حماري وحزب النساء
قال لي حماري وهو يلمح بعينه في إحدى الصحف خبر تأليف حزب نسائي: ما رأيك في الحزب النسائي؟ … طبعًا لا بد أن يكون لك فيه رأي … أليس كذلك؟
فأجبته قائلًا: أَمِن الطبيعي في نظرك أن يكون لي فيه رأي؟ … لا بأس … ليكن الأمر كذلك، وأظنُّه طبيعيًّا أيضًا أن يكون هذا الرأي في جانب حزب النساء … ولم لا؟ … إني رجل مظلوم … ولسوف يُؤلَّف عني كتاب بعد موتي: «توفيق المُفترَى عليه» … الواقع أني دائمًا أتمنَّى للمرأة تقدمًا … ولا أختلف معها إلا في معنى التقدم؛ فهي تفهمها على أنها الجري في إثر الرجل واللحاق به … وأنا على العكس: أرى الرجل هو الذي يجري وراء المرأة … فالمسألة، فيما يظهر، لا تعدو مُجرَّد خلاف في الرؤية والنظر … وحتى الآن لم يفتح الله على الجنس البشري بواحد ذي عينَين سليمتَين ليُبصِر لنا أيهما هو الذي يسير خلف الآخَر؟!
ولأسلِّم، على كل حال، بنظرية المرأة إثباتًا لحسن نيتي … وَلْنَقُل إن الرجل هو المُتقدِّم، وإنها هي المُتخلِّفة … وتفانيًا مني في إرضائها أقول: إن هذا التخلُّف يبدأ منذ نصف مليون سنة؛ أي من عصر الكهوف؛ يومَ كان الإنسان الأول يعيش حياة الصيد في الغابات، تاركًا أنثاه في كهفها، تُعنَى بصغارها، وتُهيِّئ مما صاد لها ولأطفاله طعامهم وطعامها … لقد كان هذا التوزيع في العمل بأمرٍ من الطبيعة التي زوَّدت الرجل بعضلات قوية للكفاح خارج الكهف، وحَبَت الأنثى بالوداعة والرحمة والحنان اللازم للأمومة داخل العش.
ومرَّت آلاف الأعوام، وهذا التقسيم في أعمال الجنسين قائم — وإن كان الصيد قد تغيَّر — حتى اتخذ اليومَ ألوانًا جديدة، مثل: المال والجاه، والمنصب، والنفوذ … إلخ، وتبدَّلت كذلك الأسلحة، فذهبت القوس والنُّشَّاب، وحلَّ محلَّها سلاح آخَر معنوي اجتماعي ذهني، تُصَاد به كل تلك الأغراض، مما اصطلحنا على تسميته ﺑ «العلم والخبرة، والقدرة، والسياسة» … إلخ. كذلك تغيَّر كهف المرأة فأصبح «شقَّة» نظيفة أو «فيلا» مريحة، تَخطِر فيها بأثوابها الأنيقة وزينتها البديعة، وتُعنَى بتنشئة أولادها على قواعد الصحة الجسمانية والخلقية.
لم تستطع إذن خمسمائة ألفٍ من الأعوام أن تُحدِث من التغيير في أوضاع الجنسين أكثر من ذلك … ولقد لبث لكلٍّ منهما عالمه المنفصل، ومجال نشاطه المستقل طوال هذا القدر الهائل من الأحقاب … الرجل له الخارج، والمرأة لها الداخل … وأظن أن نصف مليون سنة مدة كافية لأن تُكيِّف طبيعة الإنسان؛ فإذا راق للمرأة اليوم أن تُغيِّر طبيعتها، وحَلَا في عينها أن تعمل ما يعمله الرجل، فتشتغل بأعمال الخارج، وتخوض بنفسها غمار الكفاح في ميادين السياسة والجاه والسلطان؛ فذلك موكول إليها، وكلنا نُرحِّب به؛ بل إني أناشدها أن تسرع منذ الآن … ولتبدأ من البداية في الحال؛ حتى لا تُضيِّع وقتًا على من سوف يأتي في المستقبل من أجيال.
والاقتراح العملي لتحقيق ذلك، هو أن نبادر من فورنا، فنرسل حضرات سيدات الحزب النسائي إلى مجتمع فطري، يُشابِه مجتمع الإنسان الأول … وأظننا نجد مثل هذا المجتمع الآن في غابات أواسط أفريقيا … هناك نترك البعثة الكريمة لتضع أساس الحياة المنشودة … وعليها أن تُعيد توزيع العمل من جديد على الوضع العكسي؛ فتتولى هي القيام بأعمال الصيد في الغابات، وتدع للرجل العمل داخل الكهوف … ولننتظر نصف مليون سنة أخرى — وهذا ليس بكثير — حتى تتوالد أجيال جديدة من النساء المكافحات، يرفعن رءوس أجدادهن، ويُسطِّرن بمداد الفخار مبادئ الحزب النسائي المُوقَّر!
