الأزهر الشريف

في نهاية السكة الجديدة، من الناحية الشرقية على يمين السائر، حارةٌ ضيقةٌ توصل إلى مسجد جامع عتيق، هو الأزهر الشريف.

لا خلاف بيني وبين أهل مصر، في أن هذا هو الأزهر، فقد زاره بعضُهم لطلب العلم، وزاره آخرون ابتغاء الاستطلاع، ومن لم يره منهم لا يجهل أنه في هذا الموضع وعلى تلك الحال.

ولكني على يقين من أن الأجانب في شك منه، فإنهم يسمعون في بلادهم، أن الأزهر أكبرُ الجامعات الشرقية، ومن أعظم المساجد الجامعة الإسلامية، وأنه إن لم يكن أجمل مكان في الشرق، فهو جديرٌ بعناية الأمراء، ورعاية العظماء فلا بد أن يكون قريبًا من جامعات برلين ومدارس مونبلييه، وما إلى ذلك من تلك المعاهد، التي ورثت عن منشئيه العلم، وتلقَّت عن مبدعيه البيان.

لا يهمني أَصَدَقَ الأوروبيون أن هذا هو الأزهر، إيمانًا بإغفالنا له وانصرافنا عنه، أم حسبوه مكانًا غير هذا المكان، ولو في سماء الخيال، ظنًّا منهم أن المصريين أكرم من أن يهملوا مسجدًا جامعًا مثل هذا المسجد الجامع، وأجل من أن يغفلوا معهدًا كهذا المعهد.

نعم لا يهمني ذلك؛ لأني لا أشك في أن هذا هو الأزهر، الذي نفتخر به، ونغضب له — وإن كنا عنه معرضين.

تدخل في هذا المسجد الجامع، فلا يروقك فيه شيء، أرضٌ منخفضة، وسقف غيرُ مرفوع، وأعمدةٌ قصيرة كأعمدة المقابر، وحيطان قاتمة كحيطان الأجداث، ونوافذُ بخيلة بالضوء، ضنينةٌ بالهواء، ومصابيحُ ضئيلة، لا تقتل الظلمة، ولا تكشف الغمة، وهو أحوجُ إلى أكبر منها في النهار المبصر، فكيف به في الليل المظلم، لا فرش له إلا الحصير الممزق والتراب المكدس، والناس فيه ما بين آمل غير واجد، أو زارع غير حاصد، لا طمع لهم في مناصب الحكومة، ولا أمل لهم في إسعاد الأمة، وقد يئسوا من إنصاف الوزراء، وإنجاد الأمراء.

ثم تراهم لا يصدقون أن لهم شيوخًا يعطفون عليهم، أو رجالًا يرأفون بهم، فهم لا يعرفون آباء غير آبائهم، ولا أعمامًا غير أعمامهم، وكذلك ينكرون جميعًا قول الشاعر:

أقدم أستاذي على نفس والدي
وإن نالني من والدي العز والشرف
فذاك مربي الروح والروح جوهر
وهذا مربي الجسم والجسم كالصدف

إنهم لا يعرفون هذا الشعر؛ لأن الشيخ الذي سلف، والشيخ الذي خلف؛ لم يرفعا عنهم شيئًا من الضر، ولم يسوقا إليهم نوعًا من الخير، فهم اليوم مثلهم بالأمس، أكثر شقاء وهمًّا، وأكبر عناء وغمًّا؛ لأنهم يرون الناس في تقدُّم، ويرون أنفسهم في تأخُّر، ويرون المدارس يعمها العدل، والأزهر يخصه الظلم.

ثم يرون لكل شهادةٍ أثرًا في الحياة، وقيمة في الوجود، ويرون شهادتهم ورقة لا كالورق، فهي مزيَّنة، ولكن بالمواعيد الكاذبة، ومزخرَفة، ولكن بالأيمان الحانثة، حتى كأنها قطعةٌ من معاهدة الصلح لا يُضمن لمن أنصفتْه سلام، ولا يُرجى لمن نصرتْه قيام، وحتى كأن مجلس المشيخة هو مجلس الشيوخ، وهم قد شبعوا من المجد الموهوم، والشرف المعدوم، فما عادوا يُصدقون بأن شهادة الأهلية أو شهادة العالمية، حرز من الفقر، وأمان من الدهر.

