حماري والجنة والنار

جلس حماري إلى جانبي ذات ليلة … وكانت الليلة مقمرةً، والسحب الرقيقة البيضاء لها هفيف يُرَى ولا يُسمَع، كأنها أجنحة الملائكة … كان كل شيء من حولنا يجعل النفس تحلم أو تغوص في أعماق الخيال … حتى حماري أطبق عينَيه نصف إطباق، وبدا عليه أنه يريد هو الآخَر أن يحلم … ولم ألبث فعلًا أن سمعته يهمس قائلًا: ماذا بعد الموت؟ … الجنة والنار؟

– طبعًا.

– وأنت في أيِّ مكان منهما ستكون؟

– من باب التواضع أقول لك: في النار.

– لو كان لك خيال حقًّا لتصورتَ الآن مصيرك … ما قولك لو حاولتَ الآن اختراق حجب الغيب؛ لتصف لي ما سوف تجد في النار من المعارف والأشخاص والأشياء.

فسكتُّ لحظة أفكر … وقد أثار في نفسي قول حماري رغبةً حقيقيةً في تخيُّل ذلك … ولم يَمْضِ قليل حتى صِحتُ فيه قائلًا: اسمع … إني أتخيَّل الآن ثلاثة مناظر تجري على هذا النحو:

المنظر الأول

(جنة الخلد بأشجارها وأطيارها وفاكهتها وكوثرها والصحفي أحمد الصاوي محمد جالس القرفصاء، كئيبًا حزينًا مُفكِّرًا، مُسنِدًا رأسه الأصلع إلى جذع شجرة دانية القطوف.)

إحدى الحوريَّات (تمرُّ بالصاوي فتصيح) : عجبًا! «ما قلَّ ودل» هنا؟!
الصاوي (يرفع رأسه وينظر إليها) : أيُدهِشك ذلك يا آنستي؟ … صدقتِ والله … أنا نفسي مندهش … نعم، «ما قلَّ ودلَّ» هنا، بلا «أهرام»، ولا «مجلتي» ولا مطبعة ولا «كليشهات»! … حتى ولا عزبتي التي كانت على ترعة المنصورية!
الحورية : أراك ضَجِرًا.
الصاوي : لقد أكلتُ من الفاكهة حتى تلفت أحشائي، وشربت من الكوثر حتى انتفخت بطني، وتسلَّقت الأشجار، وجريت وراء الأطيار … أتعرفين أيَّتها الآنسة أن شجر المانجو هنا هو من نفس نوع المانجو الذي عُنِيت بزراعته في عزبتي؟ … لا بد أنهم جاءوا بالبذور من عزبتي … آه، إنها لذكرى حلوة، ولكن ما بعد كل هذا؟
الحورية (باسمة) : أغازلتَ الحور؟
الصاوي : طبعًا … هذا أول ما حصل.
الحورية : أَوَلَم يملأك هذا سرورًا وسعادةً؟
الصاوي : اسمعي أيَّتها الآنسة (يستدرك) … أيَّتها الحورية! … لا شيء يُسعِدني في هذه الجنة إلا أمر واحد: إصدار «مجلتي»، هنا كالمعتاد، نصف شهرية … (ينهض بقوة) لقد اختمرت الفكرة في رأسي طويلًا … إن أهل الجنة في أشدِّ الحاجة إلى مجلة تُقدِّم لهم خلاصة أدب العالم وقصصه ومسرحياته، وروائع الأدب المصري … كلا، لم يَعُد هنا مصري الألفاظ ولا فرنسي … لا بأس، نبحث فيما بعد عن التي تلفت الأنظار، وعن وسائل الإعلان التي تجتذب المشتركين والمشتركات … على أني أبدأ بتوجيه النداء إلى الذين انضمُّوا إلى أسرة مجلتي في الدنيا؛ فهم أَوْلى بالاستمرار في المساهمة، ومَن بادر منهم تمتَّع بالاشتراك المُخفَّض، مع حفظ الحق في الهدايا، بمثل ما كان يتمتَّع به في الدنيا.
الحورية (باسمةً) : حتى يعلم المشترك أنه مع الصاوي يكسب دائمًا.
الصاوي (باسمًا) : في الدنيا والآخرة!

