حماري والجريمة
قال لي حماري يومًا: لا شكَّ أن الكاتب الخالق يجد نفسه أحيانًا في حاجة إلى ترك
عزلته الذهنية، والهبوط إلى طبقات الناس المختلفة، يدرس أحوالهم، ويجمع ما
ينفعه مادةً لفَنِّه … من أجل ذلك يتحتَّم عليه معاشرة أصناف متباينة من البشر
… ويستوي عنده الجلوس إلى العظماء والأثرياء، أو اللصوص والأشقياء، ولا يُفرِّق
في الاختلاط بين الأجلَّاء والسفهاء، ولا بين الفاضلات والساقطات؛ الجميع في
نظره نماذج من أشخاص تلك الرواية الكبرى التي تجري حوادثها كل يوم على مسرح
المجتمع … وهل يستطيع المؤلف الروائي أن يُميِّز في تقديره وعنايته — وهو
يُصوِّر أبطاله — بين شخصية «الرفيع» وشخصية «الوضيع»؟ … كلاهما في عُرفه وعمله
يحتاج إلى عين الدراسة وعين الالتفات … لذلك يَحسُن بالروائي الخالق أن يُصاحِب
ويُخالِط كل المخلوقات على السواء، وأن يُراقِب ويدرس كل المهن والحِرَف
والطبائع والغرائز.
فقلت له: رأيك هذا صحيح يا حماري العزيز … ولقد قرأتُ من أخبار الروائيين في هذا
الشأن ما يُثِير الدهشة والعجب … من ذلك أن كاتبًا مشهورًا اتَّخذ صديقًا له
ذلك اللص الأمريكي المشهور «آل كابوني»، وهي — ولا ريب — صداقة مفهومة المعنى
والغرض؛ فقد كانت نتيجتها المحتومة ظهور كتاب طريف عن هذه الشخصية المخيفة
العجيبة، يحوي أصدق الوصف لبيئةٍ كان يجب أن تُدرَس وتُصوَّر وتُبرَز لمصلحة
الفن ومنفعة القضاء … ولكن يا صديقي الحمار، فلنفرض جدلًا أني أردتُ أنا أيضًا
إخراج كتاب، لا على نسق كتابي «يوميات نائب في الأرياف»، ولكن على نسق ذلك
الكتاب الأمريكي، أُسمِّيه مثلًا «يوميات لص في القاهرة»؛ أدرس فيه عصابة لصوص
بكل ما يُحيط بها من بيئة وظروف … واخترتُ لتلك الدراسة لا طبقة اللصوص
الأرستقراطيين الذين لا يقربهم القانون؛ فأنت في كنف هؤلاء بمأمن، ولكن اخترتُ
أولئك الذين يطاردهم البوليس في كل مكان … أردتُ أن أُصوِّر هؤلاء الخَطِرين
الخارجين على المجتمع وقوانينه، فاتصلتُ بهم وجلستُ إليهم، وسمعتُ ما يدور
بينهم من مؤامرات، وعَلِمتُ أنهم مُقبِلون على ارتكاب جريمة سطوٍ على بنكٍ من
البنوك في ليلةٍ من الليالي. واطمأنَّ إليَّ هؤلاء القوم، وأمنوا جانبي،
ووَثِقوا بشرفي، فوضعوا أمامي الخطة … إلى هنا لا جُناح على مثلي في نظر
القضاء؛ فليس كلُّ ذلك بعدُ سوى أعمال تحضيرية غير مُعاقَب عليها … ولكن ليلة
السطو جاءت … فتردَّدتُ هل أذهب معهم أو لا أذهب؟ … إذا أنا لم أذهب فقد خسرتُ
دراستي؛ فالفائدة كل الفائدة، من حيث الفن الروائي، هي في حضور واقعة السطو
نفسها … كما أن قيمة الشريط السينمائي لجريدة الحرب المُصوَّرة، هي في التقاط
وقائع الميدان بذاتها … لا بد من الذهاب معهم إذن، ولو تعرَّضتُ للخطر … وقد
ذهبتُ مدفوعًا بوسواس شيطان الفن … وهنا المصيبة … فقد هجم اللصوص هجمتهم على
باب المصرف، فتنبَّه الحارس وتعرَّض لهم … فانبرى له أحد أفراد العصابة، أعرفه
بشخصه، ورأيتُه رأي العين، وقد طعن الحارس المسكين بمُديةٍ طعنةً أردته قتيلًا،
وأتمَّ اللصوص عملهم … وانتهبوا الخزانة وانصرفوا، وانصرفنا … يا للكارثة! …
إنها جريمة سرقة بإكراه، اقترنت بقتل عمد … إنه الإعدام! … إنها المشنقة لا
أكثر ولا أقل … ما مركزي في كل هذا؟ … أنا في نظر القانون شريك من غير جدال؛
فقد لازمتُ العصابة في كل أدوار الجريمة؛ من أعمال التحضير إلى أعمال التنفيذ …
من أول التصميم الجنائي إلى القتل واستلاب الخزانة في أمان الله … انصرفتُ إلى
شأني أُفكِّر في الأمر، وانصرف زملائي بالغنيمة يقتسمون النقود … وجاء الغد،
وإذا الصحف كلها تنشر بالحروف الطويلة العريضة: «جريمة مروعة فظيعة»!
