الجمال والشر في الفنون١

كان السلطان سليم أديبًا ينظم الشعر ويحسن الاستماع إليه، وكان حاكمًا صارمًا لا يستجيب إلى الأدب إذا دعاه صوت السياسة، فمثل بين يديه يومًا رجل مقضي عليه بالموت عرف ما في نفسه من حب الأدب وتقريب الشعراء، فتوسل إليه أن يصغي إلى قصيدة أعدها لاستعطافه، فأذن له في الإنشاد، وما هو إلا أن استهل الرجل أبياته حتى أقبل عليه السلطان بجملته وظهر عليه الإقبال والإعجاب، وجرت عبراته على خديه إلى أن فرغ الشاعر من القصيدة، وقد حدثته نفسه بالنجاة ووقف يترقب كلمة العفو تنفرج بها تانك الشفتان المزمومتان، ولكن السلطان لم ينطق بتلك الكلمة ولم يرجع عن قضائه الذي قضاه فيه، وقال: إنما كانت الدموع جزاء شعره وأما ذنبه فلا بد له من جزاء.

ذكرت هذه «النادرة» وأنا أقرأ مقال الأستاذ طه حسين عن الحرية والفن في مجلة «الجديد»، فقد تكلم الأستاذ عن بودلير، وقال في وصفه: إنه «إذا ذكر الحب ذكر معه الألم والموت، وهو إذا ذكر الألم ذكر معه الحب والموت، وهو إذا ذكر الموت ذكر معه الألم والحب، وهو في كل ذلك حر جريء مجازف، يتخير أبشع الصور وأقبحها وأشدها تأثيرًا في النفس من هذه النواحي البشعة القبيحة، وهو مادي التصور، لحسه المادي أثر قوي في شعره، ولا سيما حس اللمس والشم والبصر؛ فهو يعرض عليك هذه الصور البشعة التي يحسها الشم أو اللمس أو البصر في الأجسام الهالكة المتحللة. و«أزهار الشر» هذه التي يشتمل عليها ديوانه أزهار فيها جمال قوي رائع، ولكنه في الوقت نفسه بشع مخيف تضطرب له النفس وتشمئز في كثير من الأحيان، فهناك مسألتان يثيرهما شعر بودلير: إحداهما قدمتها لك، وهي: هل للفن أن يستمتع بحريته الكاملة بالقياس إلى الأخلاق والسياسة والدين وما إليها من النظم الاجتماعية؟ وجواب هذه المسألة طبيعي، فأما أصحاب الفن فيقولون نعم؛ لأنهم يطالبون بحريتهم إلى أقصى حدودها كما يطالب العلماء بحريتهم العلمية في أقصى حدودها، وأما الحكومات والبرلمانات وحماة النظم الاجتماعية والسياسية فيجيبون: لا، وجوابهم هذا يختلف باختلاف حظوظهم من المحافظة والاعتدال والتطرف، وما أرى إلا أن هذا الخلاف سيظل أبدًا، أما المسألة الثانية التي يثيرها شعر بودلير فأجل من هذه المسألة خطرًا، وأخلق منها بعناية الكتاب والأدباء عندنا، وكم أحب أن أعرف فيها رأي هيكل والعقاد، وهي: هل يستطيع الفن أن يتخذ الشر موضوعًا ويستخلص منه صورًا فنية جميلة، وبعبارة أدق وأوضح: هل في الشر جمال يصلح موضوعًا للفن؟»

ذكرت قصة السلطان سليم وأنا أقرأ هذا المقال وأنتهي منه إلى هذا السؤال، فإن شأني مع بودلير وأمثاله شبيه بشأن السلطان سليم مع شاعره المذنب المنحوس، أرثي له وأدينه في آن، وأقرؤه وأود لو أنه لم يكتب شعره، ولم يخلق بذلك المزاج الذي أوحاه إليه، فلو كنت قاضيه وسيق إلي بديوانه المطبوع وديوانه المخطوط لحذفت منه الكثير، وأرسلت به إلى المستشفى أو السجن ثم أوصيت به الطبيب أو السجان، وربما حرصت بعد ذلك على «ملف القضية»؛ لأنه يشتمل على ديوان المتهم!

