أرباب مهجورة١

كانت الأقدار في عون الآلهة التي لم ترزق حظها من العبادة، ولم يكتب لها نصيبها من الصلوات والقرابين. إن الجائع الذي لا يجد طعامه لبائس جد بائس، ولكن أشد منه بؤسًا وأبلغ منه شقاوة ذلك الإله الذي خلق ليؤمن به المؤمنون، والذي نحت من معدنه لتخر له الجباه وتستلقي في محرابه الهامات، ثم هو باق في العراء مستلق على الرمال، لا محراب ولا كهان ولا دعاء ولا صلاة، فهذا بؤس الآلهة وهو إله البؤس كما يقولون! ولعل الجائع الذي ضل طعامه واجد من يعطف عليه ويرثي لحاله، أو غير يائس من لقيمات يقتات بها من يد غني أو فقير، أما الآلهة المنكوبة في عبادها فلا عزاء لها ولا عطف بينها ولا رجاء في إنسان ولا إله؟! ومن أين يأتي العطف في عالم الآلهة؟ ليس بين الكائنات العليا إلا تقاليد البلاط أو شارة العداء والقتال، وأما الناس فهم إما معطوها العبادة أو معطوها الفناء، وهي عندهم إما رب يطاع أو حجر يلقى على عرض الطريق، فويل للآلهة المسكينة من عبادها الأقوياء عليها، ثم ويل للعباد من آلهة لا تحفظ نفسها، وهم يرجونها لحفظ العالمين!

في الوادي الشرقي من أُسْوان إلهان أو ثلاثة من هذه الآلهة معزولة، تركها الناحتون حيث نحتوها من الصخر الخامل المنسي في غمار المناجم، وضنوا عليها بالنقل إلى حيث تقام على قدميها وتتلقى نصيبها من الدعاء والبخور، تركوها في العراء وأودعوها ذمة الخمول، فلا يعلم الناظر إليها من هي ولا من هم أولئك الذين جنوا عليها تلك الجناية، فلا هي من الصخر ولا هي معدودة في زمرة المعبودين، وهي هناك عمل لم يبلغ تمامه وشيء لم يأخذ له صورة في الأخلاد، وبنية شائعة بين الآلهة والملوك يطلق عليها كل اسم ولا يطلق عليها اسم من الأسماء، أهذا «أوزوريس»؟ نعم في زعم أناس يعرفون ملامح الإله ويأخذونه بالمخايل والأشباه! فمسكين هذا «الأوزوريس» النكرة يكاد لا يعرفه أحد بين الصخور إذا فقد الشارة والعلامة! ومسكينة تلك الإلهية التي تنتهي بصاحبها إلى هذا المصير.

وإذا سألت أناسًا آخرين من أصحاب الآلهة الأقدمين أنكروا الشبه، وقالوا لك: لا، ليس هذا صاحبنا «أوزوريس» ولا هو في السمت الذي عهدناه لذلك الإله العظيم، وما هو إلا ملك مجهول أو إله لم يدرج اسمه بعد في دفتر المواليد، فمن هو! لا نعلم ومن ذا الذي يعلم الملوك والأرباب إذا تجردوا من الحلل وخرجوا من المحراب!

وإذا أعدت إليهم السؤال عن الجبار الآخر المطروح على مسافة منه، فعلمهم به كعلمهم بذاك وعلمهم بهذين كعلمهم بكل أثر هنالك لم يبلغ التمام ولم يكشف عنه اللثام، وغاية ما يهديهم الظن إليه أن هذه الآثار قد تكون لأبي «إخناتون» رسول الشمس والوحدانية، ومنكر الأوثان والوثنية، مات الوالد ميتته العاجلة فعق الولد تذكاره برًّا بأتون وإشفاقًا على الدين الحديث من بقايا الدين القديم.

