الفصل الثالث

الكنيسة والدولة

وصل الباحث الإنساني لورنزو فالا إلى نابولي عام ١٤٣٥ لعرض خدماته على ملكها المرتقب ألفونسو من أراجون. كان ألفونسو في ذلك الوقت في خضمِّ صراع سياسي مع البابا يوجينيوس الرابع بخصوص الاستيلاء على نابولي. بدأ فالا العمل على نص له صلة سياسية مباشرة بولي نعمته الجديد، وكان ذلك النص هو «منحة قسطنطين»، والذي كان من بين الوثائق المؤسِّسة للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وكانت بمثابة منحة صادرة في القرن الرابع على يد الإمبراطور قسطنطين لمنح سلطات إمبراطورية وإقليمية شاملة للباباوية. ولقد كانت تلك الوثيقة من أقوى مبررات المزاعم الباباوية في الحصول على سلطة دنيوية وأكثرها إقناعًا. وقد كشف لورنزو فالا أن تلك المنحة مزيفة. وباستخدام مهاراته في البلاغة والفلسفة وفقه اللغة التي اكتسبها من انتمائه للحركة الإنسانية، أثبت أن المفارقات التاريخية للوثيقة، وأخطاءها اللغوية، والتناقضات في منطقها؛ تكشف أن الوثيقة ما هي إلا تزييف يرجع إلى القرن الثامن.

كانت أناقة تحليل فالا النصي متناغمة مع هجومه القاسي على الكنيسة الرومانية وبابواتها، الذين إما أنهم «لم يكونوا يعرفون أن «منحة قسطنطين» مزورة وغير شرعية، أو أنهم زوروها»، واتهمهم «بإهانة الدين المسيحي، وخلط كل شيء بالقتل والكوارث والجرائم». سخر فالا من اللغة اللاتينية غير الدقيقة المستخدمة في الوثيقة والتي تنطوي على مفارقات تاريخية، وذلك قبل أن يطرح من جديد السؤال البلاغي: «هل يمكننا أن نبرر مبدأ السلطة الباباوية عندما نرى أنه سبب لمثل تلك الجرائم الكبرى، وتلك الشرور الجسيمة والمختلفة؟» واختتم هذا القدح الممتاز من الناحية البلاغية بهجوم على الذرائع الإمبراطورية للبابا الذي «من أجل أن يستعيد الأجزاء الأخرى من «المنحة»، كان ينفق المال المسروق بطريقة كريهة من الناس الأخيار بصورة أكثر شرًّا». كان ألفونسو مبتهجًا بتدمير فالا لوثيقة «المنحة»، واستخدم برهانها في محاولته التي كُللت بالنجاح في النهاية لتأمين مملكة نابولي رغم المعارضة الباباوية المدبرة.

تمثل قصة كشف فالا تطورًا جديدًا في العلاقات بين الدين والسياسة والتعليم في عصر النهضة. فظهور المؤسسات السياسية مثل الدولة المستقلة ولَّد الحاجة إلى مهارات فكرية وإدارية جديدة لتنظيم الهياكل السياسية ولتحدي سلطة بعض المؤسسات مثل الكنيسة بنجاح. وربما تبدو حقيقة أن البابا مارتن الخامس قد عيَّن فالا سكرتيرًا باباويًّا غريبة بعد أن فضح أمر وثيقة «المنحة». ومع ذلك، فإنها تكشف عن موقف الكنيسة من مثل أولئك الباحثين؛ (أي اتباع أسلوب أن الشيطان الذي تعرفه خير من الشيطان الذي لا تعرفه). كما توضح كيف أن الإنسانيين الاستراتيجيين على المستوى السياسي مثل فالا كانوا مستعدين لاغتنام الفرص الجديدة.

تساعدنا هذه القصة على فهم العلاقة المتداخلة المعقدة بين الدين والسياسة في عصر النهضة. فبين عامي ١٤٠٠ و١٦٠٠، كانت المعتقدات الدينية جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية. كما كان من المستحيل فصل الدين عن ممارسة السلطة السياسية، وعالم التمويل الدولي، وإنجازات الفن والتعليم. وبينما كانت الكنيسة الكاثوليكية تجاهد للتأكيد على سلطتها الدنيوية والروحانية طوال هذه الفترة، فإنها كانت تواجه صراعًا وانشقاقًا وانقسامًا مستمرًّا. وقد وصل هذا الصراع إلى ذروته في عهد الإصلاح الذي اكتسح شمال أوروبا في القرن السادس عشر، وتسبَّب في أكبر أزمة في تاريخ الكنيسة الرومانية. أما الإصلاح الكاثوليكي المضاد في منتصف القرن السادس عشر فقد حوَّل الكنيسة إلى الأبد، وهذا التحول، إضافة إلى الإصلاح البروتستانتي بقيادة مارتن لوثر، أرسيا معًا الشكل العام للمسيحية كما هي موجودة اليوم. كما أثار الإصلاح أسئلة معقدة فيما يتعلق بعلاقة المسيحية بالديانتين الكتابيتين الأخريين: اليهودية والإسلام، واللتين أكدتا تفوقهما اللاهوتي على المسيحية، كما أن الإسلام كان سريعًا في استغلال الانقسامات داخل الكنيسة المسيحية في القرن السادس عشر. لقد كان الدين في عصر النهضة في أزمة مستمرة. فالشك والقلق والتأمل الداخلي كان لا يزال حجر الأساس للتفكير الحديث والنزعة الذاتية الحديثة، ويمكن تتبع أصولهما بالعودة إلى مرحلة التوتر الديني في الفترة من ١٤٠٠ إلى ١٦٠٠.

كان التطور الآخر الذي حوَّل شكل السلطة الدينية خلال هذه الفترة هو ظهور أنماط جديدة من السلطة السياسية. فمنذ أواخر القرن الخامس عشر، أصبحت المؤسسات السياسية تتحكم بصفة متزايدة في الحياة اليومية للكثير من الناس. أما الثراء والابتكار الإداري الذي صاحب التوسع التجاري والحضري المتفاوت في القرن الخامس عشر، فقد خلق الظروف الملائمة للتغير والتوسع السياسي البارز. فقد جربت المدن الإيطالية مثل فلورنسا وفينيسيا الحكومات الجمهورية، بينما كانت قصور البلاط الملكي في ميلانو ونابولي وأوربينو وفيرارا تحكُم كإمارات صغيرة. وفي الشمال، أدى السلام والرخاء الذي حل عقب حرب المائة عام إلى تركز الثروة والسلطة في فرنسا والبلدان المنخفضة؛ مما أدى إلى بزوغ إمبراطورية هابسبورج العظيمة. وفي الشرق، كانت الإمبراطورية العثمانية نموذجًا للسلطة الإمبراطورية العالمية التي كان ينبغي أن تنافسها كل الإمبراطوريات الأخرى. وبمنتصف القرن السادس عشر، كانت أوروبا في قبضة سلسلة من الدول والإمبراطوريات المهيمنة: ألا وهي فرنسا والبرتغال وإسبانيا والدولة العثمانية. وكان صعود هذه الإمبراطوريات في تناسب عكسي مع السلطة الدنيوية للكنيسة.