ولكنني إذا حكمت عليه وأنا قاض في محاكم الناس فإني لأحكم له لو كنت قاضيًا في المقادير محتكمًا في قوانين الوجود، فلو جاء يستنصفني — وقد أخذ بتلابيب الحياة — لأنصفته منها وألزمتها العوض مما جنت عليه؛ لأنه يستطيع أن يقول والحق كله فيما يقول: «إن هذه الحياة قد جارت علي أقبح الجور، وحرمتني الأبوة وحرمتني المنزل الأنيس، وحرمتني العافية وحرمتني كل لذة من لذات الطبيعة البريئة. أسقمتني فبدت لي سقيمة، شاهت في عيني فلم أرها إلا شائهة، خذلت قواي فما أبقت لي من بقية إلا تلك القوة التي ألعنها بها، وأصوغ الشعر في هجائها»، «وأمسيت معها كأنني ملك تجري في عروقه الملتفة دماء شائخة، وتغيم على سماء بلاده المواطر المكفهرة، وإنه لصبي في عمره شيخ في همومه. يعرض عن مجالس النصحاء ليقع في السآمة بين كلابه وألاعيبه؛ فلا كلاب الصيد تستفزه ولا جوارحه تهزه، ولا يتحرك في وجهه أثر خالجة، ولو ماتت رعاياه على باب قصره، ولن يستطيع نديمه المهذار — وإن أغرب في الحيلة والدعابة — أن يطلع بابتسامة على تلك السحنة المريضة الكابية. حسان البلاط اللواتي يبر بهن جميع الملوك لن يخففن بالزينة الوقاح شيئًا من كآبة تلك العظام النخرات، وسريره المفروش بالرياحين كالقبر في غاشية ذلك الظلام، والطبيب الذي يأخذ ذهبه ينفخ في روحه على غير جدوى، ويغمسه في حمام من الدماء كتلك الحواميم التي كان أبناء روما يسخنون بها عروقهم الفاترات، ولكنه لن يسخن آلام هذا الميت النواضب من الدماء؛ لأن في عروقه ماء أخضر من نهر النسيان٢ أمسيت على هذه الحالة الكريهة مع الحياة فلم يكفها ذلك حتى أسلمتني إلى الشلل والجنون، ثم نبذتني إلى القبر غير مشيع وغير مأسوف علي! فإذا أنا أحسنت في هجائها فهل يغمطني القضاء العادل فضل ذلك الإحسان؟ وإذا هي أوحت إلي وأبنت لها عن وحيها فهل صدقت أنا أو كذبت في ذلك البيان؟»

يستطيع بودلير أن يقول ذلك لو أتيح له أن يأخذ بتلابيب الحياة إلى موقف القضاء، فيكون الحكم له عليها في شريعة العدل المطلق ولا يكون لها عليه، ولا سيما وهو صادق في شره، صريح في ألمه، مجيد في صراحته، يأبى أن يرائي الخير الغالب، ويرجم الشر الموءود مع الراجمين، وأي شر؟ لقد خيل إلى المسكين أنه شرير خلو من الخير، وما كانت ثورته الخائبة على الطبيعة إلا ضرًا من ثورة الضمير على ظلم الشرور، ولا كان إمعانه في النظر إلى الدمامة والقبح إلا اشمئزازًا معكوسًا يأخذ من نفسه الكليلة مأخذ الانتقام، وإخال ستورم صاحب المقدمة التي صدرت بها أشعاره في اللغة الإنجليزية قد أنصفه ولم يظلم الحق حين قال: «إنه سلك إلى الخلاص سبيله السفلية» إذ لو كانت غاية الرجل من التسفل أن يصل إلى الحضيض لما برمت نفسه بما هو فيه، ولكان ثمة في عنصره الذي يكون فيه الشرير كما يكون السمك في الماء. ولكنه شقي بائس، ولو عقب المنصفون بكلمة واحدة على ديوانه وحياته لما كانت هذه الكلمة إلا «مسكين» وإلا فأين الشر اللئيم من نفس تكره الحياة؛ لأنها لا تقدر على أن تنال العطف وأن تنيله لمخلوق؟ وأين الشر اللئيم من نفس رزقت العطف المزيف مرة واحدة فلم تقصر في الرحمة والوفاء ما استطاعت الرحمة والوفاء؟ وممن كان ذلك العطف الذي استحق رحمة بودلير ووفاءه؟ من بغي خلاسية كانت تتودد له فواساها في مرضها، وأنفق عليها في المستشفى وحفظ لها من حقوق الحب ما ليس يحفظه بعض المحبين.

