الفصل السابع

علم الأخلاق

إذا كان علم النفس يبحث في الإنسان كما هو وفي أفكاره وأعماله كما هي، فعلم الأخلاق يبحث فيما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، وماذا ينبغي أن يعمل، وبأي شكل يشكل حياته. مُنح الإنسان كثيرًا من القوى والملكات، وله ميول كثيرة ورغبات وحاجات عديدة، وهو ليس بمخلوق قد رُسم له نوع من العمل يعمل فيه باستمرار فحسب، بل هو مخلوق حر له السلطان التام على أعماله، ففي استطاعته أن يوجه إرادته وأعماله إلى أي جهة أراد، وأن يعامل بني نوعه كما يشاء؛ ينفعهم أو يضرهم، وفي حق نفسه يستطيع أن يكون مجدًّا أو كسولًا، عاملًا أو لاهيًا، وإرادة الإنسان وأعماله لا بد معها من مقصد، ويستحيل إرادة عمل من غير غرض أو مقصد يقصده بعمله، وعلم الأخلاق يبحث في المقصد والغرض الذي ينبغي أن يكون، والذي يحاول الإنسان أن يناله بأعماله، وإليه يوجه إرادته، وأن ما منحه الإنسان من قوة الفكر العجيبة — التي بها يستطيع أن يبحث في ماهية نفسه — يؤهله للنظر فيما هو الغرض من وجوده، ووضع قوانين وقواعد لسلوكه وأعماله، وعدِّ بعضها حسنًا والآخر قبيحًا، ولا بد له من إعمال الفكر لمعرفة تلك القواعد، ومجموع هذه الأفكار يسمى علم الأخلاق، فهو يبحث في مصدر الأعمال والباعث عليها والمقصد منها وقوانينها، يبحث في أعمال الإنسان الاختيارية ومصدرها، وفي الحكم الأخلاقي والعواطف ومظاهرها في الحياة.

ما البواعث التي تدفعنا إلى الإتيان بعمل معين في ظروف خاصة دون أن تدفعنا إلى غيره من الأعمال؟ من أين نعرف الخير والشر؟ وإلى أين توصلنا هذه المعرفة؟ تلك أسئلة يتكفل بالإجابة عنها علم الأخلاق.

يظهر أن في الإنسان صوتًا باطنًا يوحي إليه بما ينبغي أن يفعل، ويميز به بين الحق والباطل، والحسن والسيئ، والنافع والضار، والأخلاقي١ وغيره، ويسمى هذا الصوت بالوجدان، وهو نوع من الشعور الباطني ليس يخضع لسلطان خارجي، وهذا الشعور هو الذي كان يحمل الناس على السير في طرق خاصة قبل أن تبحث النظريات الأخلاقية بحثًا فلسفيًّا بأزمان طويلة؛ وهو ناشئ إما من غزيرة في الإنسان، وإما من المعتقدات الدينية، وإما من أحكام تواضع بعض الناس عليها وقرروا العمل بها لما رأوا فيها من الخير والمنفعة العملية لهم، وتأكدت هذه الأحكام بالجري عليها، ثم أجبر الناس على العمل بمقتضاها، وصارت فيما بعد عُرفًا وعاداتٍ، وأصبح العمل على وفقها أخلاقيًّا، وانتهاك حرمتها مخالفًا للأخلاق، قال زجلر: «العرف مجموعة أعمال محدودة تواضع الناس عليها اعتباطًا، ونَمَت في أوساط خاصة سيما في المجتمعات الطبيعية والجنسية كالعشيرة والقبيلة، ثم صار يُعد انتهاكها تعديًا على الآداب، واتِّباعها فضيلة.»

وبعد أن جمع علم الأخلاق عادات الأمم وخصالها ورتبها وقسَّمها لم يقنع بحقائقها مجردة، بل أخذ يبحث في «من أين؟» و«لمَ؟» و«إلى أين؟»

ابتدأ هذا العلم ببيان عادات الأمم ونظمها، واستحسن بعضها واستقبح بعضًا،٢ وكما كانت اللغة سابقة على قواعد النحو كذلك موضوع الأخلاق كان قبل أن يبحث فيه علم الأخلاق، ثم جاء هذا العلم فاجتهد في استنباط قواعد يهتدي بها الإنسان في أفعاله.

