سعد في بيته

يشتمل هذا الفصل على وصف دقيق لبيت الأمة ومحتوياته، وعلى فذلكة عن حياة الفقيد العظيم المغفور له سعد زغلول باشا في هذا البيت وفي بيته في مسجد وصيف، وعلى حديث أفضى به سعادة حمد الباسل باشا وكيل الوفد المصري إلى المؤلف عن حياة سعد في مالطة، وعلى مقتطفات من المذكرات التاريخية التي دَوَّنها محمود أفندي عبد الله تابع سعد باشا في عدن وسيشل وجبل طارق عن معيشة الرئيس الجليل في تلك البلاد، وعلى حديث أدلى به معالي الأستاذ مكرم عبيد إلى المؤلف عن سعد بين عدن وسيشل.

***

(١) جولة في بيت الأمة

كان المغفور له الفقيد العظيم سعد زغلول باشا يسكن قبل أن يتزوج في المنزل القائم على ناصيتَي شارع عابدين وشارع الشيخ ريحان أمام سراي عابدين، وهو المنزل الذي تشغله الآن عيادة الدكتور واصف، ثم انتقل رحمه الله إلى منزل كبير في حي الظاهر في شارع زغلول الذي أُسْمِيَ بِاسْمه، ولكن هواء ذلك الحي لم يلائم صحة أم المصريين، ففكروا في بناء منزل جديد، واختاروا حي «الإنشاء» مكانًا يشيدونه فيه؛ لما كان هذا الحي متصفًا به يومئذٍ من الهدوء والسكينة، وريثما يتم بناء المنزل الجديد سكن الفقيد العظيم وصاحبة العصمة حرمه في منزل المغفور له مصطفى فهمي باشا والد أم المصريين، وهو المنزل الذي اشتراه «الفرير» فيما بعد وحولوه إلى المدرسة الكبيرة التي لهم الآن في حي باب اللوق.

وكانت تحيط ببيت الأمة قبل ابتداء الحركة الوطنية حديقة صغيرة تبتدئ عند الباب الخارجي ثم تتفرع إلى ممرين: أحدهما يؤدي إلى «السلاملك»، والآخر نحو الجزء الأدنى من الحديقة، وبينهما ممر عريض يؤدي إلى السلالم الرخام الموصلة إلى الباب الداخلي الكبير.

وعندما تصل إلى الباب الداخلي الكبير المشار إليه آنفًا، تدق الجرس فيفتح لك خادم سوداني فتجد نفسك أمام «بارفان» عريض، وإلى يمينك ويسارك دولابان (فستيير) لتعليق الملابس، فإذا خطوتَ قليلًا ألفيتَ نفسك في قاعة كبيرة طولها عشرون ياردة وعرضها خمس ياردات، وفي هذه القاعة كان أعضاء الوفد المصري وأنصاره يجتمعون للبحث في الشئون السياسية في بدء الحركة الوطنية.

وقد زينت جدران هذه القاعة بصور وتحف كثيرة، فإلى الجهة اليمنى ترى مرآة كبيرة تعلوها «يافطة» مكتوب عليها «أم المصريين صفية هانم زغلول»، وإلى يمين المرآة وثيقة إخلاص من طلبة مدرسة عباس باشا الأول ممضاة من جميع الطلبة، وإلى يسار المرآة أبيات من الشعر موضوعة في داخل إطار جميل مهدًى من سيدات طنطا إلى أم المصريين، فباب يؤدي إلى دورة المياه، فصورة ملونة تمثل جماعة من الفقراء اشترتها صفية هانم من أحد معارض الفنون الجميلة، فتمثال نصفي لسعد باشا من صنع المثال الروسي «يورُفتش»، فالسلم المؤدي إلى الدور العلوي.

هذا من الجهة اليمنى للقاعة، أما من الجهة اليسرى فترى مقعدين من القطيفة تعلوهما «يافطة» مكتوب عليها «صفية زغلول زعيمة الوطنية ونصيرة الحرية» تحيط بها صورتان طبيعيتان ملونتان وتحتها تمثال مهدًى من كلية الأقباط إلى بيت الأمة، فصورة مصرية ملونة، فتهنئة شعرية، فصورة لسعد باشا وهو خارج من محل «هنزلمان»، فصورة أخرى تمثله وهو جالس إلى مكتبه يطالع جريدة «المنبر»، فصورة لأبطال «سيشل»، وفي هذه القاعة ساعة تدق «على كيفها»، كما كان الرئيس الجليل يقول عنها.

وتقوم إلى الجهة اليمنى من القاعة التي أتينا على وصفها آنفًا حجرة صغيرة للجلوس أثثت بطقم مصنوع من خشب الموجني المكسوِّ بالقماش الأبيض ذي الشجر الأحمر، وقد وضع في صدر هذه الحجرة كرسي كبير من الكراسي المعروفة «بالشيزلونج»، وهو الكرسي الذي تتمدد عليه أم المصريين، وله غطاء أسود وقد علقت على الجدران صورة ملونة كبيرة لسعد باشا وصور متعددة لوالد أم المصريين ووالدتها ولبعض الأقارب.

ثم تنتقل إلى الحجرة التي بجوارها وتسمى «الصالون الكبير»، وفيها صورة كبيرة للفقيد العظيم، تقابلها أحسن صورة لأم المصريين، وتليها حجرة صغيرة كانت مكتبًا لسعد باشا، وفيها كانت تجري مقابلات الزعماء أيام الائتلاف والانتخابات، وهي تحتوي على مكتب جميل صفَّت عليه أدوات أنيقة للكتابة أهدتها صاحبة السمو أم المحسنين إلى المغفور له الفقيد العظيم، وتُحلِّي جدرانَ الغرفة صورٌ زيتية من صنع أم المصريين وأخواتها وصديقاتها، وقد كانت هذه الحجرة في الماضي خاصة بالمرحوم سعيد بك زغلول ابن أخت سعد باشا.

وإلى اليمين أيضًا قاعة الطعام، وقد كان الرئيس الجليل يجلس دائمًا في صدر المائدة وهو مكان لم يتحول عنه سعد منذ اليوم الذي تم فيه بناء بيت الأمة مهما علا مقام المدعوين، ومما تحسن الإشارة إليه هنا أن جميع خدم البيت يلبسون أحذية سوداء مع قفاطينهم البيضاء.

ويلي ذلك حجرة «الأوفيس» ثم صالة مستطيلة تنتهي بسلم يتفرع إلى فرعين: أحدهما يؤدي إلى «البدرون»، والآخر إلى الدور العلوي، ويوجد في نهاية هذه الحجرة «أسانسير» يوصل إلى الدول العلوي وقد كتب عليه «سعد زغلول».

(٢) الدور العلوي

تصعد إليه من القاعة الكبرى بالسلم الكبير المصنوع من الرخام وقد غُطي بالسجاد، وعدد درجاته ٣٣ درجة، فيقابلك ممر إلى يمينه حجرة «تواليت» أم المصريين، وهي تحولها في الشتاء إلى حجرة لجلوسها، وفي هذه الحجرة توجد الملابس الصيفية للفقيد العظيم سعد باشا مع بعض ملابس أم المصريين، وفيها أيضًا طاولة «تواليت» كاملة و«شيزلونج»، ثم تليها حجرة نوم فيها سريران، أحدهما لأم المصريين والآخر لسعد باشا، وأجزاخانة صغيرة، وفي هذه الغرفة توفي سعد باشا وما زالت أم المصريين تنام فيها إلى اليوم، وتليها حجرة تواليت سعد باشا وقد تحولت إلى حجرة نوم لمدموازيل فريدا، وفيها دولاب يحتوي على أحذية سعد باشا، وآخر يحتوي على بِذَله الرسمية وعلى قفطانه الأحمر، وهو تذكاره الوحيد من عهد الجبة والقفطان …

وجميع الأبواب توصل إلى قاعة كبيرة مفروشة بالأبسطة الحمراء، وفي وسطها مكتب لسعد باشا عليه دواتان حمراوان اقتناهما قبل الحرب العظمى، وكان من عادة الفقيد العظيم أن يضع دائمًا على مكتبه قلمًا أحمرًا كبيرًا، وقد زينت جدران هذه القاعة بصور كثيرين من أفراد الأسرة المالكة المصرية.

وإلى يمين الممر صالة صغيرة مملوءة بالصور، وفيها مدخل «الأسانسير» (المصعد).

وإلى اليمين أيضًا اقتراح لسعد باشا بالأسماء التي يجب أن يسمى بها النيل بعد الاستقلال، ثم طائفة من الصور منها صورة سعد باشا بين أهالي دائرته (السيدة زينب) وكذلك تذكار من مدرسة عابدين الابتدائية وتعزية مصلحة المجاري في سعد باشا، ثم دولابان كبيران هما أجزاخانة أم المصريين.

