حماري والكفاح

قال لي حماري، وقد ذهبنا نمضي الشطر الأخير من الصيف في الإسكندرية، وننعم ساعة الأصيل بالسير الهُوَيْنا على الكورنيش: الحق … إني مغتبط ها هنا … أين المشي المريح فوق هذا الأسفلت الناعم من المشي في رأس البر، فوق الرمال التي كانت تغوص فيها حوافري؟!

– صدقت!

– إني أراك لا تكره المشي هنا.

– أصبت.

– عجبًا! … ما بالك ساهمًا مطرقًا!

– اسكت! … إنك تُحرِجني مع أصدقائي … كلَّما مشيتُ مع صديقٍ في الطريق، ظنَّ الناس أنه حماري!

– وما ذنبي أنا إذا كان الناس يريدون أن يتملَّقوا أصدقاءك؟

– أغلِق فمك من فضلك، ودعني أنسَ وجودك إلى جانبي لحظةً!

– سبحان الله في طبعك! … ما هذا المزاج العكر، والهواء جميل خالٍ من الرطوبة هذا العام، والبحر صافٍ، والغيد في الإسكندرية حِسَان … والنساء في السراويل والبجامات بأحمرهن وأبيضهن كأنهن جوقة «بلياتشو» في «سيرك» متنقل!

– صه … لا تُحدِّثني عن النساء!

– ألستَ أنت الذي دعاهنَّ إلى ارتداء هذه السراويل؟!

– تلك فكرتك أنت أيها الحمار!

– أيُعقَل أن تخطر ببالي أنا فكرة حشر مثل هذه الأجسام البضَّة المائعة في هذا النوع من الثياب؟ … انظر إلى هذه المرأة البدينة وقد صرَّت لحمها المترهِّل صرًّا في البنطلون، وهو يأبى أن يتماسك، فصارت كأنها طبق «ألماظية» متفكك سائل؟!

– لا تُبالِغ.

– انظر بعينك … ما عليك إلَّا أن تنظر إلى هذا السرب السمين.

– أنا لا أنظر إليهن قط.

– يا للعجب! … ما من مرة خطرت قربنا حسناء إلا ورأيتُ عينك تكاد تأكلها أكلًا بلحمها وعظمها وثوبها!

– كذَّاب!

– أتُقسِم؟

– أُقسِم … إني لا أنظر غير نظرة خاطفة، وهذا حقي شرعًا كما هو وارد في كتب الفقه والدين؛ فقد جاء فيها: «لك في الشرع نظرة واحدة لاحتمال أن يكون القادم أسدًا.»

– وهل من المُحتمَل أن يقبل علينا أسد في هذا الكورنيش؟!

– اخرس يا حمار ولا تُجادِلني!

– هذا ليس جوابًا مقنعًا.

– افهم أنَّ لكل زمان مخاوفه، ولكل مكان مخاطره، وتلك كانت المخاوف في عهد العرب والبادية والصحراء … أما في عصرنا الحاضر، فقد تغيَّر نوع الخطر، وإن لم يتغيَّر المبدأ، فبدل الوحش الهاجم، أصبحت السيارة المسرعة.

– لست أرى سيارة أمامنا، ولكني أرى دبابة.

– دبابة؟! … أين هي؟

– تلك المرأة المقبلة، فلنُخلِ لها الرصيف، ولنهبط إلى الطريق، إذا أردنا لأنفسنا السلامة.

– هذا أيضًا، كما ترى، نوع من مخاطر العصر الحديث!

– والكواعب الفاتنات، كأنهن نسيم البحر، أعارته يد السحر أرديةً من أجساد الحور الخالدات!

ما شاء الله! … الحمار انقلب شاعرًا!

– أَجِب ولا تُراوِغ … ما تقول في هذه الباقة المقتربة من الفتيات، ذوات المناديل الدِّمَقْسِيَّة المختلفة الألوان فوق شعورهن، من هو البستاني العبقري الذي نسَّق هذا البهاء؟ … أهي المُصادَفة التي جمعت بينهن على هذا النحو؟ … أم هو التدبير السابق فيما بينهن، والاتفاق المُبيَّت على أن يُصبِّحن على الناس متفتحاتٍ في هذه الألوان الزاهيات؟! … تكلَّم … انطق! … ما هذا السكوت؟!

– هذا كذلك خطرٌ من صنف آخر.

– بل هي متعة … بل هي فتنة … بل هو النعيم!

– عجبًا! … ماذا جرى لك أيها الحمار؟!

– يا إلهي! … ما الذي صنعتُ في عامي من جلائل الأعمال لأستحقَّ هذا التصييف البديع!