لهذا كان علم الأخلاق يمتاز عن الفلسفة النظرية بأن بحثها مقصور على ما كان وما هو كائن وما سيكون، أما علم الأخلاق فيزيد على ذلك أنه فلسفة عملية، يجتهد في تقرير ما ينبغي أن يكون، فهو علم سلوك الإنسان وعاداته.

إن قليلًا من الخبرة يكفي في إرشادنا إلى أن الإنسان ليس مطالبًا بأن يعمل كما يشاء حينما يشاء، ولا أن يعمل كل ما يستطيع أن يعمل، بل هو على العكس من ذلك؛ فكثيرًا ما يُطالب أن يتجنب عمل ما يسرُّه، و«أن يخضع إرادته لإرادة غيره»، وأن ينظم إرادته ويشكلها على حسب ظروف الأحوال.

وتاريخ الأمم كذلك يرينا أن الناس اختلفوا — ولا يزالون مختلفين — فيما هو الحسن والسيِّئ، والأخلاقي وغيره، وأن العمل الواحد قد يكون في حالة حسنًا وفي حالة قبيحًا، ويكون أخلاقيًّا في مكان أو زمان، ومستهجنًا في مكان أو زمان آخرين؛ لذلك كان من عمل علم الأخلاق أن يحدد لنا الحسن والسيئ، ويبين لنا إن كانا يتغيران بتغير الأزمان أو هما ثابتان لا يتغيران مع تغير العصر والإنسان.

وعلى الجملة فعلم الأخلاق يوضح لنا الحياة الأخلاقية، ويعين الوسائل لامتحان الآراء الأخلاقية التي تظهر في شكل عرف وعادات، ويعيننا على معرفة الغاية الأخيرة للحياة، ويساعدنا على النظر في النُّظم لإبقاء ما يصحُّ منها للبقاء، وإصلاح الفاسد، ونبذ ما لا يصلح، ويبين المقياس الأخلاقي الذي به نحكم على الأعمال، وبه نهتدي في ميولنا وأفعالنا. وليس غرض هذا العلم مقصورًا على معرفة مجهودات الإنسان وأشكال المعاملات وتأثيرها في حياتنا، بل من غرضه أيضًا التأثير في إرادتنا وهدايتها، واستكشاف علة الحياة الأخلاقية، وتقويم الأشياء على قدر اعتمادها على إرادتنا وإرشادنا، إلى كيف نشكل حياتنا ونصبغ أعمالنا حتى نحقق المثل الأعلى للحياة، ونحصل خيرنا وكمالنا ومنفعة الناس وخيرهم. ويتذكر القارئ أنا ذكرنا في تمهيد الفصل الأول أن الحق الذي يكتسب من النظر الفلسفي ليس مقصورًا على التأمل العقيم، بل نهاية هذا التأمل أن يستخدم في الحياة العملية، ونزيد هنا ما قاله الأستاذ «بولسن» في كتابه (نظام علم الأخلاق): «إن المقصد الأخير الذي دفع الناس إلى التأمل في طبيعة العالم سيظل دائمًا هو الرغبة للوصول إلى نتائجَ ترتبط بمعنى حياتنا ومنبعها والغرض منها، فأصل الفلسفة كلها والغرض منها يجب أن يُتَطلَّبَ إذًا من علم الأخلاق.»

