حماري وصورتي

دخل عليَّ حماري يقول متعجبًا: بلغني اليوم أن صورة لك «زيتية» أو «باستيل»، لستُ أدري على التحقيق، قد بِيعت بمائة جنيه! … فمَن هو هذا المُثري المُسرِف المُتهوِّر الذي أقدَم على دفع هذا الثمن فيك؟!

فقلتُ له هادئًا: هذا المُثرَى المسرف المتهور … هذا ما أُزِيح لك عنه الستار بعد قليل … ولأبدأ القصة من بدايتها فأقول لك:

إني كنتُ جالسًا ذات يوم حيث اعتدتُ الجلوس، وإذا مُصوِّر أُقدِّر مواهبه هو «صلاح طاهر»، جاء يقترح عليَّ رسم صورة لي كما صنع للعقاد، وأراني نسخة فوتوغرافية للوحة العقاد، فقلت له: «هذا حقًّا بديع، ولكنَّ العقَّاد له من حُسن سمته ما يستحقُّ التصوير، ومن عمق حسِّه ما يستوجب التعبير. أما أنا فماذا يغريك بتصويري؟!»

وقصصتُ عليه حكاية نُقِلَت إليَّ عن مثَّال خطر له أن ينحت لي تمثالًا، ولم يكن قد رآني، فسأل عن مكاني، فوصفوه له، فجاء ومرَّ أمامي دون أن أشعر، ثم عاد إلى أصحابه يقول لهم في خيبة أمل إنه بعد أن شاهد شكلي عدل عن صنع التمثال … ولكن هذا المصور لم يَحْذُ حذوَ زميله النحَّات، وأصرَّ على عزمه … ونظر مليًّا إلى جلستي بعصاي وقال: «لا تتحرك … هكذا أضعك على لوحتي كما أنت الآن»، وبدأ عمله بالفعل بعد أن هوَّن عليَّ كل مشقة، وأعفاني من كل كُلفة، وتركني أسبح في ملكوتي — كما يقول — وأنسى نفسي وأنساه.

وفرغ من الصورة … وكان الشرط الذي بيننا قبل أن يبدأها هو أن ينصرف بها بعد إتمامها … وقد عَجِب لذلك أول الأمر … ولكني سألته: «ألم يتفق لك أن صوَّرت حمارًا — ولا مؤاخذة — أو حصانًا أو غرابًا؟»

فقال: اتفق لي كثيرًا.

فقلت: هل كنت تعطي هذه الصور لأصحابها المذكورين؟

فقال: بالطبع لا.

فقلت: أنا أيضًا، افعل معي ذلك.

فوافقني كل الموافقة … ولمَّا عرف فيما بعد أني أعيش مُجرَّدًا من كل طُرَفٍ أو تُحَف أو ذكريات … حتى كتبي التي أنشرها لا أحتفظ بنسخة منها لنفسي؛ عذرني … ثم قال: «إني في الحقيقة كنتُ عازمًا على عرض هذه الصورة للبيع في معرضي الذي سأقيمه قريبًا.»

– للبيع؟ … ومن هو هذا المجنون الذي يشتريها؟!

– طبعًا لن تكون امرأة … هذا مفهوم!

– إلَّا إذا اشترتها لتبصق عليها صباح مساء.

وانصرف المُصوِّر بالصورة … ونسيتُ أمره وأمرها، وانتهى خبرها عند هذا الحد … وإذا الصاوي يُخبِرني ذات يوم أنه رأى اللوحة معروضةً في ستوديو الفوتوغرافي «خورشيد»، وأنه أُعجب بها إعجابًا شديدًا … والصاوي صاحب ذوق فني سليم بالفطرة والسليقة، وإنه ليبلغ أحيانًا في حبه لاقتناء كل جميل من التحف والصور مبلغ التهوُّر … ففي حجرته صورة ﻟ «جوزفين بيكر»، ليست سوى مجرد نسخة عن أصل معروف دفع فيها عشرين جنيهًا … ولقد علمتُ أنه كان في باريس يشتري ما يفتنه من التحف بالتقسيط؛ إذ كان طالب علم يعوزه المال، ولم يكن بعدُ صاحب أرض تُدِرُّ عليه العسل والعنب والفول السوداني … فلما أثنى على الصورة صدَّقتُه … ثم عرجت بالحديث إلى مجرًى آخر … فقد احتدم بيننا منذ يومَين خلاف حول أمر غاظني منه كل الغيظ، وأطلق لساني بتأنيبه أعنف التأنيب … ذلك أنه كان قد نوى شراء وقَّادة أو «ولاعة» سجاير للجيب، رآها في «فترينة» جواهري معروف ثمنها ۲۸ جنيهًا، فاتهمتُه بالسفه الذي يُوجِب الحَجر، فلم يَرْعَوِ … وإذا به ذلك اليوم يصارحني بأنه لم يَقْوَ على إغرائها، فاشتراها … وأخرجها من جيبه مغتبطًا وأوقد بنارها سيجاره وأنا أنظر إليه على «نار» … فما إن رآني على هذه الحال حتى ابتسم وقال: تُسمِّي هذا سفهًا وإسرافًا وجنونًا … فما بالك لو عرفتَ ما هو أدهى؟!

