حماري والنفاق

قال لي حماري، وقد رآني أتهيَّأ للسفر ذلك الصيف إلى رأس البر: «أتذهب وحدك؟» فخجلتُ منه ودعوتُه؛ لأن الوفاء يأبى أن أتركه يَصلَى حر القاهرة وأمضي أنا بدونه إلى المصايف … ولقد نزل مثلي ضيفًا مُعزَّزًا مُكرَّمًا على «عشة» أحد الأصدقاء، وأُفرِد له مكان بجواري … وأصبح ينعم بهواء البحر مثلنا … ويذهب معنا كل صباح إلى «خيمتنا» التي نُصِبت على الشاطئ، وينظر كما ننظر إلى أفواج المصيفين والمصيفات تغدو وتروح بألوان ثيابها الزاهية المختلفة، كأنها معروضات الفترينات، قد وُضِعت فيها مُحرِّكات تُسيِّرها أمام أعيننا فوق الرمال … وكان يحلو لي أن أغرق صامتًا في مقعد بحري طويل مريح، وكنتُ قد أوصيتُ حماري بالسكوت؛ فنحن هنا للراحة لا للكلام … وقد أذعن لرجائي فلم ينبس بحرف … إلى أن جاء ذات يوم إلى «البلاج» رجل من معارفنا، له جسم قد ترهَّل، وكرش قد برز كأنه «فنطاس» غاز، وهو يرتدي «الشورت» مع قميص قصير الأكمام، فقلت له: «يا لك من رشيق! … يا لها من رشاقة!»

وهنا لم يتمالك الحمار، وهمس قائلًا لي: أحقًّا تراه كذلك؟

فقلتُ بصوتٍ مرتفع سمعه الرجل مغتبطًا: طبعًا أراه كذلك … ولماذا لا أراه كذلك؟!

فهمس الحمار لي وهو يتأمَّل قوام الصديق وقدَّه من رأسه إلى قدمه: كيف لا أرى أنا ما تراه أنت؟!

فقلت له مُغيظًا: لأنك أنت حمار!

فأجابني هامسًا: ولماذا لا تقول لأنك أنت منافق؟!

وكان الصديق قد ابتعد ولحق بمضيفي، وقد اطمأنَّ إلى حسن منظره، وسارا معًا على الشاطئ، بعد أن يئسا من ذهابي معهما … فأنا لا أحب المشي … وانفردت بحماري أَصِيح فيه: أنا منافق؟!

– مهلًا، مهلًا … أنا لم أقصد إهانتك.

– افهم أيُّها الحمار أن هذا ليس نفاقًا، ولكنها مجاملة.

– مفهوم … إنها مجاملة … والمجاملة هي النفاق الصغير … هي كالجحش بالنسبة إلى الحمار … ومع ذلك فأنا لا أستهجن النفاق على الإطلاق … إني تأمَّلتُ نفسي ذات يوم، وتأملتُكَ وقلت: ما الفرق بيننا معشر الحمير وبينكم معشر الآدميين؟! … نحن نأكل الفول، وأنتم تأكلون الفول … وإذا كنا نحن نحبه ممزوجًا بالتبن أو النخالة، وأنتم تحبونه بالزيت أو الزبدة … فتلك مسألة مزاج … ولا يجب أن نُسمِّيه فرقًا جوهريًّا … إنما الفرق الأساسي حقًّا بيننا وبينكم هو أنكم تعرفون «النفاق»، ونحن لا نعرفه … وقد علَّلتُ نفسي ومنَّيتُها بحلم جميل؛ هو أن تتاح لي الفرصة أن أرجوك يومًا وأتوسَّل إليك أن تُعلِّمني النفاق.

– عجبًا! … مَن علَّمك هذا الأسلوب الهازئ؟!

– إني لست أهزأ … إني أقول الجد … تلك عقيدتي: لو أمكنني تعلُّم النفاق وإدخاله في فصيلة الحمير، لانقلبنا مخلوقات مثلكم … إني مؤمن كل الإيمان بهذا المبدأ … وإني أعمل سرًّا على تنفيذه منذ زمن … فلا تقف في وجه مطامعي وآمالي … خذ مني كل شيء، وأعطني النفاق!

– ماذا جرى لك؟ … هل جُننت؟ … هل أثَّر في رأسك هواء البحر النقي وطعام مضيفنا الشهي؟!

– رأسي بخير … ولقد سألتُك شيئًا سوف يُحدِث انقلابًا في تاريخ بني جنسي، ولكنك تبخل به علينا وتَضِنُّ، فلن أُلِحَّ أو أثقل عليك بعد الآن في الطلب!

– أمرك غريب … أَبخَلُ عليك بماذا؟ … أهو شيء عزيز نفيس أَستكثِره على مثلك؟ … هذه أول مرة أسمع فيها أن للنفاق قيمةً يحرص عليها الإنسان!

– أما أنا فقد سمعت أن النفاق له قيمة كبرى في الأسواق العالمية، وأن أجود أنواعه يُوجَد في مصر، كما يُوجَد فيها أجود أنواع القطن.

– يظهر أنك استقيت معلوماتك من مصادر خبيرة.

– لقد خُيِّل لي أن النفاق الطويل التيلة …

– ماذا تقول؟!