وتنتهي القاعة المتقدمة بباب يوصل إلى حجرة جلوس سعد باشا وأم المصريين، وكانت هذه الحجرة مخصصة قبلًا للضيوف وكانت حرم أمين بك يوسف تقيم فيها عند حضورها إلى العاصمة قبل انتقالها إليها، وهي تحتوي على كثير من الصور. وفي هذه الحجرة راجع سعد باشا قضية الأستاذين ماهر والنقراشي، وفيها بحث سعد باشا أيضًا مع عدلي باشا وثروت باشا في أزمة الجيش وأزمة استقالة الوزارة العدلية الثانية سنة ١٩٢٧، وفيها كرسي صغير كان الفقيد العظيم يحبه حبًّا جمًّا ويجلس عليه كثيرًا.

وتقوم على السطوح ثلاث غرف: الأولى لأم المدموازيل فريدا، والثانية «للكمريرة» والثالثة للغسيل.

أما البدرون فينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم المطبخ والكرار – قسم البدرون الخارجي – قسم بدرون الحريم، وتزور أم المصريين الأول والأخير مرة كل أسبوع، وتشرف عليهما يوميًّا المدموازيل فريدا ووالدتها. أما البدرون الخارجي فيشتمل على مخزن وحجرة قهوة ومكتب كان أعضاء لجان الطلبة التنفيذية يجتمعون فيه.

وأما السلاملك فمعروف لجميع زائري بيت الأمة، وهو يتألف من الحجرة الخضراء أو حجرة الانتظار وحجرة السكرتارية، ويشغلها الآن مأمون أفندي الريدي، ثم حجرة المكتبة وهي مرتبة ترتيبًا جيدًا إلا في بعض أجزائها.

وأما مكتب الرئيس الكبير فهي حجرة تاريخية جليلة ملآنة بالصور والتحف وطافحة بالذكريات التاريخية والوطنية، وبين صورها الكثيرة صورتان كبيرتان، إحداهما للمغفور له أحمد فتحي زغلول باشا والأخرى للمغفور له مصطفى فهمي باشا، وهناك صورة للشيخ محمد عبده وصورة لبسمارك وصورة لسمو الخديوي السابق، وهذا المكتب معروف بمحتوياته ومؤثثاته للسواد الأعظم من زائري بيت الأمة، فلا داعي إلى الإفاضة في وصفه هنا، وحسبنا الاكتفاء بالقول أن الفقيد العظيم كان يحب هذه الحجرة حبًّا شديدًا، وكثيرًا ما أعرب عن شوقه إليها في خلال مرضه الأخير، رحمه الله.

figure
سعد الزعيم.

(٣) معيشة سعد في بيته

كان الفقيد العظيم عندما يستيقظ في الصباح يبدأ بشرب القهوة، ثم يفطر وبعدما يفرغ من الأكل يشرع في ارتداء ملابسه، وكان من عادة دولته أن يحلق ذقنه بنفسه، وفيما هو يحلقها يملي على سكرتيره مقالة أو يصغي إلى ما يتلوه عليه من الرسائل أو يحادث من يتفق وجوده معه في الغرفة، وفي نحو الساعة العاشرة قبل الظهر يَنزل دولتُه إلى مكتبه ويمكث فيه عشر دقائق على الأكثر، ثم يطلب سيارته ويخرج للنزهة مستصحبًا معه أحد خلصائه، وكان رحمه الله يتنزه عادة في الجزيرة أو الجيزة أو حدائق القبة، وإذا أحس عند وصوله إليها براحة في جسمه نزل من سيارته ومشى قليلًا ثم عاد إلى مركبته واستأنف نزهته، ومتى آب إلى بيت الأمة جلس في مكتبه ومكث فيه يستقبل الزائرين حتى منتصف الساعة الثانية بعد الظهر، ثم يدخل قاعة الطعام مع من يدعوه إلى الأكل معه من أخصائه وينام بعد الغداء نحو ساعة ونصف ساعة، أما في المساء فكان لا يدخل فراشه قبل الساعة الحادية عشرة، ولا ينام أكثر من خمس ساعات.

وكان الراحل الكريم لا ينزل إلى مكتبه بعد الظهر في الأحوال العادية، بل يمضي وقته بمطالعة جرائد المساء واستقبال زائريه الخصوصيين في مكتبه الداخلي في الطابق الأول أو في الطابق العلوي، وفي هذا الوقت (أيْ بعد الظهر) كانت المباحثات السياسية الخصوصية تجري بينه وبين أعضاء الوفد أو بين الهيئات السياسية الأخرى التي كان الوفد يعمل معها، وكان دولته يقضي جميع أوقات الفراغ بالمطالعة، وكان يُؤْثر أن يقرأ لنفسه على أن يقرأ غيرُه له ثم يتعشى، وكان رحمه الله لا يأكل على المائدة إلا الأكل الخاص الذي يشير عليه به أطباؤه، وأما ضيوفه فكانت تقدم إليهم الأصناف العادية، وكان يتعهدهم بالكلام طول مدة الأكل غيرَ مميِّز بين كبيرهم وصغيرهم، وكان لا يتكلم وهو يأكل إلا في الموضوعات السياسية وقد يستطرد أحيانًا إلى ذكر حوادث قديمة لها علاقة برجال السياسة الحاليين، وكان من عادته أن يصغي إلى حديث كل واحد من الحاضرين بقطع النظر عن سنِّه ومقامه، وكانت مدة الأكل لا تستغرق أقل من ساعة، غير أنه كثيرًا ما كان دولته يستبقي مدعويه نصف ساعة أخرى يشربون في أثنائها القهوة ويتممون الحديث.

وكان سعد باشا لا يطالع في معظم الأحيان إلا كتبًا ألمانية وإنجليزية، وهي دائمًا كتب تاريخية أو فلسفية أو قانونية، وقد تَعلَّم دولته مبادئ اللغة الإنجليزية في إبان نفيه، أما الألمانية فتعلمها على يد المدموازيل فريدا١ بعد عودته من المنفى، وقد ظل حتى أواخر أيامه يقرأ عليها ما يطالعه من الكتب في هاتين اللغتين، فتصحح له لفظه وتساعده على ترجمة ما يتعذر عليه فهمه، وقد تروق لدولته أحيانًا قطعة مما يقرؤه فيترجمها ويحفظها بين أوراقه، أو يرسلها إلى إحدى الجرائد لنشرها بإمضاء مستعار، وكان إذا تصفح جريدة ما وأعجبته مقالة فيها يقول بالفرنسية: «سي تريه بيان» (أيْ حسن جدًّا) أو يقول «برافو». وكان حديث دولته مع زائريه لا يخلو من كلمات فرنسية ثم يعقبها حالًا بترجمتها العربية، أما إذا لم يرتَحْ إلى المقالة التي يقرؤها فإنه كان يفند فحواها فورًا كلما فرغ من قراءة فقرة من فقراتها، ثم يستمر في الاطلاع على بقيتها مستأنفًا نقده وتفنيده كلما رأى محلًّا للنقد والتفنيد في جزء من أجزائها.

وكان من عادته رحمه الله أن ينتقل في فصل الصيف إلى مسجد وصيف، وحينما كان الزائر يسير في داره هناك كان يجد دلائل الحب العائلي ماثلة أمامه؛ ففي هذه الحجرة مثلًا صورة كبيرة للمغفور له مصطفى فهمي باشا، وعلى الخوان الذي بجانبها صورة أخرى له وللمغفور لها حرمه، وفي تلك الحجرة صورة بل مجموعة صور فوتوغرافية لأم المصريين صفية هانم زغلول، تمثلها في كل دور من أدوار سِنِي حياتها، فلا يسع المجال في تلك الدار إلا أن يشعر بأن ربها يحمل بين جنبيه قلبًا طبع على الحنو والشفقة والحب العائلي كما طبع على حب وطنه وشعبه. وكانت أم المصريين تبذل جهدها لإرضائه وإراحته منذ اليوم الأول لزواجهما، ومما رَوَتْه في هذا الصدد بعد وفاة فقيدها العظيم بأربعة أيام لمن كان يحيط بها من المعزيات: «كان سعد يكره تبرج النساء، وكان يمقت كل سيدة متبرجة، وكان إذا رأى عندي سيدتين إحداهما متبرجة والأخرى غير متبرجة الْتفت إلى الثانية وقال لها: «لماذا أكثرت اليوم من البودرة والأحمر على وجهك؟» فتخجل السيدة الأولى وتقول له: «بل أنا يا دولة الباشا اللي مكثرة من البودرة والأحمر»، ولا تعود إلى التبرج عندما تزورنا مرة أخرى.»

قالت صفية هانم: «وكنت ألوم سعدًا على هذه الصراحة وأؤكد له أنه بكلامه هذا يؤلم المتبرجات، فكان يجاوبني: «ولماذا لا تريدين أن أكون صريحًا فيما أعتقده حقًّا؟»»

قالت صفية هانم: «وكان سعد يكره «البودرة» طول حياته، ومما أذكره أنني لم أضع على وجهي ذرة واحدة من «البودرة» منذ يوم زفافنا.»

أما شجاعة أم المصريين فتجلَّت بأجلى مظاهرها في أثناء الحركة الوطنية، فإنه لما اعتَقل ولاةُ الأمور البريطانيون دولةَ الرئيس الجليل وأرسلوه إلى السويس لإبعاده إلى عدن، ومنها إلى جزائر سيشل، طلبت حرمه المصون من السلطة البريطانية أن تسمح لها بمرافقة زوجها في نفيه لتسهر على راحته والعناية به؛ رأفة بشيخوخته وشفقة على صحته، فأبت السلطة يومئذٍ أن تجيبها إلى طلبها، وأصرت على أن يرحل سعد من دونها.

