يُوضَعَ هذا الاتفاق مَوْضِع التنفيذ، كانت فرنسا قد أَرْسَلَت إلى المورة الجنرال مازون Maison على رأس جيش كبير، فبلغ «مازون» المورة في بداية سبتمبر، ولم تلبث أن أخذت القوات المصرية العثمانية المورة، وهكذا كانت نفارينو الخطوة الأولى في استقلال اليونان، وأما الخطوة الثانية فقد جاءت نتيجة لقيام الحرب بين روسيا وتركيا.

ذلك أن السلطان محمود الثاني الذي انتهز فرصة قيام الحرب بين روسيا وفارس (سنة ١٨٢٦) كان قد رَفَضَ شروط معاهدة لندن؛ لغضبه من اتحاد الدول وتدخلها المشترك بينه وبين «رعاياه» اليونانيين، ولأنه وَجَدَ مشجعًا له على المضي في ذلك، فيما كان يلمسه من معارَضة مترنخ لسياسة الدول الثلاث إنجلترة وفرنسا وروسيا، ثم لم تلبث نكبة نفارينو أن أثارت ثائرته، فأبطل معاهدة أكرمان، وأعلن الجهاد الديني ضد الدول المتحالفة، خصوصًا روسيا التي عزا إلى دسائسها وقوع هذه الكارثة الكبرى.

ولكن القيصر نيقولا الأول منذ أنهى الحرب مع الفرس «في معاهدة توركمانكي Tourkmanchai» في ٢٢ فبراير ١٨٢٨، كان على استعداد لخوض غمار الحرب ضد تركيا، وفي بداية الحرب لم يكن التوفيق حليف الروس، ثم تحسَّنَت الأحوال في صالحهم في العام التالي، فدَخَلَ قائدهم دبيتش Diebitsch أدرنه (أدريانوبل) في ٢٠ أغسطس سنة ١٨٢٩، وحَصَلَ ما كانت تخشاه إنجلترة وفرنسا عندما صارت الدولة العثمانية مُعَرَّضَة بسبب هذه الهزيمة للانهيار، ولو أن ديبتش نفسه كان في حالة من الضعف سوف تُرْغِمه على التقهقر دون شك إذا صمد الأتراك في دفاعهم وأبدوا شيئًا من المقاومة الصادقة، على أن ممثل بروسيا في القسطنطينية فون موفلنج Von Müffling لم يلبث أن تَدَخَّلَ بين الفريقين فعَقَدَتْ تركيا مع روسيا معاهدة أدريانوبل Adrianople في ١٤ سبتمبر سنة ١٨٢٩، وكانت هذه من أقسى المعاهدات التي أُرْغِمَتْ تركيا على قبولها.
ففي معاهدة أدرنه صارت الأفلاق والبغدان (الولايات الدانوبية) إمارتين مستقلتين استقلالًا فعليًّا وإن بَقِيَتَا تحت السيادة العثمانية؛ فلكل منهما الحق في اختيار أمير «هوسبدار Hospodar» يحكم الإمارة مدة حياته، وتَدْفَع الولايتان الجزية لتركيا عند وفاة الأمير الحاكم واختيار الأمير الجديد، ثم تَعَهَّدَتْ روسيا بضمان رفاهية أهل هاتين الولايتين، وفيما يتعلق باليونانيين، كفلت المادة العاشرة من المعاهدة تحرير بلادهم، حيث أعلن الباب العالي موافقته الكاملة على معاهدة لندن المبرمة في ٦ يوليو سنة ١٨٢٧ «بين بريطانيا وفرنسا وروسيا» بشأن إعطاء اليونان استقلالًا ذاتيًّا تحت السيادة العثمانية، كما قَبِلَتْ تركيا «بروتوكولًا لاحقًا» بين هذه الدول الثلاث (في ٢٢ مارس ١٨٢٩) لتخطيط حدود اليونان.

وهكذا خَسِرَ الأتراكُ اليونان، ثم إنهم فقدوا إلى جانب ذلك، وبمقتضى المادة الثالثة من المعاهدة نَفْسِها دلتا «مصبات» نهر الطونة «أو الدانوب» التي أُعْطِيَتْ لروسيا.

واطمأن اليونانيون بعد جلاء الجيوش المصرية العثمانية من بلادهم، ثم صاروا لا يَخْشَوْن جانب العثمانيين بعد أن أُوذِيَتْ سمعتهم أذًى بليغًا بسبب معاهَدة أدريانوبل، فاستعصى عليهم قبول الحل الذي تَضَمَّنَتْه هذه المعاهدة الأخيرة لقضية بلادهم، ورَفَضُوا الاستقلال الذاتي تحت السيادة العثمانية، فلم تلبث أن دارت المباحثات في لندن حول المسألة اليونانية، بين وزير الخارجية البريطانية لورد أبردين Aberdeen والسفير الفرنسي مونتمرنسي لافال Montmorency-Laval والسفير الروسي البرنس ليفين، فعقدوا مؤتمرًا لهذه الغاية تَعَدَّدَتْ جلساته، وكان رأي إنجلترة في النهاية الذهاب في حل هذه المسألة إلى أَبْعَد ما تضمنته شروط معاهدة لندن، ودَفَعَ إنجلترةَ لاعتناق هذا الرأي اعتبارُها أن تركيا لم تَعُدْ قادرة على أية مقاوَمة، وأن وجود «دولة تابعة» بالصورة التي تريدها هذه المعاهدة إنما يُفْسِح المجال — بسبب عَجْز الأتراك — لتدخُّل روسيا، على نحو ما فَعَلَتْ هذه في الأفلاق والبغدان.

وأسفرت المباحثات عن عقد بروتوكول بين الدول الثلاث (إنجلترة وروسيا وفرنسا) في لندن في ٣ فبراير ١٨٣٠ بشأن استقلال اليونان، فنصت المادة الأولى على أن تُصْبِح اليونان دولة مستقلة، وأن تتمتع بكل الحقوق السياسية والإدارية والتجارية المرتبطة بالاستقلال التام، ثم رَسَمَت المادة الثانية حدود الدولة اليونانية الجديدة، وأَدْخَلَتْ في نطاقها عددًا من الجزر في بحر إيجه، ونَصَّت المادة الثالثة على أن حكومة اليونان ملكية وراثية.

