الفصل التاسع

مجمل تاريخ الفلسفة أو تاريخ ترقي الفلسفة

ليس من غرضنا في هذا الكتاب أن نذكر قضايا الفلسفة في شكل تاريخ، وإنما غرضنا أن نقدم للقارئ المهذب معلوماتٍ عامةً عن أصول الفلسفة وقضاياها، وإنا لا نبعد عن الغرض إذا نحن زدنا تاريخًا إجماليًّا يوضح الرقي التدريجي لقضايا الفلسفة من زمن الفلاسفة الأيونيين إلى القرن العشرين بعد الميلاد، وسيكون هذا التاريخ الإجمالي مختصرًا جهد الطاقة فلا نتعرض لتفاصيل المسائل الفلسفية التي ناقشها وبحث فيها كثير من المفكرين، وإنما سنستعرض بالإجمال المميزات الخاصة للعصور المختلفة، ونعين الروح الغالبة عليها، وإنه لمن المستحيل أن نبين بالتفصيل كل النظم والآراء الفلسفية، بل ولا ما هم منها، ولا أن نسرد كل المذاهب ومؤسسيها؛ فإن الموضوع واسع الأطراف، ومسائله في غاية التعقيد، حتى إن محاولة تفصيلها تفوِّت الغرض من هذا التاريخ الإجمالي، وهو أن نقدم للقارئ صورة عامة عن نظام الفلسفة، مع ما في ذلك الموضوع من سعة تحير الألباب، ولا يصح أن يقارن تاريخ الفلسفة بغيره من تواريخ العلوم الأخرى لسببين:
  • أولهما: أن مدار البحث في العلوم الأخرى محدود، فلا تعترض صعوبات غير عادية في تتبع الرقي التدريجي، وكذلك بناء العلم على بعض القواعد الأساسية واضح في كل العلوم، وليس كذلك الشأن في الفلسفة؛ فقضاياها — على كثرتها — متنوعة، وليس موضوعها واحدًا في كل العصور، ومما يزيد الأمر صعوبة أن كل مفكر يأتي لا يبني على ما وصل إليه من سبقه، بل يبتدئ في حل قضيته من جديد كأن لم تكن قبله نظم ولا وضع قبله أساس (انظر فندلبند صفحة ٩).
  • وثانيهما: أن ترقية الأفكار وتأسيس العقائد إنما يكون على يد مفكرين ذوي شخصية، وهؤلاء وإن كانوا مرتبطين بأفكارهم بأفكار من تقدمهم يزيدون عناصر خاصة من عندهم متأثرة بشخصياتهم. وهذا في الفلسفة أهم منه في العلوم الوضعية الأخرى؛ فمن البديهي أن أخلاق الشخص وتجاربه وأعماله في الحياة ومنشأه وتربيته تؤثر أثرًا كبيرًا فيما يضع من القضايا المعنوية المجردة، وفي فكرته العامة نحو العالم، وتطبع ما يرى وما يفكر فيه بطابع خاص.

من هذا كله ينتج أن تاريخ الفلسفة ليس إلا جمعًا متسلسلًا لكل الآراء الأساسية التي وضعها هؤلاء الأفراد ذوو الشخصية، وأنظارهم إلى العالم، وأحكامهم على الحياة، مع بيان ما زاده كلٌّ من عند نفسه. ويجب ألا يقتصر في تاريخ الفلسفة على شرح نظام الفلسفة والتئام أجزائها بعضها ببعض، بل يجب أن يشمل أيضًا شرح نموها وتدرجها في الرقي.

وواضح أنه كلما ترقى الفكر وتقدم الإنسان واتسعت دائرة المعارف كانت الآراء أغزرَ، هذا إلى أنه قد تعرض قضايا على بساط البحث مرة، ثم تعرض هي بنفسها مرات أخرى، وفي كل مرة تبحث بطريقة جديدة تخالف الطريقة التي بحثت بها من قبل.

ومن حين إلى حين تزيد دائرة العقل الإنساني اتساعًا، فتنهض موضوعات جديدة، وتقرر قضايا جديدة، وتجاب أجوبة جديدة، ويستكشف الخلف حلًّا لمسائلَ مفيدةٍ لم يهتدِ لحلها السلفُ، مع ما لكل عصر من عصور التاريخ من طابع خاص لا يشاركه فيه غيره. وإن نظرة سطحية لتكفي في إقناع القارئ بأن القضايا تزداد تركبًا وتعقيدًا كلما تقدمت المدنية والتهذيب بتقدم العقل البشري.

ويمكننا أن نقسم تاريخ الفلسفة إلى العصور الكبرى الآتية، ولكل عصر منها — كما قدمنا — مميزات خاصة، وطابع خاص:
  • (١)

    الفلسفة اليونانية.

  • (٢)

    الفلسفة الرومانية اليونانية.

  • (٣)

    الفلسفة في القرون الوسطى.

  • (٤)

    الفلسفة الحديثة.

