حماري ومنظري
قال لي حماري وهو يتأمَّل جنديًّا شابًّا، مرَّ بنا في طريقه — ولا ريب — إلى ساحة القتال، ولفت أنظارنا ببهاء طلعته: انظر إلى هذا الجندي الفاتن! … ماذا عليه بربك لو أعطاك رأسه تفعل به أنت هنا الأفاعيل، وأخذ رأسك القبيح هذا ليموت به في الميدان الغربي؟!
فلم أرد عليه … فتلك مسألة طالما فكَّرتُ فيها من قبل بيني وبين نفسي … نعم، طالما ندبتُ سوء حظي ونصيبي، وبكيتُ واشتكيتُ؛ لأن السماء خلقتني هكذا شكلًا وموضوعًا … ولكن فكَّرت وتأمَّلتُ، وقلتُ عن نفسي ما قال الفيلسوف «باسكال» عن «كليوباترا»: «لو أن الله جعل لي أنفًا أصغر من أنفي هذا لتغيَّر وجه حياتي كله أجمل تغيير … ولكن الله ضنَّ على مثلي بهذه المنحة الصغيرة، وهي لا تُكلِّفه كثيرًا ولا قليلًا.»
وكنتُ كلَّما ذهبتُ إلى حلَّاق وأبصرتُ إلى جانبي رجلًا بديع القسمات، أُخاطِب السماء قائلًا: لكأنَّك، يا ربي، قبل أن تخلق هؤلاء المحظوظين، قد وضعتَ بين أيديهم صناديق مملوءة بمختلف أصناف الأنوف والشفاه والآذان والعيون؛ ليختاروا من بينها ما لذَّ لهم وطاب … أما أنا وأمثالي، فيُنبَذ إليهم ما بَقِي بعد ذلك في قعر الصناديق من «كُناسة» أيدي أصحاب الخطرة والنصيب … قلتُ ذلك كثيرًا وردَّدتُه طويلًا، وإذا أنا أسمع ذات ليلةٍ صوت ملاك من الملائكة يهبط عليَّ وأنا بمفردي في حجرتي صائحًا بي: فضحتَنا! … السماء ضجَّت من تشنيعك وتشهيرك!
– عفوًا يا سيدنا الملاك!
– اسمع يا أستاذ … لقد جئتُ إليك لأُحقِّق كل طلباتك؛ حتى لا تتَّهمنا بعد ذلك بالتحيُّز أو المحسوبية أو غير ذلك من الصفات غير اللائقة … ما رأيُك لو خلعنا عنك هذا الشكل الذي لا يُعجِبك، وأعطيناك غيره كما تشاء وتحبُّ؟!
– وكيف يحدث ذلك؟
– تموت ثم تُولَد مرةً أخرى في ثوب جديد … وإن لك علينا لعهدًا وميثاقًا أن نفتح بين يديك كلَّ تلك الصناديق التي تتحدَّث عنها؛ لتختار أنت أولًا ما يحلو لك قبل كافة مواليد العالم.
– ومن يضمن لي إذا مِتُّ أن أُولَد من جديد؟
– عجبًا … أَوَتشكُّ في وعد أهل السماء؟!
– كلا … ولكن هل أنت تفعل هذا بإذن؟
– بالطبع … وهل يحدث شيء بغير إذن المولى العظيم؟!
– إن الله حقًّا لغفور رحيم … وا فرحتاه! … إنه سيعطيني كل ما أريد.
– كل ما يريد وكل ما تتخيَّر لنفسك.
– هذا شيء جميل … اجلس إذن، يا سيدنا الملاك، ولنتحدَّث قليلًا … ولا بأس من أن تشير عليَّ بما ينبغي أن أختار … فأنا أخشى أن تبهر عيني عند فتح الصناديق؛ فلا أستطيع أن أُميِّز الجيد من الرديء … إني أذكر سوء اختياري دائمًا لألوان «الكرافاتات» و«الجوارب»، وحيرتي كلما فُتِح لي صندوق منها لانتخاب أحسنها … وإني لأغرق في تردُّدي مرة ثانية إلى أن ينتهي بي الأمر إلى تخيُّر أقبحها وأرذلها دون أن أدري أو أنتبه.
– أَوَتريد مرةً أخرى أن تُحمِّلنا مسئولية اختيار أنفك وفمك؟! … لا، لا يا سيدي الأستاذ … أَوَنَسِيتَ أنَّك منذ قليلٍ كنتَ حضرتك تطعن في ذوقنا، وتتَّهمنا في نوايانا؟!