وفي ١١ فبراير من السنة نفسها عُرِضَ العرش الجديد على الأمير ليوبولد من أسرة ساكس كوبرج Saxe-Coburg فقَبِلَه، ولكنه عاد فرَفَضَه بعد أسابيع قليلة، وأُشِيعَ أن كابوديستريا الذي كان يشغل منصب رئيس الحكومة اليونانية منذ سنة ١٨٢٧ هو الذي جَعَلَ الأمير يرفض العرش؛ فاستطاع خصوم كابوديستريا «اليونانيين» اغتياله في ٩ أكتوبر سنة ١٨٣١ في نوبليا Nauplia (على ساحل المورة الشرقي)، وعندئذ قامت الحرب الأهلية.
وفي فبراير ١٨٣٢ عَرَضَت الدول الثلاث العرش على البرنس أوتو Otto ثاني أبناء ملك بفاريا فقَبِلَه، ثم وَقَّعَت الدول الثلاث مع بفاريا معاهَدة في لندن في ٢٧ مايو ١٨٣٢ لتنظيم الوراثة في بفاريا، ثم لرسم حدود اليونان بشكلٍ أضاف إليها مساحة جديدة؛ فأُعْطِيَت الجزر التي ذَكَرَها بروتوكول لندن في ٣ فبراير ١٨٣٠، ثم وُسِّعَت حدودها حتى صارت تمتد من خليج فولا Vola شرقًا إلى خليج أرتا Arta غربًا، ووافقت تركيا على هذه الحدود الجديدة في اتفاق القسطنطينية في ٢١ يوليو ١٨٣٢.

وفي ٢٨ يناير ١٨٣٣ نَزَلَ في نوبليا «أوتو» أول ملك لليونان الحديثة، يحاوِل إنشاء الحكومة الموطدة بها وإعادة الهدوء والسلام إليها، يُعَاوِنه في مهمته الشاقة — بَيْن شَعْب أَلِفَ حياة الرعي والنزاعات الداخلية وأعمال القرصنة من أزمنة بعيدة — نخبةٌ من الموظفين البفاريين، والجنود «المرتزقة» من البفاريين كذلك.

مصر وتركيا

كانت ثورة المورة واستقلال اليونان بمثابة المقدمة لعرض المسألة الشرقية بحذافيرها على بساط البحث أمام الدول، حينما لم تَجِدْ هذه بدًّا من التساؤل في السنوات القليلة التالية عما يَجِبُ عمله إزاء تركيا، هل يجب المحافَظة عليها من التفكك والانحلال؟ أم التعجيل بالقضاء على رِجْل أوروبا المريض حتى تَقْتَسِمَ الدول ممتلكاته فيما بينها؟ وبمعنًى آخر تحديد المبادئ التي يَجِبُ أن تسترشد بها الدول في سياستها نحو تركيا.

وقد عمد السياسي والوزير الفرنسي جيزو Guizot إلى تفسير المسألة الشرقية في خطاب أدلى به أمام مجلس النواب الفرنسي في ٢ يوليو ١٨٣٩، فقال:

إن السياسة التي يجب اتباعها هي سياسة المحافَظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، من أجل المحافظة على توازن القوى في أوروبا، فإذا حَدَثَ أن اقْتُطِعَتْ أجزاء معينة من هذه الإمبراطورية تحت ضغط الحوادث، فانفصلت إحدى المقاطعات «أو الولايات» من جثمان هذه الإمبراطورية المتداعية، فالسياسة الرشيدة حيئنذ هي السماح لهذه المقاطعة «أو الولاية» بأن تتمتع بالسيادة الكاملة والاستقلال، حتى تغدو عضوًا من أعضاء الأسرة الدولية، وتُفِيد في إنشاء التوازن الأوروبي الجديد الذي يُنْتَظَرُ أن يَحُلَّ مَحَلَّ التوازن القديم عند زوال العناصر التي كان هذا التوازن يتألف منها.

ولقد كان هذا التفسير في رأي كثيرين أَفْضَلَ تفسير للمسألة الشرقية، وفي وُسْع المرء أن يَفْهَم في ضوئه الشيءَ الكثير عن سياسة إنجلترة — وفرنسا خصوصًا — نحو هذه المسألة في المائة سنة التالية.

على أن هذا التفسير الذي جاء به جيزو لم يكن سوى المعنى الأعم الذي عَرَّفَ به السياسيون الفرنسيون المسألة الشرقية، في حين أنه كان لهذه المسألة في نظرهم معنًى آخر، وتفسير أخص في الوقت نفسه؛ فللمسألة الشرقية في اعتبارهم شِقَّان: مسألة القسطنطينية، وهي التي ينطبق عليها تفسير جيزو، ومسألة الإسكندرية، أو مسألة ذلك الجزء من الإمبراطورية العثمانية المعروف باسم مصر؛ وذلك لأن الفرنسيين اعتبروا البحر الأبيض المتوسط وشاطئ أفريقية الشمالية من المسائل المتصلة اتصالًا وثيقًا بمصالحهم.

وبين سنتي ١٨٣٠–١٨٤٠ تَحَدَّدَ معنى المسألة الشرقية بأكملها، بما فيها مسألتَي القسطنطينية والإسكندرية بشكلٍ أَثَّرَ تأثيرًا عميقًا على علاقات الدول الخمس العظمى الأوروبية فيما بين بعضها بعضًا، ثم كان من نتيجة ظهور المسألة الشرقية على مسرح السياسة الدولية بمعناها الكامل، أنْ وَقَعَتْ في سنتي ١٨٣٩-١٨٤٠ أزمة خطيرة كادت تُفْضِي إلى إشعال حرب أوروبية تَقِفُ فيها فرنسا ضد إنجلترة، ولم يمكن تَجَنُّب وقوع هذه الحرب إلا بصعوبة كبيرة.

أما أسباب هذه الأزمة؛ فبعضها مَرَدُّه إلى التبدل الذي طرأ على سياسة كلٍّ من روسيا وفرنسا خصوصًا، ومَرَدُّ البعض الآخر إلى توتُّر العلاقات بين السلطان العثماني وواليه في الباشوية المصرية محمد علي، وكان السبب في تَبَدُّل السياسة الفرنسية أن فرنسا اتخذت لنفسها وجهة نظر مزدوجة في موضوع المسألة الشرقية، عندما صارت تُمَيِّز بين ما سَمَّتْه بمسألة الإسكندرية، وبين مسألة القسطنطينية، فدعاها العمل من أجل تأييد مصالحها في البحر المتوسط وعلى شواطئ أفريقية الشمالية إلى إرسال حملة إلى الجزائر (في عهد وزارة يولينياك) للاستيلاء عليها، وكانت فرنسا تريد أن يقوم والي مصر محمد علي بإرسال حملة إلى هذه البلاد لتأديب باي الجزائر الذي ساءت علاقته مع فرنسا، فطلب محمد علي مبلغًا كبيرًا من المال، وأربعة سفن حربية نظير قيامه بهذا العمل.