– ما هذا القول السخيف؟! أَوَكُلُّ هؤلاء «المُصيِّفين» قاموا في عامهم بأعمال يستحقُّون من أجلها هذه الراحة الناعمة؟!

– لستُ أتكلَّم عن هؤلاء «المصيفين» … إنما أتكلَّم عن نفسي بصفتي حمارًا من أسرة الحمير.

– أنعِم وأكرِم!

– لا تهزأ بي، ولا بجنسي؛ بل اهزأ أولًا بنفسك وبجنسك! … فنحن فصيلة قد اشتُهِرَت بالكد والجد. لقد عرفت ظهورُنا أشقَّ الأعمال، ولم تأنف من حمل أخس الأحمال … ما من ظهر فينا رفض «غبيط» السماد، وما من واحد بيننا تذمَّر من كثرة العمل وطول ساعاته، أو من رداءة العلف وقلة دسمه … ما نحن إلا الجلَد والعزم والصبر قد صُوِّرت مخلوقًا حيًّا، لنكون قدوة لأمثالكم من الكسالى المترفين … ولكنكم لا تُبصِرون، ولا تريدون أن تفتحوا أعينكم حتى على خيبتكم الماثلة! … ما من واحد فيكم يريد أن يعرق ليستحقَّ لقمته … موظفكم ينظر إلى ساعة الانصراف ولمَّا يبدأ في العمل، ويهمُّه المرتب والترقية ولا يعنيه الإنتاج، فإذا نُقل إلى «الصعيد»، هاج وماج … وطلَّابكم يريدون أن يجتازوا الامتحانات بغير درس، ولا يعنيهم العلم في ذاته؛ بل يطلبون شهادة تُغطِّي فيهم الجهل، وتفتح لهم الخزائن وتصعد بهم الدرجات … وعمَّالكم يُفكِّرون في زيادة الأجر وإنقاص العمل، ولا يهتمون بالإتقان ولا بمصالح «الزبون»، ورؤساؤكم يعنيهم أن يُنشر عنهم أنهم قاموا بكذا ونهضوا بكذا، ولا يهمُّهم بعد ذلك قيام حقيقي أو نهوض، وشبابكم أصبح مَثَلُه الأعلى يتلخَّص في كلمتين: «سيارة وفتاة»، ولا يعنيه كيف يحصل عليهما، بل كل أمله وهدفه أن يَظفَر بهما من غير جهدٍ ولا جهاد … إن شعار الكثيرين فيكم اليوم هو: «إن السماء يجب عليها أن تمطر ذهبًا وفضةً ونحن قعود!» … الحلم الذهبي للجميع الآن هو الثراء والإثراء بغير مجهود … إن الحرب قد حقَّقت بالفعل لبعضكم هذا الحلم، ولكن ماذا أنتم صانعون في زمن السلم؟ … بأي سلاح تواجهون التنافس العظيم على الإنتاج، والصراع الشديد على الأرزاق؟ … أبمبدأ «الجهد الأدنى والغنم الأسنى» الذي اعتنقه الكل فيكم من شبابكم إلى شيبكم؟!

– حقًّا تلك مشكلة لا أدري لها حلًّا!

– حلها بسيط.

– ما هو؟

– أن تعتنقوا مبدأ فصيلتي: «لا راحة بغير عمل، ولا لقمة بغير عرق، ولا ثروة بغير إنتاج.»

– نعتنق مبدأ الحمير؟!

– ولِمَ لا؟

– في الحق، إن التطاحن في الغد هائل … وإن حرب السلام ستكون علينا أشقَّ وأعنفَ من حرب الدماء … ولقد أردنا أن نُجنِّب أنفسنا الويلات في كل ميدان … وأن نهرب بجلدنا من وخزة الدبوس ولذعة «الناموس»، ولكن …

– ولكن آن الأوان لتعرفوا معنى الصبر والجلَد والعمل.

– سنعرف، وستُرغِمنا الحياة غدًا على أن نعرف.

– اليوم خمر وغدًا أمر … هلمَّ بنا إلى ستانلي، وسيدي بشر، وجليم!

– مهلًا … ضميري غير مستريح … وأنت المسئول … ماذا قدَّمنا من عمل في عامنا لنكون جديرين بهذا اللهو والمرح؟!

– قدَّمنا …

– كم غبيطًا من السماد حمل ظهرك؟

– أنت تعرف أني لا أحمل اليوم سمادًا، بل أفكارًا.

– يا له من تدهور!

– لا تدهور ولا تقدُّم ولا تأخُّر … ما الأفكار سوى نوع من السماد … وحامل الأفكار كحامل السماد … وما أنت في الحقيقة غير نوع من … الحمير!

– أشكرك!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