ذكرنا قبل أن سقراط وجَّه فكر اليونان إلى البحث في الإنسان، وكانت الفلسفة قبله منصرفة إلى العالم المادي، ومع أن سقراط فعل ذلك فقد كانت الأفكار الأخلاقية منثورة في أقوال الشعراء على شكل حِكَم وأمثال — ولم يكن ثم علم خاص بها — ولذلك كان أول ظهور الشعور الأخلاقي٣ عند اليونان إنما هو في شعرهم، وكان كما قال الفيلسوف الفرنسي «بول جانيه»: «إن الشعراء كانوا أول لاهوتي٤ عند اليونان، كما كانوا أول واعظ.» أما البحث الحقيقي في الحقائق الأخلاقية فأول مَن بدأ به عند الغربيين أفلاطون وأرسطو، ولا سيما أرسطو، ولكن أحدًا منهما لم يخترع الحكم الأخلاقي على الأشياء؛ فقد كان الناس قبلهما بأزمان طويلة يحكمون على عمل بحكم وعلى غيره بآخر، ويميزون بين الحسن والسيئ، والأخلاقي وغيره، وإنما البحث العلمي يجمع الحقائق، ويبحث في البواعث والعلل، فيبحث مثلًا في: لماذا كان القتل أو السرقة رذيلة؟ ولِمَ كان الكذب غير أخلاقي والصدق أخلاقيًّا؟

ابتدأت الفلسفة الأخلاقية عند اليونان بقولها: إن هناك خيرًا عظيمًا يجدُّ الإنسان للوصول إليه، ويقصد الحصول عليه لذاته لا لأنه وسيلة إلى شيء غيره، ويمكن تحصيل ذلك الخير بالعمل، ويجب أن تنظم أعمال الإنسان بملاحظة ذلك الخير، وهذا الخير هو السعادة، وهي الغاية القصوى لأعمالنا، وكل غاية غيرها تابعة لها، ولنُسَمِّ هذه النظرية «نظرية السعادة» وهي تقول: «إن السعادة أعظم خير للإنسان، والغاية الأخلاقية من سلوكه.» وبعد أن سُلم بهذه النظرية، أي إن أعظم سعادة للشخص هي أعظم الخير له، تساءل فلاسفة الأخلاق اليونانيون: ما أعظم سعادة للشخص؟ وما خير الوسائل التي عساها توصل إليها؟ على هذين السؤالين أجيبت أجوبة مختلفة: رأى سقراط — ذلك الفيلسوف الذي لم يشأ أن يشغل نفسه بالبحث في أصل العالم وتكوينه، بل وجه عنايته نحو الإنسان وما يتعلق به — أن أعظم سعادة هي معرفة الحق، وأن المعرفة هي الفضيلة، ويمكن أن تُكتسب بالبحث، وقرر أن لا أحد يعمل غير الحق بإرادته، أو يختار الباطل إذا هو عَلِمَ الحق، وعندما يرتكب الإنسان خطأً فإنما يكون ذلك لجهله بالخير له، والحكيم العارف هو وحده السعيد الفاضل، وافق الرأي العام والمأثور والعرف أو خالف؛ لأن المعرفة هي الغاية القصوى للإنسان، وهي بعينها الخير والفضيلة، أما العدل والفضيلة الناشئان عن محض الاعتياد والتربية — إذا لم يعتمدا على المعرفة والنظر — فتلمُّسٌ في الظلماء قد يؤدي عفوًا إلى الحق، ولكن ليس فيه مقنع، وإنما ما فيه المقنع أن تجدَّ في البحث للوصول إلى معرفة الخير وتحديده.

وقد ذكر أفلاطون في كتابيه (جورجياس) و(الجمهورية) أن «كليكليس وترازيماخوس» قالا: إن الخير ما يسرُّنا، والعدل ما استطعنا الحصول عليه. ولكن أفلاطون — الذي يدعي أنه ليس إلا معيدًا لتعاليم سقراط — أنكر رأيهما، وذهب إلى أن الخير والعدل مَعنيانِ إلهيان قائمان بأنفسهما مستقلان عن الفكر، وكانت طريقته في البحث الأخلاقي طريقة لا مادية،٥ ومن تعاليمه أن فن السلوك إنما يحصل بالجِدِّ في جعل الحياة الخاصة والعامة بحيث يسود فيها الوفاق والجمال والنظام، وهي الصفات الأساسية التي هي من خصائص العالَم الأعلى، وفي تقليد الخير المطلق الذي كانت النفس — التي هي جزء من النفس الكبرى للعالَم — تنظر إليه وجهًا لوجه قبل أن تحل في الجسم٦ ويمكن نيل هذا بالمران على فضائل أربع: الشجاعة والعفة، وأهم من هذين: الحكمة والعدل، ويبلغ العدل منتهى الكمال في نظام الحكومة. وقد أوضح أفلاطون المثل الأعلى لهذا النظام على وجه الإجمال في كتابيه: (الجمهورية)، و(القوانين).