ثم تدخَّلَتْ إنجلترة وعارَضَتْ بشدة أن يُنَفِّذ محمد علي هذا المشروع تحت إشراف فرنسا، وحَذَّرَتْه من النتائج الخطيرة التي يَتَعَرَّض لها إذا أَقْدَمَ على ذلك؛ لأن إنجلترة كانت — إلى جانب تَمَسُّكها بمبدأ المحافظة على كيان الدولة العثمانية — تُقَاوِم كل سياسة أو خطة من شأنها دَعْم نفوذ فرنسا في الشرق، وعندئذ أَرْسَلَتْ فرنسا منفردةً حَمْلَتَها إلى الجزائر، وفي يوليو ١٨٣٠ ضَمَّتْ إليها هذه البلاد، واقْتَطَعَتْ بعملها هذا إقليمًا من أقاليم الإمبراطورية العثمانية، ثم إنها لم تَكْتَفِ بهذا؛ بل أَخَذَتْ تشجع محمد علي في ثورته ضد السلطان صاحب السيادة الشرعية عليه، على أَمَلِ أن يساعِد نجاح محمد علي في تأييد المصالح الفرنسية ذاتها في البحر الأبيض المتوسط؛ ولذلك كانت فرنسا في هذا الدور من أدوار المسألة الشرقية (١٨٣٠–١٨٤٠) عاملًا ظاهرًا من عوامل تَفَكُّك الإمبراطورية العثمانية، بدلًا من روسيا التي كانت عامِلَ التفكك الظاهر أثناء المسألة اليونانية.

أما روسيا فقد أَدْخَلَتْ تغييرًا واضحًا على أساليبها السياسية بعد عام ١٨٣٠ عندما اتخذت في المسألة الشرقية موقفًا «عكسيًّا»؛ فأصبحت لا تهدف الآن للاستيلاء على القسطنطينية، والاستيلاء على كل ما يقع في طريقها من ولايات وأقاليم حتى تصل إلى العاصمة العثمانية، بل صارت خلال السنوات العشر التالية تبغي المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، والسبب في هذا أن روسيا التي اضْطُرَّت اضطرارًا للاعتراف باستقلال اليونان، سرعان ما أَدْرَكَتْ أن «اقتطاع» أحد أقاليم الدولة العثمانية ليس معناه استقلال هذا الإقليم عن تريكا وحسب، بل — وهذا هو المهم — استقلاله عن روسيا أيضًا، فقد تَخَلَّصَت اليونان سريعًا من النفوذ الروسي، وساعدتها الدول العظمى على ذلك؛ لأن المصالح الروسية في البلقان لم تكن مُتَّفِقَة دائمًا مع مصالح هذه الدول، وزيادة على ذلك، فقد أَخْفَقَتْ روسيا في دَعْم نفوذها في الأفلاق والبغدان، وكَرِهَ الرومانيون روسيا كراهيةً شديدة، وفي الصرب جَعَلَ أميرها «ميلوش أوبرينوفتش» روسيا بمثابة مخلب القط في منازعاته مع تركيا.

وعلى ذلك فقد جَمَعَ القيصر نيقولا الأول منذ ١٨٢٩ لجنة من رجال الدولة الروسيين لبحث النتائج المتوقعة من انهيار الإمبراطورية العثمانية، ومدى استفادة روسيا من تفكُّك هذه الإمبراطورية، فجاءت نتيجة بحوثهم — وعلى خلاف ما جرت عليه سياسة روسيا التقليدية القديمة — أنَّ من مصلحة روسيا المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية؛ لأنه إذا انحلَّتْ هذه الإمبراطورية خَرَجَتْ إلى حيز الوجود دول بلقانية صغيرة، ولكنها قوية، يتعذر على روسيا أن تتدخل في شئونها بنجاح، بينما إذا بقيت الإمبراطورية متماسكة استطاعت روسيا — بفضل ما لها في تركيا من حقوق وامتيازات كبيرة كَفَلَتْها المعاهدات والاتفاقات القديمة — أن تستخدم هذه الحقوق والامتيازات في زيادة السيطرة الاقتصادية والتوغل السلمي في كيان الإمبراطورية، وعلى ذلك يجب على روسيا إذا أرادت التوسع الإقليمي أن تَتَّجِهَ صوب أرمينيا أو بغداد، وتترك جانبًا القسطنطينية.

ووافق القيصر نيقولا الأول على نتائج بحوث هذه اللجنة، بالرغم من عدم ارتياحه لها وتذمُّره منها، وفي السنوات العشر التالية كان هَدَفُه المحافظة على كيان الدولة العثمانية، ثم أَبْلَغ القيصر نبأ هذا التحول الجديد إلى النمسا، فنال تعضيد مترنخ وتأييده لسياسته، ولكن كبرياءه مَنَعَتْه من إبلاغ هذه الآراء الجديدة إلى إنجلترة، فظَلَّ وزيرها بلمرستون Palmerston يعتقد أن القيصر لا يزال يطمع في القسطنطينية ويريد الاستيلاء على المضايق (البسفور والدردنيل)، وكانت إنجلترة في هذا الدور أيضًا تؤيد المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية كعامل أساسي في المحافظة على التوازن الدولي في أوروبا.
وقد ظَهَرَتْ هذه الاتجاهات والتيارات السياسية المختلفة عندما تأزَّمَتْ العلاقات بين السلطان محمود الثاني وبين محمد علي، فمع أن السلطان أعطى محمد علي حكومة كريت مكافأةً على مساعداته في حرب اليونان؛ فقد ساء محمد علي ضياع أسطوله في نفارينو وأراد تعويضًا كافيًا بالحصول على حكومة الشام، بل إنه لم يكن يتردد في إعلان استقلاله إذا أَمِنَ شر الدول، وخصوصًا إنجلترة، وخشي محمود الثاني في الوقت نفسه من ازدياد بأس وقوة محمد علي بعد أن فتح السودان، ودَخَلَتْ جيوشه بلاد العرب، فأَضْمَرَ لِوَالِيه كراهيةً شديدة، وكان من السهل قيامُ الحرب بينهما، فغزا إبراهيم الشام في نوفمبر ١٨٣١، وسَقَطَتْ في حوزته يافا وغزة وبيت المقدس، ثم عكا ودمشق وحلب (يوليو ١٨٣٢)، وعبر إبراهيم جبال الطورس وهزم الأتراك في قونية (في ٢١ ديسمبر ١٨٣٢)، وباتت القسطنطينية ذاتها مهددة بالخطر، وكان السلطان أمام هذه الهزائم المتوالية قد طَلَبَ معونة إنجلترة ونجدتها، ومنذ أغسطس ١٨٣٢ اقترح على السفير الإنجليزي في القسطنطينية سترافورد كاننج Strafford Canning عَقْد محالَفة مع إنجلترة لإخضاع باشا مصر، ولكن بلمرستون رَفَضَ مقترحات تركيا، وعندئذ لم يجد السلطان مناصًا من الالتجاء إلى روسيا — عدوته القديمة — لنجدته، قائلًا: «إن الغريق يمسك بالثعبان إذا لَزِمَ الأمر لنجاته»، فطلب في فبراير ١٨٣٣ نجدة روسيا المسلحة ضد محمد علي، وأجاب القيصر نيقولا هذه الرغبة في التو والساعة.