ثم هم فكروا طويلًا في انتسابهم إلى الأمة المصرية والسلالة العربية، ولولا أن الأجانب يصفو عيشُهم على ضفاف النيل، وفي سفح الأهرام؛ لظنوا أنفسهم من الجاليات الأوروبية أو الأمريكية.

وقد بحثوا كذلك في سبب شقائهم، ومصدر بلائهم، فلم يهتدوا إلى موجبٍ صحيح، أو داعٍ معقول، اللهم إلا حياء ظنه الناس من الجبن، وحِلْمًا حسبوه من الذلة، وهم لا يستطيعون أن يُرجعوا ذلك إلى حبهم للوطن وعشقهم للحرية، وبغضهم للظلم، فإن ذلك مشترك بين عامة الناس وشائع في كافة الأجناس.

فلم يبق إلا أن يكون الأزهر شقيق الهم، وحليف الغم، لا يدخله امرؤ إلا تقوَّس ظهره، وتقوض عمره، ولا يفزع إليه فتًى إلا تزعزع كيانه، وتضعضع بنيانه.

وهو — بفضل إغفال الحكومة — جديرٌ بأن يَقتل كل شاب تضمه جدرانه، ويذهب بكل بصر ينظر فيه صفحةً من كتاب، أو فقرةً من خطاب، وكذلك لن يزال — بفضل الشيوخ — مبعثًا لظلم العواطف، وقتل المشاعر، يقرءون فيه العلم، فيتعرَّفُون به الظلم، ويتدارسون فيه أخبار الأسلاف، فيئنُّون من جَوْر الأخلاف.

كانت مدة الدراسة في الأزهر الذي وصفناه اثني عشر عامًا، فرأت المشيخة أنها لا تكفي لتضييع العمر، وتقويس الظهر، فزادتها أعوامًا ثلاثة فصارت خمسة عشر.

من هذا يشكو إخوانُنا طلبةُ الأقسام النظامية، في المعاهد الدينية، وقد رأت لجنتنا الجديدة، أنْ لا تنام لها عينٌ، ولا يهدأ لها قلبٌ، حتى ترجع المشيخة عن هذا القرار الظالم، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.

٢

إن طلاب الأزهر لا يعرفون غير متاعب الحياة؛ فهم في سني الدراسة يعانون الآلام بين الكتب المعقدة، والدروس المتعددة، ثم إذا اجتازوا عقبات الامتحان، بعد العمر الطويل، والهَمِّ الجزيل، دخلوا في حياةٍ لا حَظَّ لهم فيها غير حظ الأعزل من النصر، في ميدانٍ كلُّه رماحٌ طوال، وسيوفٌ صقال … وهل بعد ذُبول الأغصان، وكلال الأجفان وتقوُّس الظهر، وتقوُّض العمر؛ غرضٌ يُرجى نواله، أو هَمٌّ يُبتغى زواله.

هؤلاء هم الأزهريون الذين كانوا يملئون البلاد علمًا وحكمة لو أتيح لهم التغلُّب على مصاعب النظام القديم والحديث، هؤلاء هم الأزهريون الذين كانوا مادةَ الحياة العلمية في عصر الظلمات، وهم أصل النور في هذا العهد الجديد، هؤلاء الأزهريون ينادون بملء أفواههم أنْ خُذُوا بيدنا أيها القائمون بالأمر، فلا يَستمعُ لهم أحد، ولكن أيغلب اليأسُ الرجاءَ ويغدو الأملُ صريعَ القنوط؟ إن هذا لَبعيد.

