مقدمة (١)

بقلم  عباس محمود العقاد
«يعرف كُتابُ الغرب طائفةً من أدعياء التفكير [مثل العقاد]١ يُسمُّونها «الانتلجينزيا»، ويعنون بهذه الكلمة ما نَعْنيه في اللغة العربية بكلمة المتحذلقين أو المتفيهقين … ومن صفات هذه الطائفة أنْ تكونَ على شيء من بريق الذكاء، وقدرة على تلفيق الأفكار … ومظهر من مظاهر العلم والاطِّلاع، وأستاذية مُنتحَلة … يغترُّ بها مَنْ ينخدعون بشقشقة اللسان وسمات الوقار … فهي سطحيةٌ في كل نوع من أنواع المعرفة، لا تنفذُ إلى قرار مسألة، ولا تحيط بفكرة ولا تفهم شيئًا على حقيقته البسيطة، ولا على استقامته الطبيعية، لأن الفهم عملٌ يشترك فيه الذكاء والإدراكُ والذوقُ٢ والفطرة والبصيرة. وليس عند هذه الطائفة — طائفة المتحذلقين — من هذه الأدوات إلا وميضُ الذكاء المغرى بالتوشية والتلفيق دون الاستيعاب والنفاذ إلى الأعماق».٣

•••

ماذا يصيب الدنيا إذا أُدِّبَ هؤلاء القومُ بالوسيلة الوحيدة التي يفهمون بها الأدب … ويَزدجرون بها عن الأسباب …!؟ إن أنانية هؤلاء المجرمين أنانيةٌ عمياء لا تَعقل ولا تُدرك أن الإحراق بالنار يُؤلم ويُرِمض حتى تُحرقها النار [نار السفود …]٤ وتَرمضها أيَّما إرماض …

إنَّ من الحَسَن أن تُستنكر المطاعنُ لأنها مَعيبة مشنوءة، ولكن ليس من الحسن أن تُستنكر لأنها تؤذي مَن لا يَحْفَلون يومًا بإيذاء إنسان.

وإذا كان كلُّ ما يُلاحَظ الآن أن هؤلاء المجرمين يتألمون، فليتألموا وليتأملوا … ولْيُفرِطوا في الألم … فما يُبتلَى بالألم أحدٌ في هذه الأرض هو أوْلَى به من أمثال هؤلاء».٥

السَّفُّود ومعناه

السَّفُّود في اللغة الحديدةُ يُشوَى بها اللحمُ، ويسمِّيها العامَّةُ (السيخَ) … وقد تكون عُودًا مستَويًا يذهَبُ مستدقًّا فينتهي بشَباة حادَّة في طرفَه الأعلى هي مَغْرِزُهُ في اللحم، كما تكون حديدةٌ ذات شُعَبٍ مُعَقَّفَةٍ (ملوية من أطرافها) … ويُجمَع السفُّود على سَفافيد.

وقد استعَرْنا هذه الكلمة في النقد لأن بعض المغرورين من أدباء هذا الزمن ممن عَدَوْا طَوْرَهم وتَجاوزوا كل حدٍّ في الادِّعاء والغرور، لا يصلحُ فيهم من النقد إلا ما ينتظمُهُم ويُفْرِشهم نارًا كنارِ اللحم يُشْوَى عليها ويُقَلَّب ويُنْضَج، فلقد أُعينوا من الصفاقة والدعوى والخداع ولؤم الأدب والعُجْبِ والفتنةِ بما لا تدبيرَ فيه إلا حالٌ كتلكَ، وما دونهم مِن النقد فهو دونهم في الإبلاغ والتأثير، فلذلك ما قلنا: «على السفود».

ومن تَناوله السفود قيل فيه «مُسَفَّد»، لا يجوز غيرها، لأن تَستفيد اللحم نَظْمُه في تلك الحديدة للاشتواء، فالعقاد (مُسَفَّد) في هذا الكتاب، وهذا النقد (تَسفِيدُه)، وسَفَّده فلان وضعه (على السفود) …

هوامش

(١) هذه الكلمة منا للبيان والتفسير.
(٢) وناهيك من ذَوق كذوق العقاد الشاعر المراحيضي كما ستعرفه.
(٣) هذه النبذة كلها بحروفها من مقالة للعقاد في جريدة «مصر» عدد ١٨ أكتوبر سنة ١٩٢٩، والعامة يقولون: «مسكوا فرعون بخطه».
(٤) هذه الكلمة منا للبيان والتفسير.
(٥) النبذة كلها بحروفها من مقالة للعقاد في جريدة «مصر» عدد ٢ من نوفمبر سنة ١٩٢٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