وفي ٢٠ فبراير ١٨٣٣ دَخَلَ الأسطول الروسي مياه البسفور، وأنزل النجدات الروسية قبالة القسطنطينية، وعندئذ نشطت الدبلوماسية الأوروبية لإرغام محمد علي على قبول تسوية مع الباب العالي، فأصدر السلطان «التوجيهات» الجديدة — وهي قائمة بأسماء الولاة والباشوات الجدد المعينين في حكومة ولايات الإمبراطورية — ومن بينهم محمد علي لتثبيته في حكومة مصر وكل الشام بما فيها دمشق وحلب، ثم جزيرة كريت، وإبراهيم لتثبيته في حكومة الحبشة وحكومة جدة، وفي ٣ مايو ١٨٣٣ أبلغ الباب العالي إبراهيم باشا في كوتاهية إعطاءه «أطنة» وتعيينه محصِّلًا لها، وفي اليوم التالي أَعْلَنَ الباب العالي عقد السلام رسميًّا، وظَهَرَ كأنما قد انفرجت الأزمة.

ومع ذلك فقد بَقِيَت السفن الروسية والجنود الروس بالقرب من القسطنطينية، وفي ٥ مايو وَصَلَ إلى القسطنطينية الكونت أرلوف Orloff سفيرًا فوق العادة لروسيا، وأَقْلَقَ مَسْلَكُه في العاصمة العثمانية بقية سفراء وممثلي الدول، وبمجرد أن أَقْلَعَت العمارة الروسية من المياه العثمانية ساوَرَت الدولَ الشكوكُ من ناحية روسيا، وكانت الدول مُحِقَّة في شكوكها؛ لأن أرلوف قَبْل ذهابه كان قد عَقَدَ مع وزير الخارجية العثمانية وقائد الجيوش معاهَدَةَ تحالُف في سراي هنكاراسكلسي Unkiar Skelessi على شاطئ البسفور الآسيوي في ٨ يوليو ١٨٣٣، ولم تبلغ هذه المعاهدة إلى وزارة الخارجية البريطانية إلا بعد مُضِيِّ أكثر من سبعة شهور على عَقْدِها.

وكانت المعاهَدة تتألَّف من «نصٍّ» ظاهر أو علني، و«مادة» منفردة سرية، وكان «النص» — من وجهة نظر الدول — لا يبعث على الاطمئنان كلية عندما تضمن عَقْد محالَفة دفاعية هجومية بين روسيا وتركيا لمدة ثماني سنوات، وأما المادة المنفردة، فكانت أسوأ أثرًا لأنه جاء بها: «إن جلالة إمبراطور روسيا، رغبة منه في أن يوفِّر على الباب العالي العثماني النفقات والمشقات التي قد تَحْدُث له من جراء تقديم المساعدة الجدية (أي لحليفته روسيا في حالة الاعتداء عليها حسب المادة الأولى من المعاهدة)، لن يَطْلُب هذه المساعدة إذا طَرَأَ من الظروف ما يقضي على الباب العالي بتقديمها، ولكن بدلًا من هذه المساعدة التي يتحتم عليه تقديمها إذا دَعَت الضرورة عملًا بمبدأ تبادُل المنفعة الذي تَتَضَمَّنُه المعاهدة المذكورة يقصر الباب العالي عَمَلَه لمصلحة روسيا على إغلاق بوغاز (مضيق) الدردنيل، أي على عدم السماح لأية سفن حربية أجنبية بالدخول في هذا البوغاز بأية حجة من الحجج.»