أو أن «أمنحوتب الثالث» والد ذلك الرسول قد غضب على عامل التماثيل، فلم ينقده أجره وأقصاه عن حظيرته، ونبذ تماثيله في مكانها ثم عوجل بالموت فلم يعن خليفته بأمرها، يعزز هذا الظن أن اسم الملك منقوش على لوحة من الصخر هناك يواجهها عامل التماثيل داعيًا مبتهلًا وهو ممحو المعارف مدثور السمات، فهل صنع الملك به ذلك الصنيع من غضب عليه أم صنعه به أناس من مشوهي الصور وكارهي هذه العبادات؟ هنا ينتهي الظن إلى ظنون، وهنا لا نعلم نحن ولا هم يعلمون.

أما المكارون الذين يصحبون رواد الآثار في ذلك المكان، فعلمهم بكل شيء فيه علم اليقين وتاريخهم الذي يقصونه عليك لا تلعثم فيه ولا تشكيك. هذا تمثال رمسيس. وذلك تمثال آخر لرمسيس، وذلك مقعد عظيم كان يجلس عليه رمسيس، فما أسعد ذلك الملك في عالم الذكر والخلود! لقد جار في حياته على آثار الغابرين فدعاها لنفسه، وطمس أسماءهم ليلحقها باسمه، ثم ها هو بعد آلاف السنين من ذهاب سلطانه ينحله الشعب ما لم يعمل، وينسبون إليه ما ليس له من أثر، ويجعلون اسمه عنوانًا لكل مالك وكل معبود وكل تمثال! فما من تمثال إلا هو تمثال رمسيس، وحسب الملوك الآخرين عزاء أنهم معروفون عند العارفين، ومجهولون عند أولئك الجاهلين!

على أنك هنا في مكان تلمس فيه قرب الذكر من النسيان وصلة النباهة بالهوان، كلها من معدن واحد وكلها في جيرة واحدة، فهذه فضلة الصخر التي بين يديك لا علامة عليها ولا نقش فيها ولا تنويه. ربما كان شطرها الآخر تمثالًا نصبوه في بعض المعابد المصونة فحيته الوجوه زمانًا بالسجود، وارتفعت له الألسنة زمانًا بالدعاء، وذكرته الأقلام زمانًا في صحف التاريخ واقترن ذكره زمانًا بذكر العبادات والآلاء والفتوح والأنباء، أو ربما كان شطر منها ذلك التمثال المغمور في الرمال، لم يعرف له اسم ولم يبرح مقره من صفحة الخمول، وكلها بعد صخرة واحدة تلك الفضلة المنبوذة، وذلك الصنم المعبود وهذا التمثال المهجور.

وعن يمينك وعن شمالك عشرات من الحجارة المعلمة، كانت في طريق الحجاج إلى معبد إيزيس، أو الغزاة في سبيل الذود عن الوطن والطموح إلى الخلود. عبرتها الملوك والقواد فنقشوها وأفردوها بالعلامات والشيات، فانظر إليها تجد لها بروزًا على لداتها وأقرانها، واستطالة على القمم الباذخة من فوقها، وفيم ذاك؟ أصلها من أصول الحجارة الصلب التي تحيط بها، وموضعها قريب منها إن لم يكن دون موضعها، وإنما عبر بها الملوك وأفردوها بالنقوش فجاءها النبل وتوارثت التنويه! وهل كان للناس في القديم من نبل وتنويه غير أن يعبرهم الملوك جادين أو لاهين، ويخلعوا عليهم شية من الشيات، أو طلسمًا من طلاسم الأسماء؟

وتأمل في أصنام مصر التي حج إليها الناس قديمًا، ويحجون إليها في هذا الزمن الحديث هل تجد صنمًا لم يكن في سالف عهده صخرة مطروحة بين هذه الصخور؟ قل فيها من نجم في غير هذه البقعة أو البقاع القريبة منها، فهي لو حنت إلى أصلها لعادت شظايا بددًا إلى هذه التربة التي لم تكترث فراقها ولم تأسف عليها، وها قد أخذ الخلود شبعه من المنجم الغني فماذا غير فيه وماذا أحدث في نواحيه؟ لا يزال فيه متسع لكل ذكر على الأرض، وكل صنم تستدعيه العبادة والإعجاب، ولا يزال الخمول بخير لا يحس ما يسع به الذكر الحميد أو الذميم، وما تأخذه منه الشهرة بالحق أو بالباطل والبهتان.