– حاشا لله … أنا لم أطعن ولم أتَّهم … إنما كنتُ أتظلَّم وأستعطف … ولقد تفضَّلتُم فاستمعتُم إلى ظُلامتي، فأكمِل فضلك معي وامكث نتبادل أطراف الحديث.
– مكثتُ … تكلَّم … إني مُصغٍ إليك أيُّها الأستاذ.
– أيُّها الملاك … ما رأيك في أن أطلب أن يكون لي شكل «كلارك جيبل»؟
– بديع جدًّا.
– أليس لك اعتراض؟! … فلنتفق من الآن … والشرط نور.
– موافق جدًّا؛ بل أكثر من ذلك … أحبُّ أن ألفت نظرك إلى أنَّ مِن حقك — بناءً على اتفاقنا هذا — أن تطلب ما شئتَ، لا من حيث الشكل وحده؛ بل الأخلاق أيضًا، ثم الثروة كذلك.
– عجبًا! … الأخلاق والثروة؟!
– ولِمَ لا؟
– إذن فأنا أطلب أن تكون لي ثروة «روكفلر».
– معقول جدًّا.
– أليس كذلك؟!
– نعم … وأخلاق مَن؟
– آه … حقًّا … دعني أفكِّر قليلًا … أظنُّ أنه لا يوجد خير من أخلاق «غاندي» … نعم، إني أطلب أن تكون لي أيضًا أخلاق غاندي.
– عظيم جدًّا … شكل «كلارك جيبل»، وأخلاق «غاندي» وثروة «روكفلر».
– ألا تظنُّ أن هذا كثير؟ … إني أُبالِغ بلا شك … إنها قلة ذوق مني … إني أستغلُّ عطف السماء أكثر من اللازم!
– كلا يا أستاذ … مطلقًا … لا شيء بكثير على قدرة الله … إن الله إذا شاء أعطى بغير حساب.
– اللهم شكرًا … أنا الذي طالما تمنَّى أن يُلغَى الحساب من الوجود ساعة تمتدُّ يد الله نحوي بالعطاء … ها هي ذي الساعة أقبلت!
– ألك طلبات أخرى؟
– لا يا سيدي الملاك … أَوَبَقِيَ شيءٌ يُطلَب: شكل «كلارك جيبل»، وثروة «روكفلر»، وأخلاق «غاندي» … أأُرِيد أن أنهب الكون؟! … يا للمعجزة! … إني سأغدو أعجوبةً — ولا شك — فوق هذه الأرض … إني سأصنع العجب العُجاب.
– سوف نرى.
– وهل هناك شك في أني سأملك من الوسائل ما أصنع به الأعاجيب؟
– أيُّ نوع من الأعاجيب؟! … إنَّا لم نتفق بعدُ على اسمك وعملك.
– اسمي وعملي؟!
– بالطبع … يجب أن يكون لك اسم وعمل في حياتك الجديدة.
– حقًّا … هذا ما نسيتُ أن أُفكِّر فيه.
– ثم يجب أن تكون لك جنسية! … أَمِثلَ «جيبل» و«روكفلر» أمريكيًّا؟ أم مِثلَ «غاندي» هنديًّا هندوسيًّا؟ أم …
– هنديًّا هندوسيًّا؟! … ما هذا الكلام أيُّها الملاك؟! … ومتى أتعلَّم هذه اللغة؟! … لا، لا يا سيدي … بسِّط كل هذه الإجراءات، واتركني كما أنا مصريًّا، وليَكُن اسمي «توفيق الحكيم»، كما أكون الآن.
– لا بأس في ذلك، ولا مانع لدينا مطلقًا … وعملك؟ … هل تريد أيضًا أن تبقى كاتبًا كما أنت؟
– طبعًا، طبعًا … وهل يمكن أن يكون «توفيق الحكيم» شيئًا آخر في الحياة غير ذلك؟!
– آه يا سيدي الأستاذ … سوف نرى … سوف نرى.
– نرى ماذا؟ … إنك تخيفني بهذه اللهجة المُبطَّنة بالشك والريبة.
