حماري وعداوة المرأة

قال لي حماري ذات يوم: لماذا انفردتَ بين الأدباء باحتقار المرأة؟

– ومن قال لك إني انفردت؟! … هنالك العقاد.

– وهل يكره العقاد المرأة حقًّا أو يحتقرها؟

– هذا سؤال يَحسُن أن تُلقِيَه عليه … أمَّا أنا فأتخيَّل أنه سيُجيبك صائحًا هذه الإجابة الوافية الشافية: أنا أكره المرأة؟! … من يقول ذلك عني؟! … حبِّي للمرأة أمر مقطوع به، ولم يكن يومًا موضع شك أو جدال … فأنا رجل ظاهر السريرة، واضح النهج، حياتي صريحة … لم يُسبَغ عليها قط رداء الغموض … مودَّتي أمنحها أمام الملأ، وعداوتي أُعلِنها على رءوس الأشهاد … فمَن ذا يستطيع أن يزعم أني وقفت تجاه المرأة موقفًا ينمُّ عن زراية أو بغضاء؟! … أين بدا ذلك مني؟! … ها أنا ذا أُلقي بقفَّاز التحدِّي.

ومع ذلك أُصغي أحيانًا إلى همساتٍ تتصاعد من قرارة نفسي أرجو ألَّا يكون لها صدًى يبلغ آذان النساء … همسات تُنبِئني بأن المرأة كانت، في نظري، وتكون شيئًا لا يستحقُّ غير الامتهان:

زُرقة عينَيك لا صفاء
فيها، ولكنه فضاء١
حُمرة خدَّيك لا حياء
فيها، ولكنَّه اشتهاء
وجهك سبحان من جلاه
ولوَّث النفس بالطِّلاء

قلتُ ذلك حقًّا في المرأة، ولستُ أدري كيف أنشدتُه وسطرتُه ونشرتُه دون أن أُثير خصومةَ ذلك الجنس الخطر! … السبب في ذلك بسيط: إني أُعامِل المرأة كما ينبغي أن تُعامَل؛ لا بالعقل الرشيد، ولا بالمنطق السديد … أنا الذي حَذَقَ التحليل المنطقي، وبَرَعَ في التدليل العقلي، ووضع كل شيء تحت مصباح الطريقة الذهنية، وأخضَعَ كل بحث إلى الأسلوب الفكري؛ رأيتُ أن أَشِذَّ عن هذه القاعدة في علاقتي بالمرأة.

لم أُخاطِبها قط يومًا بغير لغتها … لذلك فهمتني، ولم تَثُر في وجهي … إني لم أصنع للمرأة تمثالًا مُموَّهًا بالقداسة الزائفة، ولم أُرِدْها كما يريدها خيال أولئك الشعراء الذين يركبون إليها القوارب الثملة، ويَمخُرون نحوها البحار البعيدة، ويبحثون عنها في الشواطئ المجهولة وهي منهم على قيد خطوة … جالسة تنتظر، وتكاد أقدامهم تتعثَّر فيها وهم لا يبصرون … كلا، إني أُبصِرها وأراها دائمًا كما هي … وكما خلقها بارئها: فاكهة شهيَّة غضَّة ينخر فيها الدود … فلنَنْفُض عنها دودها ونحن نُخفِي اشمئزازنا، ولنُطبِق عليها بأنيابنا، ونلتهمها بأفواهنا، ثم نطرحها جلدةً رثَّةً، وقشرةً باليةً … هكذا أراد لها القدر … فلماذا نريدها نحن على غير ذلك؟!

أنت المَلُوم إذا أردتَ لها
ما لم يُرِدْه قضاء باريها

تلك نظرتي إلى المرأة … لم أُوصِد دونها بابي يومًا … ولم أُشِح عنها بوجهي … لقد فتحتُ باب حياتي على مصراعَيه لكل امرأةٍ تدخل بسلام آمنة! … كل النساء على السواء: ممن أُطلِق عليهن اسم الفاضلات، وممن حُسِبن في غيرهن … ومن أنصاف أولئك وهؤلاء! … لكن نوع المعاملة قلَّما يتغيَّر … قد أُغيِّر وأُبدِّل أحيانًا في أسلوب الخطاب وأَردِيَة الكلام ومقتضيات المقام … فتلك التي يُقَال إنها مثقفة، أُحِيطها بجوٍّ فكريٍّ يُنشِّط خيالها، ولا يُثقِل على طبيعتها … ذلك أن طبيعة الأنثى في المرأة لها دائمًا المكان الأول؛ فلنلزم معها الحيطة، ولنتجنَّب الإملال والإثقال … فما من امرأةٍ تُطِيق حمل رفيع الأفكار أكثر من قدرٍ بسيطٍ معلوم، يَحسُن أن تتخلَّله فترة مداعبات عاطفية، وتفاهات أو محادثات سطحية. أذكر ذات يوم أنْ زارتني امرأتان من طراز أولئك المُثقَّفات، فلبثنا نتحدَّث ساعة في بعض الشئون الثقافية، وشغلني شاغل، فانصرفتُ عنهما طرفة عين، فما عدتُ إليهما حتى وجدتُّهما تتحادثان في أنواع أصابع «الروج»، وأصناف طلاء الوجه والشفاه … آه، لو أنهنَّ — على الأقل — كنَّ يَطلِين بالثقافة الحقيقية أزواجهن بالمقدار الذي يطلين به شفاههن!

