حماري والمحكمة
قال لي حماري ونحن نتذاكر الماضي يومًا: إنك قد اعتزلتَ خدمة الحكومة، ولا ريب أنك تذكر فيها مواقف لك، لا يمكن أن تحدث لغيرك!
فقلتُ وأنا شاخصٌ ببصري إلى الفضاء: حقًّا … اليوم وقد أصبحتُ، بحمد الله، من أرباب المعاشات، فلا جُناح عليَّ من ذكر طرفٍ مما كان يقع لي أحيانًا أثناء خدمتي في وظائف الحكومة … ولأتخيَّر لك عهد اشتغالي في سلك القضاء؛ فما زالت فيه حوادث يُذكِّرني بها من آنٍ لآنٍ بعضُ الزملاء السابقين … من ذلك تلك الحادثة التي أرويها لك؛ فقد وضعتني موضع الحرج لحظةً من اللحظات:
كنت في كرسي النيابة العمومية ذات صباح، متَّشحًا بوسامي الأحمر الأخضر، وكان أمامي «الرول»؛ ذلك الدفتر الطويل الذي تُدوَّن فيه أرقام القضايا وأسماء المتهمين، والشهود، ومُلخَّص وصف التهمة، ومواد القانون … إلخ، وبين أصابعي ذلك القلم الذي يجب أن أُدوِّن به الحكم الذي ينطق به القاضي في كل قضية، ولكن الحق يُقال: ما من مرةٍ دوَّنتُ فيها الأحكام كاملةً في ذلك «الرول»؛ فقد كان سكرتير المحكمة (الله يستره)، هو الذي يسُدُّ هذه الخانة بقلمه — تلطُّفًا منه وكرمًا — لثقته بأنه من غير المعقول أن أكون قد تتبَّعتُ كل القضايا بيقظة وانتباه … على أنَّ من المُبالَغة أن أزعم أني كنت أشرد عن كل ما يجري حولي طوال الوقت … هنالك قضايا وتفاصيل ودقائق كنت أُوجِّه إليها التفاتي … لعلِّي كنتُ أعرف بالغريزة ما ينفعني كروائي مما لا نفع لي فيه … إني ما كنت أُطِيق ثرثرة المحامين … فالقضية التي فيها مرافَعة طويلة معناها عندي «غياب ذهن» طويل … وربما حوار قصير بين شخصيتَين تافهتَين — في نظر المحكمة — يُثير في نفسي كلَّ تأمُّل وتفكير. لقد سمعتُ في ذلك اليوم الذي أتحدَّث عنه، هذه المناقشة بين القاضي وخفير نظامي تعدَّت عليه امرأة بألفاظ جارحة.
فظهر الاستنكار على وجه القاضي، وظهر الإعجاب على وجهي … إن هذه المرأة في نظره قد فاهت بأقصى ألفاظ التعدي … وهي في نظري قد جاءت بأخصب صور الخيال الفني … فما أظن هنالك أبلغ من هذه الصورة في تحقير خفير … لو استطاع ذهن هذه المرأة أن يُبدِع صورًا أخرى في التجميل والثناء كما فعلت في التقبيح والهجاء؛ لكانت شاعرة … ونظرتُ إليها وهي في قفص الاتهام؛ فإذا هي هادئة ساكنة، ويدها على خدها، ترمقنا بنظرات فاترة، وعلى شفتَيها ابتسامة، لعلها ساخرة … إنها معترفة … ولماذا يُنكِر شاعرٌ قصيدةَ هجائه؟ … لقد روَّحت عن نفسها بما قالت، وكفى … ماذا يهمُّ الثمن بعد ذلك؟!
تُرَى، ماذا في حياة هذه الساقطة؟ … لا أقصد حياتها الظاهرة التي يعرفها الخفير ورجال الضبط، وزوَّارها وزبائنها؛ إنما أقصد تلك الحياة الخفيَّة في قرارة نفسها … هنالك — ولا شك — أشياء كثيرة رأتها وأحسَّتها، ولا تُكلِّف نفسها مشقَّة التعبير عنها … ولو أنها أرادت أو استطاعت لجاءت بأعاجيب؛ ذلك أنها ستصف الأشياء بطريقتها هي ولغتها هي … ويا لها من طريقةٍ ولغة! … لو استطعتُ أن أجلس إليها وأتلقَّى عنها! … ليس أكذب من الروائي الذي يُفكِّر لأشخاصه بعقله هو … ويتكلَّم عنهم بلغته هو … هذه المرأة مادة قيِّمة لي، ولكن … أنسيت أني أُمثِّل الاتهام؟ … نحن في الحياة قطبان لا يلتقيان … وإن التقينا فحَول القفص؛ لأني أنا العِقاب، وهي الجريمة … أنا السيف وهي الذبيحة … لا يمكن أن نلتقي للتفاهم أبدًا … لا تفاهم إلا إذا طَرحتُ عني وسامي الذي يُكبِّلني، وانطلقت حرًّا، أغترف من أعماق تلك الشخصيات كما يغترف المثَّال من الطين الذي يصنع به فنًّا.