– نعم … إنه كالقطن … ألا ترى هذا؟! … ولعل السبب في تفوُّقه وتميُّزه بطول تيلته، أنه يمتدُّ إلى الطرفَين: الفرد والمجتمع؛ فمثلًا من الجائز أن يعتنق الفرد رأيًا مخالفًا للجماعة، فتنهض ضده الجماعة فيقبع في داره صامتًا … وهذا ما يحدث في كل بلد آخَر. أما هنا فيحدث غير ذلك … فلقد أخبروني أن أفرادًا قاموا يُنادون بأفكار حرة، فاتَّهمهم الناس بالإلحاد، فلم يكتفوا بالصمت، بل قاموا في اليوم التالي يحملون المسابح الكهرمان، ويرتدون العمائم الخضر … وآخرين عرفهم المجتمع من أهل الخمر والسكر، فلم يكتفوا بالتوبة الصامتة، بل راحوا يتزعَّمون حركات الحضِّ على الورع، ونساء يرتكبن في السر الفجور، وينادين في العلن بالفضيلة، وسياسيين قد خلق الله لكلٍّ منهم وجهًا واحدًا، فصنعوا هم لأنفسهم وجوهًا عدة، يستقبلون بها كل حكومة تقوم أو كل أزمة وزارية تطرأ … وأُسَرًا وعائلات تُوزِّع فيما بين أعضائها المبادئ والأحزاب، كما يُوزِّع الله بين عباده القسم والأرزاق … ومرءوسين يداهنون الرؤساء على حساب الدولة، ورؤساء يراءون الشعب على حساب المصلحة … وسيدات يُرِدن العبث واللهو ويَقُلن للناس إنه البر والخير … وأهل دين يملئون الصحف ضجيجًا حول الأخلاق، ويدقُّون طبلًا ضد الرذيلة، وما يقصدون في سريرتهم غير التظاهر والإعلان … ورجال تقوى يأمرون الناس بالعفة، ويستثنون أنفسهم وذويهم.

هذا بعض ما يتعلق بالطرف الأول وهو الفرد. أمَّا الطرف الثاني، وهو المجتمع، فله نفاقه أيضًا:

فقد بلغني في ذلك أنه ما من مجتمع في غير مصر يستقبل المجرم الخارج من السجن بالموسيقى والمزمار كما يستقبل الحاج القادم من الحجاز! … وهذا المجتمع يشمئز من اللص والآثم، والشرير والفاجر، ولكن لو ابتسم الحظ لواحد من هؤلاء فنال سلطة أو أصاب ثروة، فسرعان ما يبتسم له المجتمع أيضًا، ويستقبله استقبال الأمجاد الأبطال، بل إن المجتمع ليعرف التاريخ المخجل لهذا المليونير، والماضي المزري لذلك السياسي، فلا يمنعه ذلك من حملهما على الأعناق.

هكذا يُرائي المجتمع الفرد، ويُداهِن الفرد المجتمع، ولا يدري أحدٌ أيُّهما مصدر النفاق … لذلك قيل إن النفاق يصل أحدهما بالآخر، فلا نعرف أيُّ الطرفين مصدر الآخر … وكل الذي نعرفه أن النفاق ممتدٌّ بينهما، يربطهما بخيوطه المتينة … وهذا سرُّ وصفه بالتيلة الطويلة … فما قولك في هذا؟ … وهل تراني ألممتُ بالموضوع؟

– إني أراك بحرًا فيَّاضًا، وأدهَشُ كيف تسألني أن أُعلِّمك النفاق وأنت واسع الاطلاع فيه على هذا النحو؟!

– لا موجِب للدهشة؛ فأنت تعرف أن العلم النظري شيء ووسائل التنفيذ شيء آخر … فكل بلد يدرس تاريخ الثورة الفرنسية، ولكن ليس من السهل أن تحدث ثورة فرنسية في أي بلد! … وأنا كذلك درست تاريخ نفاقكم، ولكن ليس من اليسير أن أُحدِث مثله في مجتمع بني جنسي!

– لستُ أرى في الأمر صعوبة … إنه في غاية البساطة … أنا مثلًا صاحبك الذي تخافه وتهابه، ولك عنده مصالح ومآرب … انظر إلى وجهي: ألا تراه جميل الصورة؟!

– أبدًا.

– لا تنظر بعين رأسك؛ انظر بعين مصلحتك!

– لستُ أعرف لي سوى العين التي في رأسي.

– هذه العين افقأها إذا كنت تريد أن تتعلم النفاق!

– أفقأ عيني وأصير أعمى؟!

– هذا هو الشرط.

– وبماذا أرى الأشياء؟

– بعينك الأخرى: عين مآربك.

– إذن لو أردتُ إدخال النفاق في مجتمع بني جنسي، ينبغي لي أن آمُر جميع الحمير أن تفقأ عيونها التي في رءوسها؟

– في الحال.

– وأن تُحوِّل مجتمعنا إلى مجتمع من العميان؟!

– بالضبط.

– وهل تظن دولة الحمير تقبل ذلك؟

– ولِمَ لا؟ … إذا كنا نحن قد قبلناه!

– اسمح لي أن أقول لك …

– صه … أعرف ما ستقول، ولا داعي للإهانة!

وهنا كان الصديقان قد أقبلا عائدَين، فأومأتُ إلى حماري بالصمت … وغمزتُ له بعين رأسي وأنا أقول مشيرًا إلى صاحبنا المُترهِّل منشدًا:

أهلًا وسهلًا بالرشاقة كلِّها
بالشورت والأكمام فوق الكرش!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