إني لا أقول لهن هذا الكلام … ولكني أعمل أحيانًا ما هو أقسى من القول: إني لا أُحجِم عن إشعار المرأة وهي أمامي بأنها مخلوق تافه حقًّا … ومع ذلك … يا للعجب العجاب! … إن المرأة تثور للكلام ولا تثور للفعال … إنها تغضب لكلمة تسمعها، ولا تغضب لصفعة على وجنتها! … وماذا أريد أنا أكثر من إذلالها بغير إثارتها؟! … إني رجل يعرف الحب … وقد أحببتُ على الطريقة التي تروق للمرأة … أي ذلك اللون من الحب الممزوج بالتقدير والتحقير؛ فالإهانة أو الزراية هي المِلح الذي يجب أن يُوضَع في الحب ليكون له المذاق الذي تُسِيغه المرأة.

بعض الزراية نافع
في حبهن فلا تُغَال

هكذا ظَفِرتُ بالمرأة؛ لأني عرفت سرَّها … مفتاح سرِّها دائمًا في يدي، أُلوِّح لها به عند كل لقاء … فإذا هي تبسِم صاغرةً، وتفتح لي مغاليقها من تلقاء نفسها … إن المرأة ليست مغلقة إلا لذلك الذي أضاع مفتاحها! … قد يسألني سائل: ما هو هذا السر؟ … فأُجِيب من فوري: هو الخداع.

لا تَرُع من هذه الكلمة! … هي عندنا — نحن الرجال — نقيصة، وهي عندهن غريزة … منذ فجر التاريخ والمرأة تتزيَّن؛ أي تخدع … لقد عُرِف الطلاء على وجه المرأة قبل أن يُعرَف على جدران الهياكل! … وطلاء الجسم ملازم لطلاء النفس؛ بل إن النفس هي المنبع … فهي بنزوعها إلى الكذب والتمويه تتَّخذ الجسم لها مَطيَّة … ما من امرأة صدقت فتشجَّعت وبرزت سافرةً للرجل كي يعرف وجهها الحقيقي!

منذ آلاف الأعوام والمرأة تتنفَّس من إحدى رئتَيها بالهواء، ومن الرئة الأخرى بالرياء … بل إن الرياء والخداع هما الأكسجين والهيدروجين في هواء كل امرأة! … ولقد اتَّخذ الخداع على مَر الأجيال ألوانًا تُحاكي ألوان أثوابها؛ فهو تارةً بريء الغرض، كل مهمَّته أن يبهر البصر … وهو تارةً رداء ضروري يستر عورة، وهو في كل الأجيال سليقة تنطلق بلا غاية ولا هدف … لذلك ما فكرتُ يومًا في لوم امرأة لأنها خدعت، إنما كنت ألقاها قائلًا:

خَلِّ المَلامَ فليس يَثنِيها
حبُّ الخداع طبيعةٌ فيها

وكانت هي تلقاني وعلى فمي ابتسامة الفاهم شأنها، المتوقع لكل خيانةٍ منها … فما تبدو منها بادرةٌ حتى أُعاجِلها بقولي:

خُنها ولا تُخلِص لها أبدًا
تَخلُص إلى أغلى غواليها

نعم … المرأة لا تذكر كلمة «الإخلاص» إلا إذا ذكرتَ أنت كلمة «الخيانة». أمَّا إذا رفعتَ عقيرتك لتتغنَّى بالإخلاص، فإن دويَّ أغانيك وترانيم أناشيدك، وإن بلغت السماء، فإنها لا تبلغ أذنها … وإن هي سمعت الكلمة، فثِقْ أنها نسيت المعنى … تلك هي المرأة … التي تلقَّنت درسها الأول من الحيَّة، ودرسها الثاني من الشيطان.

قلتُ لك إني أعرف الحب كما يحلو للمرأة، لا كما يحلو لأصحاب الخيال … فاسمع مني النصح أيُّها الرجل: إذا أحببتَ امرأة فاصنع ما أقول لك … لن أقول لك اليومَ بالطبع ما كان يُقَال قديمًا: «إذا دخلتَ على المرأة فلا تَنْسَ أن تُخفِي في تلابيبك سوطًا» … كلا؛ فإن امرأة هذا العصر لا يُرعِبها الصوت، ولكني أقول لك: إذا لقيتَ حبيبتك فأَنشِدها:

حبُّك لا نعمةٌ أراها
فيه، ولكنَّه جزاء
يا جنةً حُسنُها عقابٌ
يا خمرةً عَذْبُها عذاب
متى متى ينطوي الكتابُ؟
متى فراقٌ بلا لقاء؟!
١  الاستشهادات الشعرية كلها من ديوان «أعاصير مغرب»، للأستاذ عباس محمود العقاد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