خاتمة

تمت في هذه الصفحات رسالة موجزة في موضوع من موضوعات المقارنة بين الأديان والعقائد، يدور حول تصوير «قوة الشر» من عهد القبائل البدائية إلى منتصف القرن العشرين.

والمقارنة بين الأديان والعقائد علم حديث من علوم القرن التاسع عشر، بدأ البحث فيه قبيل ختامه، وانتصف القرن العشرون ولا تزال الكشوف الأخيرة فيه تتوالى وينسخ بعضها بعضًا، أو يشير بانتظار النهاية بعد خطوات لم تبرح أوائل الطريق، وكلما تعجل الباحث الفراغ من دور الجمع والتبويب والنتائج المعلقة على البقية المنتظرة؛ بادرته الكشوف الحديثة بما ينقض حكمه، أو يضطره إلى تعديله على ترقب وتؤدة واستعداد.

ونحن نختم هذه الرسالة، والأجزاء الأخيرة من موسوعة أرنولد توينبي “Arnold Toynbee” تصدرها المطبعة من المجلد السابع إلى المجلد العاشر، وفي نهاية الجزء السابع منها تعقيب على الظاهرة الغامضة التي كشفت عن التشابه القريب بين عقائد القبائل البدائية في القارات الخمس، وانقسام المفسرين لهذه الظاهرة إلى فريقين: فريق يرى أن الإنسان تلقى إلهامًا بالوحدانية قبل التاريخ، وقبل افتراق الأجناس والقارات، وفريق يرى أن الطبيعة الإنسانية تتقارب في وحي البديهة، وتستلهم شعورًا واحدًا بما وراء المادة المشهودة، وسيمضي زمن طويل قبل أن تتحد النتائج بين الفريقين؛ لأن الأرض واسعة، والقبائل البدائية مبعثرة على أرجائها، ومسائل العقيدة عندها من أسرارها التي تخفيها، وما تجلوه منها اضطرارًا أو اختيارًا يتيه فيه الباحثون بين غرابة اللغة وغرابة الرموز.

فمن الغرارة البالغة أن يقول قائل عن موضوع من موضوعات المقارنة بين الأديان: إنه شيء عتيق مضى أوانه، على حين اتفاق الأقوال بين علماء المقارنة وقرائها على ابتدائها في خطواتها الأولى، وانتهائها فيما انتهت إليه إلى نتائج معلقة بين الترجيح والتردد والانتظار.

ولا نخال أن السريرة الإنسانية تكشف عن أعماقها بعلم من العلوم — كهذا العلم وعلم الدراسات النفسية — وهو كذلك في خطواته الأولى، أو على أبواب النتائج التي لا تفتح إلا بين التردد والانتظار.

لكن الفائدة المبكرة التي خلصت للعقل الإنساني من بواكير البحث في العلمين: أن مقاييس الحقائق تختلف وتتعدد، وأن الحقائق كلها لا تقاس بأرقام الحساب، وأنابيق المعامل، وتجارب الطبيعيين، ومناظر الفلكيين.

فها هنا حشد من العقائد والأخيلة تمتلئ به سيرة النوع الإنساني في نحو مائة قرن يدركها التاريخ.

ما هي في أرقام الحساب أو أنابيق المعامل أو تجارب الطبيعة أو مناظر الفلكيين؟

سهل على أدعياء العلم أن يصرفوها بكلمتين: حديث خرافة!

وحديث الخرافة يجب أن يلغى، فتعالوا نلغه ونعهد بأدعياء العلم جميعًا أن يبدءوا بالنوع الإنساني في تعلم الخير والشر والقداسة، واللعنة على برنامج غير هذا البرنامج، وتربية غير هذه التربية.

وليتسلم أدعياء العلم هذا النوع الإنساني قبل مائة قرن، وليأخذوا في تعليمه الأبجدية من هذه الدروس.

ولنفرض أولًا فرضًا مستحيلًا، وهو أنهم سيكونون قبل مائة قرن على معرفة بما يسمونه اليوم خرافة، وما يسمونه تحقيقًا، وما يسمونه دراسة منطقية أو علمية.

وليبدأ النوع الإنساني في هذه المدرسة بفلسفات الأخلاق على مذاهبها وفروضها واحتمالاتها وردودها ومناقشاتها.

وليحفظ فلسفات الأكاديمية كلها ويتخرج عليها.