ولسنا في حاجة إلى تذكير القراء بما أبدته صفية هانم بعد ترحيل الرئيس من الشجاعة والوطنية، فكانت على اتصال دائم بأعضاء الوفد المصري تشترك معهم في مداولاتهم، وتحل محل قرينها في اجتماعاتهم، وتستقبل الوفود وتخطب فيها حاثَّةً الأهلين على التمسك بمطالبهم والمضي في جهادهم مستنيرين بمبادئ «وفدهم»، مستمدين روح البذل والتضحية من مسلك زعمائه ورئيسهم، فكان لخطبها ومساعيها وقع عظيم في رجال الوفد وفي رجال الأمة وسيداتها.

والظاهر أن ولاة الأمور البريطانيين عادوا فرأوا أن التأثير الذي تحدثه صفية هانم في نفوس الأمة لا يقل عن التأثير الذي يحدثه سعد باشا نفسه، فاستقر قرارهم على أن يأذنوا لها في اللحاق بقرينها، وبينما كانت عصمتها جالسة ذات يوم في بيت الأمة مع جماعة من أقربائها، دنا منها أحدهم وأخبرها أن دار المندوب السامي البريطاني تريد مخاطبتها بالتلفون، فنهضت وسارت إلى حيث كانت آلة التلفون، وسألت مخاطبها عما يريده منها، فأجابها بأن اللورد اللنبي يبلغها أنْ لا مانع عنده من أن تلحق بسعد باشا، وأن في وسعها أن تسافر متى شاءت، فقالت له على الفور: «لقد استودعت زوجي يدي الله وسأبقى أنا هنا أؤدي الواجب عليَّ نحو وطني إلى أن يعود.»

(٤) سعد في مسجد وصيف٢

لما دخلنا على الفقيد العظيم في حجرة الاستقبال ألْفيناه جالسًا مع الدكتور حامد محمود نائب طوخ، فاستقبلَنا رحمه الله هاشًّا باشًّا وهو يقول: «أهلًا وسهلًا بكم»، فلثمنا يده الكريمة وهو يحاول أن يستردها قائلًا: «مرسي! مرسي! تفضلوا اقعدوا»، فجلس فريق منا على مقعد وجلس الفريق الآخر على الكراسي بعيدًا عن المكان الذي كان جالسًا فيه فقال دولته: «لأ ما تبعدوش، قرَّب يا فلان، وقرَّب يا فلان.» فنقلنا كراسينا إلى جواره وأَخَذَ حفظه الله يسأل كلًّا منا عن صحته وأحواله شأن الوالد الحنون مع أولاده، وبينما نحن كذلك دخل علينا بهي الدين بركات بك نجل معالي فتح الله بركات باشا، فلثم يد الرئيس فقبله دولته في وجهه وسأله لماذا لم يخاطبه بالتلفون عن عزمه إلى المجيء إليه، وكان سعد باشا يخاطب نجل ابن شقيقته ودلائل الحب العائلي بادية على محياه وهي دلائل تبدو لك حيثما تسير في دار الرئيس.

ففي هذه الحجرة مثلًا صورة كبيرة للمغفور له مصطفى فهمي باشا وعلي الخوان، التي بجانبها صورة أخرى له وللمغفور لها حرمه، وفي تلك الحجرة صورة بل مجموعة صور فوتوغرافية لأم المصريين صفية هانم زغلول وهي تمثلها في كل دور من أدوار سني حياتها، فلا يَسَعُ المتجولَ في تلك الدار المباركة إلا أن يشعر بأن ربها يحمل بين جنبيه قلبًا طبع على الحنو والشفقة والحب العائلي كما طبع على حب الوطن، ذلك الحب العظيم الذي دفعه إلى اقتحام المخاطر غير مرة في سبيل بلاده التي وقف صحته وعلمه وجهوده على خدمتها وخدمة أبنائها.

ويشعر زائر دار سعد باشا في مسجد وصيف بأنه في مصيف أعد للراحة وترويح النفس وتنزيه الخاطر، قالوا إن جدرانه وأثاثه وبراويز الصور التي حُلِّيَت به غرفُهُ كلها من الألوان التي يرتاح إليها النظر، والدار مؤلفة من طبقتين على طراز «الفيلات» الأوروبية التي نشاهدها في المعادي والزمالك ورمل الإسكندرية ويجلس سعد باشا في الغرفة التي يستقبل فيها ضيوفه إلى جانب طاولة صغيرة وضع عليها آلة صغيرة للتلفون حتى لا يضطر إلى الانتقال من مكان إلى آخر عندما يريد أن يتكلم به وقد جهز الجدار في المكان عينه أيضًا بزر كهربائي يضغط عليه الرئيس عندما يبغي أن يدعو إليه أحدًا من خدمه.

•••

وبعدما سأل سعد باشا كلًّا من زائريه عن شئونه وأحواله، دار الحديث لمناسبةٍ ما على أخلاق كبرائنا وعظمائنا، فقال أحدنا إن كثيرين منهم يعتقدون أنه يجب عليهم أن يعيشوا مترفعين عن الشعب منعزلين عنه، ولكن الحمد لله الذي أتاح لنا الآن وزارة شعبية يشعر أعضاؤها بأنهم من الشعب، ويشعر الشعب بأنهم من أفراده، ومن ذلك أنه بلغنا ونحن في بنها في طريقنا إلى مسجد وصيف أنه لما مر معالي علي الشمسي باشا (وكان يومئذٍ وزيرًا للمعارف) في أوائل الشهر ببنها قاصدًا مسجد وصيف أيضًا، رأى الخفراء مصطفِّين على طول الطريق من بنها إلى مسجد وصيف، فلم يرتَحْ معاليه إلى ذلك، وقال إنه من الحرام أن يكلف أولئك الخفراء أن يصطفوا تحت وهج الشمس ثلاث ساعات متواصلة بعدما سهروا الليل كله، وخصوصًا أن الزيارة ليست زيارة رسمية، وأبلغ معاليه استياءه هذا إلى الذي أمر ببث الخفراء على طول الطريق.

فأعرب دولة الرئيس الجليل عن ارتياحه إلى مسلك علي باشا الشمسي، وقال إنه لا يفهم حقيقة الغاية من بث الخفراء والجنود على طول الطريق على هذا المنوال، وأنه لا يقدِّر الاحترام ومظاهر الإكرام التي لا تتجلى إلا بالبوليس والخفراء، وأنه يعتقد أن الاحترام الوحيد الذي يجدر أن يسمى احترامًا، والإكرام الوحيد الذي ينبغي أن يسمى إكرامًا؛ هما الاحترام والإكرام اللذان يبدران من القلوب عفوًا نحو الذين اكتسبوا احترام الناس وإكرامهم بأعمالهم وأفعالهم لا بمظاهر القوة والضغط على النفوس والحرية الشخصية. وبعدما أفاض دولته في وصف الديمقراطية ووجوب اختلاط الحكام بالرعية، قص علينا أنه لما تَقلَّد وزارة المعارف وذهب إلى ديوانه بالوزارة لأول مرة، سمع وهو يَنزل من مركبته شاويشًا ينادي «قرة قول سلاح»، ثم رأى جماعة من الجنود يصطفُّون ببندقياتهم ويؤدون له التحية العسكرية، فظن أنها عادة جُري عليها في استقبال الوزراء الجدد، فسكت ولم يتكلم، غير أنه لم يكد يصل إلى باب الوزارة في اليوم التالي حتى سمع الشاويش ينادي «قرة قول سلاح» أيضًا، وأبصر الجند يصطفون كالأمس ويؤدون له التحية العسكرية، فسأل عن الأمر فأجابوه بأن في وزارة المعارف خزنة يتولى أولئك الجنودُ حراستها، وأن العادة جرت حتى ذلك الحين بأن يستقبلوا الوزير كل يوم بهيئة «قرة قول شرف»، ويؤدوا له التحية العسكرية، فقال لهم دولته: «لا! فإما أن تنقلوا الخزنة من هنا أو تأمروا الجنود بألا يصطفوا كل يوم على هذا المنوال.» ومن ذلك اليوم لم يَعد الجنود يصطفون بهيئة «قرة قول سلاح» لتحية الوزير.

ولما تَقلَّد سعد باشا رئاسة الوزراء في سنة ١٩٢٤، زاره ذات يوم وفد من الأقاليم وعلى رأسه مدير المديرية التي ينتمي إليها أعضاء ذلك الوفد، ولما دخلوا عليه شرع المدير في تقديمهم إلى دولته، فقاطعه رحمه الله قائلًا: «لا تتعب نفسك يا فلان، فأنا أعرفهم وأعرف أسماءهم، ولست في حاجة إلى من يعرفني بهم أو يقدمهم إلي.» ثم كلف دولته مَن أبلغ جميع المديرين أنه يرجو منهم ألا يؤلفوا الوفود برئاستهم لتهنئته؛ لأن الذين يرغبون في مقابلته يعرفون كيف يصلون إليه.