•••

أما الشر والجمال فقد اجتمعا كثيرًا في الطبيعة والحياة فلماذا لا يجتمعان كثيرًا في القصيد وسائر الفنون؟ بل لقد كان القبح نفسه — وهو نقيض الجمال — موضوعًا للفنون الجميلة من شعر وتمثيل وتصوير، فلم نستغرب مجيئه في ذلك المعرض، ولم يمنعنا دور القبح أو الشر الذي يمثله الممثل، أو يصوره المصور، أو يصفه الشاعر، أن نعرف فيه مزية الأداء الجيد الجميل؟ وقد روي عن ليونارد دافنشي المصور الباحث العظيم أنه كان يتصيد المتسولة القباح المعارف والأجسام فيسقيهم الخمر ويقص عليهم النوادر المضحكة ليغربوا في الضحك ويلمح على وجوههم المنكرة سرور البشاعة المخيف، فيلتقطه لتوه ويسجله في كناشته، وهو سعيد بتصويره الجميل لذلك المنظر القبيح، وكان شعار التصوير في الزمن القديم: «إذا كنت لا تجد من يحب أن يراك فكيف تجد من يحب تصويرك؟» أما اليوم فشعار الفنون عامة أن كل ما يؤدي أداء جميلًا فهو موضوع صالح للقلم والريشة والمعزف، وعلى هذا يعطينا الشاعر جمالًا حين يعطينا الجثة الميتة في قصيد جيد الوصف والأداء، ويفعل الممثل شيئًا حسنًا حين يتقن تمثيل الغدر والدناءة والإثم والرذائل الشائنة لمن يقارفها من الناس.

إن البركان الثائر لمن أجمل المناظر التي تتملاها العيون، وتهتز لها النفوس، وهو مع هذا يهيج على المدائن فيدمرها، وعلى الأحياء فيقتلها، وعلى التماثيل البديعة فيتلفها؛ فهو من هذه الناحية شر يستدفع، وبلاء لا يستطاب، فإذا قلنا: إن البركان جميل فنحن لا نقول إنه جميل؛ لأنه شر يوبق ويهلك ولا يشفق وإنما نقول: إن الجمال فيه معزول عن الشر في السبب والمظهر، فلو أمنا شره لخلص لنا جماله، وطابت لنا رؤيته بغير تنغيص ولا حذر.

وما من شيء في الدنيا هو شر في ذاته ولذاته، وإنما يكون شرًّا حين يضاف إلى غيره ويستعمل في موضعه. ﻓ «الميكروبة» كما يقول أوليفر لودج: فتح من فتوح الحياة حين تخلق وتتميز من المادة الصماء، ولكنها بلاء على الحياة حين تصارعها في جسم حي آخر فتضنيه أو ترديه، فما بال الميكروبة إذن لا تكون جميلة إذا كان لها وجود مستقل يمكن إدراكه والتأمل فيه بمعزل عن الأحياء الآخرين!

وربما كانت مسألة الشر في بعض الأحايين مسألة مقادير لا مسألة أساس ولباب. فالسم قليله خير وكثيره شر، وقد يكون قليله وكثيره جميل المنظر إذا اجتزأنا منه بالنظر البعيد.

وربما كانت مسألة الشر أيضًا مسألة أفراد وأوقات، لا مسألة عموم ودوام، فما يكون شرًّا لهذا يكون خيرًا لذاك، وما يتقى شره في زمن قد يطلب خيره في زمن سواه، فهو ليس بالقبيح على إطلاقه، وما دام كذلك فلا تناقض بينه وبين الجمال ولا حرج على الفنان أن يوجه إليه ملكة الفن الجميل.

وهب أن شيئًا ما لا يكون أبدًا إلا قبيحًا مخيفًا أليس من وظيفة الفنون أن تحرك فينا الشعور بالحياة، وتنبه فينا كوامن الإحساس بكل ما في هذا الوجود الذي نعيش فيه؟ فالفن لا يخطئ حين يمثل الشر المخيف، والخوف في ذاته كالسرور إذا قسناه بمقياس الإحساس، ولم ننظر إلى العواقب وراءه والأسباب، ولكننا إذا أجزنا للشاعر أن يتخذ الشر موضوعًا في بعض الأحيان لا نبرئه من تهمة المسخ والانحراف حين ننظر في شعره فلا نرى فيه إلا الشر والقبح والخوف والانقباض، فنقول: إنه شاعر يصف ما يحسه ويجيد وصفه وأداءه، ثم نقول إنه يحس هذا دون غيره؛ لأنه ممسوخ منحرف منقوص الحظ من العبقرية والحياة.

ذلك مجمل رأيي في سؤال الأستاذ طه حسين، وهو بعد رأي يتسع فيه القول للتمثيل والإسهاب.

١  ٢٧ إبريل سنة ١٩٢٨.
٢  القطعة من أول أمسيت معها إلى نهر النسيان ترجمة قصيدة الانقباض ﻟ «بودلير».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