أما أرسططاليس — سيد المفكرين على الإطلاق كما لقبه بذلك «أوجست كومت» في أحد كتبه — فابتدأ بحثه في الأخلاق بما ابتدأ به أفلاطون، فبحث في «ما هو أعظم خير للإنسان؟» «وما غايته القصوى وما غرضه؟» وكان من تعاليمه أن الإنسان من بين سائر الموجودات هو الذي جمع إلى قوة الشعور والرغبة قوة العقل، وهو بحسه وإدراكه يشبه الحيوان، وبعقله يشبه الله، وباتحاد تلك القوتين فيه كان كائنًا أخلاقيًّا؛ فإن الأخلاقية هي الاتفاق بين عناصر الحيوان والعقل، واستعمال كل قوى الإنسان تحت سلطة العقل، وليس الذي يخضع لهذه الأخلاقية هو من يعيش في عالم الفكر فحسب، بل الذي يشغل بالعمل ويكون لرغبته وانفعالاته عليه سلطان، ولأجل أن يختار الإنسان طريق الحق وينهج النهج القويم يجب أن يستعمل قوة الحكم عنده قوة عقله، ويستخدم إرادته الحرة.

هذا الاتفاق بين إرادة الإنسان وعقله ينتج الفضائل الأخلاقية أو السعادة أو أعظم خير، وهذا هو غرض الإنسان في الحياة. وبينا سقراط يرى أن الفضيلة نتيجة العقل وحده، وليست نتيجة التربية ولا العادة، وإنما هي ثمرة الحكمة وبُعْد النظر الأخلاقي، إذ بأرسطو يرى أن التربية والمران والعادة ضرورية أيضًا في تكوين الفضيلة، ويحدد الفضيلة بأنها «عادة ثابتة مقررة ينتجها المران، ويُكوِّنها تغلُّب العقل وهدايته».

خلف من بعد هؤلاء الفلاسفة العظام خَلْف كان لهم أثر في ترقية ما قرره سلفهم، ولا بد أن نخص بالذكر منهم «الرواقيين» و«الأبيقوريين».

فمذهب الرواقيين أسسه «زِينُون»، وكان يعلِّم تلاميذه في رواق منقوش من بناء في «أثينا»، ومن أجل هذا سمي هو وأصحابه بالرواقيين، وقد بنَى «زينون» تعاليمه على قول سقراط بعدم الاعتداد بالمأثور والرأي العام، وعلى القول بسلطان العقل على الشهوة، فكان يرى أن الفضيلة فيها الغناء عن كل شيء، وأن الحكيم يقضي حياته في وفاق مع الطبيعة مستقلًّا حرًّا، بين جنبيه نفس تعتز عزة ملك وإن التَحَف ببُرْدة فقير، رأى الحكيم أنه لا يستطيع أن يغير الطبيعة ففضل أن يخضع لها عن رضًا، ولم يفعل كما يفعل الأخرق ينازل الطبيعة ويكافحها حتى يفقد قوته ويدركه الإعياء فيخر صريعًا. والرواقي مستسلم لا يهيجه شيء؛٧ لأنه يعتقد أن كل شيء قدَّرته الطبيعة، وهي رحيمة عادلة تريد الخير.
أما أبيقور (٣٣٧ أو ٣٤١–٢٧٠ق.م) فكان يُعلِّم أن لا خير للإنسان إلا اللذة، والعقل يساعده على تحصيلها، وكان أبيقور كسائر فلاسفة اليونان يسلم بأن الأخلاقية٨ والسعادة مترادفان، وأن فن السلوك٩ فن يعلِّم الإنسان كيف يُرْوِي نفسه باللذائذ، وعنده أن لا معنى للأخلاقية إلا الفهم الصحيح لفائدة الإنسان الشخصية، وبعبارة أخرى الأثَرة (الأنانية) المهذبة، وإذا ضحى الإنسان بنفسه أو آثر غيره بشيء فليس معنى ذلك أنه يعمل على خلاف طبيعته أو يعاكس رغبته في اللذة المتأصلة في أعماق نفسه، بل إنه إنما يفعل ذلك لما عنده من قوة التفكير؛ ذلك لأنه لما كان عاقلًا كان في استطاعته أن يرفض لذة وقتية عاجلة للحصول على لذة أكبر منها آجلة، وأن اللذائذ السريعة الزوال والانهماك في الترف لا تعد شيئًا إذا قيست بتلك اللذة الباقية — لذة العقل — التي بها تطمئن النفس، ومنها تتخذ عدة لحوادث الدهر وصروف الزمان.
وإذا كان بعض اللذائذ يعقب ألمًا كان لا بد من تنظيم رغبتنا في اللذة بالحزم؛ ومن ذلك تنتج جميع الفضائل؛ فإن صحة البدن واطمئنان العقل أعظم سعادة في الحياة، وهما نتيجة ما ذكرنا؛ «ونحن لا نستطيع أن نحيا حياة لذة ما لم تكن حياة حزم وشرف وعدل، كما أنه لا نستطيع أن نحيا حياة حزم وشرف وعدل ما لم تكن حياة لذة.» وقد نُضْطر أحيانًا إلى تحمل ألم وقتي للحصول على لذة مستمرة. وليس يعني أبيقور باللذة الإحساسات الوقتية التي تفنى بفناء ظرفها، وإنما يعني السكينة والعيشة الراضية التي فيها نأمن عواصف الحياة.١٠