المنظر الثاني

(الصاوي بين يدَي سيدنا رضوان عليه السلام على مقربة من باب الجنة.)

رضوان (كالمُخاطِب نفسه) : ماذا أسمع! … مجلة في الجنة؟!
الصاوي : وما الضرر؟! … إنها لفكرة بديعة يا سيدنا رضوان! … إن هذه المجلة ستكون لسان حال المؤمنين والمؤمنات … نعم، خصوصًا الأخيرات من الحور الجميلات؛ فإني كنت في الدنيا أعرف كيف أكتب فأُرضِي النساء … ثِق أن مجلتي هنا سيكون لها رواج وانتشار، وستطرد الملل من الصدور … إني قد أعددتُ كل شيء لإصدارها في ثوب قشيب، مُحلَّاة بالصور ذات الألوان … إنه لا ينقصني سوى الكتَّاب والأدباء الذين كانوا يُمِدُّونني بمقالاتهم في الدار الفانية.
رضوان : ألم تَرَهم هنا؟
الصاوي : لم أرَ منهم واحدًا هنا.
رضوان : قد خانك — ولا ريب — النظر رغم منظارك السميك … من تريد منهم وأنا أدلُّك عليه؟
الصاوي : أريد الحاج!
رضوان : أيُّ حاج؟ … الجنة مكتظَّة بالحجاج.
الصاوي : الحاج هيكل!
رضوان (يفكر قليلًا) : هيكل؟ … صدقتَ … إنه ليس هنا.
الصاوي : سبحان الله! … مؤلف «حياة محمد»؟!
رضوان : لا تعترض يا هذا ولا تكفر!
الصاوي : اللهم لا اعتراض! … (لنفسه همسًا) تُرَى، ماذا صنعتُ أنا من الحسنات حتى أدخلوني ها هنا؟!
رضوان : أتُرِيد أن تسأل عن أحد آخَر؟
الصاوي : أريد أن أسأل عن العقاد، مؤلف كتاب «عبقرية محمد».
رضوان : العقاد ليس هنا.
الصاوي : يا للعجب! … يا للعجب!
رضوان : عمَّن تريد أن تسأل أيضًا؟
الصاوي : أريد أن أسأل عن «توفيق الحكيم»؛ فقد كان ألَّف في دنياه كتاب «محمد».
رضوان : توفيق الحكيم! … ليس هنا كذلك هذا المخلوق.
الصاوي : سبحان الله! سبحان الله!
رضوان : هات غيره!
الصاوي : دُلَّني إذن على «طه حسين»؛ فقد كان ألَّف كذلك في دنياه «على هامش السيرة».
رضوان : طه حسين! … ليس هو أيضًا هنا.
الصاوي : اللهم عفوك ورحمتك!
رضوان : لا تعترض يا هذا ولا تكفر!
الصاوي (همسًا) : لا اعتراض ولا كفر … قد فهمتُ الآن … ما أدخلني أنا الجنة إلا كتاب «باريس»!
رضوان : بِمَ تهمس؟
الصاوي : يا سيدنا رضوان! … لي عندك رجاء … أتأذن لي في الذهاب إلى النار مدة نصف ساعة فقط ثم أعود؟!
رضوان : ماذا تصنع هناك؟
الصاوي : أقابل هؤلاء الأربعة المساكين، وأتناول مع كلٍّ منهم «فنجان قهوة»، أفتتح به الأعداد الأربعة الأولى من مجلتي في عهدها الجديد.
رضوان : ماذا تقول؟! … تتناول «فنجان قهوة»، في الجحيم!
الصاوي (فرِحًا) : نعم، فنجان قهوة مع «…» في الجحيم! يا له من حديث صحفي عجيب مبتكَر لم يسبق له مثيل في صحافة العالم … نعم، سأفتتح به الصفحة الأولى، وأُزيِّنه برسم هزلي بريشة مسيو «سانتيز»!
رضوان (في عجب) : أَوَتَحسب يا هذا أنَّ في الجحيم «قهوة» من بن؟!

المنظر الثالث

(في الجحيم، الصاوي بين اللهب والدخان، يمشي بخُطًى وئيدة يتصفَّح الوجوه.)