•••

دعتني هذه البقعة إليها كما تدعوني كلما نزلت بأسوان، فما تسأم هي الدعوة وما أسأم أنا التلبية، وكيف وهي تدعو الناس إليها باسم أعظم الأشياء في هذا الوجود؟ باسم الحياة تدعوهم وباسم الخلود وباسم الفناء، وليس أعظم من هذا الثالوث داعيًا يجيبه السميع.

تسلك هذا الطريق فيغمرك نور شمس لا تدري كيف يكون معها الموت، ويحدق بك موات صحراء لا تدري كيف تكون معه الحياة، وفيما بين ذلك ذكريات باقيات وآثار خالدات، وحسيس أصوات خافت من عبقريات ذاهبة، طالما جاست في هذه الديار ونقبت في هذه الأحجار، وأفرغت عليها من روحها فإذا هي ملك تعرفه بسيماه أو رب تسجد له الجباه، فإذا غشيتك غاشية الحلم بين هذه العناصر والأطياف فأنت في طريقك هذا كأنك في تلك البقعة التي كان يجتازها الخضر كل خمسمائة عام، فيجد فيها البحر في موضع المدينة ويجد فيها المدينة في موضع البحر، ويراها خلاء قواء في هذه الزورة، ويراها مروجًا وبساتين في الزورة التي تليها، وفي كل مرة لا يكف عن العجب وهي في كل مرة لا تكف عن التجديد، فقد كان هنا نيل لا يزال واديه مشقوقًا في الهضاب ثم جف النيل وجرت الأقدام منه مجرى السفن، وكانت هنا آجام تعمرها الفيلة والأسود فلا آجام اليوم ولا أوابد، إلا قليلًا من الأرانب والظباء والوعال، وفلولًا من الثعالب والذئاب والضباع، وكانت هنا حصون هاجمها الفناء حتى عفى عليها أو كاد فخلفتها حصون أخرى يهاجمها الفناء ويعفى عليها أو يكاد، وكانت هنا معابد فصوامع فمساجد ثم جاء على آثارها خراب تدين له بيوت الأرباب، والناس ولا يعفى منه قديم ولا حديث، وحول ذلك الصحراء تستأثر بالبقاء الطويل لا يتبدل فيها شيء إلا أن يكون جبل صامت في موضع بركان ثائر، وغدير وشيك النضوب في موضوع كثيب من الرمال.

•••

وقف بي الحمار عند «المسلة» الكبرى التي أراد بها البناة أن تكون أكبر مثيلاتها في مصر فأبت الأيام إلا أن تظل في أحضان الجبل على قيد باع من التمام، وقف هنالك لأنه تعود الوقوف على الآثار والإبطاء على معالم هذه القفار، فأرسلته وأنا أحمد له ما استطاع من الشغف بذلك التاريخ القديم، وأفاضل بينه وبين من تحفزهم إلى المكان عادة كعادته، أو من لا يحفزهم إليه شيء قط وهم على مسيرة لحظات منه! وأويت إلى كنف الجبل توقرني الذكرى الحافلة بالعبر، ويحف بي الضياء الزاخر بإشراق كإشراق الأمل، وحرارة كحرارة الهيام، وأنشد بيني وبين نفسي:

طهرت بماء سمائها أمم
وبه تطهر روحها الهند
والروح أولى أن يطهرها
نور يجف بها ويمتد
فيض يشف فما به كدر
ومدى يفيض فما له حد

وجلست ما بدا لي أن أجلس، ثم نهضت إلى الحمار وهو مطرق «يفكر» كحمار شيخوف فلعله يسأل نفسه. ما لهؤلاء الناس ولهذه البقعة لا يفتئون يأتون بي إليها من حين إلى حين؟ وماذا يشوقهم منها ولا علف فيها ولا خضرة ولا ماء؟ فإن لم يكن هذا سؤاله فهو أعلم من أناس يسألون هذا السؤال، ولا يعثرون له على جواب!

١  ٣٠ ديسمبر سنة ١٩٢٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