– ماذا أيضًا؟ … لم يَبْقَ إلَّا أنك اشتريتَ لامرأة جوارب بمائة جنيه!

– دعها مفاجأة … لن أقول لك الآن.

وتحدَّثنا في أشياء أخرى … وتشعَّب بنا الحديث … وقبل انصرافنا قال: «إني قد أعددتُ لك بعد غد وليمة عشاء.»

– وما الموجِب؟

– أليس من حقي أن أحتفل بك؟!

– إياك أن يكون غرضك أن تقترض مني نقودًا؟! فقهقه عاليًا، وافترقنا … ومضى اليومان، وذهبت إلى وليمة الصاوي، فماذا وجدتُ؟ … وجدتُ مائدة منصوبة بألوان الطعام والشراب … ولكن لم يكن هذا هو المقصود … فقد كان بيت القصيد تلك المفاجأة التي سبق إليها التلميح: تلك صورتي مُعلَّقة في صدر المكان، محاطة بإطار بديع من خشب الأرو النفيس، وإلى جانبها مُصوِّرها صلاح طاهر يقول لي: «هذا هو المشتري: الأستاذ الصاوي، دفع فيها مائة جنيه، فضلًا عن الإطار الذي كلَّفه عشرة جنيهات … ومنحني فوق ذلك حق عرضها في المعرض، لمُجرَّد العرض.»

فغمغمتُ كالحالم: «المشتري؟!»

فقال الصاوي باسمًا: «المجنون!»

في الحق أني فوجئت، وقد أسفر الموقف عن جد لا هزل فيه … وقد تأثرتُ فعلًا كما تأثر معي صديقنا الزيات صاحب مجلة الرسالة — وكان حاضرًا — وتركنا المزاح، وواجهنا الأمر بعين أخرى.

واستأنف المُصوِّر الكلام قائلًا: إن الصاوي — وهو يدفع الثمن نقدًا وعدًّا دون أن يُساوِم أو يُماري — كان يخشى شيئًا واحدًا، هو عدم ارتياحي أنا لاحتفاظه هو بالصورة. ومنشأ هذا القلق هو علمه بأن صورتي الزيتية التي صنعها لي «صبري» منذ عشرة أعوام، قد اشترتها الحكومة لوضعها في متحف الفن الحديث؛ فهو إذن كان يحسبني أُفضِّل لرسمي الجديد ذلك المصير المجيد … وهو موافق على هذا التفضيل، ومستعد أن ينزل عن ملكيته للوحة إذا كانت تلك إرادتي … فماذا أقول في كل ذلك؟ … لقد كانوا يتحدَّثون بهذا حولي وأنا شارد في عالم آخَر … لقد خُيِّل إليَّ أني لستُ في مصر؛ بل في أوروبا … فهناك نجد أمثال هذا التقدير من الزميل للزميل … فهناك نسمع حقًّا أن صورة «ويلز» تُزيِّن حجرة «برنارد شو»، وأن «موروا»، يضع كتابًا عن زميله «فاليري» ليُيسِّر على قرَّائه فَهْم ما دقَّ من آرائه … أما في مصر، فما نعلم إلا أن فلانًا طعن في زميله فلان … وأن هذا الكاتب شتم ذاك … وقد اعتنقت صحافتنا هذا الأسلوب، فجعلت تغري شخصيات الفكر والسياسة بعضهم ببعض للمباريات العلنية في أحدث ألوان السباب والإقذاع والإسفاف، حاسبةً بذلك أنها تسرُّ قرَّاءها، كما كان العوام يسرُّهم قديمًا تنافُر الديوك وتناطُح الخراف … حتى فسدت أذواق قرَّائنا، وانحطَّت مشاعرنا، وسَفَلَت نفوسنا، وأصبحنا — نحن أهل الشرق — ننظر إلى العاطفة الرفيعة، إذا ظهرت، كأنَّها أعجوبة الأعاجيب، وإلى العمل النبيل، إذا فَلَتَ، كأنَّه من الخوارق التي نستكثرها على طبيعتنا … هذا هو المرمى الذي حفزني على ذكر هذا الموضوع؛ فالناحية الخاصة منه ليست سوى وسيلة ومغزًى للجانب العام … إنه درس ومثال أرجو أن يُعِيد إلى قلوبنا الثقة بأن في بلادنا أحيانًا روحًا لا يقل سموًّا عما في غيرنا من البلاد العظمى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