وفي نظر «فرسينييه Frycinet» مؤرخ «المسألة المصرية» أن هذه المعاهدة وَضَعَتْ تركيا تحت حماية روسيا رسميًّا، كما جَعَلَتْ منها حارسًا على البحر الأسود لصالح روسيا حتى تَمْنَع أعداء هذه من الدخول إلى البحر الأسود، بينما تستطيع روسيا ذاتها الخروج منه حسب مشيئتها، وأما الروس أنفسهم فقد اعتبروا وَقْتَ عَقْد هذه المعاهدة أن حدود دولتهم الجديدة قد صارت عند مضايق الدردنيل ذاتها، وفي الواقع كان واجب تركيا — حسب المعاهدة — إذا دَخَلَتْ روسيا الحرب مع إحدى الدول، وطَلَبَتْ من تركيا إغلاق البوغازات، أن تفعل ذلك، فلا يستطيع أعداء روسيا مهاجمتها عن طريق المضايق، في الوقت الذي تستطيع فيه السفن الحربية الروسية الخروج إلى البحر الأبيض المتوسط للهجوم على أعدائها في أي مكان تريده.
ومع أن الحكومة الروسية لم تبلغ الدول معاهدة هنكاراسكلسي إلا في ربيع العام التالي (١٨٣٤) فقد وَقَفَتْ أوروبا الغربية على حقيقة المعاهدة عقِب إبرامها بأيام قليلة، ثم نَشَرَتْ إحدى الصحف الإنجليزية «مورننج هيرالد Morning Herald» في لندن موجَز المعاهدة في ٢١ أغسطس ١٨٣٣، ونَشَرَتْ بعد ذلك موجَزًا للمادة السرية (في ١٦ أكتوبر ١٨٣٣)، فأثار الوقوف على حقيقة المعاهدة الشعور العامَّ في لندن وباريس، وفي سبتمبر ١٨٣٣ أعطى وزير الخارجية التركية الجديد نسخة من المعاهدة ومن المادة المنفردة (السرية) إلى السفير الإنجليزي «لورد بونسبي Ponsonby»، وعندئذ أرسل بلمرستون إلى بونسبي حتى يُبَلِّغ الحكومة العثمانية أن في استطاعتها الحصول على معاونة الأسطول الإنجليزي في البحر المتوسط إذا هي آثرت ذلك على تأييد القوات الروسية لها بمقتضى شروط المعاهدة (مارس ١٨٣٤).
ووَقَفَتْ كذلك الحكومة الفرنسية موقفًا حاسمًا، فذَكَرَ وزير خارجيتها دوق دي بروجلي Broglie إلى سفير حكومته في بطرسبرج (أكتوبر ١٨٣٣) أن روسيا إنما تريد بعملها هذا أن تُعْلِنَ في وجه أوروبا بأسرها تصميمَها على أن تجعل استئثارها بمطلق النفوذ المنفرد في شئون الإمبراطورية العثمانية مبدأً من مبادئ القانون الدولي، وكان واضحًا أن فرنسا وإنجلترة لا يمكن أن تَقْبَلَا ذلك.
على أن القيصر نيقولا كان قد حصل على تأييد من جانب النمسا وبروسيا عندما اجتمع القيصر مع وزيره نسلرود بِوَلِيِّ عهد بروسيا «فردريك وليم» وبالإمبراطور فرنسيس «فرانسوا» الأول ووزيره مترنخ في منشنجراتز Münchengratz في بوهيميا بين ١٠–٢٠ سبتمبر ١٨٣٣، فقد تأكَّدَ في هذا المؤتمر حق كل «مَلِك في طَلَب نجدةِ ومساعَدة الملوك الآخرين»، ثم أضاف المجتمعون أنه لا يجوز لأية دولة أن تتدخل لتعطيل ومَنْع هذه المساعدة ما دام لا يَطْلُب أحد منها ذلك، حقيقة وعد القيصر البرنس مترنخ الذي «كره المعاهدة» — معاهدة هنكاراسكلسي — بأنه لن يطلب تنفيذ نصوصها إلا بعد أن يَقْبَل وساطة النمسا أولًا، ولكن الموقف لم يتغير بالرغم من هذا «التعديل»، وبقيت معاهدة هنكاراسكلسي خطرًا يتهدد أوروبا؛ ولذلك اتَّفَقَتْ كلمة إنجلترة وفرنسا على مقاوَمة روسيا إذا استخدَمَتْ هذه الحقوق التي صارت لها بمقتضى المعاهدة (هنكاراسكلسي).

ومع هذا فإن الاتفاق بين الدولتين الغربيتين (فرنسا وإنجلترة)، في هذا الوجه من وجوه المسألة الشرقية — أي في مسألة القسطنطينية — لم يُمَهِّد أو أنه كان لا يدعو إلى اتفاقهما في الوجه الآخر للمسألة الشرقية، وهو المسألة المصرية؛ إذ سرعان ما ظَهَرَ الخلاف بين هاتين الدولتين عندما تَحَرَّجَت الأمور مرة أخرى بين السلطان ومحمد علي في عامي ١٨٣٩-١٨٤٠.

فقد تحرجت العلاقات بين محمود الثاني ومحمد علي؛ خصوصًا منذ نشوب الثورة في سوريا لأسباب منوعة؛ منها تحريض تركيا وروسيا عليها (١٨٣٤)، ولقد حاوَلَ محمد علي — حسمًا للنزاع — إعلان استقلاله عن تركيا، ثم تكرَّرَتْ محاولاته في ذلك خلال الأعوام التالية (١٨٣٤، ١٨٣٦-١٨٣٧، ١٨٣٨) ولكن الدول مَنَعَتْه من إعلان الاستقلال، وانحصرت جهود وزير الخارجية البريطانية لورد بلمرستون: أولًا: في إضعاف نفوذ محمد علي حتى لا يطغى بقُوَّتِه على الدولة العثمانية، وثانيًا: في مَنْع الروس من أن يَضَعُوا موضع التنفيذ معاهدةَ هنكاراسكلسي.

ولما كانت السياسة الفرنسية تسير في تيارَيْن متضادَّيْن «أو متعاكسَيْن» — تحقيقًا للمصالح الفرنسية في مسألة الإسكندرية، وذلك بتأييد محمد علي، ثم تحقيقًا لهذه المصالح ذاتها في مسألة القسطنطينية، وذلك بإبطال معاهدة هنكاراسكلسي — فقد أَمْكَنَ أن يَتَّفِق كل من بلمرستون، ورئيس الوزارة الفرنسية المارشال سولت Soult على أنه إذا قامت الحرب بين السلطان ومحمد علي، ودَخَلَ الأسطول الروسي المياه العثمانية (القسطنطينية) تنفيذًا لمعاهدة هنكاراسكلسي فإن إنجلترة وفرنسا تُعْلِنَان الحرب على روسيا، وعندئذ وأمام هذا الإصرار من جانب إنجلترة وفرنسا كتب نسلرود إلى سفير حكومته في لندن «بوزو دي برجو Pozzo di Borgo» في ١٧ يونيو ١٨٣٩ أنه يريد تَجَنُّب أية أزمة يدعو حدوثها إلى تنفيذ المعاهدة، وأكَّد هذه الرغبة أيضًا من جانب روسيا السفير الإنجليزي في بطرسبرج لورد كلانريكارد Clanricarde إلى حكومته.
ولكن الأزمة سرعان ما وَقَعَتْ عندما انهزم الجيش العثماني هزيمة حاسمة على يد إبراهيم في معركة نصيبين Neseb غرب نهر الفرات في ٢١ يونيو ١٨٣٩، ثم مات محمود الثاني في أول يوليو قبل أن تَصِلَه أخبار هذه الكارثة، ثم سَلَّم الأسطول العثماني إلى محمد علي في مياه الإسكندرية في بداية يوليو، وهكذا فَقَدَتْ تركيا — كما قال جيزو — في ظَرْف أسابيع ثلاثة فقط: سلطانها، وجيشها، وأسطولها، وأما هذه الكارثة فقد هَدَّدَتْ بإلحاق الخلل بالتوازن الدولي في أوروبا لا محالة إذا لم تتَّحِد الدول الأوروبية في عمل مشترك في المسألة الشرقية؛ حتى لا تترك السلطان الشاب الجديد، عبد المجيد، وتابعه المنتصر محمد علي، يعملان وحدهما ومن غير وساطة أَحَدٍ لِفَضِّ النزاع القائم بينهما.
وكان في هذه الظروف أن تَخَلَّتْ روسيا عن الامتيازات والحقوق التي كانت لها في معاهدة هنكاراسكلسي، وأن قَدَّمَت فرنسا في هذه الآونة الخطيرة اهتمامها بمسألة القسطنطينية للمحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية وحرمان روسيا الاستفادة من هنكاراسكلسي، على اهتمامها بمسألة الإسكندرية وتأييد محمد علي، ثم اجتهدت كي تخرج المسألة المصرية من نزاع بين تركيا ومصر فقط، لتصبح مسألة أوروبية عامة، فلا ينفرد السلطان بوضع أُسُس الصلح مع محمد علي من غير وساطة أو إشراف الدول، فبعث المارشال سولت إلى سفيره في لندن البارون بوركيني Bourqueney في ٢٦ يوليو ١٨٣٩ بما معناه: «أن سرعة سير الحوادث قد تُفَوِّت على الدول الأوروبية فرصةَ التدخل، فلا تؤخذ بعين الاعتبار مصالح السياسة العامة الرئيسية، وحيث إنه من مصلحة إنجلترة وفرنسا وكذلك النمسا — ولو أنها لا تُفْصِح عن ذلك علنًا — أن يكون وجوبًا هدف «الاتحاد الأوروبي» أو العمل المشترك الحقيقي «بين الدول» هو قَسْر روسيا على العمل المشترك مع الدول في شئون الشرق وتعويدها عليه؛ ولذلك فإني أعتقد، أنه يجب على الدول في الوقت الذي توافِق فيه موافَقة تامة على الميول السلمية التي يبديها الباب العالي، أن تَطْلُب من هذا الأخير عَدَم التعجل في شيء، وعَدَم المفاوَضة مع الوالي «محمد علي» إلا عن طريق وساطة حلفائه الذين سوف يكون تعاوُنُهم ولا شك وسيلةً أفضلَ مِنْ أَجْل الحصول له على شروط مضمونة وأكثر ملاءمة لمصلحته.»