في بداية القرن الخامس عشر، كانت الكنيسة الكاثوليكية في أزمة. فمع أن كلمة «كاثوليكي» مشتقة من كلمة يونانية تعني «عالمي»، فقد كانت الكنيسة بحلول عام ١٤٠٠ تنطبق عليها أي صفة غير أنها «عالمية». فالكنيسة كانت قد عانت بالفعل من الانقسام بانفصالها إلى الكنيسة الرومانية الغربية والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية ومقرها القسطنطينية في عام ١٠٥٤. وعلى مدار القرون الثلاثة اللاحقة، قاتلت الكنيسة الغربية للتأكيد على سلطتها اللاهوتية والإمبراطورية في وجه المعارضة من الداخل والخارج. وكان البابا يزعم — بموجب سلطة الكتاب المقدس — أنه، بصفته ممثل المسيح على الأرض، يملك النفوذ السياسي على القضايا الدنيوية.

وعلى مدار القرن الرابع عشر، انقسمت الباباوية بين المطالبين بها المتنافسين في كل من روما وأفينيون في فرنسا. أما الشقاق البابوي فأتاح للكرادلة المنشقين من كلا الجانبين اقتراح النظرية المجلسية لحكم الكنيسة؛ وهذا جعل المجالس الكنسية تفرض سلطتها الجمعية على البابوات الذين يتسببون في انشقاقات. وفي عام ١٤١٤، عقد بابوات الكنيسة مجمع كونستانس لإنهاء الانشقاق، وحكم المجمع بأن «كل البشر من كل رتبة ومنزلة، بما فيهم البابا نفسه، عليهم طاعة هذا الأمر في المسائل المتعلقة بالإيمان والقضاء على الشقاق وإصلاح كنيسة الرب». وقد أتاح هذا للمجمع تعيين مارتن الخامس ليكون أول بابا في روما غير متنازع عليه منذ قرن تقريبًا.

زواج أرثوذكسي

رفع مجمع كونستانس مستوى السلطة الاستبدادية للباباوية دون قصد منه. فالبابا مارتن الخامس وخليفته البابا يوجينيوس الرابع دعما سلطتهما بالشروع في تنفيذ خطط طموحة لإعادة بناء روما والاتحاد مع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية. وفي عام ١٤٣٧، عقد يوجينيوس مجمع فلورنسا لمناقشة توحيد الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والرومانية الغربية، وإبعاد محاولات المجمع لتحجيم السلطة الباباوية. وفي فبراير ١٤٣٨، وصل الإمبراطور البيزنطي يوحنا الثامن باليولوجوس إلى فلورنسا مع حاشية مكونة من ٧٠٠ يوناني ورئيس الكنيسة الأرثوذكسية وهو البطريرك يوسف الثاني. وبالإضافة إلى الوفد اليوناني، وصلت وفود من تريبيزوند وروسيا وأرمينيا والقاهرة وإثيوبيا. وكما هو الحال في الكثير من تعاملات عصر النهضة التي يبدو ظاهريًّا أنها معنية بالدين، فقد كان لهذا اللقاء الرسمي الخطير بين الشرق والغرب تضمينات سياسية وثقافية عميقة. فقد اقترح البابا يوحنا الثامن اتحادًا بين فرعي العالم المسيحي الشرقي والغربي بصفته الطريقة الواقعية الوحيدة لمنع انهيار الإمبراطورية البيزنطية والاستيلاء على القسطنطينية في وجه صعود الإمبراطورية العثمانية. وقد كان البابا متحمسًا لتوحيد الكنيستين كطريقة لمدِّ سلطته السياسية الشخصية عبر أرجاء إيطاليا.

بعيدًا عن شئون المجمع الرسمية، استكشفت الوفود بحماس الإنجازات الفكرية والثقافية لبعضها البعض. فكان اليونانيون معجبين بإنجازات برونليسكي المعمارية وبتماثيل دوناتيلو، وباللوحات الجصية لكل من مازاتشو وفرا أنجيليكو. كما انبهر الفلورنسيون بالمجموعة الرائعة من الكتب الكلاسيكية التي أحضرها يوحنا الثامن وحاشيته المثقفة معهم من القسطنطينية. وكانت هذه المجموعة تضم مخطوطات من أفلاطون وأرسطو وبلوتارخ وإقليدس وبطليموس، ونصوصًا كلاسيكية أخرى كان «من الصعب الوصول إليها» في إيطاليا حسب وصف باحث حسود. أما الوفد المصري فقدَّم للبابا مخطوطة عربية للأناجيل ترجع إلى القرن العاشر، وأهداه الوفد الأرمني مخطوطات مزخرفة ترجع للقرن الثالث عشر عن الكنيسة الأرمنية التي كانت تعكس تراثها المنغولي والمسيحي والإسلامي المختلط. كما نشر الوفد الإثيوبي كتب مزامير من القرن الخامس عشر مكتوبة بالإثيوبية ومستخدمة في الكنائس عبر أرجاء شمال شرق أفريقيا.