ولما لم يكن من طبيعة نفس الإنسان الاقتناع بالفلسفة طويلًا جاء الدين فحل محلها، وقام الأولياء والقديسون مقام الشعراء والفلاسفة اليونانيين، وأثارت النصرانية ثورة لم يشهد الإنسان قبلها مثلها، فغيرت الأفكار تغييرًا تامًّا حتى لم تستطع عقائد اليونان أن تقف أمام سلطانها، ونبذت أكثر التعاليم الأخلاقية التي وضعها قدماء الوثنيين، فكانت النصرانية كما قال «نيتشه»: «مقوِّمة للأشياء من جديد.»

وقد عممت النصرانية — إلى حد ما — تعاليم اليهودية، ونشرت في المغرب أصول الأخلاق التي وردت في التوراة، والأخلاق عند اليهود إلهية المنشأ، فالمبادئ الأساسية فيها دينية، وليست الأخلاقية إلا نتيجة أمر الله ومن فيضه، وبعبارة أخرى هي تنفيذ أمر الله. نعم، إن الإنسان محتاج إلى قواعد وقوانين تنظم سلوكه، ولكن لا يشرِّع هذه القوانين والقواعد إلا الله، وهم يرون أن الخير الأخلاقي وإرضاء الله لا ينفصلان، وأن فروض الله والقوانين الأخلاقية متلازمان، وليس الشيء أخلاقيًّا لأن الله أمر به، بل الله أمر به لأنه أخلاقي؛ فإن الأخلاقية هي المركز الأساسي ومطمح نظر العالم، قال «هِرمن لُوتز» الفيلسوف الألماني العصري في كتابه الشهير (العالَم الصغير): «إن العبرانيين — على ما يظهر لنا الآن — كانوا بين الأمم الشرقية المحكومة بحكومة دينية كالصاحي بين قوم دبت فيهم الكأس، ونال منهم الشراب، وإن كانوا في القديم قد عُدُّوا كالحالمين بين العاملين، وإن التعهدات والالتزامات الأخلاقية التي يُرَقِّي الشعورُ بها الأعمالَ الاجتماعية كانت في اليهودية تنحصر في إرادة الله، وإرادة الله يجب أن ينفذها الشخص ويمجدها في سره وجهره، بل كذلك الأمة — من حيث هي أمة — يجب أن تنفذها وتمجدها بخضوعها في حياتها لحكومة ونظم دينية.»