٣

نقول الآن — وسنظل على هذا الرأي حتى حين — إن النبوغ الذي امتاز به بعضُ الأزهريين في الزمن القديم أو الحديث، ليس أثرًا من آثار الإدارة التي تولاها زعماؤه الأقدمون أو المحدثون، ولكنه أثرٌ من آثار الذكاء الذي انفرد به بعضُ الشبان الذين هيأت لهم ظروفٌ خاصة أن يخرجوا على التقاليد البالية، وأنْ يشاركوا جمهور المبدعين في العلم والأدب، وأن يتركوا لأنفسهم أثرًا يُذكرون به في العالمين.

فإن كنت في شك من صواب هذا الرأي فاقرأْ — إن شئت — تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وانظر كيف تأثر بالتعاليم الحديثة حتى صار عَلَمًا يُهتدى به، أو احضرْ دروسَ الأُستاذ الشيخ يوسف الدجوي؛ لترى كيف استعان الفلسفة الحديثة، لفهم الفلسفة القديمة، أو خالط النابغين من علماء الأزهر الآن، فإنك لن ترى نبوغهم مصبوغًا بصبغة العلوم التي يتلقَّوْنها في ذلك المعهد القديم، بل تراه مطبوعًا بطابع الزمن الذي يعيش فيه، والذي كان يجب أن يكون التعليمُ في الأزهر مصبوغًا به ومطبوعًا عليه لو وَجد هذا المعهد من يُعنَى به من زعماء الإصلاح.

في الأزهر الآن جماعةٌ من عشاق النهوض، تراهم إذا زرت الجامعة المصرية أو مدرسة الأزهر الفرنسوية، تراهم فلا تشعر بغير الإعجاب بهم والإعظام لهم، ولكنك تشعر بعد ذلك بكثير من الألم الممزوج بالإشفاق إذا قيل لك: إن هؤلاء قد يحسبهم زملاؤهم وأشياخهم غير مهتدين.

وقد زعمت ليلى بأني فاجر
لنفسي تُقاها أو عليها فجورها

هؤلاء الشواذ — فيما يرى بعض الشيوخ — هم زينة الأزهر في القديم والحديث، وهم الذين اضطروا القائمين بالأمر في المعاهد الدينية إلى أن يتأملوا قول علي بن أبي طالب — كرم الله وجهه: «علموا أبناءكم؛ فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم»، وهم الذين تذهب نفسهم حسرات كلما رأوا وقوف الأزهر عند مبدئه العهيد، وشهدوا الزمن يمشي بأهله إلى ذرى المجد الشامخ، ألا إن التقدم حركة، فويل للواقفين.

كل ما في الأزهر من علم، وكل ما فيه من أدب؛ إنما هو من آثار الذكاء الذي قَبَرَه الزمن في تلك البقعة المحجوبة عن النور والضياء، وليس لتلك الإدارة المهدَّمة الجوانب غير ما نراه من عموم الجمود، وشُمول الخمود، فمتى يبعث الله لهذا البيت العتيق مَنْ يأخذ بيده من تلك الهوة التي تردى فيها بفضل ما لأبنائه من عقوق؟ ومتى يتحقق الأمل في عشرين ألفا من الرجال قضى عليهم الجد العاثر والنجم الآفل، أن يكونوا وقودًا للهيب الهمجية؟

اللهم غفرًا! يزهر العلم في كل بلد، ويتقدم أهله في كل قطر، ويكون حظ الأزهر من بين جامعات العالم كحظ مصر من بين الأمم، ثم يعيش الأزهريون عيشة النائمين، لا هم أحياء فينتفعوا بما في الكون من مظاهر الحياة، ولا هم أموات فيحظَوا بما بعد الموت من نعيم.

تلك آمالنا قضى عليها الإهمال، وهذي آلامنا يضاعفها إصرار «المصلحين» على دفننا أحياء في تربة اليأس القاتل، ولكنا سندفنهم — بحول الله — فيما ندفن من بقايا الخمول، فهل أدلكم على سبيل النجاة أيها الرفاق المتألمون؟

عليكم بالنظر في كتب المتقدِّمين من الشرقيين، والمتأخرين من الغربيين، ثم اتركوا الحثالة التي جاءت بين هذين العهدين لحضرات الزاهدين في التجديد، إنكم إن فعلتم ذلك ظهرتم عليهم، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.