بعد عشرين عامًا من اجتماع المجمع، أكمل بينوتزو جوتزولي لوحاته الجصية في قصر ميديتشي التي كانت تحتفي بدور عائلة ميديتشي في تقريب الكنائس الشرقية والغربية. وفي لوحات جوتزولي، أصبح يوحنا الثامن ويوسف الثاني ولورينزو ميديتشي هم المجوس الثلاثة. ولأسباب سياسية موَّل كوزيمو ميديتشي — سلف لوينزو — المجمع بأكمله. فقد كانت عائلة ميديتشي تتفاوض بخصوص الوصول التجاري إلى القسطنطينية طوال ثلاثينيات القرن الخامس عشر، ولكن لم يتم التوصل إلى اتفاق إلا في أغسطس ١٤٣٩ للتعبير عن شكر يوحنا الثامن لضيافة كوزيمو السخية طوال فترة عقد مجمع فلورنسا. ولم يكن عمل كوزيمو التقي المتمثل في التضحية المادية لصالح الكنيسة في واقع الأمر سوى خدعة بارعة. فقد ظل يوجينيوس مدينًا بنقود لعائلة ميديتشي، وتوضح لوحات جوتزولي الجصية أن العائلة كانت تعتبر اشتراكها في توحيد الكنيستين أهم حتى من توسط البابا.
fig8
شكل ٣-١: لوحة بينوتزو جوتزولي الجصية «توقير المجوس»: محاولة فنية من جانب عائلة ميديتشي لنسبة الفضل لنفسها في توحيد الكنيستين الشرقية والغربية.1

وأخيرًا، في ٦ يوليو ١٤٣٩، تم التوقيع على مرسوم الاتحاد بين الكنيستين. وقد كان المرسوم يحتفي بأن «الجدار الذي كان يفصل الكنيسة الشرقية عن الكنيسة الغربية قد انهار، وأن السلام والوئام قد عادا» لكن ذلك الاحتفال كان قصير العمر. ففي القسطنطينية، تعرَّض الاتحاد للرفض من جانب الجماهير التي أثارها أعضاء الكنيسة الشرقية، بينما أظهرت الإمارات الإيطالية معارضتها برفضها المستمر لتقديم المساعدة العسكرية لمعاونة البيزنطيين في صراعهم ضد العثمانيين. ومع سقوط القسطنطينية في يد محمد الثاني في مايو ١٤٥٣، وصل الاتحاد إلى نهاية دموية شائنة.

كان عقد مجمع فلورنسا من اللحظات الحاسمة في عصر النهضة. فبصفته قمة دينية كان فاشلًا، حيث سحق الآمال الباباوية في تعزيز سلطتها الإمبراطورية من خلال الاتحاد مع الكنيسة الشرقية. لكن بصفته حدثًا سياسيًّا وثقافيًّا، فقد كان يمثِّل انتصارًا. فقد سمح للولايات الإيطالية بتحدي السلطة الباباوية الضعيفة، وبتقوية العلاقات التجارية مع الشرق. وكانت العائلات الحاكمة تتلاعب ببراعة بدورها في المجمع، وذلك من خلال أغراض فنية فخمة مثل لوحة جوتزولي التي أكدت على دور عائلة ميديتشي الرائد في التوصل إلى مرسوم الاتحاد. وعلى المستوى الثقافي، كان لانتقال النصوص الكلاسيكية والأفكار والأغراض الفنية من الشرق إلى الغرب، الذي حدث أثناء انعقاد المجمع؛ تأثيرٌ حاسم فيما بعد على الفن والثقافة في إيطاليا في أواخر القرن الخامس عشر.

عامة الشعب

ماذا عن حقيقة الالتزام الديني في الحياة اليومية من جانب ملايين الأشخاص في أرجاء أوروبا الذين كانوا يترددون على الكنائس بانتظام ويعتبرون أنفسهم مسيحيين؟ سيكون من المثالي الاعتقاد بأن الجدل الدائر حول السلطة الباباوية والتفسير النصي كان له تأثير كبير على الكثير من هؤلاء الناس. فالكنيسة كانت جزءًا من نسيج الحياة اليومية بالنسبة لمعظم الأفراد، وكان هذا يعني أن التمييز بين المقدس والدنس أصبح في الغالب غير واضح. كانت الكنائس تستخدم للاحتفالات والاجتماعات السياسية وتناول الطعام وتجارة الخيول، بل وحتى تخزين بضائع التجار ونفائسهم. وكان رجال الدين في كل مكان. وبحلول عام ١٥٥٠، كانت فلورنسا تفتخر بوجود أكثر من ٥ آلاف رجل دين من بين تعداد سكان قدره ٦٠ ألف نسمة. ونظرًا لأنهم كانوا يتلقون تعليمًا سيئًا وأجورًا ضعيفة، فقد كانوا يعملون في الغالب بنَّائين وتجار خيول وتجار ماشية ويحرسون المحبين والأطفال ويحملون الأسلحة.

من الناحية النظرية، كانت الكنيسة الكاثوليكية بمثابة التجلي الأرضي لتجسد المسيح؛ فهي القائم بدور الوسيط بين الرب والأفراد، وكانت مسئولة حصريًّا عن منح نعمة الله من خلال الأسرار؛ أي المعمودية والتثبيت (الميرون) والتناول والتوبة والكهنوت والزواج والمسحة المقدسة. وطبقًا لنظرية استحالة الشكلين، كان الكاهن يملك القدرة الإعجازية (أو السحرية كما يجادل البعض) لتحويل خبز وخمر التناول إلى جسد ودم المسيح الحقيقيين. وبدون شفاعة الكنيسة والكاهن، لم يكن الفرد يملك اتصالًا مباشرًا مع الرب. وفي تنفيذ تلك الأسرار، كان الكاهن وحده يجعل الرب في اتصال مباشر مع شعب الكنيسة. وكان ذلك الدور التوسطي هو ما يجعل من الكنيسة تلك المؤسسة القوية.

ومن الناحية العملية، كان الاهتمام العام الأكثر حماسة في الالتزام الديني يدور حول ما أطلق عليه أحد المؤرخين اتقاد «الشهية للأمور الإلهية». وكانت «معجزات» الأسرار تُفسر في الغالب كأعمال سحرية؛ مما أدى إلى تبني مجموعة من الممارسات الشائعة، بدءًا من العبادة الحماسية للرفات والقديسين والصور، إلى الاستخدام الخرافي للماء المقدس وسر التناول والزيت المقدس. ورغم أن مثل تلك الممارسات السحرية كانت تناقض الرأي الديني القويم، فقد كانت الكنيسة غالبًا ما تتغاضى عن مثل تلك الانتهاكات، في غمار لهفتها لتعزيز القوة الروحانية للكنيسة وسلطتها.