من أهم المبادئ حب الله وإطاعته، وحب الإنسان، وهي مبادئ تتطلب التحلي بفضائل كالعدل والإحسان، وبينا نرى علم الأخلاق عند اليونان يعد الغاية القصوى للإنسان كمال شخصه؛ باستعمال كل قواه وملكاته الطبيعية حتى يصل إلى السعادة، إذ نرى الأخلاق النصرانية تطلب من الإنسان السعي وراء طهارة النفس في الفكر والعمل، وتجعل للروح سلطة مطلقة على البدن وعلى الشهوات الطبيعية، وهذه الروحانية أدت إلى إنكار حقوق البدن، واعتزال هذا العالم، ونبذ الحياة الطبيعية واحتقارها، كما أدت إلى الزهد والتنسك والرهبانية، ومحالفة الفقر، وتحمل الآلام البدنية، وعلى الجملة فقد أدت إلى «حياة غير طبيعية»، وشيء آخر جديد وهو عقيدة «النجاة بالغفران»، وهي مبنية على أن الإنسان آثم بطبيعته، وليس في استطاعته الوصول إلى النجاة بقوته وجِدِّه، وإنما ينال النجاة بالغفران، وذلك الغفران تمنحه الكنيسة بطريقة استبدادية محضة، وبذلك انهارت أصول التعاليم والعقائد التي وضعها مؤسس المسيحية بالأغلاط التي ارتكبها أتباعه، وأصبحت الآن الرسوم والمظاهر الدينية في النصرانية واليهودية أهم بكثير من الأخلاق وطهارة الحياة في الفكر والعمل، وقد كان إنما يقصد من هذه الرسوم والمظاهر في الأصل أن تكون رمزًا.

أما الأفكار الأخلاقيَّة الحديثة فيرجع أصلها إلى «مارتن لوثر»؛ ذلك الراهب الشجاع الذي ظهر في «وتنبرج»،١١ وتمتاز بميلها إلى «الواقع» والحقيقة لا الخيال، وترى أن غرض الإنسان هو إظهار كل ما فيه من قوًى وملكات بالحياة العملية في هذا العالم؛ وعلى هذا بنيت الفلسفة الأخلاقية الحديثة ولا سيما المذهب الإنجليزي فيها، وانفصلت الأخلاق بالتدريج عن الدين وصارت علمًا فلسفيًّا، ومن أكبر من بحث في هذا الفرع من الفلسفة لوك وهوبز وشافتسبري وهتشسون وهيوم وآدم سمِث في إنجلترا وإسكتلندا، وسبينوزا وليبنتز وولف في ألمانيا. وسنذكر الموضوعات التي أثاروها والمسائل التي بحثوها في فصل تالٍ يبحث في المذاهب الأخلاقية. وقد جاء «كانت» بكتابه (نقد العقل المجرد) سنة ١٧٨٨م فوجه البحث الأخلاقي وجهة جديدة، ذلك أنه قرر أن الإنسان يحمل بين جنبيه وفي نفسه منبع القانون وروح الأخلاق، وهذا الروح الأخلاقي مستقل عن التشريع، ولا يستمد أي شيء من الخارج، ويسمى هذا المبدأ الأخلاقي المستقل «بالآمر المطلق»،١٢ ونحن إذا أخضعنا إرادتنا لهذا الروح الأخلاقي الذي فينا، ولذلك الآمر المطلق ولو خالف ميولنا؛ فقد أدينا ما علينا من الواجب، وسرنا سيرًا أخلاقيًّا. وخلف «كانت» «فِخْتَه»، وجاء «هِجل» و«شِلَرماخر» وشوبنهور، وفريدريك نِيتْشَه، وداروِن، وجُون ستِوارت مِل، وهِربرت سبِنْسَر، فظلوا يعملون على ترقية المسائل الأخلاقية، ويضعون نظريات جديدة من عندهم.