– لا تَخَف … إني ما جئتُ لأُخيفك … إنما أنا هنا الآن لأُنيلك ما تشتهي … ولكنَّك أردتَ أن نتجاذب أطراف الحديث، وقد جرَّنا الكلام إلى ما يعنيني وإلى ما لا يعنيني … وإني لأرى الفضول يدفعني إلى أن أُوجِّه نظرك إلى أمر … هل تسمح؟
– العفو يا سيدي الملاك … تفضَّل … وجِّه نظري إلى حيث شئتَ.
– هل تتصوَّر ما سوف يحدث غدًا يا «توفيق الحكيم»، وقد أصبح لك شكل «كلارك جيبل»، وتصوُّف «غاندي»، وثروة «روكفلر»؟!
– ماذا سيحدث؟
– تخيَّل … تخيَّل يا سيدي الروائي.
– تخيَّل أنت يا سيدي الملاك.
– إذا سمحتَ لي، فإني أقول لك إن الذي سيحدث هو أن شكلك الجديد الجميل، سوف يجعل كل الجميلات يرتمين على أقدامك.
– الله يسمع منك بجاه النبي!
– ولكنك … حيث إن لك تصوُّف «غاندي»، فإنك لن تلتفت إليهن … وستقنع من الحياة كلها بتلك «العنزة»، وتحلب من لبنها وتشرب.
– وهل هذا معقول؟!
– وعند ذاك تنصرف عنك الجميلات يائسات ساخطات، متسائلات عن كُنه ذلك المخلوق الغافل عن جماله، القانع بعنزته وصومعته وخياله.
– معهنَّ حق … هذا مخلوق يستحق الشنق!
– هذا هو الجمال مع التصوُّف.
– لا … يا سيدي، احذف التصوف من فضلك!
– إذن فليَكُن الشكل «كلارك جيبل»، مع أخلاق مَن؟
– أخلاقي أنا تكفي.
– أخلاقك كما هي الآن؟! … عظيم … إذن فلتكن أنت بالشكل الجميل وثروة «روكفلر» … أتدري ماذا سيحدث؟ … سيُحيط بك جميلات الأرض حبًّا في صورتك وطمعًا في ثروتك.
– أهلًا وسهلًا! … وأنا لا أتمنَّى على الله ولا عليك أكثر من ذلك.
– ولكن … بما أنك تريد أن تبقى كاتبًا روائيًّا … فإني أظن من الصعب عليك أن تجد وقتًا تتخلَّص فيه من أذرع النساء لتجلس أمام الحبر والورق … وإذا وجدتَ الوقت فلن تجد الدافع الذي يحفزك إلى العمل … أين في تاريخ الأدب والفن ذلك المليونير الوارث الذي يحني ظهره ليكتب أو يخلق؟! … إن لذَّة الفنان هي في أن يُنتِج، ويقوم نتاجه بعد ذلك بالذهب أو بالمجد … هو الذي يُوجِد المال بفنه … أما إذا وُجِد المال قبل ذلك عن غير طريق فنِّه، فإن نصف لذة الخَلْق الفني تضيع … ونصف الحافز على الإنتاج يذهب … المليونير الذي أصبح فنانًا عظيمًا غير موجود … ولكن الموجود هو الفنان الذي قد يستطيع بفنِّه أن يكون مليونيرًا.
– آه يا سيدي الملاك … إذن لا ضرورة لثروة «روكفلر»؟!
– فكِّر في الأمر يا سيدي الأستاذ … ربما كنت غير مصيب … فشئون الفن تعرفها أنت أكثر مني … إني — كما تعلم — لستُ فنانًا … أنا ملاك فقط.
– العفو، العفو … إن رأيك في الحقيقة فيه شيء من الصواب … إننا لا نُنتِج في الفن من أجل الثروة؛ أو على الأقل ليس من أجلها وحدها … ومع ذلك فما ألذ طعم المال الذي يأتي ثمرة الفن! … حقًّا، إني لأحس هذا الشعور دائمًا … ما أتفه المال الذي يأتيني من غير طريق فني!
– أرأيتَ اللذَّة التي تحرم نفسك إياها بطلبك ثروة تأتيك من السماء؟!
– نعم، نعم … احذف ثروة «روكفلر».
– إذن فليَكُن لك فقط ما طلبت: شكل «كلارك جيبل».
– وهذا يكفيني، ولا أطلب غيره.
– عظيم … ستبقى أنت كما أنت، ولكن في صورة جميلة، وطبيعيٌّ أنك ستكون مِحبابًا من الحِسَان … هذا لا مفرَّ لك منه، ولا حيلة لنا فيه.