بالنسبة لمعظم الناس، كانت الكنيسة تقدم طريقة طقسية للحياة يومًا بيوم بدلًا من مجموعة من المعتقدات اللاهوتية الصارمة. وكانت أسرار المعمودية والتثبيت والزواج والمسحة المقدسة تتيح طقوس الانتقال عبر اللحظات الحاسمة في حياة المرء. ونتيجة لذلك، كان الكثير من الناس يذهبون إلى الكنيسة مرة أو مرتين فقط في العام، وكشفت السجلات حضورًا منخفضًا بصورة ملحوظة، علاوة على جهل مطبق بأساسيات الدين. فقد حكى واعظ إنجليزي قصة راعي غنم عندما سُئل عن الأب والابن والروح القدس فأجاب قائلًا: «أما الأب والابن فأعرفهما جيدًا لأنني أرعى خرافهما، أما الرفيق الثالث فلا أعرفه؛ فلا يوجد أحد بهذا الاسم في قريتنا.» وعلى أفضل تقدير، فقد كان هذا الموقف يمثل الجهل واللامبالاة الدينية؛ وعلى أسوأ تقدير، كان يوحي بالهرطقة والكفر اللذين اتخذا أشكالًا متنوعة طوال عصر النهضة وما تلاه من عصور.
fig9
شكل ٣-٢: نقش المذبح الذي أبدعه روجر فان دير فايدن بعنوان «الأسرار السبعة» في محاولة لتعليم الأسرار لشعب الكنيسة في القرن الخامس عشر.2

وفي أربعينيات القرن الخامس عشر، ساورت جان شيفروت أسقف تورناي المخاوف بسبب الحضور المتدني والالتزام بالأسرار المقدسة، لدرجة أنه كلف روجر فان دير فايدن برسم نقش فوق المذبح من شأنه أن يُعلِّم الناس الأهمية الطقسية للأسرار، وكان عنوانه ببساطة «الأسرار السبعة». وكانت القطعة اليسرى من لوح فان دير فايدن الثلاثي تصور المعمودية والتثبيت والاعتراف، بينما كانت القطعة اليمنى تصور الكهنوت والزواج والمسحة المقدسة. أما القطعة المركزية فكانت مخصصة للسر الأهم؛ سر التناول المقدس، الذي يحدث وراء ظهور المسيح. ولتجنب أي تشويش، كانت الملائكة تساعد بالطواف فوق كل سرٍّ وهي تحمل رايات بها آيات تفسيرية. وقد وظف لوح فان دير فايدن الثلاثي تقنية «التبسيط» المميزة لعصر النهضة، وذلك من خلال استخدام شخصيات وأسلوب عمارة وملابس معاصرة؛ حيث وضع ألغاز الكنيسة في سياقات حديثة تشجع الشعب على الاندماج عن قرب مع الصورة المرسومة. وقد كانت الكثافة الهادئة للمشهد خالية أيضًا بصورة تسترعي الانتباه من مشاهد الاصطدام والهجوم والممازحة والبصق والسباب والتشابك والتسول والنوم، بل وحتى إطلاق النيران التي كانت سمة يومية من حياة الكنيسة.

بناء الإصلاح

عندما أنهى البابا مارتن الخامس الانشقاق الحزبي وعاد إلى روما في عام ١٤٢٠، «وجدها خربة ومهجورة لدرجة أنها بالكاد تبدو مدينة»، ناهيك عن حين أنها كانت عاصمة الإمبراطورية الرومانية السابقة والإمبراطورية الكاثوليكية المرتقبة. فما كان من مارتن وخلفائه إلا أن بدءوا برنامج بناء طموحًا يحتفي بمجد الكنيسة الرومانية المتمركزة حديثًا، كما كان البرنامج أيضًا من شأنه أن يحول المدينة إلى موقع بناء على مدار المائة والخمسين عامًا التالية. وبحسب كلمات البابا نيكولاس الخامس، كان شعب الكنيسة سيجد «معتقدهم يترسَّخ باستمرار ويُثبَّت يوميًّا بمبانٍ عظيمة تبدو أن يد الرب هي التي شيدتها». وكان ألبيرتي وفرا أنجيليكو وبرامانتي ومايكل أنجلو ورافاييل وبوتيتشيلي من بين الفنانين الذين انضموا لعملية إعادة بناء المدينة.

كانت المشكلة الأكبر التي واجهها البابوات المتعاقبون هي تجديد كنيسة القديس بطرس المنهارة، والتي شيدها قسطنطين على قبر القديس في منتصف القرن الرابع. وكما ذكرنا من قبل، كانت روما تنافس القسطنطينية كعاصمة إمبراطورية للعالم المسيحي. وقد صارت المنافسة أشد ضراوة حالما سقطت تلك المدينة في يد السلطان محمد في عام ١٤٥٣. لم تكن روما وبابواتها يريدون أن تتفوق عليهم إسطنبول وسلاطينها. ففي أبريل ١٥٠٦، وضع البابا يوليوس الثاني حجر أساس كنيسة القديس بطرس الجديدة، بعد أن عين برامانتي مهندسًا معماريًّا لها. وتوضح ميدالية التأسيس التي شكلها كارادوسو مدى اقتراب التصميم الأصلي الذي وضعه برامانتي من تصميم آيا صوفيا. وقد أدت التعديلات اللاحقة التي أجراها رافاييل وسانجالو ومايكل أنجلو طوال القرن السادس عشر إلى إكمال كنيسة القديس بطرس بالشكل الذي تبدو عليه اليوم.
fig10
شكل ٣-٣: تخلد ميدالية كارادوسو ذكرى بداية العمل في كنيسة القديس بطرس في عام ١٥٠٦، وتبين أن التصميمات الأولى اقتبست من فن العمارة البيزنطي والعثماني.3
من المفارقات أن تكلفة إكمال هذا الاحتفال البارز بالسلطة الباباوية هو ما أشعل فتيل احتجاج صار في نهاية المطاف تحديًا لجوهر الكنيسة الكاثوليكية، وحوَّل المشهد الاجتماعي والسياسي في أوروبا إلى الأبد. ففي عام ١٥١٠، وبعد أربع سنوات من بدء العمل في كنيسة القديس بطرس، وبينما كان مايكل أنجلو يعمل بجد في لوحاته الجصية لسقف كنيسة سيستين، وصل الراهب الألماني مارتن لوثر إلى روما. وكانت خيبة أمله بسبب الفساد والاستهلاك المبذر اللذين شهدهما مصدر إلهام لبدء هجومه على مساوئ الكنيسة الكاثوليكية، والذي تمثل في أطروحاته الخمسة والتسعين ضد صكوك الغفران في أكتوبر ١٥١٧. ففي مارس من ذلك العام، أصدر البابا صك غفران لتمويل بناء كنيسة القديس بطرس. وكان صك الغفران عبارة عن وثيقة باباوية تمنح المشتري إعفاءً من الحاجة إلى التوبة عن خطاياه. فلقد كانت الكنيسة متحمسة للغاية لتمويل إعادة بناء روما، لدرجة أن صكوك الغفران كانت تباع للأفراد لتغطية خطايا المستقبل التي لم تُرتكب بعد. لقد ابتدعت الكنيسة تجارة في الخلاص سمحت للأفراد بشراء وبيع الخلاص. فثارت ثائرة لوثر، وكتب إلى رئيس أساقفة ماينز شاكيًا:

إن صكوك الغفران الباباوية من أجل بناء كنيسة القديس بطرس يتم تداولها تحت اسمكم المبجل … وإني لأشعر بعميق الحزن إزاء الانطباعات الزائفة التي كوَّنها الناس منها؛ أي إن النفوس الشقية تؤمن أنها لو اشترت خطابات صكوك الغفران فإنها تضمن خلاصها.

وقد كرر لوثر احتجاجه في الأطروحات الخمس والتسعين التي تم تداولها بشكل واسع عبر أرجاء مدينة فيتنبرج. وكتب لوثر: «لماذا لا يبني البابا — الذي تخطت ثروته حتى اليوم ثروات أغنى الأغنياء — كنيسة القديس بطرس الوحيدة هذه بماله الخاص بدلًا من بنائها بمال المؤمنين الفقراء؟» وبهذا، أُطلقت طلقة الإصلاح الأوروبي الأولى.

حروب الإيمان

على غرار مصطلح «النهضة»، فإن مصطلح «الإصلاح» مصطلح صُك من منظور حديث يصف تبعات أفكار لوثر. لقد بدأ لوثر في واقع الأمر رحلته وفي ذهنه فكرة إصلاح الكنيسة، لكن سرعان ما تحول الإصلاح إلى ثورة؛ فقد تبلور احتجاج لوثر ضد صكوك الغفران سريعًا في صورة رفض منظم لكل افتراض ديني كانت الكنيسة الكاثوليكية تقوم عليه، فقال لوثر بأن المرء يتمتع بعلاقة مباشرة مع الرب، وليس بحاجة للاعتماد على توسط القساوسة أو القديسين أو صكوك الغفران لتمنحه الخلاص؛ فبإمكان الفرد الحفاظ على الإيمان المطلق بنعمة إله غامض لكنه رحيم، وذلك على أمل نيل الخلاص. فلا يسع الأفراد الضعفاء والأشرار فعل شيء أمام الله، سوى التمسك بالإيمان؛ تلك العطية المطلقة من الله. والمحاولات الدنيوية لتغيير حالة النفس من خلال صكوك الغفران والأعمال التكفيرية ليس لها معنى. وكما خلص لوثر في النهاية: «المسيحي لديه كل ما يحتاجه في الإيمان وليس بحاجة إلى أعمال لتبريره.»

كان المعنى المتضمن لهذا كله بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية عميقًا. فبتخلِّي لوثر عن الوساطة البابوية بين الرب والمرء، رفض بضربة واحدة مفاجئة سلطة كلٍّ من البابا والقسيس. قوبل مسرح الطقوس الكنسية وأدواتها بالرفض، وكذلك التفرقة بين رجال الدين وشعب الكنيسة. كما أدان لوثر كل الأسرار المقدسة فيما عدا اثنين؛ قائلًا بأن الله قد منح الإيمان مباشرةً للإنسان ولم يظهر من خلال وسائط، سواءٌ أكانت كهنة أم طقوسًا سرية.

كان تأثير أفكار لوثر معقدًا لكنه كان فوريًّا. ففيما صقَّل ونشر موقفه ردًّا على الاستجابة الكاثوليكية المنزعجة بصفة متزايدة، انتشرت «اللوثرية» عبر أرجاء شمال أوروبا كالنار في الهشيم، ونتج عنها عواقب هائلة تجاوزت سيطرة لوثر. وعندما وافته المنية في عام ١٥٤٦، كانت المجامع التي تغلب عليها ميول كنيسة الإصلاح تسيطر على فيتنبرج ونورمبرج وستراسبورج وزيوريخ وبيرن وبازل. وقد وجدت اللوثرية أرضًا خصبة بين شعب كنيسة يغلب عليه الطابع المدني الحضري والاستياء من الكاثوليكية. فأُلغيت الرتب الرهبانية والعبادة التقليدية، أما ممتلكات الكنيسة فحُطمت أو صودرت، ودُمرت الصور الدينية في أعمال شغب لتحطيم الرموز الدينية. وحل محلها مواقع وطرق جديدة للعبادة وتجارب مثالية في الإصلاح الاجتماعي والسياسي. وفي عام ١٥٢٤، انتفض الفلاحون الألمان وطالبوا برد مظالمهم من خلال تعاليم لوثر، لكنه أدان بازدراء التمرد «السام المؤذي»، كاشفًا حدود حركته الراديكالية عندما يتعلق الأمر بالشئون الدنيوية.

عجز لوثر كذلك عن السيطرة على التأثير الفكري لكثير من المناقشات التي قدمها. فبحلول أربعينيات القرن السادس عشر، كانت جنيف تقع تحت سيطرة لاهوت جون كالفن، الذي قال بأن الإنسان عاجز عن التأثير على القضاء والقدر. فمن منظور كالفن، فإن الرب قد قرر سلفًا النفوس التي حكم عليها بالهلاك، وتلك التي ستحظى بالخلاص. وفي إنجلترا، أدى القرار السياسي لهنري الثامن بالانفصال عن روما في عام ١٥٣٣ في نهاية المطاف إلى الحرمان الكنسي لابنة هنري — وهي الملكة إليزابيث الأولى — بسبب ما كان يُسمى في ذلك اليوم ميولها «البروتستانتية».