وجَدَّ رجال الشرطة في البحث، وانهمك رجال النيابة في التحقيق، ووالت الصحف ملء
الأعمدة بأخبار الحادثة وتصوير ظروفها … وجاءوا بالكلب «هول»، وأُخِذت البصمات
وأُجرِيت المعاينات، وأُلقِي القبض على كلِّ مَن حامت حوله الشبهات … كلُّ ذلك
كنتُ أُطالِعه في حجرتي باسمًا هادئًا، كأنِّي أُطالِع قصة بوليسية خيالية؛ بل
إني كنت أتتبَّع كل ذلك ضاحكًا أحيانًا؛ للفروق الكبيرة بين ما حدث بالفعل، وما
تصوَّر المُحقِّقون أنه وقع … إنها لذَّة فنية أحسستُها لأنها لأول مرة وأنا
أرى الواقعة الواحدة من وجهَين: الوجه الحقيقي الذي لا يعرفه غيري وأفراد
العصابة، والوجه الآخَر الذي يُنشَر على الناس في الصحف … هنا ينكشف الستار
أمامي عن لعب المُخيِّلة البشرية وعملها في تكييف الحقائق … وهنا أتمتَّع متعةَ
طارح الأُحجيَّة أو «الحذورة»، المالك مفتاحها، وهو يستمع إلى تخبُّطات
وتكهُّنات الآخرين، فأمتحن ذكاء الطبيب الشرعي، وحذق البوليس السري، وفطنة
القائمين بالتحريات … ولقد ابتسمتُ عندما قرأتُ أنهم قبضوا على شقيق زوجة
الحارس القتيل؛ لحدوث مشاحنة بينهما في الليلة السابقة على الجريمة، بخصوص سلوك
الزوجة المريب … ومرَّت الأيام، وزُجَّ في السجن بكثير من الأبرياء رهن
التحقيق، ثم خَفَتَ صوت الحادث رويدًا رويدًا، فلم تَعُد الصحف تُعنَى به …
وأشارت صحيفةٌ آخرَ الأمر بأن التحقيق كاد يُغلَق، وأن القرائن كلها متجهة نحو
شقيق الزوجة، وأنَّ التهمة قد وُجِّهت إليه؛ لأن صحيفة سوابقه بها جرائم مماثلة
… ولأنه متصل بالحارس؛ فهو أقرب الناس إلى العلم بمسالك البنك وأسراره …
ولقرائن أخرى من هذا القبيل، اجتمعت كلُّها وانصبَّت على رأس هذا المتهم
البريء.
•••
هنا تيقَّظ ضميري الإنساني، وجعل يهتف بي أنَّ من واجبي التبليغ في الحال، وكشْف
النقاب للبوليس عن حقيقة الأمر، فنهض ضميري الفني مُعارِضًا، مؤكِّدًا أن واجب
الفنان هو السكوت … واحتدم الجدل بين الضميرَين، في الحوار الآتي:
الضمير الإنساني
:
أتساءل كيف تسكُتَ وقد شاهدتَ بعينَيك رجلًا لا ذنب له يسقط
مُضرَّجًا بدمائه تحت مُدية مجرمٍ وحشي؟!