٤

لقد آن للأمة المصرية أن تنظر في نظام الأزهر وحياة الأزهريين؛ فإنه لم يَبْقَ شيءٌ من خرافات العصر المنصرم، يوم كان الناس يظنون أن الأزهر بابُ الرحمة، ويوم كانوا يحسبون أن الجلوسَ في حلقات العلم ضمانٌ من الفقر وأمانٌ من النار، ويوم كان العامة ينسبون لشيخ الجامع حركات الأفلاك ونظام الكواكب؛ كل ذلك قد تبدل، وأصبح الناس أمام أمر واقع، وهو أن الأزهر معهدٌ علميٌّ يجب أن ينال من الأنظمة النافعة ما يضمن له البقاء والثبات.

جالسْ مَنْ شئتَ من العلماء، وحادثْ من أردت من الطلاب، فلن تجد غير اليأس القاتل، والهم الشامل، ولن ترى لهم من أمل في غير الحياة الثانية، وهم الذين خلقوا ليكونوا زينة الآخرة والأولى.

هل تتفضل المشيخةُ الجليلة فترينا قائمة الأعمال التي أصلحت بها نظام الأزهر في العهد الأخير؟ وهل يتفضل القائمون بالأمر فيُفصحوا لنا عن نِيَّاتِهم في الإصلاح المنشود؟ وهل هَمَّ جماعةٌ منهم بدرس نظام الجامعات، حتى يعرفوا ما هم عليه، وما يحتاجون إليه؟ وهل راقبوا الله في النفوس التي قضى عليها أن تكون تحت إدارتهم؟ وهل فَكَّرُوا في نتائج التهاوُن الذي يَرْتَعُون في أرجائه الفسيحة؟ ثم هل آن لهم أن يعرفوا أن الأزهر إنما أُنشئ ليكون مصدرًا للسعادة، لا منبعًا للشقاء؟

أَيَرُوقُكم أن نحسبكم مشغولين بما أسبغ الله عليكم من النعمة، كما يتحدث بذلك من يتأمل في حاضر الأزهر وماضيه، فهل أنتم ناظرون فيما مُنِيَ به هذا المعهد من التأخُّر والانحطاط؟ وهل تبيض وجوهكم أمام الله وأمام الناس وأمام التاريخ بما تعتزمون المضيَّ فيه من إلحاق الأزهر بالجامعات التي سامته بما سلف حتى سمت عليه؟ وهل نجد في المستقبل الباسم، ما ننسى به هذا الحاضر العابس؟

لقد طفح الكيلُ وأُغرقت الأماني في بحور اليأس، وأصبح الأزهريون وكأنهم من أمة غير هذه الأمة، وقُطر غير هذا القطر، وإلا فلماذا يحرمون وحدهم مما يتمتع به غيرهم من الأمل الضاحك والعيش الوادع؟

هذه كلماتٌ نكتبها ونحن آسفون، وكنا نَوَدُّ لو أن شيوخنا أَغْنَونا عن التفكير في غير العلم، ولكنهم أرادوا أن لا نقرأ صحيفة في كتاب إلا ونحن محزونون، وأن لا نخط سطرًا في صحيفة إلا ونحن متألمون.

فيا رب هل إلا بك النصر يُرتجى
عليهم وهل إلا عليك المعول

٥

رغب المسيو فرناند فور الأستاذ بجامعة باريس ورئيس الجامعة التي استقدمت لامتحان الحقوق الفرنسوية بمصر أن يزور الأزهر الشريف، فسألني حضرة أستاذي المسيو باباني المحامي أن أُرافقه في هذه الزيارة، فقَبِلْت ذلك، واقترحتُ تأخير الزيارة أسبوعًا حتى يعود الطلبة إلى الدروس، وكانوا — إذ ذاك — في مسامحة المولد النبوي، وحددنا للزيارة يوم ٢٧ نوفمبر سنة ١٩٢٠، في اليوم الثاني من عودة الدراسة، وكنت أظن أن الدروس إن لم تكن تكاملت في اليوم الأول فلا بد أن تتكامل في اليوم الثاني، ولكن خاب هذا الأمل وتبين أن الأزهر لا يزال مُطْلَقَ العنان، وأن الطلبة إلى الكسل مخلِدون!