ولقد حفظها، ولقد تخرج منها بما شاء له أدعياء العلم من آراء.

ولقد وصلنا بعد الرحلة الطويلة إلى القرن العشرين، فماذا نقول؟

نقول: إن هذا في الحق هو حديث الخرافة الذي لا يعدو الألفاظ والعناوين وأسماء المدارس والمريدين.

لكن النوع الإنساني ترك هذه الأكاديمية قبل مائة قرن، وأمعن في طريقه الذي هداه إليه القدر، وأعدته له الفطرة.

ونتيجة هذا الطريق أنه أعطى الحياة النابضة لكل خلق من أخلاق الخير والشر والقداسة واللعنة، وإن أعلم العلماء اليوم لا يستطيع أن يقيم من الفوارق الحية المحسوسة بين خلق وخلق فارقًا واحدًا، كالفارق الذي نفهمه ونحسه ونحياه حين نتكلم عن الخلائق الإلهية، والخلائق الملكية، والخلائق الشيطانية، أو عمَّا يجملها من الخلائق السماوية، والخلائق الأرضية، والخلائق الجهنمية.

إن العلماء الذين يستعيرون تعبيراتهم المجازية من هذه الفوارق لا يفعلون ذلك لعبًا بالألفاظ، أو تظرفًا بالتمثيل والتشبيه، ولكنهم يستعيرون ذلك التعبير لأنه أدل وأوضح وأقوى من كل تعبير يستعيرونه من المدرسة النفعية، والمدرسة السلوكية، والمدرسة الانفعالية، ومدارس روح الجماعة وتضامن الهيئات والبيئات وما إليها من ألفاظ ناصلة، ومعانٍ حائلة، وأسماء لم تخلق من مسمياتها شيئًا. وهيهات أن تخلقه ولو تسمت بها مئات القرون، وغاية ما تبلغه أنها تأتي إلى محصول القرون بعد زرعه ونمائه واستوائه وحصده، فتكتب العناوين على غلاته وبيادره، ولا تأمن بعد ذلك أن تضل بين تلك العناوين التي كتبتها بيديها!

فهذه الحقائق الوجدانية والقيم الروحية لا تقاس بمقياس الأرقام وأنابيق المعامل، ومن أراد أن يقيسها بهذا المقياس فهو الذي سيخطئ لا محالة، كما يخطئ كل واضع لأمر من الأمور في غير موضعه، وكل من يقيس شيئًا وهو يجهل كيف يقاس.

على أننا قد نفقه تعدد المقاييس وتعدد القيم دون أن نضطر إلى التوسع في هذا الموضوع الشاسع العسير؛ موضوع المقارنة بين الأديان.

فالغريزة في كل رجل وامرأة، وفي كل ذكر وأنثى من الحيوان تسفه كل مَنْ يعتسف طرق البحث، ويسبر أغوار الطباع بغير مسبارها.

وهذا حنان الآباء والأمهات لغو وباطل بكل شهادة من شهادات الحس والعقل، وتجارب المعامل وأرقام الحساب؛ لأن حنان الآباء والأمهات يقول لهم: إن طفلهم دون غيره يساوي كل من عداه ويفوقهم في حق البقاء، ويجب أن يزولوا جميعًا إذا وجب أن يزولوا من الدنيا أو يزول هو منها.

وليضرب صاحب القياس الحسابي على هذا الحنان بالخط الأحمر ليخرجه من حيز الحقائق، ولينظر بعد ذلك أين الحق وأين الباطل بين الرأي في رأسه، وبين الحنان في صدر كل والد ووالدة، من الإنسان والحيوان.

أصواب هذا الحنان أو خطأ؟

أحق ذلك الدين أو باطل؟

إنما الخطأ أو الباطل هو الذي نسقطه ونلغيه، فها هنا خطأ واحد، وباطل واحد، وهما الخطأ والباطل في مقياس صاحب الحساب وصاحب الأنبيق.

وندع الغرائز المحجبة، ونقترب من المحسوسات الواضحة المفتوحة للسمع والبصر، فنفرض أن مخلوقًا يرى الأشياء كما تكون في جو الأثير على بعد من الأرض والجاذبية الأرضية، ونتحدث أمامه عن اللون الأحمر واللون الأخضر، وعن العناصر الثقيلة والعناصر الخفيفة، وعن المقاطع والكلمات والأصداء والنغمات، فماذا عليه لو صاح بنا: على رسلكم يا هؤلاء اللاغطين، إن ما تهذرون به لحديث خرافة وأضغاث أحلام.