•••
على أني أخشى أن يرى الحزب النسائي أن اقتراحي هذا غير عملي … فمن الواجب إذن أن نفكر في حلٍّ آخر:
قد تقول لي بعض النساء المحترمات: لماذا لا نُجرِّب ونسمح لهنَّ منذ الآن بمقاعد في البرلمان؟ … أنا شخصيًّا لا أرى مانعًا من إعطاء المرأة حق التمثيل السياسي في مجلس النواب «بالطبع جميع النساء متنازلات مقدَّمًا عن حقهن في مجلس الشيوخ». وزيادةً في تسهيل الأمر على إخواننا المحافظين المُتعنِّتين من الرجال، أقترح الأخذ بمبدأ أن «للذكر مثل حظ الأنثيَين»، فيكون لكل امرأتَين صوت واحد … وأرجو من السيدات أن يتساهلن فيقبلن هذا الشرط مؤقتًا إرضاءً لغرور الرجال … وإني على أتمِّ استعداد لمُعاوَنة المرأة والمُطالَبة معها بهذا الحق على هذا الأساس … إلَّا إذا اعترض حزبهن المُوقَّر بأن هذا الرأي أيضًا غير عملي، بحجة أن اشتراط صوت لكل امرأتَين يتطلَّب وجود امرأتَين في البرلمان يمكن أن تتَّفقا على رأي واحد … وهذا بعيد الاحتمال.
مهما يَكُن من أمر، فإني راغب من كل قلبي في منح المرأة حقوقًا سياسيةً مساويةً لحقوق الرجل … وأرجو أن أعيش حتى أرى اليوم الذي تتبوَّأ فيه نساؤنا مقاعدهن تحت القبة.
وهنا فليُسمَح لي بسؤال: هل ستكون لهن مقاعد خاصة باعتبارهن حزبًا منفصلًا قائمًا بذاته، أو أنهن سيدخلن على مبادئ أحزاب الرجال المعروفة ويمتزجن بها؛ كل واحدة ضمن الحزب الذي يُرشِّحها؟
إذا كان الأمر الأول، فلا شك أن حزبهن المستقل سوف يكون في الشئون النسوية صاحب الكلمة التي لا تُعصَى ولا تُرَد؛ فإذا اقترح الحزب النسائي مثلًا إعفاء «البودرة» و«الروج» و«الجوارب»، من كل ضريبة جمركية أو تجارية، فإن هذا الإعفاء نافذ بدون كلام … والرجل الذي يجرؤ على المعارضة يكون مستعدًّا لنكد الدنيا يهبط على أمِّ رأسه؛ لا في البرلمان وحده، بل في بيته من زوجته أو أخته أو ابنته.
أمَّا إذا كان الأمر الثاني، فإني لا أرى فائدةً كبرى تعود على المرأة منه … وأخشى مخلصًا أن تطويهنَّ مطامع الأحزاب الأخرى، فلا ينتفعن لأنفسهن بشيء.
•••
لي بعد ذلك ملاحظة شكلية يجب أن تُوضَع موضع الاعتبار: لقد عاب أحد الشيوخ المحترمين على النساء المُوظَّفات حرصهن على زينتهن … وأنا لستُ من رأيه … إذ ما دمنا قد سلَّمنا للمرأة بحقوقها في الوظائف العامة، فلا بد لنا من السماح لها باستعمال حقها الطبيعي في «الأحمر والأبيض» … وما أحسب أحدًا من زملائها في البرلمان يثير هذا الاعتراض يوم تتَّخذ مكانها فيه … فإن الوجه النظيف، والتزيُّن اللطيف من أبلغ حجج المرأة … وليس من الإنصاف أن نحرمها سلاحًا من أسلحة بلاغتها المأثورة في ساحة يتذرَّع فيها كل عضو بكل أدوات الفصاحة والإقناع.
•••
وأخيرًا، يا حماري العزيز، فإني أُلخِّص لك رأيي في كلمة واحدة هي: موافقتي التامة على وجود المرأة في البرلمان، وفي كل مكان إلى جانب الرجل؛ لأن مجرد وجودها يُحدِث نشاطًا في الهمم، وتألقًا في الأفكار.
لقد قلتُ ذات مرة: «إن المرأة مثل القمر»، أقصد بمعناه الفلكي لا الشعري؛ فهي لا تُشِعُّ ضوءًا من داخل نفسها، بل تعكس الضوء الآتي إليها من شمس عقل الرجل … هي كالقمر «كائن سلبي»، وسطح مُعتِم في ذاته، لا تسطع إلَّا بما ينعكس على قلبها ورأسها من تفكير الرجل وإحساسه … فدُنُوُّها منه في مجال العمل المنتج، له من الفائدة ما يُعادِل فائدة المرآة إلى جانب المصباح … إنها تُضاعِف نوره، وتزيد إشعاعه.
أمَّا أن تنتظر منها أكثر من ذلك، فهو انتظارٌ للمستحيل … لن يكون للنساء في مجالسنا النيابية والاجتماعية أكثر مما للمرايا بجوار المصابيح في القاعات والصالات … ولقد بلغنا — ولا شك — في الحضارة حدًّا يقتضي أن نُزيِّن جدراننا بالبلور!