الصاوي (يرهف السمع) : أسمع ثرثرة! … يُخيَّل إليَّ أني أعرف صاحب هذا الصوت الجَهْوَري … فلأقترب منه … عجبًا! … هذا الدكتور طه حسين! … تُرى، ما سبب صخبه وضجيجه؟
طه حسين (يَصِيح فيمن حوله) : نعم، إني غير راضٍ عن الحياة هنا … إنها فاترة راكدة، لا يظهر فيها نشاط ولا إنتاج فحسب، بل قد يمضي العام كله، بل قد تمضي الأعوام كلها دون أن يظهر في الأفق حدث من الأحداث. وهذا الركود مؤلم حقًّا إذا قارنَّاه بذلك النشاط الغريب الخصب الذي ظهر في حياتنا الأدبية في الدار الفانية … فقد كان هذا النشاط قيِّمًا حقًّا، لفَتَنا إلى أنفسنا، ولفت الناس إلينا، فإذا نحن نرى من أنفسنا ما لم نكن نرى من قبل … نشهد ابتكارًا في الرأي، واجتهادًا في التفكير، وإنتاجًا في الأدب، وخصومات تُثَار حول هذا كله فنُضيف ابتكارًا إلى ابتكار، واجتهادًا إلى اجتهاد، وإنتاجًا إلى إنتاج … لا نكاد ننظر في صحيفة أو مجلة إلَّا رأينا مظهرًا لهذه الحياة الخصبة، وكان الرأي العام نفسه يشاركنا في هذا النشاط، فكانت الجماهير ترضى حينًا وتسخط أحيانًا، وتؤيد تارةً وتُقاوِم تارةً أخرى.

(جماعة من أهل الجحيم تتفصَّد أجسامهم عرقًا، ويتأوَّهون من عذاب النار يلتفتون نحو طه.)

الجماعة : اتقِ الله يا شيخ! … ألا ترى ما نحن فيه من عذاب؟! … أيُّ إنتاج وأيُّ نشاط في هذا البلاء؟!
رجل من الجماعة : اتركوه … إنه أديب!
الجماعة : أَوَلَيس الأديب آدميًّا؟ … ألا يشعر هذا الرجل بألم السعير وعذاب الجحيم؟!
طه حسين : إنما الجحيم حقًّا هو العيش بين هؤلاء الهامدين!

(يذهب الأديب.)

الصاوي (يُسرِع خلفه) : يا دكتور! … يا دكتور طه! … إنه يُسرِع في خطاه ولا يسمع صوتي من هرج الناس … عجبًا! … هذا رجل يشبه العقاد؛ بل هو العقاد بعينه … نعم، هو بقوامه المعتدل المديد كالرمح الصلب، ما باله يسير هكذا يتصفَّح جوانب الطرقات كأنه يبحث عن شيء؟!
العقاد (يصيح نافد الصبر) : مكتبة يا ناس! … ألا توجَد هنا مكتبة واحدة؟! … ما هذه المخلوقات التي لا تقرأ؟! وأنا الذي جاء النار برضاه واختياره، حاسبًا أنه يجد فيها الجبابرة من الفلاسفة والمُفكِّرين، والقيِّم من الكتب والمكتبات!
الصاوي : يا أستاذ عباس! … أيُّها الأستاذ العقاد!
العقاد (لنفسه) : إنه الجحيم … إن هذا لهو الجحيم المقصود.. إن المكان الذي لا يوجد فيه اطلاع ولا نعرف فيه قراءة، ولا يُسمَح فيه بتفكير، لا بد أن يكون هو الجحيم!
الصاوي : أيُّها العقاد! … ما باله لا يسمعني؟! … لقد انصرف … لقد اختفى! … آه، لقد تعبت … وأخشى أن تفوت نصف الساعة فيُقفَل دوني باب الجنة … عجبًا! … هذا رجل كهيكل … كأنَّا به يبحث عن أحد بين الجموع … نعم، هو الدكتور هيكل بعينه! … تُرى، عمَّ يبحث؟!
الصاوي (ينادي) : يا دكتور هيكل!
هيكل (لنفسه يائسًا) : لستُ أجد هنا صديقًا ولا أديبًا! … أين زملاؤنا؟ … لماذا لا يتقابل هنا الأدباء ورجال الفكر والقلم؟! … إن عذاب النار — بالغًا ما بلغ — لا يؤلم نفسي قدر ما يؤلمها سبب إدخالي هذا المكان … لا سيما وأنا الذي …
الصاوي : يا حاج! … يا حاج! … إنه لا يسمع ندائي!
هيكل (ماضيًا في كلامه) : أنا الذي قمت بالدعوة للإسلام ولمحمد بما لم يَقُم به ألف أزهري وأزهري … ومع ذلك فلنصبر صبرًا جميلًا (يصيح بأعلى صوته) إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
جماعة من الأزهريين (بقربه، ساخرين صائحين) : ولو!
هيكل (ملتفتًا إليهم) : إن بعض الناس ما زالوا يرتابون في صدقي وإخلاصي … أولئك هم الحمقى … أو مَن في قلوبهم مرض! … فلنترك لهم المكان.