ومضت بي الخواطر في هذا السبيل، وغمرتني، فلم أَدْرِ حتى بالزمن الذي مرَّ بي … ولم أفطن إلى ما جرى حولي، ولا إلى ما نظرت المحكمة من قضايا … ولم أتنبَّه إلَّا على صوت باب حجرة المداوَلة يُفتَح فجأةً، وقد ظهر الحاجب في حركة اهتمام سريعة وهو يحمل كرسيًّا وضعه إلى جواري، وهمس في أذني بقوة: سعادة البك مفتش عموم النيابات!
وقبل أن أُفيق إلى نفسي، دخل المفتش بسرعة، وجلس إلى جواري، وحيَّاني بصوت خافت … ثم أراد أن يعرف رأيي في القضية المعروضة، فاصفرَّ وجهي … أيُّ قضية؟ … والتفتُّ أنظر إلى ما يدور حولي في الجلسة بعيون زائغة شاردة، فأبصرتُ أحد المحامين الفطاحل يُرغي ويُزبِد، ويضرب بقبضته في الهواء ويصيح: هذا كلام فارغ … النيابة أخطأت في تكييف وصف التهمة … لو أن النيابة فهمت الوقائع المنسوبة إلى موكلي على حقيقتها، لما قَدِم إليكم، يا حضرة القاضي، هذا المتهم مُكبَّلًا بكل هذه النصوص!
فمال مفتش النيابات يسألني عن المواد المُطبَّقة على هذا المتهم، فلم أَدْرِ ماذا أقول ولا ماذا أصنع … وأنا لا أعرف في أيِّ قضية يتكلَّمون في الجلسة ويتناقشون … وشاء سوء حظِّي أن يكون المحامي سفيه اللسان، فأمعن في الصياح قائلًا: هل هذه نصوص تُطبَّق في حالة موكلي؟ … هذا تخبُّط من النيابة … هذه فوضى … هذا سمك لبن تمر هندي!
فاهتزَّ مفتش النيابات في كرسيه وانتفخت أوداجه.. وهمس في أذني بشدة: النيابة أُهِينت … قُم دافع عن كرامة النيابة!
فقلتُ مداراةً للمسألة: كرامة النيابة في الحفظ والصون.
– كيف ذلك؟ … ألا ترى النيابة متهمة بالخطأ والخلط والفوضى؟! … المحامي يقول: إن النيابة سمك لبن تمر هندي.
فقلت له: أنا لم أسمع غير كلمة «تمر هندي» فقط.
فصاح صيحةً كاد يسمعها القاضي والحضور: لا … لا يا توفيق بك … هذه إهانة موجهة إلى النيابة … يجب على الجالس في كرسيِّها أن ينهض لدفعها … قُمْ، قُمْ وسجِّل احتجاجك … وابسط وجهة نظرك في تطبيق نصوص القانون.
فقلت في نفسي: لو أنِّي كنتُ أعرف فقط نوع القضية! … ولكن الموقف ساء من كل ناحية؛ فكان الدفاع بعيدًا كل البعد عن ذكر ما يُشَمُّ منه رائحة التهمة، مكتفيًا بالتهويش والتهويل والطعن في تصرُّفات النيابة والبوليس … وكلَّما أمعن في ذلك، هاج مفتش النيابات وماج، وانهال على كُمِّي يكاد يُمزِّقه وهو يطلب مني القيام والكلام … وأنا متشبِّث بمقعدي، مُصمِّم على القعود والسكوت … وأصبح منظرنا — لمن يفهم موقفنا — يُبكي ويُضحك … وقد فطن القاضي إلى الأمر كلِّه، وأدرك الورطة التي أنا فيها، وهو يعرف عاداتي جيدًا، ويحترم شرود ذهني دائمًا … فابتسم ابتسامةً فهمتُها … فتشجعتُ، وقمتُ أقول بقوة وحماسة: النيابة تحتجُّ على الألفاظ التي صدرت من حضرة المحامي.
فقال القاضي: المحكمة ترجو النيابة أن تُفسِح صدرها وتسمح للدفاع بكامل حريته، وهو لم يقصد قط، في أيِّ لحظة، أن يمسَّ كرامة النيابة العمومية من قريب أو بعيد.
وصادق المحامي على قول المحكمة بعبارة مجاملة، وجلستُ في مقعدي أتنفَّس الصُّعَداء وأقول لمفتش النيابات: ها أنا ذا قد رفعتُ لكم رأس النيابة!
ومرَّت الأعوام، وانتهى حضرة المفتش إلى أرقى المناصب القضائية في البلاد … فكنَّا كلَّما تقابلنا وتذاكرنا الماضي، ضحك لموقفي ذاك طويلًا … ولكنَّه ظلَّ برغم ذلك من المعتقدين بأني كنت — مع كل عيوبي — من خيرة رجال النيابة … عافاه الله!