وكانت فرنسا ترجو أن تَمْتَنِع روسيا عن الاشتراك مع الدول في اتخاذ هذه الخطوة وتتحقق عزلتها، ولكن روسيا وجدت من الحكمة التنازل عن معاهدة هنكاراسكلسي، بينما رَحَّب بلمرستون بهذه الفرصة المواتية للقضاء على المصالح الروسية، وللقضاء على محمد علي الذي اعتبره مسئولًا عن إذلال الدولة العثمانية وإضعافها، كما كان من أغراض مترنخ تعطيل المفاوضات المباشرة بين السلطان وبين الوالي الثائر على صاحب السيادة الشرعية عليه، وانحازت بروسيا إلى جانب النمسا؛ ولذلك، وبناء على ما تَقَدَّم جميعه، أصدرت الدول الخمس العظمى (إنجلترة، روسيا، النمسا، بروسيا، فرنسا) في ٢٨ يوليو سنة ١٨٣٩ مذكرة مشتركة، بَعَثَتْ بها إلى السلطان حتى لا يُبْرِم صلحًا مع محمد علي من غير موافقة الدول، وحتى ينتظر ما قد يُسْفِر عنه اهتمام الدول بالمسألة الشرقية، وهكذا أَمْلَتْ المصلحة المشتركة على الدول ضرورة العمل «المتحد»، وظَهَرَ كأنما الاتحاد الأوروبي قد أَصْبَحَ حقيقة واقعة، وظهر كأنما فرنسا نفسها قد أَصْبَحَت المتزعمة للاتحاد الأوروبي.

ولكن فرنسا ارتكبت بعملها هذا خطأ جسيمًا — ولا شك — عندما فَتَحَتْ مجال التدخل للدول وعَطَّلَت الاتفاق المباشر بين محمد علي والسلطان؛ إذ سرعان ما ظَهَرَ الخلاف بين فرنسا وبين إنجلترة وسائر الدول، خصوصًا عندما أرادت إنجلترة أن تُصْبِح مصر وحدها فقط لمحمد علي وتجلو جيوشه من سوريا، بينما أرادت فرنسا أن يحتفظ والي مصر بسوريا أيضًا، وانحازت روسيا إلى جانب إنجلترة فيما ذهبت هذه إليه؛ حتى لا تبسط فرنسا نفوذها على كل المنطقة الممتدة من مصر إلى جبال طوروس تحت جناح محمد علي، وعلى أمل أن يؤدي الخلاف بين فرنسا وإنجلترة إلى فَصْم عُرَى ذلك التحالف الإنجليزي الفرنسي الذي استمر إجمالًا طيلة السنوات العشر الماضية (أي منذ ١٨٣٠) تقريبًا.

ومع أن السفير الفرنسي في لندن الجنرال سباستياني Sebastiani الذي عاد إلى سفارة لندن في خريف ١٨٣٩، فقد حَذَّرَ سولت رئيس الوزارة الفرنسية من عواقب الإصرار على مؤازرة محمد علي، وما يترتب على ذلك من عزلة فرنسا في النهاية، فقد صمم سولت على المضي في تأييد محمد علي، وهو يرجو أن يتعذر على الدول الأربع الأخرى الوصول إلى اتفاق فيما بينها، ولكن بلمرستون — الذي لم يكن يريد عزلة فرنسا — لم يلبث أن أبلغ سباستياني أن إنجلترة وروسيا على وفاق تامٍّ فيما بينها، وبادَرَ سباستياني فأَبْلَغَ بدوره هذه الحقيقة إلى حكومته، وكان أمام سولت لذلك أحد أمرين: إما أن يتخلى عن تأييده لمحمد علي ويترك جانبًا المطالَبَة بسوريا، وإما أن يرضى بعزلة فرنسا وخروجها من الاتحاد الأوروبي، ولكن سولت كان لا يزال لديه أمل في نجاح محاوَلة أخيرة؛ فاستدعى سباستياني من لندن وأرسل بدلًا منه رجلًا اختص بدراسة التاريخ الإنجليزي من زمن طويل، وأَظْهَر في كتاباته تقديرًا طيبًا للخلق الإنجليزي، ولو أنه لم يَزُرْ هذه البلاد في الماضي، وذلك الرجل كان جيزو الذي حاضر في السربون، وشغل منصب وزير المعارف في فرنسا، والذي كان يقول: «لم أزر إنجلترة قط، ولم أشتغل بالسياسة!»
ووصل جيزو إلى دوفر في ٢٧ فبراير ١٨٤٠، في طريقه إلى مَقَرِّ سفارته في لندن، وكان يَحْمِل تعليمات فحواها: أن يبذل قصارى جهده ليحفظ التفاهم والاتفاق مع إنجلترة، وليحفظ فرنسا مكانًا ضمن مجموعة الدول الخمس في الاتحاد الأوروبي، على أن يُصِرَّ في الوقت نفسه على ضرورة إعطاء سوريا إلى محمد علي كشرط أساسي لذلك كله، وفي أول مارس خَلَفَ تيير Thiers في رياسة الوزارة الفرنسية المارشال سولت، وكان تيير متمسكًا بضرورة إعطاء سوريا إلى محمد علي، وبدأ جيزو في لندن يشعر بعزلة فرنسا، ومنذ ١٢ مارس ١٨٤٠ أنبأ رئيسه «تيير» أن فرنسا إذا استمرت متمسكة بتأييدها لمحمد علي فإنها سوف تجد نفسها مضطرة في النهاية إلى الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، ولكن تيير كان مستعدًّا — كما كان سولت من قبل — لمواجَهة هذا الاحتمال.

