أمراضنا الاجتماعية

نادي العفاف

في كل يوم تتألف جماعة، وتتفرَّق جماعةٌ، والقوم عندنا لا يجتمعون إلا إذا كرثتهم ضائقةٌ مالية أو نضب لديهم مَعين الثراء، فأما إذا انفرط عقد الأخلاق وتمزق ثوبُ الشرف وجَفَّ ماء الفضيلة، وغربت شمس المكارم، وشاب رأس الوقار؛ فإنهم قلما يحفلون بما يلحق الأمة من خزي الرذيلة ودنس الغواية، وكذلك يُعنَى ساداتُنا وكبراؤنا بما يملأ الجيوب، ويغفلون عما يملأ الرءوس علمًا والقلوب حلمًا.

وبعدُ، فهل سمعت أن فضيلة الشيخ يوسف الدجوي فكر في إنشاء نادٍ يسمى «نادي العفاف» في أكتوبر سنة ١٩٢٠؟ أؤكد لك أنه كان شيء من ذلك، ولكن أين هو وأين آثاره، فإذا كان الشيخ الدجوي — في علمه وأدبه وتقاه — يقول ولا يفعل؛ فعلى الدنيا العفاء.

أطباء الشعب

جلس جماعةٌ يسمرون في بعض الأندية، وكان فيهم فتًى يشكو ألمًا في الأمعاء، فبدا لهم أنْ يسألوه عما يتلوَّى منه — في أكثر اللحظات — فرأى أن يسألهم هو عن طبيب يصف له — وجهًا لوجه — ما يقاسيه من علة وما يعانيه من بلاء.

قال قائلٌ منهم لو ذهبت إلى الدكتور فلان لَاسْتأصل منك الداء، وقال آخرُ: بل الدكتور فلان أبصرُ بمواقع الأدواء، قال ثالث: فلان خير منهما جميعًا؛ لأنه فضلًا عن مساواته لهم في الخبرة والكفاءة؛ يمتاز بالتساهل في تقدير متاعب العلاج؛ إذ لا يطلب أكثر من أربعين جنيهًا في العملية الجراحية، وقد يتسامح فيقبل من الفقير خمسة وثلاثين، فأما صاحب العزة فلان فإنه يأخذ جنيهًا في كلمة يفوه بها جوابًا على سؤال المريض، وقد لا يرضيه الأجر بعد ذلك فيرفض محاربة الداء.

قال صاحبُنا — وهو يكاد يتميز من الغيظ: وَيْحكم! لستُ أسأل عن هؤلاء، إنما أسأل عن أطباء الشعب، أَمَّا من ذكرتم فهم أطباء العائلات، قال بعض الحاضرين: يبدو من هذا الفرق في الوصف أنك خبيرٌ بطبقات الأطباء، قال المسكين: لا والله، ولكن سمعت جودت بك يقول لرفيقه فهمي بك: أرسل لي طبيبكم الخاص؛ فقد طردنا طبيبَنا بالأمس، فعلمت أن هناك أطباء يُطردون كما يُطرد الخدم، وغلب على ظني أنهم من هذا الصنف الذي تقولون: إنه «غالي جدًّا» في تقدير متاعب العلاج، فأما أطباء الشعب فهم أمثال حضرة الدكتور محمد عبد الحي الذي يعالج العمال مجانًا، ويمشي بنفسه لإسعاف الفقراء.

حبر على ورق

تسمع أن في مصر أندية، فيبدو لك أن تؤم واحدًا من تلك الينابيع التي يتفجر منها العلم والأدب، فلا يكاد يطمئن بك المجلس حتى تعرف أن ليس فيها غير اللهو واللعب، فإذا سألت: ألا توجد محاضرات عامة في الأدب والأخلاق؟ نظر إليك السكرتير نظرة مريبة ثم قال: كيف لا وهذا قانون النادي يحتم على المنتدين إلقاء الخطب والمحاضرات في الآداب والفنون، ثم رجع يقدم لك لائحة فيها ما تشتهي الأنفس من نوازع الآمال وخواطر الأماني، فتعلم أن النادي يقول ما لا يفعل ويكتب ما لا يقول.

وكذلك الحال في الأزهر الشريف (قانون مطبوع على ورق أبيض صقيل، ومواد منظمة كأسنان المشط، وآمال طوال عراض، وحقوق وواجبات، وعقوبات ومكافآت، وإرشادات وملاحظات ومذكرات وتقريرات).

ثم تبحث عن ثمرة ذلك كله في نفوس الطلبة والعلماء فلا تجد شيئًا.

التطور الحديث

الابن : إن هذا النادي المختلط مما يقضي به التطور الحديث.
الأب : أوَكلما جُن الأجانب في اللهو والفُسُوق فصار أحدهم «كالطور» لا يميز بين الضار والنافع جاريتموهم أنتم في هذا «التطور»؟
الابن : لا تكن يا أَبَتِ أضحوكةَ الضاحك وسخرية الساخر، ها أنا ذا أشرح لك معنى التطور في كلمة وجيزة، كان الناس — فيما سلف — لا يتحولون عما فُطروا عليه ولا يُخالفون عن أمر الدين والأخلاق، وهذا هو طور الجمود، ثم خلف من بعدهم خَلْف أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات، ولهم مع ذلك آمالٌ عظامٌ كالتفوق على الغربيين في الألعاب الرياضية.
وهذا بالطبع مما يقرِّبنا من الاستقلال، فأنا لا أشك في أنك سمعت أن الأجانبَ يرموننا بالجمود، والتعصُّب، ولا سبب لذلك غير الوقوف عند حد الشرع وعدم النزول في ميدان الحياة التي تتطلب شيئًا من الوقار وأشياءَ من المجون، وهذا ضروري في تكوين الأمم. ولو أن حضرة الوالد عرف كيف كان نبذ القديم سببًا في نهوض الأمم الغربية لَأَقَرَّنا على هذا التجديد.
الأب : تشربون الخمر في النادي وقد نهى عنها القرآن، وتلابسون فيها الغادات والغلمان، وتسرفون في الغواية حتى تعودوا كالأنعام أو أضل سبيلًا، وتصرون — مع ذلك — على الانتساب إلى آدم وحواء، كلا ثم كلا ليس للتطوُّر معنًى إلا أنكم أطوار.
الابن : هناك فرق يا أبت بين كلمة أطوار، وكلمة تيران، ويظهر أن حضرتك تريد …
الأب : اخرس، اخرس (ثم انصرف وهو محزون).