دخلْنا الأزهر بعد الظهر، ثم مشينا معًا بعد أن تُبودِلتْ التحيات بين القادمين والمستقبلين، وكنت عزمت أن أتأمل نظرات هؤلاء الزائرين لهذا البيت العتيق؛ عساني أعرف ما نحن عليه، وما نحن في حاجة إليه، ولكني لم أَمْشِ بضع خطوات حتى خيل إليَّ أن هذا المعهد بقية من بقايا العصور الذواهب، وأنه يجب عليَّ أن أُفهم هؤلاء الناس أن الجامع الذي يجوسون خلاله ليس معهدًا للعلم، ولا مسجدًا للصلاة، ولكنه طرفة عادية «أنتيكة» يؤمها المتشوقون لآثار الزمان الغابر.

وما ظنك أيها القارئ بمسجد ليس فيه من الحصير ما يقي الجالسين عَنَت الرطوبة التي تكمن في مثل هذا المكان الذي ينخفض عن الشارع مترين في بعض نواحيه؟ وماذا عسى أن أجيب به هؤلاء الزائرين إذا قال قائلهم: ما بال طلبة العلم عندكم يجلسون على الحجر العاري من الغطاء؟ وكيف أصبر على نظراتهم إلى الطلبة الذين يتململون من قسوة المكان الذي يجلسون فيه ساعات وهو قاتل؟

وكم تمنيت وقتئِذٍ لو أن أعضاء المجلس الأعلى للأزهر والمعاهد الدينية حضروا هذه الزيارة الجميلة؛ ليشرحوا لهؤلاء الأجانب السبب في جعل الأزهر مقبرةً لطائفةٍ كبيرة من الطلاب، ولعل منهم من درس في الجامعات الأوروبية أو الأمريكية ورأى في أُبهة تلك الجامعات ما يصرف الطلبة عن العلم الصحيح، فيبين للزائرين فضل الخشونة على العلم! ويكشف الغطاء عن الصلة بين الظلمة التي تغشى جوانب الأزهر وبين نور العلم الذي يهديه للناس!

هاتوا شبابي أيها الرؤساء؛ فقد ذهبت به أيامُ الأزهر السوداء، هاتوا أملي فقد ذَوَتْ أغصانه في ذلك البيت العتيق.

كانت هذه الخطرات تمرح في ثنيات نفسي وأنا أصحب أولئك الزائرين، وكنت كلما غلب عليَّ الخجل لبعض دلائل الإهمال، أرفع بصري إليهم وأقول بصوت خافت: «لقد فكر أولو الأمر في إصلاح الأزهر وسيفرشونه بالأبسطة الفارسية بعد حين»، غير أن هؤلاء الفرنسويين على جانب عظيم من أدب الخطاب فكانوا يقولون: «إن التجهم الذي يستقبل به الأزهر زائريه قطعةٌ من جماله؛ لأنه يمثل عهدًا من عهود التاريخ.»

مرحى مرحى! يسرُّكم منظر الأزهر؛ لأنكم ترون فيه مظهرًا من مظاهر الحضارة القديمة، وما يضيركم لو أصبح المشرق كله رواية تاريخية تقرءون حديثها في كتب الغرب، وتنظرون أشخاصها في مصر وفي فارس.