ولقد قامَرَ تيير — وكما قامر سولت من قبل — على أمرين؛ أولهما: أن محمد علي سوف يقاوِمُ بنشاطٍ كلَّ تدبيرٍ الغرض منه انتزاع الشام من قبضته، وثانيهما: أن وسائل القسر والشدة التي قد تُتَّخَذ ضده سوف تذهب جميعها سدًى، وكان تيير كما أثبتت الحوادث بعد ذلك مخطئًا في تقديره.

فقد حضر نوري أفندي السفير العثماني في باريس إلى لندن في أبريل سنة ١٨٤٠؛ ليقدم مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية، وإلى بقية سفراء الدول الخمس يُبلغهم فيها استعداد الباب العالي لإعطاء باشوية مصر وراثة إلى محمد علي (أي من غير سوريا)، باعتبار ذلك الشرط الوحيد الذي يقبل السلطان بمقتضاه الصلح مع محمد علي، وفي ١٢ أبريل عَرَفَ جيزو أن إنجلترة وروسيا والنمسا وبروسيا متفقة فيما بينها على نوع الإجابة التي يتضمنها الرد على مذكرة السفير العثماني، وفي اليوم التالي بعث بلمرستون بصورة من هذا الرد إلى جيزو، وسأله إذا كان في استطاعته هو الآخر أن يجيب على مذكرة السفير العثماني بالمعنى نفسه، ولكن تيير رَفَضَ الإجابة على المذكرة العثمانية.

وفي الشهرين التاليَيْن شُغِلَ جيزو بمسائل أخرى، وفي أواخر مايو حَضَرَ إلى لندن سفير عثماني جديد، هو شكيب أفندي، وطلب تيير من جيزو عَدَمَ التحدث إلى شكيب أفندي في شيء لاعتقاده — كما قال — أن تسوية المسألة لن تَحْدُث في لندن مع السفير العثماني، وأخطأ تيير في ذلك؛ لأن بلمرستون لم يلبث أن دعا جيزو إلى وزارة الخارجية البريطانية في ١٧ يوليو ١٨٤٠، وقرأ عليه «مذكرة» جاء فيها أنه نظرًا لامتناع فرنسا عن الانضمام إلى جانب الدول الأربع: بريطانيا، النمسا، روسيا، بروسيا، عَقَدَتْ هذه الدول فيما بينها معاهَدة لِوَضْع تسوية نهائية للنزاع القائم بين السلطان ومحمد علي، هذه المعاهدة كانت اتفاقية لندن المشهورة التي وَقَّعَتْها الدول الأربع في ١٥ يوليو ١٨٤٠، يحدوها إلى ذلك الرغبة في المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، وهكذا وَجَدَتْ فرنسا نفسها بسبب إصرارها على المطالبة بسوريا لمحمد علي بمعزل عن سائر الدول.

وتَضَمَّنَت اتفاقية لندن، شروط الصلح المزمع إبرامه بين الباب العالي وبين محمد علي، على أساس أن يحتفظ هذا الأخير بباشوية مصر فقط وراثة في أسرته، كما نَصَّتْ على تعاون الدول الأربع في رد الجيش المصري عن القسطنطينية إذا هَدَّدَ محمد علي العاصمة العثمانية، وطَلَبَ الباب العالي مساعدة الدول، وكان معنى قبول روسيا هذا «البند» أنها تنازَلَتْ عن حقها الخاص في الدفاع عن القسطنطينية بمقتضى معاهدة هنكاراسكلسي، وزيادة على ذلك فقد نَصَّتْ المادة الرابعة على استمرار العمل بالقاعدة القديمة التي اتبعتها الإمبراطورية العثمانية، وهي غَلْق الدردنيل في وجه جميع السفن الأجنبية الحربية، وما دام الباب العالي نفسه في حالة سلم مع الدول.

وعندما وصلت أخبار هذه الاتفاقية إلى باريس، شعرت فرنسا بأن إهانة بالغة قد لَحِقَتْ بها، ورأت الحكومة الفرنسية أنه كان يجب دعوتها للتوقيع على اتفاقية لندن قبل إبرامها، ولو أن تيير نفسه لم يلبث أن اعترف بعد ذلك (في أغسطس) أنه كان من المعروف جيدًا أن فرنسا لو أنها دُعِيَتْ للتوقيع على المعاهدة لَرَفَضَتْ أن تفعل ذلك، وفي الواقع كان السبب الذي جَعَلَ بلمرستون يُسْرِع متكتِّمًا في إجراءات إبرام المعاهدة، أن فرنسا في هذه الآونة كانت بواسطة سفيرها «بونتوا Pontois» في القسطنطينية تقوم بمفاوَضة منفصلة من أَجْل عَقْد الصلح بين محمد علي والباب العالي على أساس الشروط الفرنسية، وكان سير المفاوضات في القسطنطينية السبب الذي جعل «تيير» يطلب من جيزو التمسك بمسألة سوريا، وتوقع تيير بين لحظة وأخرى أن يسمع من سفيره في القسطنطينية أن المفاوضات قد انْتَهَتْ بعقد الصلح على أساس إعطاء سوريا إلى محمد علي، وعندئذ يستطيع «تيير» مواجهة بلمرستون بالأمر الواقع.