وما دمت أتكلم عن ديمقراطية سعد باشا، فأرى أن المقام مناسب لأنْ أقصَّ على القراء حكاية اتفقت لدولته في مسجد وصيف، وسمعتها من أحد المقربين منه؛ فإن دولته أمر يومًا بإعداد سيارته، ولما أعدت له ركبها مع سكرتيره الخاص الأستاذ الجزيري وطلب من السائق أن يقلهما إلى زفتى، وكان ينوي أن يزور يوسف بك الجندي في مكتبه، غير أنه لم تكد السيارة تبلغ باب البلد حتى لمح جماعةٌ من أولادها دولةَ الرئيس، فعرفوه وأحاطوا بسيارته وأخذوا يهتفون بحياته، فخشي دولته إن هو واصل السير إلى داخل المدينة أن تقام له مظاهرة كبيرة، فأشار على السائق بأن يرجع القهقرى ويسير في الطريق الذي يؤدي إلى طنطا، فلما ابتعدت السيارة عن زفتى أمر بتوقيفها ثم التفت إلى الهاتفين، وكانوا قد تعقبوه، وقال لهم: «اللي شاطر فيكم يناديلي يوسف بك الجندي.» فأطلقوا لسيقانهم الريح؛ إذ أراد كلٌّ منهم أن يحوز قبل رفيقه فخر تلبية نداء سعد باشا. وبعد ربع ساعة أقبل عوض بك الجندي شقيق يوسف بك الجندي ووراءه «مظاهرة» كبيرة مؤلَّفة من جميع طبقات زفتى، فسأله سعد باشا عن أخيه، فأجابه بأنه غائب في المنصورة، فكلفه أن يبلغه تحياته ودعاه وإياه إلى تناول الغداء على مائدته في اليوم التالي، ثم شكر الجموع التي احتشدت لتحيته، وأمر السائق بالعودة إلى مسجد وصيف.

•••

وفي نحو الساعة الواحدة بعد الظهر دعانا الرئيس الجليل إلى تناول الغداء معه كما يدعو كل يوم الذين يقصدونه لزيارته والسؤال عن صحته، فنهضنا إلى قاعة الطعام وترأَّس هو المائدة، وكان دولته يأكل تارة من الألوان التي تُقدَّم إلينا، وطورًا يؤتى له بألوان أخرى أخف من ألواننا وأسهل هضمًا منها مراعاة لصحته، وكان حفظه الله يتفقد ضيوفه من حين إلى آخر، فيقول لهذا إنه لا يأكل ما فيه الكفاية، ويسأل لماذا لم يأكل مِن اللون الفلاني، واتفق أن أحدنا أصيب قبيل الغداء بانحراف بسيط لم يمكنه من الجلوس معنا على المائدة، فسأل الرئيس عنه غير مرة واهتم بشأنه، وطلب من الدكتور حامد أن يعوده، ولما وافانا إلى المائدة عطف عليه دولتُه بعبارات لطيفه وأمر الخدم بأن يقدموا إليه طعامًا خفيفًا حتى لا يتعب من الأكل.

ولاحظنا في آخر الغداء أن دولة الرئيس الجليل تَعِبَ، فَرَجَا منه أحدُنا أن يدعنا ويصعد إلى غرفته ليأخذ قسطه من الراحة، ولكن دولته أبى أن يتركنا وحدنا وظل يحادثنا حتى فرغنا من أكل الفاكهة وشرب القهوة، فقال لنا: «أنتم في بيتكم، وأنا أشكركم جدًّا على زيارتكم، ولكن اسمحوا لي بأن أستريح قليلًا.» ونهض فنهضنا وراءه وأقبلنا عليه فحييناه ودعونا له بالصحة والعافية وطول العمر، فغادرَنا وهو يقول: «مرسي! مرسي! متشكر!»

وبعدما استرحنا قليلًا ودَّعنا الأستاذ الجزيري الذي مكث عند الرئيس وركبنا السيارة وعدنا إلى العاصمة، فبلغناها بعد ساعتين وألسنتنا تلهج بما رأيناه من كرم سعد البلاد ومكارم أخلاقه.

(٥) سعد ومعيشته في مالطة

قصدنا إلى سعادة حمد الباسل باشا ورجونا منه أن يفضي إلينا بتفصيل ما جرى لسعد وصحبه الثلاثة عند نفيهم إلى مالطة في بدء الثورة المصرية، وبوصف معيشة الرئيس الجليل في منفاه، فقابلَنا سعادتُه بما جُبل عليه من الرقة والبشاشة وأجلسَنا في قاعة تطل على الشرفة التي ألقى منها «سعد زغلول» خطابه الأول عن الوفد المصري والغاية من تأليفه، وهو الخطاب الذي نوديَ فيه لأول مرة باستقلال مصر وسقوط الحماية البريطانية عنها، وكأن ذكرى هذا الخطاب وذكرى «سعد» وهو يلقيه بصوته الجهوري الرنان حرَّكَتا في فؤاد «حمد» ما يكنُّه من الذكريات الوطنية، فانطلق يحدثنا عن حكاية نَفْيِهم إلى مالطة بإفاضة وبلاغة كأنه يتلو علينا تلك الحوادث من كتابٍ نُقش في أعماق القلوب وحُفر بحروف ثابتة خالدة على لوحة الأذهان، فلم تُمْحَ على مر الأيام.

حدثني حمد باشا فقال:

«قبيل غروب شمس يوم من الأيام اعتقلَت السلطة العسكرية سعد باشا وصَحْبه الثلاثة، ونقلنا جندها إلى ثكنات قصر النيل، وهناك أبلغونا أننا سنسافر في صباح الغد، وأنه يحسن بنا أن نأخذ معنا من الثياب والملابس ما يكفينا لشهر على الأقل. فسألنا إلى أين سنسافر، فأجابونا بأننا سننقل إلى بقعة غير معلومة، فألححنا في معرفة هل تقع هذه البقعة في الأراضي المصرية، أو فيما يجاورها من الديار الفلسطينية، أم أننا سنجتاز البحار وننفى إلى غير بلاد الشرف من الأمصار، فكان الجواب أن الجهة التي سنرحل إليها يجب أن يبقى اسمها مجهولًا عنا، فأذعنَّا للقوة واستسلمنا لمشيئة خالقنا، ورضي رجال السلطة بأن نجلب من منازلنا ما نحتاج إليه من الحاجيات في رحلتنا، كما أنهم سمحوا لكلٍّ منا بأن يستصحب معه خادمه.

وفي صباح اليوم التالي وضعت أمتعتنا في سيارة من سيارات الجيش الكبيرة، ودُعينا نحن إلى ركوب سيارات صغيرة نقلتنا من ثكنات قصر النيل إلى محطة العاصمة، ووقفت بنا على رصيف القطار الذي أقلَّنا في الساعة الحادية عشرة إلى بورسعيد، وكان يحرسنا في ديواننا اثنان من الضباط وأربعة من جنود الشاكي السلاح.

ولما دنا القطار من الإسماعيلية أخذنا نتساءل هل سننزل فيها توطئة لنقلنا إلى السويس ومنها إلى سيلان، أو إلى غيرها من بلاد الله الواسعة، أم سنستأنف سفرنا إلى ما بعدها من المحطات، فلما بلغنا الإسماعيلية ولم يبدُ من حراسنا حركة أو إشارة، أدركنا أنا قاصدون إما إلى القنطرة فنذهب منها إلى فلسطين، أو إلى بورسعيد لنركب منها متن البحر الأبيض المتوسط، ولكننا لم ننزل في القنطرة فقلنا إلى بورسعيد إذن. ولما وصلنا إليها قادونا إلى باخرة كانت راسية في مينائها واسمها «كالدونيا»، ولم يكن فيها سوى جند وضباط من رجال الجيش البريطاني وكانوا مسافرين إلى أوروبا.

وركبنا الباخرة ونحن نجهل الجهة التي نقصد إليها ولكن لم تكد الباخرة تقلع بنا وتمر أمام تمثال «دي لسبس»، حتى جاءنا الضابط المكلف بحراستنا وأخبرنا أننا ذاهبون إلى مالطة التي اختارها ولاة الأمور منفًى لنا، فاعترضنا عندئذٍ على استصحاب خدمنا معنا، وقلنا إنه إذا كنا نحن قد أتينا عملًا تظن السلطة العسكرية أننا نستحق النفي عقابًا عليه، فما ذنب هؤلاء الخدم المظلومين الذين لم يكن لهم في الموضوع ضلع، فلما سمع خدمنا هذا الكلام «احتجُّوا» عليه وأقسموا أن يرافقونا في جميع غدواتنا وروحاتنا، ويشاركونا في سرائنا وضرائنا.

وفي اللحظة التي خرجتْ فيها الباخرة من المياه المصرية قيل لنا إن البحر لا يزال مملوءًا بالألغام التي بثها الألمان في كل مرحلة من مراحله لاقتناص بواخر الحلفاء، كما قيل لنا إنه يجب علينا أن نكون دائمًا على استعداد لكي ننجو بأنفسنا في حالة حدوث انفجار، ولكيلا نؤخذ على غرة أخذوا يدرِّبوننا مع الجنود الذين كانوا مسافرين معنا على سبل النجاة والخلاص، فكانوا يعطون كل واحد منا طوقًا من الفلين ويرشدونه إلى مكانه في قارب النجاة المعيَّن لنزوله فيه في حالة حدوث انفجار في الباخرة، ثم يمثِّلون رواية الغرق بجميع أدوارها ليتأكدوا من أننا استوعبنا الدروس التي ألقوها علينا في هذا الشأن.