٦

وإن تعجب فعجب قول بعض الأزهريين: اجتهد في أن تفهم أن الأزهر أقدمُ جامعة علمية، ألا فَلْتطمئنوا من هذه الناحية، فقد أفهمتهم أن الحضارة الشرقية أصلٌ للحضارة الغربية، وأن الأزهر مصدرُ العلم الذي ينعمون به الآن … ولكن هل أستطيع أن أقول لهم: إن نظام الأزهر خيرٌ من نظام السوربون، وإن الحصير الممزَّق الذي يجلس عليه الطلبة هنا خير من الأرائك التي تتكئون عليها هناك، وإن الأحجار المنثورة حول الأزهر، يتعثر فيها الطلبة في الغدو والرواح، أجملُ من الحدائق المحدقة بالسوربون يشم شذاها الطلبة في الضحى والأصيل، وإن الكتب المملوءة بالأغلاط، والتي ترد البصر وهو حسير، أنفعُ من الكتب الممتعة النفيسة التي يقرأها الفرنسيون؟ وهل أستطيع أن أقول: إن جامعة الأزهر في بؤسها الشامل، خيرٌ من جامعة باريس في نعيمها السابل؟!

حقًّا إن فينا من يقنع من المجد بالطلل الدارس، والرسم الطامس، وفينا من يرضى باللفظ وإن باد معناه، ويقنع بالاسم وإن ضاع مسماه، فيا رحمة الله لهذه الأمة الآفلة النجم العازبة الحلم!

٧

مشينا ننظر ذات اليمين وذات الشمال؛ لنتبين في وجوه الطلاب دلائلَ الجد والنشاط، وأنا أعلم أنه ليس للطالب الأزهري مثيلٌ في صبره على أعباء الحياة العلمية، وكذلك رَاقَنا منظرُ أولئك الجادين في البحث والتنقيب، وسَرَّني أن لهؤلاء الفرنسويين معرفة باللغة العربية حتى لا يصح لديهم أن الكتب التي بأيدي الطلاب تُماثل ما في شكل الأزهر من الغلظة والجفاء.

ولقد بدا لنا أنْ نزور دار الكتب الأزهرية، وكانت الساعةُ لم تصل إلى النصف بعد الظهر، ففوجئنا بأنَّ المكتبة أُغلقت، وأنْ لا سبيل إلى زيارتها إلا في ضحى الغد؟ فأخذت أفكر في أمر هذه المكتبة التي لا يتمتع بها أحد من الناس، والتي تُشبه دار الآثار في أن لا حظ لأحد منها إلا أن ينظر ما اشتملت عليه بدون أن تنالها يمناه، أستغفر الله، بل تشبه الرسوم الدوارس، ليس للمرء من حظ إلا أن يعرج عليها في الغدو والرواح.

٨

عدنا في اليوم الثاني مبكرين لزيارة المكتبة الأزهرية، فدخل الزائرون وهم يتحرقون شوقًا إلى الوقوف على حركة التأليف عند العلماء، وأخذوا يسألون عن الكتب القديمة والمؤلَّفات الحديثة، فقلنا لهم: إن هذه المصنفات يغلب عليها القدم إلا بعضًا منها؛ مثل كتاب التوحيد للأستاذ الشيخ حسين والي، ولكن الأزهريين لا يعرفون شيئًا عنه؛ لأنه في رأيهم قد خلص المسائل العلمية من المناقشات اللفظية، وهم لا يزالون مضطرين إلى طرائقِ البحث القديمة ليجتازوا الامتحان.

وهنا أَكِلُ إليك — أيها القارئ — وصف ما يجده مثلي من الخجل في مثل هذا الموقف، فقد تعرف أن الفرنسويين يعدون الكتاب قديمًا إذا مرت عليه ست سنوات، وهم لا يرضون عن العالِم إلا إذا ترك ثروة علمية، فأما علماء الأزهر فقلما يعنون بالتأليف، وكذلك كانت المكتبة خالية من كل ما يصل بين الماضي والحاضر.