ولكن بدلًا من ذلك، استطاع بلمرستون الذي أَدْرَكَ حقيقةَ ما كان يجري أن يواجه الوزير الفرنسي باتفاقية لندن، واشتد غضب تيير، واشتد غضب الأمة الفرنسية التي ظَلَّتْ من مدةٍ تتوق نفسها إلى الحرب نتيجة لتأثرها «بالأسطورة النابليونية»؛ ولرغبتها في استعادة مجد الفتوح الماضية في عهد إمبراطورية نابليون، ولم يُلَطِّف شيئًا من حدة هذه الروح العسكرية إرسال الحملات والجيوش إلى بلاد الجزائر، وظَهَرَ كأنما الحرب واقعة لا محالة، وكان كل ما يَشْغَل ذهن تيير أثناء هذه الأزمة، إنما هو التفكير في أي الجهتين عليه أن يبدأ بتسديد ضربته المباشرة: ضد إنجلترة، أم ضد بروسيا «للوصول إلى الراين»، وفي أثناء هذا كله كانت الحوادث تسير بكل سرعة في سوريا.

فقد رَفَضَ محمد علي شروط اتفاقية لندن، وحَرَّكَ بونسنبي السفير الإنجليزي في القسطنطينية الثورة في الجبل (لبنان)، وفي ١١ سبتمبر ١٨٤٠ ضَرَبَ أمير البحر السير شارلس نابيير Napier بيروت بالقنابل من البحر واستولى عليها، وأحرز بعد قليل انتصارًا حاسمًا على القوات المصرية في واقعة برية عند نهر الكلب، وفي ١٤ سبتمبر أعلن السلطان عَزْل محمد علي، وكان على فرنسا الآن أن تُقَرِّر الحرب أو أن تمتنع عن المحاربة كلية.

وفَضَّلَتْ فرنسا عدم الدخول في حرب ضد مجموعة من الدول أعاد اتحادها إلى الذاكرة محالَفة الدول القديمة في شومونت ضد فرنسا سنة ١٨١٤، وكان الملك الفرنسي «لويس فيليب» ضد الحرب، ويؤيد رَغْبَته في السلم أصحاب الأملاك والأراضي، وأرباب الصناعة في فرنسا، فأرسل تيير إلى لندن مذكرة في ٨ أكتوبر كانت بمثابة «عرض للسلام» تَضَمَّنَت استعداد فرنسا للنزول عن إصرارها السابق بشأن بقاء سوريا في حوزة محمد علي إذا حصلت إنجلترة وبقية الدول لمحمد علي على وراثة الحكم في مصر.

وكانت المذكرة مكتوبة بلهجة شديدة ومفرغة في قالب إنذار، ومع هذا فقد كان إقلاع فرنسا عن إصرارها السابق هو كل ما تريده الدول؛ لأن إعلان عزل محمد علي لم يكن الغرض منه سوى إرغامه على قبوله التسوية؛ ولذلك فإن نابيير بعد انتصاره في بيروت، وبمجرد أن سقطت في قبضته عكا أيضًا في ٣ نوفمبر، قصد بأسطوله إلى الإسكندرية، ثم لم يلبث أن عقد في ٢٧ نوفمبر سنة ١٨٤٠ مع بوغوص بك ممثل محمد علي إنفاقًا في الإسكندرية تَعَهَّدَ فيه محمد علي بإخلاء سوريا في نظير احتفاظه بالحكومة الوراثية في مصر ذاتها.

ولما كان هذا متَّفِقًا مع ما طَلَبَتْه فرنسا في مذكرة ٨ أكتوبر، فقد أَقَرَّت الدول اتفاق نابيير، وفي الشهور الأولى من العام التالي (١٨٤١) أسفرت المفاوضات التي اشتركت فيها فرنسا في هذه المرة، بواسطة سفيرها الجديد البارون بوركيني، والذي خَلَفَ جيزو عندما تَعَيَّنَ هذا الأخير وزيرًا للخارجية، في الوزارة التي أَلَّفَهَا سولت، عقب سقوط تيير في ٢١ أكتوبر سنة ١٨٤٠ عندما رفض لويس فيليب أن يكون خطاب العرش في لهجة عسكرية عنيفة، نقول: إن هذه المفاوضات أَسْفَرَتْ عن إقناع السلطان بإصدار فرمان في ١٣ فبراير ١٨٤١ يعطي حق الوراثة لمحمد علي ولأسرته من بعده في مصر فقط، ومن غير أن يكون معها سوريا أو كريت، وفي أول يونيو صدر الفرمان الأخير الذي أَكَّدَ مبدأ الوراثة وإنما على أن تكون هذه للأرشد فالأرشد من أسرة محمد علي، كما أكد الفرمانان الأول والثاني بقاء مصر جزءًا من أجزاء الإمبراطورية العثمانية.

ولقد كان من المتيسر بعد ذلك أن تعمل الدول لاستكمال تسوية المسألة الشرقية بصورة تَتَنَاول وجْهَها الآخر، أي ما أَسْمَتْه فرنسا بمسألة القسطنطينية؛ فانعقد مؤتمر لهذه الغاية في لندن حضرته فرنسا إلى جانب بريطانيا وروسيا والنمسا وبروسيا وتركيا أيضًا، فعَقَدَت الدول المجتمعة في ١٣ يوليو ١٨٤١ اتفاقية البوغازات، أو اتفاقية لندن التي تَضَمَّنَت المبدأ الثابت الذي كان دائمًا القاعدةَ التي أَخَذَتْ بها الإمبراطورية العثمانية في الأزمنة السابقة، والذي كان من مقتضاه مَنْع السفن الحربية الأجنبية من دخول المضايق «الدردنيل والبسفور»، طالما أن الباب العالي في حالةِ سِلْم مع الدول.

وهكذا ألغى هذا الاتفاق المركز الممتاز الذي كان لروسيا في علاقاتها مع تركيا، وفي مسألة البوغازات خصوصًا، بمقتضى معاهدة هنكاراسكلسي، كما أن هذه الاتفاقية قد حَلَّتْ محل معاهدة ١٥ يوليو ١٨٤٠ (وفاق لندن) بين الدول الأربع، ولو أنها كانت لا تلغي هذا الوفاق، ثم أتاحت الفرصة لفرنسا حتى تخرج من عزلتها وتَنْضَمَّ إلى مجموعة الدول في الاتحاد الأوروبي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١