ولما صرنا على مقربة من مالطة توقفَت الباخرة عن السير ثم لم نلبث أن أبصرنا زورقًا بخاريًّا يدنو منها قادمًا من الجزيرة، فأدركنا في الحال أنه الزورق المعد لنقلنا إلى البر، ولما صار محاذيًا للباخرة صعد منه إليها ضابط فظ الطباع شرس الأخلاق، فحيَّانَا بعجرفة وخاطبنا بغطرسة قائلًا إنه لا يسمح لكلٍّ منا إلا بحمل حقيبة صغيرة، أما الحقائب الكبيرة فيجب أن نتركها وراءنا في الباخرة لأنه لا محل لها في الزورق، واتفق أن ربان الباخرة كان واقفًا بجانبنا ساعتئذٍ، فلما سمع اللهجة التي يخاطبنا بها هذا الضابط دنا منه وقال له إنه يحمل توصية بوجوب معاملتنا باحترام، فلم يسعه عندئذٍ سوى الإذعان، ورضي بأن نأخذ معنا ما نريده من حقائبنا وأمتعتنا.

ولما وطأت أقدامنا البر، ألفينا مركبة صغيرة ذات عجلتين في انتظارنا، فأركبنا فيها سعد باشا وأحد الأصحاب، وسرت أنا والصاحب الرابع بجانبها على الأقدام.

وبعدما سرنا مسافة طويلة وصلنا إلى قشلاق «فردالا»، الذي اختاره ولاة الأمور البريطانيون ليعتقلونا فيه، فخصصوا لكل واحد منا غرفة للنوم وغرفة للجلوس وحمامًا، وكانت غُرَفَنا كلها واقعة في صف واحد بعيدًا عن أماكن الجنود، فاسترحنا واغتسلنا وأبدلنا ملابسنا، ثم سألْنا عن التدابير التي اتخذت لإعداد طعامنا، فأجابونا أنهم سيصرفون لنا كل يوم كذا دراهم من الخضار وكذا دراهم من الزبدة، فاعترضنا على هذه المعاملة، فقالوا إنهم سيختارون لنا طاهيًا ألمانيًّا بارعًا ليطبخ لنا ما نشاؤه من الأطعمة وأصناف المأكولات بما يصرفونه لنا كل يوم من المواد الغذائية، وزادوا على ذلك أنه إذا كنا نبغي أن نحصل على مأكولات أخرى، ففي طاقتنا أن نحصل عليها من «كانتين» الضباط، على أن ندفع نحن ثمنها من مالنا الخاص، فسررنا بذلك وجمعنا ما كان معنا من مال يسير، وأخذنا ننفق منه على شراء ما كان يطيب لنا من المأكولات والأطعمة، وطلبنا من القائمين على حراستنا أن يسمحوا لنا بمكاتبة أهلنا ليبعثوا إلينا بما نفتقر إليه من مال، فقالوا لنا إنهم سيؤدون عنا هذه المهمة، وفعلًا أخبرونا بعد يومين أن كلًّا منا تلقى خمسمائة جنيه من مصر، وأن هذا المبلغ أُودَعَ باسمه في صندوق مكتب القشلاق، فكنا إذا اشترينا شيئًا من «الكانتين» أمضينا على الفاتورة فيأخذها مديره ويقبض قيمتها من مكتب القشلاق الذي كان يخصم ما يدفعه عنا من المال المودع عنده باسمنا.

وبعدما استقر بنا المقام في مالطة قال لنا سعد باشا في يوم من الأيام إنه فرغ من إعداد برنامج معيشتنا في منفانا، فخصص بعض ساعات النهار للدرس والمذاكرة، وخصص ساعات أخرى للمطالعة والمحادثة، وخصص ما بقي من الساعات للتريض والتفكه. وإذ كان رجال القشلاق يطفئون أنواره الساعة التاسعة مساءً طلبنا أن يَدَعوا أنوار غُرَفنا مضاءة حتى الساعة الحادية عشرة، فأجابونا إلى طلبنا.

والتقيت في مالطة برجل ألماني (من المعتقلين الألمان) عرفته في الفيوم وكان يعطيني دروسًا في اللغة الإنجليزية، فسررت بلقائه، ولما عرف سعد باشا تاريخ علاقتي به، كلفني أن أطلب منه أن يعطيه دروسًا في اللغة الإنجليزية، فرضي الرجل عن طيب خاطر، وأخذ الرئيس يتلقن تلك اللغة على يده.

figure
سعد المفكر.

وكنا حتى ذلك الحين نجهل تمامًا ما حدث في مصر من الحوادث عقب إبعادنا عنها، إذ إن القائمين على حراستنا كانوا يَحُولون دون تسرب الجرائد إلينا، ولكن أحد الضباط المكلفين بمراقبتنا قال لنا مرة: «إنكم غادرتم مصر بعدما صيرتموها شعلة من نار»، فأدركنا أن في مصر حالة غير عادية، ولكننا لم نشأ أن نكثر من السؤال والاستقصاء كي لا تحوم الظنون حولنا.

وبعد يومين، دخل علينا طاهينا الألماني وأخرج من حذائه نسخة من جريدة التيمس ودفع بها إلينا، فقرأنا فيها أن الشعب المصري هاج وماج على أثر القبض علينا وإبعادنا، وأن مصادمات شتى وقعت بين الطلبة والجنود البريطانية، وأن الطيارات الإنجليزية ألقت قنابلها على عربان الفيوم وقتلت أربعمائة منهم، وأن الجماهير تبدي مقاومة في كل مكان وأن وأن وأن … إلى غير ذلك من أخبار الحركة التي كنا نجهل أمرها كل الجهل، فترحمنا عندئذٍ على الموتى وأدركنا أن الشعب المصري جادٌّ في نهضته ماضٍ في نضاله، فأقسمنا ساعتئذٍ على أن نفنى في خدمته وفي سبيل الدفاع عن قضيته، وأن ننبذ الحياة المادية ولا نهتم إلا بالشئون المعنوية، وبِتنا على أحرَّ من جمر نرقب ما تخبئه لنا الأيام من مفاجآت.

وكان القائمون على حراستنا يسمحون لنا بالتنزه في أنحاء الجزيرة والتجول في أرجائها مرتين في الأسبوع، ولكنهم كانوا يطلبون منا في كل مرة أن نوقع تعهدًا نتعهد فيه بشرفنا بألا نفرَّ ولا نحاول أن ندبر سبيلًا للفرار، وألا نخاطب أحدًا ولا نعطي نقودًا لأحد، وألا نَمَسَّ بأذى أحد جنود صاحب الجلالة البريطانية أو أحد جنود الحلفاء. ومع أننا كنا دائمًا نمضي على هذا التعهد، فإن أحد الضباط كان يصحبنا دائمًا في غدواتنا وروحاتنا «بصفة دليل» على ما كان يقال لنا.

وكان هذا الضابط يتفقدنا صباحًا ومساءً، ففي الصباح يقرع باب غرفة كلٍّ منا ويقول «جود مورننج»،٣ فإذا أجبناه «جود مورننج» تأكد من وجودنا وانصرف، وإذا لم يجدنا في الغرفة ظل يبحث عنا إلى أن يقول لنا «جود مورننج» … وكان في المساء يعيد الرواية عينها، فيقرع باب كل غرفة من غرفنا ويقول «جود نايت»،٤ فنقول له «جود نايت»، وإذا لم يسمع جوابًا من داخل الغرفة انطلق يبحث عن صاحبها حتى إذا وجده قال له «جود نايت»؛ أي إنه متمسك جدًّا «بجود مورننج» و«جود نايت»، وإنه لا يستطيع أن يعمل في الصباح بدون أن يصبِّح علينا، ولا يستطيع أن ينام في المساء بدون أن يمسِّي علينا … كان رقيقًا جدًّا.

وزارنا مرة أخرى اللورد منون، حاكم مالطة، العام بلباسه العسكري مع أركان حربه، فتفقد غرفنا وسأل عن التدابير التي اتخذت لإراحتنا وتسهيل سبل إقامتنا ومعيشتنا، ثم أقبل علينا يسألنا بكل احترام وإكرام هل نحن في حاجة إلى شيء نرغب فيه فيقضيه، فشكرنا له عنايته وسألناه عن موعد أوبَتِنا إلى مصر، فقال إنه لا يعلم شيئًا في هذا الصدد.

وبينما كنا جالسين ذات يوم نتجاذب أطراف الحديث، دخل علينا ضابط كبير وقال لنا: «استعدوا للسفر غدًا؛ فسيطلق سراحكم ويسمح لكم بالسفر إلى باريس.» وما لبث الخبر أن ذاع بين إخواننا المصريين المعتقلين في مالطة، فأقاموا لنا حفلة شاي كبيرة حضرها الألمان الذين كانوا معتقلين معهم أيضًا. وبعدما خطب كثيرون من إخواننا المصريين، نهض سعد باشا ورد عليهم بخطاب بليغ يفيض حماسًا ووطنية، فقوبل بالتصفيق الشديد والهتاف المتواصل لمصر للوطن المفدى.