(يبتعد.)

الصاوي (في أثره) : يا هيكل! … يا حاج هيكل! … لقد انطلق مسرعًا ولن أستطيع اللحاق به! … (يلتفت إلى إنسان عن كثب فيصيح) يا للغرابة! … هذا «توفيق الحكيم»، يمرُّ هناك بين اللهب مُلوِّحًا بعصاه، مرتديًا معطفه الصوفي الأسود، وهو ينظر يمينًا وشمالًا، خائفًا من وجود «تيار هواء»!
توفيق الحكيم (يبحث حوله) : أين «موزار»؟ … لَكَمْ تُقْتُ إلى رؤية هذا الموسيقي في الدار الآخرة! … لكن من المستحيل أن يكون هنا صاحب تلك الألحان السماوية! لقد كان — حتى في دنياه — على اتصال بالفردوس … نعم، «موزار» الإلهي هو من أهل الجنة بلا مراء!
الصاوي (يخطو نحو توفيق الحكيم صائحًا) : يا عدو المرأة!

(جماعة من نساء النار يسمعن صوت الصاوي فيُقبِلن في هرج.)

النساء (صائحات) : أين هو عدو المرأة؟
الحكيم (يُلقي عليهن نظرة شاملة) : ما كل هؤلاء؟! … لم يكن عندي ريب في أن تسعة أعشار أهل الجحيم من النساء!
النساء : خسئت! … لا شيء يُعزِّينا ويُثلِج صدورنا مثل إدخالك السعير!
الحكيم : وأنا لو لم أجدكنَّ هنا، لاختلط عليَّ الأمر وحسبتُ أني في الجنة!
النساء (يلتقطن أحجارًا ملتهبةً يقذفنه بها) : خذ إذن جزاءك.
الحكيم : صدَّقتُ الآن وآمنتُ أني في الجحيم!

(يبتعد عنهن هاربًا.)

الصاوي (صائحًا) : يا توفيق الحكيم! … إنه لا يسمع ندائي … ما بالهم كلهم كأنَّهم صمٌّ لا يسمعون ندائي؟! … يا عدو المرأة! … إنه فر هاربًا وهنَّ في أثره بالحجارة! … لا أمل لي في مخاطبة واحد من هؤلاء الأربعة، فلأرجع من حيث أتيت قبل أن …

(يسير نحو باب الجنة.)

رضوان (يصيح) : فات الوقت! … وانقضى نصف الساعة، وأُغلِق دونك باب الجنة أيها الكافر بنعمة ربه! … لقد سعيتَ إلى النار بقدمَيك شوقًا إلى أهلها، فالبث فيهم واجرع معهم ما شئتَ من «فناجين القهوة»!
جماعة من أهل النار (يتساءلون) : يا للعجب! … من هذا الإنسان الذي أُدخِل الجنة فتركها وجاء بقدمَيه إلى النار؟!
رجل من الجماعة : لا بد أنه صحفي.
الصاوي (صائحًا متضرعًا) : يا سيدنا رضوان! … عفوك ورحمتك! … لقد شغلني عن الوقت حرصي على مقابلة الكتَّاب وجمع المقالات! … ولكن رحماك! … افتح لي الباب هذه المرة؛ فإني قد تبتُ إلى الله وإليك، ولك عليَّ عهد وميثاق ألا يذكر لساني كلمة مجلة في الجنة بعد اليوم … فإني سأعيش كبقية عباد الله الصالحين، آكل الأثمار وأُسامِر الأطيار وأُغازِل الحور!
فبراير ١٩٤٥م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