طباعة الكلمة

كانت الحركة الإنسانية والطباعة في قلب نشأة وانتشار أفكار لوثر. فقد استخدم لوثر وأتباعه التدريب الإنساني في فقه اللغة والبلاغة والترجمة لإنتاج علم لاهوت قائم على «الكلمة وحدها» و«الكتاب المقدس وحده». وكان ما وحَّد المصلحين من أمثال لوثر والإنسانيين من أمثال إراسموس؛ هو الالتزام بالتفسير أو التأويل الكتابي الدقيق، الذي كان يتحدى الجهل والخرافات، اللذين كانا من صفات التفكير السكولاستي الأسبق. وكان بإمكان لوثر مضاهاة أفضل ثقافة باباوية، وقد تفاخر في بحثه «عن الترجمة» (١٥٣٠) قائلًا: «بإمكاني التفوق عليهم جميعًا متحدين في الجدل والفلسفة.» لكنه انفصل عن الحركة الإنسانية عندما أدرك حدود التزامها للتغيير، وأخبر إراسموس: «إنك لا تهتم كثيرًا بما يؤمن به أي شخص في أي مكان في العالم طالما أن سلام العالم لم يضطرب.» ولكن كانت الحركة الإنسانية قد زودت اللوثرية بالفعل بالأدوات الفكرية لتحويل الدين، كما أنها وفرت للوثر الأداة التي كانت ستنقل أفكاره الجديدة في جميع أرجاء أوروبا؛ آلة الطباعة.

كتب لوثر عن انتشار أفكاره في عام ١٥٢٢ قائلًا: «أنا لم أفعل شيئًا؛ فالكلمة هي ما فعلت كل شيء.» وقد كان محقًّا في ذلك؛ فوسيلة الطباعة هي التي نشرت «الكلمة». أما المعارضون السابقون للسلطة الباباوية فلم يكن لديهم قدرة كبيرة على نشر أفكارهم إلى جمهور أوسع، لكن تكنولوجيا آلة الطباعة أتاحت للوثر إمكانية نشر أفكاره في صورة آلاف من الكتب المطبوعة والنشرات والكتيبات. وكانت الولايات الألمانية أيضًا هي المكان المثالي لتنتشر منه ثورة دينية، حيث كانت تقع في قلب أوروبا من الناحية الجغرافية والتكنولوجية. وبحلول عام ١٥٢٠، كانت ٦٢ مدينة ألمانية تمتلك آلات طباعة، وبين عامي ١٥١٧ و١٥٢٤ زاد نشر الكتب المطبوعة في هذه المدن سبعة أضعاف. وكان لوثر نفسه أحد أسباب هذا الإنتاج المتزايد. فقد أدرك سريعًا القوة الجذرية الكامنة لآلة الطباعة التي أطلق عليها «نعمة الله الأعلى والأسمى التي يتقدم بها عمل الإنجيل». وبين عامي ١٥١٧ و١٥٢٠، كتب لوثر أكثر من ٣٠ كتيبًا بأكثر من ٣٠٠ ألف نسخة مطبوعة. وادَّعى أحد الأصدقاء المعجبين أن: «لوثر هو الشخص الذي يمكنه أن يجعل مطبعتين في كل منهما آلتا طباعة مشغولتين في نفس الوقت.» كما أدرك لوثر قوة نشر كلمته باللغة الدارجة، بدلًا من اللغة اللاتينية الكنسية التي كانت تخاطب الصفوة. وبحلول عام ١٥٧٥، باعت ترجمته الألمانية المطبوعة من الكتاب المقدس مائة ألف نسخة. كما أشارت التقديرات إلى أن أعماله مثلت ثلث مجموع الكتب المكتوبة باللغة الألمانية المبيعة بين عامي ١٥١٨ و١٥٢٥. وبحلول ١٥٣٠، أصبح لوثر أول مؤلف للكتب الأكثر مبيعًا في تاريخ الطباعة القصير.

لقد ظهرت اللوثرية من عالم انتقل فيه مركز الثقل التجاري والمالي والسياسي تدريجيًّا باتجاه الشمال. فمع بداية القرن السادس عشر، كانت أنتويرب تتفوق على فينيسيا بصفتها العاصمة التجارية لأوروبا، كما كانت الولايات الألمانية التي شهدت ولادة اللوثرية تصوغ هويات سياسية جديدة من شأنها أن تخلق خريطة حديثة لأوروبا بنهاية القرن. وبحلول عام ١٥١٩، أضاف تشارلز الخامس من عائلة هابسبورج النمسا إلى تراث سلالته الحاكمة المكون من إسبانيا ونابولي وهولندا والعالم الجديد. وقد أطلق اختياره للقب الإمبراطور الروماني المقدس صراعًا خطيرًا على السلطة السياسية عبر أرجاء أوروبا، شهد منافسة تشارلز والملك فرانسيس الأول وهنري الثامن، وكذلك يوحنا الثالث ملك البرتغال والسلطان سليمان؛ على السيطرة الإقليمية والسياسية، بينما تدنت الدول المدينة في إيطاليا إلى مجرد ورقات تفاوض عاجزة. وفي ذلك الوقت أيضًا، بدأت بذور التمرد القومي نشاطها في شمال أوروبا؛ وفي الشرق كان تشارلز يواجه السلطة الإمبراطورية الكاسحة لسليمان الذي اجتاح بلجراد في عام ١٥٢١، وبحلول عام ١٥٢٩ كان يضرب حصارًا حول فيينا. لكن ظهور اللوثرية ضاعف مصاعب تشارلز.

كان تشارلز حريصًا على عدم إبعاد حلفائه الألمان بالحرمان الكنسي لأحد رهبانهم. ومع ذلك، وبعد وعد لوثر للإمبراطور نفسه الذي قال فيه: «لا أستطيع التراجع ولن أتراجع عن أي شيء؛ لأنه ليس من الآمن أو من الصواب مخالفة الضمير»؛ اتهمه تشارلز بأنه «مهرطق رديء السمعة». وقد قاومت الولايات الألمانية الدعوات الباباوية لتدمير «البروتستانتية (الاحتجاجية)» كما سُميت من عام ١٥٢٩ عندما «احتجَّت» مجموعة من الأمراء الألمان على دعوات إدانة اللوثرية. وقد تشتت انتباه تشارلز بإدارة ممتلكاته الخارجية وكذلك شبح السلطان سليمان القانوني الذي كان يدق أبواب إمبراطوريته.