وفي اليوم التالي قادنا الجند إلى المرفأ، وظلوا يحرسوننا ويمنعوننا عن الاختلاط بالأهلين والتكلم معهم إلى أن وصلت الباخرة التي كان مقررًا أن تُقلَّنا إلى فرنسا، ولما صعدنا إليها دنا منا كبير الضباط وقال لنا: «أنتم أحرار الآن يا سادة»، ثم أقبل على كلٍّ منا وصافحه مودعًا برقة وبشاشة.

وكم كانت دهشتنا عظيمة حين ظهر لنا أن هذه الباخرة هي الباخرة «كاليدونيا» التي نقلتنا من بورسعيد إلى مالطة (بل كم كانت دهشتنا أعظم حين اجتمعنا فيها بسائر إخواننا من أعضاء الوفد المصري!) فذرفنا الدمع من شدة اغتباطنا وابتهاجنا، وشَكَرْنا اللهَ على هذا اللقاء الفجائي الذي أدخل السرور إلى قلوبنا وبعث روح الأمل في نفوسنا.

ثم استأنفنا السفر إلى فرنسا ونحن نعلِّق آمالًا واسعة على نبي آخر الزمان الدكتور ولسن، صاحب المبادئ الأربعة عشر الخاصة بمصير الشعوب الصغيرة، المهضومة الحقوق، المسلوبة الحرية والاستقلال، ولكن في اليوم التالي لوصولنا إلى باريس فاجأنا ولسن بقراره الذي وافق فيه على حماية بريطانيا العظمى على مصر.

وإني لا أصف لكم مبلغ ما استحوذ علينا من الاندهاش والاستغراب لمَّا اطلعنا على هذا القرار، ولكن حسبي أن أقول لكم أن عزيمة سعد كانت أقوى من أن يؤثر فيها ولسن أو غير ولسن، فجاهر بأن الوفد المصري سيمضي في جهاده حتى الرمق الأخير من حياة أعضائه.

أجل! لقد ثبت الوفد المصري ونحن اليوم كما كنا بالأمس ثابتون على مبادئ سعد، ثابتون على حب سعد.»

(٦) سعد بين عدن وسيشل

كان الأستاذ مكرم عبيد قد دوَّن مذكرات ضافية عن حياة سعد وصحبه في منفاهم في ميناء «عدن» أولًا، ثم في جزائر «سيشل» النائية، ولكن السلطات البريطانية عثرت على هذه المذكرات التاريخية عند تفتيشها لداره في بعض الظروف السياسية، فأخذتها ولم ترجعها، ففقدت الأمة بمصادرتها صفحة مجيدة من أسطع الصفحات وأغرِّها في سيرة سعد القومية، ولكن ذاكرة وزير الشباب متوقدة نيرة، ولئن كنا قد حُرمنا المذكرات التي خطتها يده، فإنا لم نحرم بعض ما وعته حافظته، فانتهزنا فرصة اجتماعنا به عقب عودته من أوروبا واقتبسنا من حديث أفضى به إلينا المعلوماتِ التاريخيةَ الطريفة التي نسردها للقراء فيما يلي:

في صباح اليوم الذي أذيع فيه تصريح ٢٨ فبراير في مصر، كان الفقيد العظيم وصحبه جالسين في القلعة التي اعتقلوا فيها في عدن يتناولون طعام الفطور، فدخل عليهم ضابط برتبة كولونل كان يقوم بأعمال وكيل الحاكم وقال لهم إنه تلقى أمرًا بوجوب إبلاغ سعد باشا أنه سينقل من عدن إلى جهة أخرى غير معلومة، وأن لدى دولته ساعة ونصف ساعة لكي يعد أمتعته توطئةً لانتقاله إلى السفينة الحربية التي ستقلُّه إلى منفاه الجديد، فقابل سعد باشا النبأ الفجائي برباطة جأش عظيمة، وقابله صحبه بهياج شديد، فسألوا الكولونل عن الحكمة في فصل الزعيم عنهم، فأجابهم أنه لا يعلم عن ذلك شيئًا، وأنه إنما ينفذ التعليمات التي صدرت إليه من رؤسائه، فسألوه هل يستطيعون مرافقة دولته ليسهروا على صحته وإراحته في خلال سفره، فكان جوابه أنه لا يملك سلطة نقض التعليمات التي يعمل بها أو سلطة تحويرها وتعديلها، فقرروا أن يرفعوا احتجاجًا على هذه المعاملة إلى المقامات العليا، فحاول سعد باشا أن يثنيهم عن عزمهم لئلا يؤخر هذا الاحتجاج في عودتهم هم إلى مصر، فلم يسلموا بوجهة نظره وأصروا على وجوب مرافقته إلى النهاية، وفعلًا عهدوا إلى الأستاذ مكرم في كتابة الاحتجاج باللغة الإنجليزية، وقد طلبوا فيه أن يسمح لهم بمرافقة الزعيم، أو إذا كان ذلك متعذرًا لصغر السفينة، فلا أقل من أن يسمح لأحدهم بأن يكون في صحبته، وأرسلوا الاحتجاج مع رسول إلى سراي الحاكم.

وبعد ساعة ونصف ساعة توجه سعد باشا إلى المرفأ ليركب السفينة التي أعدت لسفره وسمح لصحبه بمرافقته إليها، فساروا حوله وهم يبكون ويتحسرون، بينما كان دولته يبذل جهده ليسكن من روعهم وهو رابط الجأش ثابت الخطى، ولما صعد إلى السفينة وأزفت ساعة الفراق رفع منديله ملوحًا وأنشد بصوت مؤثر قائلًا:

وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
يظنان كل الظن ألَّا تلاقيا

ثم عاد صحب سعد إلى القلعة صامتين واجمين وقد ساورهم شعور أليم؛ وهو أن وداعهم للرئيس في ذلك اليوم قد يكون الوداع الأخير، ولكنهم ما كادوا يعودون إلى القلعة ويستقرون فيها حتى تلقوا نبأً من الحاكم بأن المراجع العليا أذنت في أن يرافق أحدهم سعدًا إلى منفاه الجديد، فاغتبطوا بهذا النبأ بقدرِ ما كان الظرف يسمح به من اغتباط، وبعدما بحثوا في الأمر مليًّا ورجعوا إلى سعد باشا في قرارهم، اختير الأستاذ مكرم عبيد ليرافق دولته في سفره، فحزم أمتعته وانتقل إلى السفينة، وكانت ما تزال راسية في الميناء، وسمح لسائر صحب سعد بالصعود إليها لتوديعهما فيها، وبعد يومين أقلعت بهما وهما يجهلان وجهة سيرها، ولكنهما تذكرا أنهما سمعا وهما في عدن أن سعد باشا سينتقل إلى سيشل، فتوقعا أن يذهبا إليها، غير أنهما لم يتمكنا من تحقق ذلك؛ لأن رجال السفينة كانوا يمتنعون عن إجابتهما على كل سؤال في هذا الصدد، فإذا ما انقضى عليهما ثلاثة أيام في عرض البحر أقبل عليهما ربانها وأخبرهما أنهما ذاهبان إلى سيشل، وأمضى سعد باشا أيام السفر متعبًا؛ لأن السفينة كانت صغيرة لا تزيد حمولتها على تسعمائة طن، وكان الأستاذ مكرم ينام على سرير صغير يقابل السرير الذي كان الرئيس ينام عليه في «القمرة» التي أفردت له.

ولما وصل سعد باشا والأستاذ مكرم إلى «ماهي» عاصمة جزائر سيشل، هرع سكانها لمشاهدتهما، وكانوا يُحيُّون سعد باشا باحترام وإكبار لِما سمعوه عن اسمه ومقامه بين قومه، فكان يردُّ لهم التحية باسمًا شاكرًا، وبعدما قابلا الحاكم أبلغا أنهما سيقطنان في دار اختيرت لإقامتهما على ربوة تبعد عن البلد نفسها مسافة غير قصيرة، فأعرب سعد باشا عن رغبته في مشاهدتهما، فحملوه إليها بمركبة صغيرة يجرها رجل من الوطنيين بيديه، وحملوا الأستاذ مكرم بمركبة مثلها، فلما وصل الرئيس إلى الدار وتفقد نظامها، قال إنها تبعد عن قلب البلد مسافة عظيمة، وإنه لو احتاج إلى طبيب أو إلى دواء لفاضت روحه قبل أن يصل إليه الطبيب أو الدواء، وبعد أخْذٍ وردٍّ طويلين اقتنعوا بعدالة طلبه، فأسكنوه مع الأستاذ مكرم في دار قاضٍ كان غائبًا بالإجازة.