كلام شرف

في هذا البلد طائفةٌ من أرباب الصناعات تَوَدُّ الإنسانية لو أناخ الدهر عليها بكلكله فعادوا هشيمًا تذروه الرياح، حتى لا يُدنَّس الشرف المصري بما ينقضون من عهود ويُخلفون من وعود.

تنظر إلى ثوبك فتراه وقد آذنتْ أيامُه بالرحيل، فتذهب إلى تاجر مصري لتشتري منه قطعة من القماش تتقي بها البرد، فيقسم بالله والوطن أنه يرضى منك بالربح القليل، حتى إذا نزلت على حكمه أرهقك بالثمن الذي يفزع منه جيبك وتفرق منه دراهمك المعدودة. فإذا قلت له: هذا إسراف، قال لك: كلام شرف، ليس لي من ربح فيما بعته إياك، ثم تذهب إلى الخياط فيعدك بلبسه بعد أسبوع، فتقول: أرجو أن لا تهمل فإن البرد شديد، فيقول لك: كلام شرف، فتعود بعد الأسبوع فيقول لك: تعال في الغد، فإذا نظرت إليه نظرة عتب قال لك من جديد: «كلام شرف»، فتعود في اليوم التالي فيقول لك: تعال بعد ساعة، فإذا غضبت قابل الغضب بمثله وهو يقول: «نحن أناس لنا ذمة!»

تبحث مسألة أو تضم كلمة إلى كلمة، فيبدو لك أنْ تطبعها في إحدى المطابع، فلا تدخل على مدير المطبعة حتى يبدأك بالتأفف من اختلال الأنظمة الاجتماعية قبل أن تبدأه بالتحية، فيصح لديك أن هذا رجلٌ أمينٌ، ويؤكد ذلك «لطفه» في تحديد الموعد وتقدير النفقات، ثم تعود بعد حلول الأجل فيتفضل عليك بوعدٍ جديد، فإذا قلت: «أخشى المطل»، قال لك: «كلام شرف» ثم يخلف، ثم تعود إلى تأنيبه فيُدافعك وهو يصيح: «كلام شرف.»

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ.

ظالم يتظلم

رمانا الدهر — فيما رمانا به — بقوم يحبون أن يملئوا الدنيا صخبًا وشغبًا، وعذرهم في ذلك أنهم يحبون الصراحة ويقدِّسون القول الصريح، ويسمُّون هذا بالنقد، وإذا أراد امرؤ أن يتوجه إليهم ولو بكلمة نصح استنكروها منه وعَدُّوها مناوأة وحبًّا للشخصية، فإذا قلت: إني لم أخرج عن الدائرة التي أَبَحْتُمْ لأنفسكم العمل فيما تحتويه. قالوا: ليس لك أن تعمل كما نعمل فإننا نخدم المصلحة العامة وأنت تخدم المصلحة الخاصة. فإن قلت: إني أيضًا أعمل للمصلحة العامة، هموا بأن يخرجوا من ثيابهم، وقالوا: إنما أنت من أوساط الناس، وإنما يعمل للمصلحة العامة أصحابُ المصالح في البلد أمثال سعادة فلان وفلان، فإذا قلت لهم: إنكم تدورون حول المصلحة الخاصة من حيث لا تشعرون، لووا عنك وجوههم وأَصَرُّوا واستكبروا استكبارًا.

عجيبٌ أمر هؤلاء، لا يعملون ولا يتركون الناس يعملون، يبسطون ألسنتهم فيمن هم أطهرُ منهم ذمة، ثم إذا لَمَّحَ إليهم كاتبٌ ببعض سيئاتهم القديمة تدرعوا بسيئاتهم الحديثة، فيا عجبًا هل يُستر القار بالقار، أو يكشف الظلام بالظلام؟

تحية!

تجمَّلْ بالسماح ودَعْ ملامي
وكن عون المحب المستهام
ففي «أسيوط» لو تدري حبيب
هجرت لبعده طيب المنام
أسيت له يحن إلى لقائي
ودون مرامه كيد اللئام
إذا ما الليل جُنَّ ونام صحبي
مشت نار التذكُّر في عظامي
سلامٌ أيها النائي سلام
وهل يغني عن اللُّقيا سلامي

لوعة!

لَأصبحت نهب الأسى والحزن
لجسم أقام وقلب ظعن
فيا ويحهم يزمعون الرحيل
وما زوَّدُوني سواء الشجن
دموعٌ تحدر فوق الخدود
كصوب الغمام إذا ما هتن
وقلب يقلب بين الضلوع
بعيد القرار فقيد السكن
وأصبحت الرأس مرعى المشيب
قليل السرور كثير الحزن
لَعمري لئن شِبْتُ قبل الأوان
لقد شاب حظي وشاب الزمن
كأن الشعور عراها البياض
سهام الردى أو خيوط الكفن
وأنكى عدوك في النائبات
عدوٌّ تقاصر عنه الجنن
وإن الشباب إذا ما انقضى
لكالحلم أقلع عنه الوسن

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