بحلول عام ١٥٢٩، كانت إمبراطورية سليمان القانوني تمتد عبر أرجاء شمال أفريقيا وحوض البحر المتوسط ومعظم شرق أوروبا، وكان متحالفًا مع فرانسيس الأول عدو تشارلز. وفي الوقت الذي استمر فيه العثمانيون في مواجهة تشارلز كطرفين يقفان على قدم المساواة من الناحية السياسية، فإن إيمانهم أيضًا صار نقطة خلاف في المناخ الديني الذي كان يزداد استقطابًا في عشرينيات القرن السادس عشر. وعلى غرار فرانسيس، كان لوثر وأتباعه يعتبرون إمكانية التحالف الاستراتيجي مع العثمانيين حصنًا ضد إمبراطورية هابسبورج التابعة لتشارلز. وكان لوثر قد درس القرآن وشارك في نشر العديد من النصوص الألمانية عن الإسلام. وبعد دعوات العديد من المؤلفين اللوثريين للكتيبات بضرورة «البحث عن العدو في إيطاليا وليس في الشرق!» فقد أكد بحرص أنه «لو حدث وخضنا أي حرب تركية، فعلينا أن نبدأ بأنفسنا». وكان هذا يوحي بأن التهديد العثماني إنما أرسله الرب لتعذيب الإمبراطور والبابا الكاثوليكيين. كما أدرك سليمان إمكانية استغلال العثمانيين للوثرية لإلهاء آل هابسبورج عن التركيز على التهديد العسكري من الشرق. فقد كان كل من الإسلام والبروتستانتية يدركان أنه من الناحية اللاهوتية، فإن إيمانهما بقوة الكتاب ومعارضة الوثنية جعل من التقارب السياسي إمكانية متميزة في تلك السنوات المتقلبة من منتصف القرن السادس عشر.

كان تشارلز الخامس أبعد ما يكون عن المرونة الأيديولوجية؛ فميراث أسرته الحاكمة كان قائمًا على طرد كل من اليهود والمغاربة من إسبانيا في عام ١٤٩٢. وسرعان ما صار هو ومستشاروه مقتنعين بأن لوثر وسليمان كانا وجهين لعملة واحدة، فكلاهما «مهرطق» لا بدَّ من إبادته. وفي عام ١٥٢٣ كتب السفير البابوي في نورمبرج قائلًا: «إننا منشغلون بالمفاوضات حول الحرب العامة ضد الأتراك، وحول تلك الحرب الخاصة ضد ذلك الشنيع مارتن لوثر الذي يمثل شرًّا أكبر على العالم المسيحي من الأتراك.» وفي عام ١٥٣٠، كتب الكاردينال كامبيجيو إلى تشارلز قائلًا إن: «آراء لوثر الشيطانية الهرطقية … سوف تلقى انتقادًا وعقابًا وفقًا للحكم والممارسة المعمول بهما في إسبانيا فيما يتعلق بالمغاربة.»

ومع تصادم الحماسة من أجل الإصلاح الديني مع المطالبات بالسلطة السياسية العالمية التي تزداد طموحًا، تزايد التعصب الديني. كانت التجمعات اليهودية تعيش في كل أرجاء أوروبا لمدة قرون، رغم طردها الرسمي من إنجلترا في عام ١٢٩٠ ومن إسبانيا في عام ١٤٩٢. ولكن، وفي تلك الفترة من الأوضاع الدينية الاستقطابية، سرعان ما وجد اليهود أنفسهم مضطهدين من قبل الكاثوليك والبروتستانت، وواجهوا اتهامات بجرائم تراوحت ما بين تسميم الآبار إلى قتل الأطفال المسيحيين. وفي عام ١٥٥٥، أصدر البابا بولس الرابع بيانًا باباويًّا يهاجم فيه الإيمان اليهودي، مدعيًا أن الكنيسة فقط «تحتمل اليهود لأنهم قد يعترفون بالعقيدة المسيحية الحقة». كان اليهود بإمكانهم التحول إلى الكاثوليكية وإلا كانوا يُمنعون من حيازة الممتلكات، وكانوا يُحبسون في إطار أحياء للأقليات؛ حيث كانوا يجبرون على ارتداء شارة صفراء كعلامة للخزي. ولم تكن البروتستانتية أكثر تسامحًا؛ ففي عام ١٥١٤، ادَّعى لوثر بأن «اليهود سوف يمارسون التجديف واللعن دائمًا في حق الرب والملك المسيح»، ثم ادَّعى لاحقًا: «إني لأفضل أن يكون الأتراك أعداءً على أن يكون الإسبان حماة: فرغم أنهم طغاة برابرة، فإن معظم الإسبان أنصاف مغاربة وأنصاف يهود، ولا يؤمنون بأي شيء على الإطلاق.» وكان الكاثوليك الإسبان بدورهم يعتبرون البروتستانت مهرطقين مقارنةً بالمسلمين واليهود. وفيما ردت الكاثوليكية على تهديد اللوثرية، وحاولت البروتستانتية تعريف نفسها بتفريق لاهوتي واضح عن الديانات الأخرى، فإن كليهما هاجم بصفة متزايدة الديانتين الكتابيتين اللتين لم تعترفا بمعتقد أن يسوع ابن الرب.

هذه الصراعات غيَّرت أيضًا من شكل الفن في عصر النهضة. ففيما كانت الباباوية في روما تشعر بتآكل سلطتها السياسية، ردت باستعراضات فنية ومعمارية أكثر إسرافًا في محاولة لإعادة التأكيد على سلطتها. وقد كان ذلك التوتر ظاهرًا في فن مايكل أنجلو ورافاييل. فاللوحات الجصية لمايكل أنجلو التي تصور مشاهد من سفر التكوين التي تزخرف كنيسة سيستين — والتي كلفه البابا يوليوس الثاني بتصميمها — تقدم رؤية شاملة للخلق قائمة على تعاليم روما. كما تجسد الدينامية الجميلة للمشاهد، والعضلات القوية الانفعالية لشخصيات تلك المشاهد؛ قوة الكنيسة الرومانية وغضبها المحتمل إذا ما تعرضت للشك. وهذا التوتر ملحوظ كذلك في لوحات رافاييل الجصية التي رسمها لصالون القسطنطينية التابع للفاتيكان. فهي تروي قصة حياة الإمبراطور قسطنطين وانتقال السلطة الكنسية من الشرق (المقر الإمبراطوري لقسطنطين في القسطنطينية) إلى الغرب (القديس بطرس في روما).

أما المشهد الأخير في حلقة اللوحات الجصية، بعنوان «منحة قسطنطين»، فيوضح الإمبراطور قسطنطين وهو يسلم سلطته الدنيوية والإمبراطورية إلى البابا الذي يرتدي تاجًا مثلثًا يعكس قوته الروحانية والدنيوية. وبعد شهور فقط من بدء العمل في صالون قسطنطين، كتب لوثر:

بين يديَّ دليل لورنزو فالا على أن «منحة قسطنطين» زائفة. يا إلهي، ما هذه الظلمة والشرور في روما؟! وسوف تتعجب لحكمة الله في أن مثل هذه الأكاذيب الزائفة الصفيقة لم تعش فحسب، بل وسادت قرونًا كثيرة للغاية.