٩

كنت رأيت أن لا أتم وصف زيارة أولئك الفرنسويين للأزهر الشريف؛ مجاراة لمن يرون في هذا الوصف خروجًا على الأدب ومروقًا من الوفاء، لولا أنْ لقيني بعض العلماء وشرح لي ما في التغاضي عن النقد من الفساد العاجل والكساد الآجل، ورغب في أن أذكر هذه الزيارة بالتفصيل، وأنا أذكر هنا ملاحظة واحدة وأعتذر عن البقية، فإن النفوس لم تتهيأ بعد لأن تتقبل كل ما ينفع، وتتجنب كل ما يضر، وخذ من جذعٍ ما أعطاك.

كان هؤلاء الناس يسألون برفق عما لم يهتدوا إلى فهم معناه، ولقد تعرف أن كل ما في الأزهر يستوقف النظر حتى كأنه كتلةٌ من ألغاز الحياة لا يفهمها إلا من كُتب عليه أن يكون جزءًا متصلًا بهذه الجماعة التي تتكون منها مجموعةُ الشقاء، وكذلك كنت أعرف مواقع الألم من نفوس الأزهريين، ومواضع العجب من أفكار الفرنسويين؛ لأن التنافر ظاهر بين معاهد العلم هنا وهناك، ولأني أعرف الفرق بين حياتين تتفجَّر من إحداهما ينابيعُ الأمل الباسم، والعيش الوادع، وتثور من أُخراهما براكينُ اليأس والقنوط.

ما مررنا بدرس من تلك الدروس إلا وجدنا من بين الطلبة من هجم على رأسه الشيب وانْقَضَّ على ظهره التقوُّس، وآذن نجمُ شبابه بالأفول، ويكاد المسيو فور يتبين بيده ما رأت عيناه، ثم يقبل عليَّ ويقول: أصحيح ما أرى من أن ثلث الأزهريين فارقوا سواد الشباب؟ وهل تجدب أرض العلم عندكم حتى يشيب المرء وهو ينتظر الإزهار والإثمار؟ ومتى يخلص هؤلاء من التحصيل حتى يفرغوا لتعليم الجهال؟

كان يقدم إليَّ هذه الأسئلة وهو يبتسم، فبدا لي أن أنشده قول ابن الرومي:

شاب رأسي ولات حين مشيب
وعجيب الزمان غير عجيب
قد يشيب الفتى وليس عجيبًا
أن يرى النور في القضيب الرطيب

فأخذ يحاورني ويقول: إني لا أشك في أن فيهم من جاوز السبعين، فأقسمت بالله جهد يميني أنهم شباب، وأن نظام الأزهر هو الذي عجل لهم المشيب، ثم هممت أن أذكر له الحديث «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد»، ولكني لم أشأْ أن أدله على أن نظام الأزهر مما يرضى عنه الله ورسوله، وإلا كنت من الخاطئين.

تلكم هي حالنا أيها السادة العلماء، وهذا هو حظنا أيها الإخوة الطلاب، فهل فيكم من فتًى نغالب به هذه الشدائد، ونصارع بعزمه تلك النوائب؟ وهل يسمع القائمون بالأمر هذا الصوت الذي بُحَّ من طول النداء؟

القلب الذاهب

رويدك أيها القلب
فقد أودى بك الحب
وقد أصبحتَ لا تسلو
فلو أصبحت لا تصبو
وبين القلب والعين
سجالا كانت الحرب
فتذكيه ويبكيها
لَعمرك إنه خطب
لقد أسرفت في حبي
كذلك يفعل الصب
وأصفيت الهوى حبا
له مِنْ دَلِّهِ حجب
فمنه الصد والبعد
ومِنِّي العفوُ والقرب
فلو عاتبته يومًا
لَزاد عناده العتب
وقد راسلته جهدي
فضاعتْ عنده الكُتْب
فصبرا أيها القلب
على ما يفعل الحب
فكل مُدَلَّهٍ خِلٌّ
وكل معشق خب
فكن يا سيدي برًّا
بصَبٍّ ما له ذنب
لئن ضيعتني قلبي
فأنت الروحُ والقلبُ
وإن آثرتَ إبعادي
ولم يشفع لِيَ الحب
فإن عقابكم عدل
وإن عذابكم عذب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