الضمير الفني
:
حقًّا … لقد كان منظرًا فنيًّا رائعًا!
الضمير الإنساني
:
إني لم أَنَمْ منذ تلك الليلة … ولا يمكن أن أنام حتى يُقبَض على
الجاني الحقيقي … وإني أتوسَّل إليك أن تُريحني وتساعدني على
تحقيق العدالة … هلمَّ بنا نُخبِر البوليس.
الضمير الفني
:
أنا لم أرَ شيئًا أبلِّغ عنه.
الضمير الإنساني
:
إنك رأيتَ الجريمة من أوَّلها لآخِرها.
الضمير الفني
:
إني رأيتُها كفنانٍ لا كشاهد إثبات.
الضمير الإنساني
:
وما الفرق؟
الضمير الفني
:
ألا ترى الفرق؟!
الضمير الإنساني
:
إنك رأيتَ، على الأقل، المجرم الحقيقي، وتستطيع أن تبوح
باسمه.
الضمير الفني
:
لن أبوح بشيء.
الضمير الإنساني
:
الخُلُق القويم يدعوك أن تبوح؛ لتُنقِذ متهمًا بريئًا، وتقتصَّ
لذلك الحارس المسكين الذي هُدِر دمه في غير ذنبٍ إلا قيامه
بواجبه الشريف.
الضمير الفني
:
إنك تعلم أن الخُلُق القويم هذا شيء من شأنك أنت … أما أنا فلا
أعرف غير العمل الفني القويم … وإني لم أدخل بين هؤلاء اللصوص
باعتباري مخبرًا سريًّا يُبلِّغ عنهم؛ ولكني دخلتُ بينهم بصفتي
فنانًا يدرس أحوالهم، وقد وَثِقوا بي وأطلعوني — لهذه الصفة —
على ما لا يجسرون أن يُطلِعوا غريبًا عليه؛ فهل من حقِّي أن
أخون هذه الثقة؟!
الضمير الإنساني
:
حقًّا … يا لها من ثقة غالية … تلك التي تنالها من أيدي القتلة
والمجرمين!
الضمير الفني
:
الثقة هي الثقة، سواء نلتها من شريف أو أَثِم … إن قيمة الجواهر
لا تتغيَّر بتغيُّر الأيدي التي تمنحها.
الضمير الإنساني
:
ما أبرعك في صياغة الكلمات! ولكنَّ هذا لا يمنع من أنك الآن في
نظر المجتمع والقانون مرتكبٌ لذنبٍ لا يُغتفَر، إن لم تُبادِر
فتصحِّح موقفك.
الضمير الفني
:
موقفي الآن صحيح ولا غبار عليه.
الضمير الإنساني
:
هذا رأيك أنت وحدك … ولكن هَبْ أنه قُبِض عليك مع شركائك
مُتلبِّسين في مكان مع الجريمة … أكانت تشفع لك كلُّ هذه
الفلسفة؟!
الضمير الفني
:
هذا سؤال تُوجِّهه إلى القضاة لو أنه قُبِض علينا … ولكن الذي
حدث حتى الآن هو أنه لم يُقبَض على أحدٍ منا … ومع ذلك،
فالقضاء يعرف ظروف اشتراكي في هذا الأمر، والبواعث التي دعت
إليه، وهي كلُّها شريفة.
الضمير الإنساني
:
أرجو منك ألَّا تتكلَّم عن الشرف! لقد ظهر لي أننا غير متفقين
على معنى هذه الكلمة.
الضمير الفني
:
تريد أن تقول إني لستُ شريفًا؟!
الضمير الإنساني
:
من الصعب أن أَعُدَّك كذلك وأنت تنام ملء جفنَيك، مرتاحًا
مطمئنًا، لا يُزعِجك صراخ ذلك الدم البريء الذي يُنادي بإحقاق
الحق وإقرار العدل … إنك لا تريد أن تخون السفَّاكين الذين
استأمنوك … وتريد أن تخون المجتمع الذي وضع في قلمك أمانة
الدفاع عنه … أنت أيُّها الكاتب الحر، فِيمَ عملُك ورسالتُك
إذن إن لم تَكُن في النهوض ذائدًا عن حرية الأفراد ودمائهم،
مناصِرًا للعدالة، مُعينًا للحق والقانون؟!