وبعد أيام نقلوهما إلى جزيرة «ليلونج»، وهي تقوم على مقربة من «ماهي»، فسُرَّ سعد باشا بهذا الانتقال؛ لأن المناظر الطبيعية فيها كانت تأخذ بمجامع القلوب، وقد أعد لسكنه دار فسيحة تحيط بها حدائق غنَّاء. فلما استقر بهما المقام فيها، جعل سعد باشا يقول للأستاذ مكرم إن المرء يتمنى لو يتاح له أن يعيش مدة طويلة منعزلًا عن الناس وعن ضوضاء المدن في مثل هذه الجنة الفيحاء، وكان دولته يعتقد وهو يقول هذا القول أنه لن يعود إلى مصر حيًّا، وإلا فما الغاية من نفيه في تلك الجزائر البعيدة النائية بعدما كان معتقلًا في عدن، ثم يعود فيقول: «إن الأمر موقوف على ثبات الأمة، ولي فيها عظيم الثقة.»

وكان الرئيس الجليل يمضي أوقاته في سيشل بالتريض والتنزه تارة، ويتجاذب أطراف الحديث مع الأستاذ مكرم تارة أخرى، وكانت أحاديثهما تتناول جميع الموضوعات الفلسفية والاجتماعية والأدبية، علاوة على البحث في جميع المراحل السياسية التي اجتازتها القضية الوطنية، وقد قص سعد باشا على الأستاذ مكرم في أثنائها علاقته بالثورة العرابية وببعض الحوادث التي حدثت عند إنشاء الجمعية التشريعية، ولما اكتشف دولته أن الله حَبَا الأستاذَ مكرم بصوت شجي، كان يلح عليه بأن يسليه بإنشاد بعض القصائد المشهورة، ويقول الأستاذ مكرم إنه كان للفقيد ولع خاص بأشعار سامي البارودي باشا.

ثم خطر لسعد باشا أن يتعلم اللغة الإنجليزية على يد الأستاذ مكرم، فعكف على تلقينه أصولها ومبادئها بأسهل الطرق وأقربها إلى الفهم، فأظهر (رحمه الله) عبقرية مدهشة في تفهُّم عباراتها واستيعاب ألفاظها، ومما تَحْسن الإشارة إليه هنا أنه كان يدرس الإنجليزية في الكتاب الذي وضعه المستر مكدونلد رئيس الوزارة البريطانية الحالية عن «الاشتراكية». وكان من عادته إذا قرأ كلمة إنجليزية تشابه بنطقها كلمة فرنسية يعرفها، يطلب من الأستاذ مكرم أن يفسرها له، فإذا جاء تفسيرها مخالفًا لتفسير الكلمة الفرنسية يقول له: «أنت مخطئ»، ثم يكب على مناقشته فيها بما اشتهر به من حب الجدل والمناقشة، وأخيرًا فكر الأستاذ مكرم في حل لطيف لهذه الحالة، فطلب من الرئيس الجليل أن يدونا الكلمات المختلف عليها على ورقة مستقلة، ويحتكما في تفسيرها إلى شخص يعرف اللغة الإنجليزية غيرهما.

وبعد أيام أبلغ سعد باشا أن صحبه الذين تركهم في عدن سيلحقون به، وفي اليوم المحدد لوصولهم انتقل دولته مع الأستاذ مكرم إلى جزيرة «ماهي» لاستقبالهم، ولما رآهم نازلين من الباخرة التي أقلَّتهم إليها، انهمرت الدموع من عينيه وقال: «إن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن أفارق هذه الحياة وأنا بعيد عن أولادي»، فدعوا له بطول العمر، وكان سرور الجميع باجتماع الشمل يفوق الوصف.

وكان أول ما فعله سعد باشا بعد ذلك أن سأل عاطف بركات باشا عن الكلمات التي اختلف مع الأستاذ مكرم على تفسيرها، فجاء شرح عاطف باشا مطابقًا لشرح الأستاذ مكرم فضحك سعد باشا واقتنع.

وكانت السلطات المحلية قد استعدت لإيواء النزلاء الجدد، فأعدت لسعد باشا وللأستاذ مكرم دارًا تَسَعُهما مع خدمهما، وأعدت للنحاس باشا وفتح الله بركات باشا وعاطف بركات باشا وسينوت حنا بك دارًا أخرى على مقربة من الدار الأولى، ولكن الجميع كانوا يتناولون طعام الغداء والعشاء على مائدة سعد باشا ليتسلى بوجودهم حوله، ثم انتقل دولته والنحاس باشا والأستاذ مكرم وسينوت بك إلى دار فخمة تقع فوق ربوة جميلة قدمها لهم وجيه مسلم عاد إلى الجزيرة بعد غياب طويل عنها، وظل فتح الله باشا وعاطف باشا يقيمان في الدار الأصلية، ولكنهما كانا يصعدان إلى قمة الربوة عند حلول ساعة الأكل لينضما إلى إخوانهما حول مائدة سعد باشا، ولما استقر قرار ولاة الأمور البريطانيين على نقل الرئيس الجليل من سيشل إلى جبل طارق، أخذ معه صورتهم الفوتوغرافية، وتروي أم المصريين أنها لما لحقت به هناك كانت تراه كل يوم يضم تلك الصورة إلى قلبه وهو يقول: «هؤلاء هم أولادي، فليحرسهم الله بعنايته.»

(٧) سعد وحياته في سيشل وجبل طارق٥

كان الرئيس يستيقظ من نومه مبكرًا جدًّا، حوالي الساعة الخامسة والنصف أو السادسة، وبعد أن يغسل وجهه ويرتدي ثيابه، يجلس خارج غرفته بالبلكون يطالع درسه الإنجليزي، وكان يهتم به كثيرًا جدًّا، حتى بلغ الأمر منه أنه كان يجلس الساعات الطوال يطالع تلك اللغة بمساعدة مكرم بك، وبلغ من مغالاته في الانهماك بها أن كان يقرؤها حتى في فراشه وإبان ساعات نومه، ولم تَقِل ساعات مذاكرته يومًا عن ست ساعات على أقل تقدير، حتى إن أصحابه كثيرًا ما أظهروا عدم ارتياحهم إلى إنهاك قواه العقلية بهذا الشكل، وأنحوا باللائمة كثيرًا على الأستاذ مكرم الذي كان يقوم بتدريسها له، وكان يدرسها في بعض الأحيان أيضًا على عاطف بركات باشا، ولكنه كان يفضل درسها على الأستاذ مكرم، وكنت أساعده دائمًا في تفهم معانيها ومخاطبته بها وتمرينه عليها، وكان الأستاذ مكرم يدعوني لذلك أحيانًا «مساعد معلم الرئيس» على سبيل المزاح.

قلت إنه كان يجلس كل يوم في الصباح بالبلكون بعد أن يرتدي ثيابه يطالع كتابًا في الإنجليزية إلى أن يحين موعد الفطور، وفي كثير من الأحيان كان يستيقظ عاطف باشا مبكرًا أيضًا ويجلس بإزاء الرئيس لمطالعة الدرس الإنجليزي، وفي الساعة الثامنة يكون أول الداخلين إلى غرفة المائدة مع عاطف باشا، ثم يتبعهما بعد ذلك النحاس باشا وفتح الله باشا وسينوت بك، فالأستاذ مكرم الذي كثيرًا ما يكون هو الأخير في الحضور إلى المائدة.

وفي أثناء الطعام يتجاذبون أطراف الحديث الذي يدير دفَّته الرئيس والأستاذ مكرم غالبًا، وعند انتهاء الطعام يجلس الرئيس مع الأستاذ مكرم إلى درسه الإنجليزي، وينفرد عاطف باشا بركات بكتاب يطالعه أو بمذاكرة اللغة الفرنسية، التي كان مولعًا بها ويساعده فيها أحيانًا مصطفى النحاس باشا، ويجلس فتح الله باشا لتلاوة القرآن أحيانًا، وأحيانًا كان يجلس للحديث مع عاطف باشا وسينوت بك، وهكذا إلى أن يقرب وقت الغداء، فيقوم الرئيس لأخذ حمامه اليومي، ثم يخرج إلى غرفة المائدة؛ حيث تكون الساعة الأولى بعد الظهر، وبعد الانتهاء من الطعام يخرجون إلى النوم مباشرة ويستيقظون منه حوالي الساعة الثالثة والنصف لتناول الشاي، ويذهبون جميعًا عدا الرئيس وأنا للنزهة اليومية خارج الحصن صحبة الضابط النوبتجي لمدة ساعة من الزمن، أو في المسافة الواقعة ما بين الحصن وحظيرة الأبقار القريبة منه، ويتبعهم عن بعد جندي من الأهالي.

وكان الباعث على عدم خروج الرئيس كل يوم للنزهة هو أنه كان يرى مشقة عظيمة في الصعود والهبوط من الوادي إلى البيت، وكان يكره منظر «الديدابانات» المنتشرة حولنا هنا وهناك لشدة حبه للحرية؛ الأمر الذي جعله ينفر من كل مظهر من مظاهر التقييد، وبهذه المناسبة أذكر أنه عندما صعدنا لأول مرة إلى سجننا وألقينا نظرة على الغرف وأثاثها البسيط ومحتوياتها القليلة، نظر معاليه مليًّا ثم قال: «هذا حسن …» فأجبته وكنت بقربه قائلًا: «وسنكون بمعزل عنهم لا يروننا ولا نراهم.» فقال: «أحسنت جدًّا، وهذا ما أردت أن أقوله.»