طُبعت أطروحة فالا عن المنحة للمرة الأولى في ألمانيا في عام ١٥١٧ كجزء من الهجوم المتزايد على الكنيسة الرومانية. وتعد اللوحات الجصية الموجودة في صالون قسطنطين — التي تصور البابوات البارزين، والطوائف المتحاربة، والمشاهد الدرامية للسلطة الباباوية — ردود أفعال عدوانية ومتكلفة ومتوترة إزاء التغيرات الدينية والسياسية. وكانت «الكلمة» المطبوعة من الشمال تنتصر على الآثار الضخمة واللوحات الجصية المتألقة في الجنوب.

الإمبراطورية تردُّ الهجوم

سرعان ما أدركت الكنيسة الرومانية أن الفن الانتصاري لم يكن إجابة للأسئلة التي أثارها البزوغ القوي للبروتستانتية الأوروبية الشمالية. ففي عام ١٥٤٥، عقد البابا بولس الثالث مجمع ترنت لإصلاح الكنيسة ودحض اللوثرية. وعلى مدار الثمانية عشر عامًا اللاحقة، وضع المجمع مراسم شكلت أساس الإصلاح الكاثوليكي المضاد. وقد أعاد المجمع التأكيد على قدسية الأسرار السبعة واستحالة الشكلين والمطهر والسلطة البابوية، كما أكدت على توقير القديسيين والرفات وشراء صكوك الغفران، وقامت كذلك بإصلاح المساوئ التي أغضبت لوثر للغاية. أُصلحت الدرجات الكهنوتية الدينية، وتأسست معاهد دينية لتدريب القساوسة، وكان من المتوقع أن يتبنى الأساقفة اتجاهًا يتسم بقدر أكبر من روح المبادرة لإدارة الأبرشيات المسئولين عنها. كما صادق المجمع على تأسيس مجتمع يسوع في عام ١٥٤٠ (المشهور باسم نظام اليسوعيين) بقيادة الإسباني إجناطيوس لويولا، وتأسيس محاكم التفتيش الرومانية في ١٥٤٢ التي تعقبت المهرطقين والمصلحين.
fig11
شكل ٣-٤: اللوحة الجصية «منحة قسطنطين» رسمتها ورشة عمل رافاييل في الفاتيكان بين عامي ١٥٢٣ و١٥٢٤، ويتجلى الصراع الديني من خلال محتواها الإمبراطوري وأسلوبها المتكلف العدواني.4

كما وجَّه المجمع انتباهه إلى الناقل الأكثر خبثًا للإصلاح البروتستانتي؛ ألا وهو الكتاب المطبوع. ففي عام ١٥٦٣، أصدر المجمع قائمة بالكتب الممنوعة التي اعتُبرت «هرطقية»، مصرحًا بأنه «لو أن أي شخص قرأ أو امتلك كتبًا ألفها هراطقة أو كتابات لأي مؤلف مدانة ومحرمة بسبب الهرطقة أو الشك في تقديم تعاليم خاطئة، فإنه يجلب على نفسه فورًا عقوبة الحرمان الكنسي». وقد منعت تلك القائمة آلاف الكتب بدءًا من أعمال لوثر وزوينجلي وكالفن، وكذلك أعمال مكيافيلي وكتابات مختارة من تأليف إراسموس. لقد أذعن مجمع ترنت ضمنيًّا بقوة الكتاب المطبوع (جزئيًّا من خلال تمويل المطابع الكاثوليكية لنشر النصوص القديمة)، ولكن على حساب تأسيس إحدى أولى المحاولات الحديثة للمراقبة الجماعية.

كان خليط مجمع ترنت الحماسي الذي جمع بين الإصلاح والتقوى والقتالية والقمع ناجحًا بصورة واضحة. فمع نهاية القرن السادس عشر، أشارت التقديرات إلى أن حوالي ثلث جمهور الكنيسة الذين فقدتهم روما قد عادوا مرة أخرى إلى كنيستهم الأم نتيجة للإصلاح المضاد. ولكن موقف المجمع من الالتزام الديني والكتب وحتى الصور الدينية أدى إلى مزيد من الاستقطاب في المشهد الديني في أواخر القرن السادس عشر. لقد أكد مجمع ترنت على الفجوة المتسعة بين أيديولوجية البروتستانتية والكاثوليكية، وفي هذه الأثناء مهَّد الطريق للحروب الدينية التي ستندلع في النصف الثاني من القرن، والتي ستعيد تحديد شكل أوروبا.

بحلول عام ١٦٠٠، كانت أوروبا قد تغيرت تغيُّرًا جذريًّا، من مجرد مجموعة غير محددة الملامح من دويلات المدن والإمارات التي كانت لا تشير إلى كيان «أوروبا» في عام ١٤٠٠. فحددت الولايات القومية والإمبراطوريات العالمية الناشئة البرنامج السياسي؛ أما سلاسة الصدامات الدينية والتبادلات بين الشرق والغرب، فقد تصلبت لتشكل الأنظمة العقائدية الكاثوليكية والبروتستانتية والإسلام، والتي لكل منها برنامجه الخاص. وقد أذِنَ هذا بمولد المؤسسة الحديثة للدولة، وظهور النزعة القومية التي صاحبتها. وعلى مدار القرون الثلاثة التالية، استمرت القوى الإمبراطورية العظمى في أوروبا في ادِّعاء حقها في معظم أجزاء الكرة الأرضية التي تم اكتشافها حديثًا. لكن تراث تلك الفترة كان أيضًا عبارة عن سلسلة من الصراعات الدينية والسياسية التي يبدو أنها غير قابلة للحل في أقاليم متنوعة مثل أيرلندا والبلقان والشرق الأوسط، والتي ترجع أصولها إلى التصادم بين الكنيسة والدولة الذي حدث للمرة الأولى في عصر النهضة.

هوامش

(1) Chapel of the Palazzo Medici-Riccardi, Florence/© Scala, Florence.
(2) Koninklijk Museum voor Schone Kunsten, Antwerp/ Bridgeman Art Library.
(3) © The Trustees of the British Museum, London.
(4) Sala di Constantino, Vatican.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