الضمير الفني
:
يا لها من بلاغة! … أنت أيضًا تعرف كيف تؤثر في النفوس بمثل هذه
الكلمات؟!
الضمير الإنساني
:
أتستطيع أن تُكذِّب حرفًا واحدًا مما أقول لك؟!
الضمير الفني
:
أنا لا أُكذِّب ولا أُثبت … أنا أصوِّر وأُعبِّر … الشرف عندي هو
في صدق التصوير والتعبير.
الضمير الإنساني
:
أهذا كلُّ واجبك إزاء البشرية؟
الضمير الفني
:
هذا ليس بالشيء القليل … ولأُفسِّر لك الأمر باللغة التي تفهمها:
إن الكاتب الفنان يؤدي رسالته إلى البشر، ويُعاوِن في إصلاح
المجتمع بمجرَّد كشفه خبايا بيئاته المختلفة بريشة صادقة،
ودراسة أسرار النفس الإنسانية والغرائز البشرية، وإبرازها
للعيون والعقول.
إن عملي يُماثِل عمل العالم الكيميائي وهو يدرس الأمراض تحت
مكروسكوبه … لماذا لا تذهب إلى هذا العالم وتقول له: «اقتل هذه
الجراثيم في الحال؛ فهي تستحق الإبادة»؟! … إنه لا شك يُجِيبك
باسمًا: «ليس مهمتي أن أُبِيدها الآن هكذا … إنما ينبغي لي أن
أعيش بينها؛ أراقبها وأُسجِّل ظواهرها؛ فإذا عرفنا خواصَّها،
وخيرها وشرها، أمكن العلماء فيما بعد أن يستخرجوا لها العلاج،
ومنها الترياق.»
أنا أيضًا أقول لك الآن: دعني قليلًا بين جراثيم المجتمع من أهل
الشر والعهر والفُجر، أضعهم تحت «مكروسكوبي»، ثم أعيش بينهم
أرقبهم، وأُدوِّن ما يبدو لي منهم.
الضمير الإنساني
:
لكنهم يعيثون فسادًا كما تعلم!
الضمير الفني
:
المُكلَّفون بمطاردة الجراثيم هم رجال الصحة ورجال البوليس … أما
رجال العلم والبحث، فهم يُحافِظون على نماذج جراثيمهم في
المعامل.
الضمير الإنساني
:
آه … إني لأعجب كيف أن شريفًا مترفعًا مثلك يستطيع أن يرى القبح
والفساد، وأن يعيش راضيًا مطمئنًا بين هذه المناظر
والظواهر؟!
الضمير الفني
:
هنا بالضبط نبل مهمَّتنا … ألا ترى ذلك العالِم الذي يحقن جسمه
بلقاح الجراثيم، ويُعرِّض حياته كلها للخطر من أجل الرغبة في
البحث والاستكشاف خدمةً لعلمه والإنسانية فيما بعد؟! … نحن
أيضًا — معشر الكُتَّاب والفنَّانين — نصنع أحيانًا مثل ذلك في
سبيل الفن والمجتمع والبشرية.
الضمير الإنساني
:
قد يكون هذا حقًّا … ولكن برغم كل ذلك، أرى واجبك كمواطن شريف أن
تُبلِّغ البوليس.
الضمير الفني
:
واجبي عدم التبليغ.
الضمير الإنساني
:
بل الواجب أن تُبلِّغ؛ كي لا تعطي الناس القدوة السيئة.
الضمير الفني
:
ليس للناس أن يقتدوا بالفنان في كل تصرُّفاته … كلا، لن
أُبلِّغ.
الضمير الإنساني
:
بلِّغ.
الضمير الفني
:
لن أُبلِّغ.
واضطرب رأسي تحت ضربات تلك المعركة العنيفة، فارتميتُ على فراشي
أطلب النوم تخلُّصًا من عذاب نفسي، وما يدور فيها من حرب
ضروس.
ولكني لم أُغمِض جفنًا طول ليلي … ولم يَفتُر الدويُّ في أذني
لحظةً بهاتَين الكلمتَين الملعونتَين: «بلِّغ … لا تُبلِّغ …
بلِّغ … لا تُبلِّغ …»