– وما الضرر يا سيدي، أعزَّك الله؟!
– لا ضرر … ولكن …
– ولكن ماذا؟ … صارحني بربك وارحمني!
– فنُّك … أيبقى هو فنَّك؟ أم يصبح فن رجل آخر … إنك تعلم أكثر مني أن الفن يتغيَّر بتغيُّر طبيعة القلب الذي يخرج منه … إنه كالماء الذي ينبثق من الينابيع … فهو حار إذا نبع من بقعة الزلازل والبراكين، بارد إذا صعد من أرض الأمن والاطمئنان.
– لم أفهم بعد.
– لعل الأصح أنك لا تريد أن تفهم … لكن لا بأس من أن أُوضِّح لك، ولن آتي بكلام من عندي … حسبي أن أسوق إليك كلمة أنت نفسك قائلها وواضعها على صدر كتاب من كتبك: «إن صاحب الحياة السعيدة لا يكتبها … بل يحياها».
– تريد أن تقول إنه إذا كان لي شكل «كلارك جيبل» وحياته السعيدة، فإني سأحياها ولن أكتبها؟!
– لستُ أنا الذي قالها، بل أنت الذي قلتَها ونشرتَها.
– ومَن أدراك أني لم أخطئ ولم أغلط؟! … أنا رجل كثير السهو والغلط، لماذا لا أُجرِّب؟! دعني أُجرِّب يا سيدي العزيز … ماذا يضيرنا لو جرَّبنا؟! … إن التجربة وحدها هي التي تلهمني وتهديني … ولقد عزمتُ على أن أُجرِّب بنفسي كل شيء، وأن أهبط وأرتفع، وأنهض وأقع في أجواء الحياة والمجتمع، فامنحني شكل «جيبل»، ولا تحرمني هذا الطلب الوحيد، عافاك الله وأبقاك!
– لا تخدع نفسك … أو اخدعها وأنا غير مسئول عن النتيجة … خذها مني كلمة صادقة: إذا تغيَّر شكلك تغيَّر تفكيرك وتغيَّرت نظرتك إلى المجتمع والحياة، وأصبحتَ شخصًا لا علاقة له بتوفيق الحكيم؛ لا من بعيد ولا من قريب.
– أحسن … وأنا لا أريد أن تكون لي بحضرته أيُّ علاقة.
– هذا شيء آخَر … ولكننا اتفقنا من مبدأ الأمر على أن تحتفظ باسمك وشخصك وعملك.
– وبعد؟
– وبعد، فإن الله لم يترك شيئًا للمصادفة … إنه خلقك هكذا لتُنتِج فنًّا هكذا … فإذا تغير أنفك تغيَّر فنُّك!
– وبالاختصار … أيُّها الملاك.
– بالاختصار أيُّها الأستاذ … ليلتك سعيدة، وأحسِن ظنَّك بحكمة ربك الذي لم يخلق شعرةً من شعر رءوسكم عبثًا.
وهكذا انتهى الحوار بيني وبين الملاك المفضال، وأنا كما أنا لم أَنَل شيئًا ولم أربح جديدًا … وتحرَّك الملاك ليرتفع من حجرتي عائدًا إلى السماء … فصِحتُ به مستوقفًا: لحظة واحدة من فضلك … يظهر أن الحائل بيني وبين كل خير هو هذا الفن المزعوم … أنا يا سيدي متنازل عنه.
– تنزل عنه من أجل شكل جميل؟!
– المسألة في نظري تستحق المقايضة.
– أنت وما تريد … ولكنها أنانية منك أن تُضحِّي بعملك الذي تُؤدي به خدمة عامة في سبيل صفة شخصية تنال بها متعة خاصة.
– أنانية، أنانية … أنا راضٍ بهذا الوصف … لكن غيِّروني … أنا طالب التغيير … أنا حرٌّ في نفسي، ولا أحد شريكي.
– لك شريك … هو وطنك … فإذا وافق أهل بلادك على أن يُؤخَذ من بينهم «فنان» ليُستبدَل به «دون جوان»، فلا مانع لدينا من إجراء عملية الاستبدال.
وهكذا عقَّد لي الإجراءات بدل تبسيطها … وارتفع سريعًا قبل أن ينتظر مني جوابًا … وتركني وحدي كما كنتُ أمام ورقي وحبري وحماري … لم أتقدَّم أو أتأخر.