هوامش

(١) يقال: عمل أخلاقي إذا كان يتفق مع ما تأمر به الأخلاق. وارتكبنا فيه النسبة إلى الجمع خوفًا من اللبس (المعرِّب).
(٢) أبان المؤلف هنا اشتقاق الكلمة الإفرنجية المستعملة اسمًا لعلم الأخلاق Ethics، وأنها مأخوذة عن اليونانية من كلمة معناها «الخلق»، وفيها إشارة إلى العادة والعرف.
(٣) نعني بالشعور الأخلاقي الشعور بالخير أو الشر، وبعبارة أخرى الشعور الذي يصحب الإنسان عند إتيانه بعمل خير أو شر.
(٤) اللاهوتيون: رجال الدين.
(٥) نسبة إلى ما وراء المادة.
(٦) كان يغلب على فلسفة أفلاطون نظرية «المثال»، فقد كان يرى أن لكل موجود مشخص في العالم الحسي مثالًا موجودًا غير مشخص في العالم العقلي، وهذه المثل تسمى «المثل الأفلاطونية»، يوضح ذلك مثلًا رأيه في الجمال؛ فقد كان يرى أنَّ هناك جمالًا أزليًّا، وهو معنًى قائم بنفسه غير قابل للتغير (وهذا هو المثال) قد تمتعت الأرواح به قبل أن تحل في الأجسام، وما نسميه جميلًا في عالمنا هو ما فيه نفحة من ذلك الجمال الأزلي المطلق، وكذلك قال في الأخلاق؛ فقد قال: إن من بين هذه المثل «مثالًا للخير»، وكلما قرب هذا السلوك من هذا المثال وسطع عليه ضوؤه كان أقرب إلى الفضيلة. وفهم هذا المثال يحتاج إلى رياضة النفس وتهذيب العقل، ومن ثم لا يدرك الفضيلة في خير أشكالها إلا من كان فيلسوفًا. هذا مجمل رأي أفلاطون في هذا الموضوع، ولعله يُعين على فهم ما في الأصل (المعرِّب).
(٧) والغربيون الآن يطلقون اسم «رواقي» على من اعتاد أن يقابل كل الأشياء بهدوء وطمأنينة رغم ما يحيط بها من خطر وألم (المعرِّب).
(٨) استعملنا كلمة «أخلاقية» ترجمة لكلمة Morality، ونعني بها الصفة التي في الشيء ومن أجلها يحكم عليه بأنه خير أو شر، فإذا قلنا: أخلاقية العمل أو الإنسان أو الأمة، فإنما نعني الصفات التي يتصف بها العمل أو نحوه، ويحكم عليه من أجل اتصافه بذلك بأنه خير أو شر، وقد يستعملونها في معنًى أضيقَ فيقصرونها على الصفات الحسنة فقط التي يتصف بها العمل فيحكم عليه بأنه خير، وبهذا المعنى استعملت هنا (المعرِّب).
(٩) يقصد بفن السلوك الجزء العملي من علم الأخلاق.
(١٠) غلط بعض الناس في فهم مذهب أبيقور فظنوه يدعوه إلى الانهماك في اللذات الجسمية والجري وراء الشهوات حتى أطلقوا «أبيقوري» على الداعر المولع باللذات الجسمية (المعرِّب).
(١١) وتنبرج بلدة ببروسيا على نهر إلب.
(١٢) ربما كان فيما حكي عن مذهب «كانت» غموض، ولتوضيح ذلك نقول: إن «كانت» يقول: إن العقل في الإنسان هو أساس الأخلاقية، «ولسنا في حاجة إلى تعلم قواعد للسلوك تكتسب من الملاحظة والتجربة والتربية، بل إن عقلنا يعلمنا ويأمرنا فورًا بما ينبغي أن نعمل.» وذكر مبدأ سماه «الآمر المطلق»، أي الذي لا استثناء فيه؛ وهو: «اعمل دائمًا العمل الذي يمكنك أن تريد أن يكون عامًّا.» أي اعمل ما تحب أن كل أحد غيرك يعمله، وقال: إن هذا المبدأ يحمل سلطانه معه، أي إنه في نفوس الناس وطبيعتهم، ومنه يمكننا أن نستنتج كل ما ينبغي أن يعمل؛ كتسديد الدَّيْن، وبذل المعونة عند الشدائد، والصدق، وهكذا (المعرِّب).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١