ثم التفت إلى فتح الله باشا وسينوت بك ومَدَحَ لهما دقة ملاحظتي تواضعًا منه وتلطفًا، وفي أثناء ذلك كنت أسير بصحبة الرئيس جيئة وذهابًا في البهو ونتحادث بالإنجليزية لأجل تمرين معاليه، وعند عودتهم يجلس سعد باشا والأستاذ مكرم وعاطف باشا والضابط النوبتجي وسينوت بك للعب الورق، ويجلس فتح الله باشا والنحاس باشا للعب الدومينو، وقبل أن يحين ميعاد العشاء الذي كنا نتناوله عادة حوالي الساعة الثامنة، يقوم الرئيس وصحبه للسير في البهو مدة نصف ساعة، وأحيانًا كنت أمارس ومصطفى النحاس باشا وفتح الله بركات باشا والأستاذ وليم مكرم بعض الحركات الرياضية من قفز أو ركض، وبعد تناول طعام العشاء الذي كانوا يدعون إليه في كثير من الأحيان الضابط الإنجليزي النوبتجي، يجلسون للحديث والسمر فيقص عليهم معالي الرئيس شيئًا مما وقع ورآه إبان الحوادث العرابية وبعدها.

وكثيرًا ما كنا نتفقد معالي الرئيس فلا نجده، فيذهب الأستاذ مكرم من جهة وأنا من جهة أخرى، فنعثر به سائرًا حول الجزيرة على شاطئ البحر الرملي، وقد كان معاليه يحب السير على قدميه كثيرًا جدًّا، وكان يسير بخطوات شاب بارز الصدر مرتفع القامة ثابت القدم.

وأحيانًا كنا نذهب جميعًا فنجلس على شاطئ البحر مفترشين الرمل الناعم النظيف، وكنت أبحث لهم عن ودع يلعبان به السيجة.

وفي بعض الليالي كان يجلس الرئيس والأستاذ مكرم ويبدأ الأستاذ مكرم بالغناء بصوت مطرب خلب ويصغي إليه الرئيس بسرور، وكان يساعده في ضبط نغمة الألحان أحيانًا، فيوقع الرئيس الغناء وينشده الأستاذ مكرم بصوت مطرب للغاية.

وأحيانًا يتناول الرئيس كتابًا من الشعر ويتلو بعضًا من القصائد بينا نصغي إليه، وكان يحب الشعر السلس غير المعقد ويقول: «إن الشعر الجيد على ما أرى هو ما يفهمه القارئ والسامع لأول وهلة، أما ذلك الذي يحتاج إلى إعمال الفكر في تفهم معناه فليس في نظري بشعر جيد.» وكان معاليه والأستاذ مكرم يميلان إلى شعر محمود سامي باشا البارودي، وخاصة ما قاله وهو في منفاه عن مصر، وكانا يتفاءلان خيرًا به وكثيرًا ما رددا أبياته بالغناء والترتيل.

في جبل طارق

علمنا عند قدومنا إلى جبل طارق أن للرئيس مطلق الحرية في الذهاب والإياب داخل حدود جبل طارق، على شرط ألا يتعدى الأرض الإنجليزية.

وقد استصدروا من معاليه قَسَمًا بعدم محاولة ترك جبل طارق بدون تصريح له منهم بذلك.

ورغم ذلك فإنهم وضعوا للرقابة رجالًا من البوليس الملكي يسيرون وراء معاليه أينما سار، وكانوا ظاهرين، ولكن لما أظهر الرئيس عدم ارتياحه من هذه المراقبة الظاهرة إلى رئيس البوليس المستر كوكلان، تحولت المراقبة فصارت مستترة، وكان أولئك الرجال المراقبون من سكان البلاد وهم يجيدون الإنجليزية جدًّا ويتكلمون الإسبانية كذلك، وكثيرًا ما كان معاليه يذهب إلى السوق على قدميه وهو يقع في أسفل الصخرة، ويبعد عن البيت نحو ٤٥ دقيقة، فيبتاع شيئًا من الجرائد وقليلًا من الفاكهة.

وكان في كل صباح يتنزه في حديقة المنزل نحو ٢٠ دقيقة قبل الفطور، فيسير مسافة ميل ونصف ميل ثم يعود إلى قراءة المجلات والجرائد الإنجليزية (التي كنت أساعده على تفهم ما يجيء فيها بخصوص مصر) وغيرها.

وكان كذلك يقوم بهذه النزهة بعد ظهر كل يوم، أما في الليل فلا يخرج، وكان الناس أثناء مروره في الطريق يشيرون إليه بالبنان ويتهامسون باسمه.

وقد لاحظ معاليه بعد قليل من وجودنا هناك أن الطربوش يستلفت أنظار الناس، فاشترى قبعة كان يلبسها كلما خرج للتنزه.

وأحيانًا كنا نستقل عربة تمرُّ بنا حول الصخرة بين طلولها القديمة، وقد رأينا فيما رأينا برجًا يقول الناس إن بانيه هو طارق بن زياد، ولم يبقَ منه إلا رسومه، وقد أحاطته الحكومة بسور من الحديد، وهو قائم وسط خلاء شاهد لما كان للعرب من مجد أثيل وعز تليد.

وكانت المراسلات من وإلى الرئيس في جبل طارق غير ما كانت عليه في سيشل، فإنها كانت حرة لا رقابة عليها؛ لذلك كنا نتلقى كل يوم وابلًا من الرسائل التلغرافية، كما كان يأتينا البريد بكثير من الرسائل البريدية كل عشرة أيام تقريبًا من مصر، وكل أسبوع من أوروبا.

ونَشرَت مرة جريدة إسبانية، تَصدر هناك، مقالةً مطولة شديدة اللهجة بإمضاء إنجليزي يقطن مصر اسمه «أميجو»٦ يدعو فيها أهل جبل طارق والإسبانيين إلى الاحتفاء بزغلول باشا زعيم مصر الكبير وإكرامه، بل يدعوهم أيضًا إلى الاحتجاج على سجنه والسعي في الإفراج عنه، ويشرح نتفًا من تاريخ حياته وأصله.

فكانت النتيجة أن أقفلت السلطة الإنجليزية تلك الجريدة يومًا وبعض يوم حتى اعتذر أصحابها وقدموا الضمان على عدم العودة إلى مثل هذا العمل، وقالوا إنها رسالة وصلتهم من مصر وقد نشروها بحسن نية، فعادت جريدتهم إلى الصدور.

وقد أراد الرئيس الاستمرار في تعلم اللغة الإنكليزية التي كان يتلقاها في عدن وسيشل على الأستاذ مكرم، وكنت أساعده في التمرن على الكلام بها، فطلب من الدكتور لو كهد أن يبحث له عن معلم أو معلمة إنجليزية لتعطيه دروسًا فيها، فأتى له الدكتور بشاب من صف الضباط بالجيش الإنجليزي يعطيه أربعة دروس في الأسبوع مقابل ثلاثة جنيهات شهريًّا.

figure
سعد في مسجد الوصيف.

وقد تقدم معاليه تقدمًا محسوسًا فيها، وإنما كان يحتاج إلى زمن طويل لإخراج العبارات لعنايته الزائدة بتركيبها النحوي.

أما صحته فأخذت في التقدم منذ وصولنا إلى جبل طارق، حتى تم شفاؤه من مرض البول السكري، فبشر بذلك حرمه تلغرافيًّا.

ولكنه سئم الوحدة، فكتب إلى حرمه بالحضور إلى جبل طارق، فوصلت إليه يوم ١٦ نوفمبر سنة ١٩٢٢ مع المرحوم سعيد بك زغلول والسيدة فهيمة هانم التي جاءت بصفة ممرضة لحرم الرئيس وخادم وخادمة.

فاستقبلناهم بالميناء، وقد انتظر الرئيس في بناية للحكومة على البحر، ودخلت أنا إلى آخر الرصيف، فكان استقبالهم لي مؤثرًا، وعانقني المرحوم سعيد زغلول بك شكرًا على ما قمتُ به من التطوع لهذا النفي الطويل، فأخذتهم إلى حيث كان الرئيس، وهناك كان البكاء وصرير الأسنان، فقد بكى معاليه وبكت حرمه ولم يتمالك أحد من الحضور دموعه.

وعدنا جميعًا إلى المنزل حيث لبس حلة من السرور والسعادة لم تك به من قبل، وظل الرئيس وحرمه في صحة جيدة إلى وقتِ أن تركت جبل طارق في نوفمبر سنة ١٩٢٢.

١  وصيفة سعد باشا الألمانية وهي على جانب كبير من التثقيف العلمي والخلقي.
٢  من وصف لزيارة قام بها المؤلف مع بعض أصدقائه للرئيس الجليل في مسجد وصيف في شهر أكتوبر سنة ١٩٢٧م.
٣  أيْ أسعدتم صباحًا.
٤  أيْ أسعدتم مساءً.
٥  من ذكريات محمود أفندي عبد الله تابع سعد باشا.
٦  هو المستر أميجو التاجر المعروف في بورسعيد، وهو صديق قديم للشيخ علي يوسف ومصطفى كامل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١