إنه لا يكون قد خرج بذلك على سنة العلم وأدعيائه، وإننا مع هذا لم نبتعد من المحسوسات التي يحيط بها العيان، وتسمعها الآذان، فإذا كانت الطبيعة الإنسانية لا تدرك هذه المحسوسات إلا بهذه الألوان والأشكال، فكيف نطلب من الأديان أن تخاطب الطبيعة الإنسانية بأسلوب غير أسلوبها وهي تتحدث عن الغيوب الخفية، وعما وراء المادة ووراء الزمان والمكان؟

مَنْ رام أن يعيب القيم الوجدانية التي دان بها الإنسان منذ جهالته الأولى، فهو — لا ريب — واجد فيها كثيرًا مما يعاب ويفرط في المعابة، لكن السؤال الفصل هنا لا يكون: هل تُعاب القيم الوجدانية أو لا تُعاب؟ بل يكون: هل توجد هذه القيم الوجدانية لإنسان ناقص ينمو ويكبر، أو توجد لإنسان كامل معصوم من نشأته الأولى؟ إن عقيدة تصلحها عقيدة بعدها كالمعرفة تصلحها معرفة تليها وتقوم عليها، لا هذه تسقط العلم ولا تلك.

إننا فرضنا في مستهل هذه الخاتمة أن أدعياء العلم تسلموا النوع الإنسان منذ مائة قرن؛ ليرشدوه إلى طريق غير الطريق الذي اتبعه في التمييز بين الخير والشر، والقداسة واللعنة، فلندع هذا الفرض البعيد، ولنستغن عنه بما بين أيدينا من «الديانات العلمية» التي ارتضاها «الأنبياء العلميون» في القرنين الأخيرين بعد اختبار العقائد والمذاهب، والفراغ من أوهام الخرافات والأساطير، وللنظر في الديانة التي سموها الديانة المادية الاقتصادية، وقرروا فيها أن احتكار الفلوس هو الذي يخلق الأديان والأفكار، ويقوم القيم، ويرفع الطبقات، وأنه إذا جاء الوقت الذي ينقضي فيه احتكار الفلوس زالت الطبقات، وخلا المجتمع من السادة أبدًا سرمدًا بغير انتهاء.

ولم يمض على قيام هذه الديانة جيل واحد حتى سمعنا علمًا من أعلامها يأسف ويأسى، ثم ينعى على زملائه أنهم يختارون لإدارة المعامل وتنظيم الحكومة أذنابًا من المقربين إليهم، ويقصون عنها ذوي الكفاية والغناء في العلم والعمل والسابقة المذهبية، ويبقى في نفوسهم بعد إلغاء الاحتكار باعث يرفع ويضع بغير مقدار إلا أن يكون مقدار الأثرة والإيثار.

وهؤلاء المتدينون «العلميون» هم الذين يصدقون مع هذا أنهم حكموا على المستقبل، ورسموا للنوع الإنساني طريقه في نظام المجتمع وبواعث الأخلاق أبد الآبدين، ودهر الداهرين، ألوفًا من السنين، لا بل ملايين من القرون بعد ملايين.

وكل ما صدقه عجائز الخرافة، من عهد الكهوف إلى اليوم، يطير هباء أمام هذه الخرافة التي استقر عليها أدعياء العلم والنبوءات العلمية، وكفى بهذه المقارنة تعجيزًا لمن يتطاول به الغرور فيخال أنه يصحح العقائد بمقاييسه ومقاييس علمه المزعوم.

وسيبقى أناس يتعوذون من إبليس يوم يضحكون من خرافة «المادية الاقتصادية»: كيف كانت؟ وكيف جازت على العقول؟ ونحن نقول في أول هذه الرسالة: إن ظهور إبليس في عقائد الناس كان علامة خير؛ لأنه علامة التمييز بين الشر ونقيضه، فنقول في ختامها: إن بقاءه بعد المادية الاقتصادية علامة خير أخرى؛ لأن الكون الذي يبقى فيه إبليس ملعونًا أشرف من الكون الذي لا يميز بين القداسة واللعنة، ولا يعرف شيئًا يلعنه؛ إذ كان لا يؤمن بإله غير الفلوس، وساء ذلك من إله، وتعالى الله عمَّا يشركون.

عباس محمود العقاد

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