مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم في صورته وفي صور أتباعه وحزبه وشيعته ممن خُلقوا ليكون فيهم تاريخه على الأرض، ولتقوم بهم أعماله جارية مجراها في مقت الله وغضبه، ولا بد من مقت الله وغضبه على هذه الدنيا ملء ما يملؤه الليل. ونعوذ بالله من كل إنسان أسود المعنى، فإنما غضب الله سواد في معاني الناس.

وإذا شئتَ أن تعرف ما سواد المعنى، فاعلم أنه اللون الذي يراه صاحبه المفتون أشد بياضًا من الأبيض، فيسخر القدر من غُلوه وغروره، فإذا هو كالوحل جاء في قالب ثلج … وإذا هو سخرية من ناحيتين، فالمغرور ولو كان أعلم الناس، واللئيم ولو كان أكبر الناس، والفاسد ولو كان أرقى الناس، وكائن من كان إذا عُطف على هذا النسق، وبالغ ما بلغ إذا دخل في هذه الجملة، كل أولئك في السماء برابرة المعاني … وهم على خدي الأرض أبيضها وأحمرها.

وأما بعدُ … فإنا نكشف في هذه المقالات عن غرور مُلفَّف، ودعوى مغطاة، وننتقد فيها الكاتب الشاعر الفيلسوف!!! (عباس محمود العقاد) … وما إياه أردنا، ولا بخاصته نعبأ به، ولكن لمن حوله نكشفه، ولفائدة هؤلاء عرضنا له. والرجل في الأدب كورقة البنك المزورة، هي في ذات نفسها ورقة كالورق، ولكن من ينخدع فيها لا يغرم قيمتها، بل قيمة الرقم الذي عليها، وهذا من شؤمها، ومن هذا الشؤم حق البيان على مَن يعرفها.

وقد يكون العقاد أستاذًا عظيمًا، ونابغة عبقريًّا، وجبار ذهن كما يصفون، ولكنا نحن لا نعرف فيه شيئًا من هذا، وما قلنا في الرجل إلا ما يقول فيه كلامه، وإنما ترجمنا حُكم هذا الكلام، ونقلناه من لغة الأغلاط والسرقات والحماقات إلى لغة النقد، وبيناه كما هو، لم نبعد ولم نتعسف، ولم نتمحَّل في شيء مما بنينا عليه النقد، ولكل قول أو عمل حكمٌ على قائله أو فاعله يجيء على قدره عاليًا ونازلًا وما بينهما.

والعقاد، وإن زور شأنه، وادعى، وتكذب، واغتر، ومشى أمره في ضعفاء الناس بالتنطع والتلفيق والإيهام، فإن حقيقته صريحة لا تُزوَّر، وغلطاته ظاهرة لن تُدَّعى، وسرقاته مكشوفة لن تلفق، وما زدنا على أن قلنا هذا هذا، فإن يغضب الأسود على من يصف سوادَه فليغضب قبل ذلك على وجهه.

في هذه المقالات مُثُلٌ (وعينات) تؤول بك إلى حقيقة هذا الأديب من كل نواحيه، وفيها كاف، إذ لا يلزمنا أن نأتي على كل كلامه إذا كان كل كلامه سخيفًا. وآثار هذا المغرور في الأدب تنظمها كلها قضية واحدة من السرقة والانتحال في غباوة ذكية … ذكية عند الطبقة النازلة من قراء جرائدنا، وعند أشباههم ممن ليست لهم موهبة التحقيق ولا وسائله، ثم … ثم غبية فيما فوقها. وأولئك طائفة لا ميزان لها ولا وزن، فلا تَرفع ولا تضع، وإنما العمل على أهل النظر والتأمل ومن فيهم قوة الصواب، وعندهم وسائل الترجيح، ولهم قدرة الحكم، وبلاغة التصفح، ولطف الخاطر البعيد، والاستشفاف لما وراء الظاهر.

وسترى في أثناء ما تقرؤه ما يثبت لك أن هذا الذي وصفوه بأنه «جبار الذهن» … ليس في نار (السفود) إلا أديبًا من الرصاص المصهور المذاب.

ونرجو أن تكون هذه المقالات قد وجهت النقد في الأدب العربي إلى وجهه الصحيح، وأقامته على الطريق المستوية، فإن النقد الأدبي في هذه الأيام ضرب من الثرثرة، وأكثر من يكتبون فيه ينحون منحى العامة، فيجيئون بالصورة على جملتها، ولا يكون لهم قول في تفصيلها، وإنما الفن كله في تشريح التفاصيل لا في وصف الجملة. وماذا في أن تقول: «هذا كلام نازل ومعنى مستغلق، وهذا استكراه وتكلف، وهذا ضعيف رديء، وهذا لم أفهمه» — وهي طريقة الدكتور طه حسين وألفافه —؟ ألا يقابل ذلك في الشاطئ الآخر من المنطق هذا كلام عال ومعنى مكشوف، وطبع وطريقة وحذو جيد، وفهم وبيان … وهكذا من جملة تُقابل جملة، وكلمة تنقض كلمة، وأخذٍ ورَدٍّ فيما لا يثبت ولا يتحصل؟

يقولون: إننا في دور انتقال بالأدب العربي، والحقيقة أننا من العقاد وأمثاله — الغارين المغرورين بآرائهم الطائشة وبيانهم المنحط — في دور انسلاخ ورجعة منقلبة. والأعرج — وَيْحَكُم — هو دائمًا في دور انتقال … إن ذهب يُعَمِّي ويتفلسف في أسباب عرجه، وما يمعنه أن يقول: إنه ليس بأعرج، وإنما هذا فن جديد من الخيلاء والتبختر … ينتقل به من المشي خطوًا إلى المشي رقصًا …؟

هذا وقد كتبنا مقالات «السفود» — كما نتحدث عادة — لهوًا بالعقاد وأمثاله، إذ كانوا أهون علينا وعلى الحقيقة من أن نتعب فيهم تعبًا، أو نصنع فيهم بيانًا، فهم هلاهيل لا تشد أحدهم حتى يتهتك وينفتق (وينفلق) …

وإني لَمِمَّا١ أضربُ الكبش ضربة
على رأسه تُلقِي اللسان من الفم

هوامش

(١) يفسرون «لَمِمَّا» في هذا البيت ﺑ «ربما»، والبيت عربي قديم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