إن اليونانيين وإن كانوا يعزون فلسفتهم في كثير من الأحيان إلى حكمة كهنة المصريين، وإنه وإن كان أيضًا في كثير من فروع العلم كالرياضة والهيئة والطب لمدنية الشرقيين — وخاصة مصر — أثرٌ في العقل اليوناني؛ فإنا لا يعترينا شك في أن أصل الفلسفة هو نتيجة عقل اليونانيين ومطبوع بطابعهم. نعم، إن التفكير في هذا العالم وظواهره وفي أصل الإنسان والغرض من وجوده قديم العهد قدم الفكر الإنساني نفسه، وإن الإنسان أخذ يفكر في معاني الأشياء قبل اليونان بزمن طويل، وإن جملة من مسائل العلم التفصيلية لا يستهان بها قد جمعت في عهد المصريين والبابليين قبل اليونان، ولم يكن يعوز هؤلاء القدماء علم غزير بالموضوعات المفردة ولا بالنظر العام للعالَم، ولكن اليونان استخدموا معارف من قبلهم، وكما قال «جومبرز»: «إن النبوغ اليوناني استطاع أن ينهض من على عاتق المصريين والبابليين ويطير حتى يصل إلى أسمى مكان يمكن الوصول إليه من غير أن يصده عن ذلك صاد.» قد كان للأمم الشرقية علم بما يتعلق بحاجاتهم العملية، ولكن ذلك العلم كان بقدر ما يسمح به قصور العقل الشرقي، فإنه يعوزه النشاط العقلي الذي يحمل على الابتكار، حتى أتى اليونان فرقوا النظر العلمي وبحثوا في العلم بحثًا منظمًا مستقلًّا، وطلبوا العلم للعلم لا لشيء وراءه (انظر فندلبند ص٢٣). زار فيثاغورس وديمقرطيس وأفلاطون وغيرهم مصر وآسيا الصغرى وانتفعوا بعلم أهلهما، ولكن رقي الفلسفة رقيًّا علميًّا كان من عمل العقل اليوناني، وقد قال أفلاطون: «إن ميزة اليونان حب البحث، أما ميزة المصريين والفينقيين فحب الكسب.» ونوه بما لهما من مقدرة في الصناعة وحذق في النظم السياسية، ولكن لم يعترف لهما بشيء من ذلك في المذاهب الفلسفية (انظر الفصل الأول من تاريخ نشوء الفلسفة اليونانية لمؤلفه برنديس ص١٣).

تتجلى للإنسان في فلسفة اليونان ثلاثة عصور يسهل تمييز بعضها عن بعض، وهذه العصور توضح لنا الرقي التدريجي الذي يتبعه العقل في طور الحضارة، ولست أعني الحضارة الإغريقية فحسب، بل كل حضارة بشرية، وهذه العصور هي:
  • (١)

    النظر في الكون.

  • (٢)

    النظر في الإنسان نفسه.

  • (٣)

    البحث المنظم.

فأول بحث شغلت به الفلسفة اليونانية الأولى كان البحث في العالم كما يظهر أمام الإنسان، أعني عالم الطبيعة.

كان فلاسفة اليونان الأولون علماء في الطبيعة يضعون فروضًا لتفهم تصرفات الطبيعة وسنة الكون في الرقي، بدءوا يبحثون فيما يتعلق بحياتهم العملية، فأداهم ذلك إلى الرغبة في معرفة الطبيعة نفسها، قال «فندلبند»: «إن علم اليونان خصص حياته الأولى وما لها من قوة شباب لدرس قضايا الطبيعة، وأغفل البحث في أعمال الفكر، واكتفى بالبحث في العالم الخارجي.» فكان أهم ما اهتمت به تلك الفلسفة مسائل الطبيعة والفلك والجغرافيا، وعلى الخصوص الظواهر الأساسية العظمى، ثم تدرجوا بعد ذلك في البحث، فلم يقصروا نظرهم على الأعمال الطبيعية المادية، بل حاولوا معرفة الأساس الذي يطرأ عليه التغير — والبحث في التغير ومعرفة أساسه هو المحور الذي تدور حوله النظريات الفلسفية، ويشمل أعظم القضايا الأساسية التي يبحث عنها علم ما بعد الطبيعة. وهذا التغير — أعني أن الأشياء يتحول بعضها إلى بعض — هو الذي بعث على التأمل والنظر، وحمل فلاسفة اليونان على الجِدِّ في تقرير قواعد لهذا العالم القُلَّب الحُوَّل الذي قد تتغير فيه الأشياء فجأة إلى أضدادها. (فندلبند ص٣١).

بحثت الفلسفة عن الأساس الذي تطرأ عليه التغيرات، وتعتريه التقلبات، والذي منه تخلق أشخاص الأشياء وإليه تعود (ص٣٢)، وصيغ هذا المعنى بوضوح في الأسئلة الآتية: «ما أساس الأشياء الذي يبقى مع كل التغيرات العارضة؟ وكيف يتحول ذلك الأساس إلى تلك الأشياء؟ وكيف تتحول الأشياء إليه؟ ولحل هذه المسألة وتقرير طبيعة أساس الدنيا أو هيولي العالم أو مادته قامت نظريات عديدة وضعها فلاسفة اليونان الأولون؛ مثل: طاليس، وأنكسمندر، وأنكسمينيس، وهرقليطس، والإيليون١ والفيثاغوريون، وظهرت أنظار عديدة تتعلق بذلك الوجود وما يصير إليه، وبمادة العالم ونحو ذلك.»
بعد هذا تحوَّل الفكر اليوناني والأبحاث الفلسفية عند اليونان تدريجًا إلى الإنسان نفسه، فكانت أعماله موضع البحث، وأغفلوا البحث في العلم الطبيعي الذي كان قبلُ موضوعَ الفلسفة، واتجهت أبحاثهم نحو قوى الإنسان الباطنة، فبحثوا في القوة المفكرة والقوة المريدة وعمل هاتين القوتين، أعني التفكير والإرادة، وكيف تنشأ الفكرة والإرادة؟ وفي ذلك الحين ظهرت في عالم البحث مسألة جديدة؛ وهي: هل حقائق الأشياء ثابتة؟ وهل هناك شيء حق أو صواب أو خير قائم بنفسه لا علاقة له بآرائنا الشخصية؟ وفي هذا العصر أيضًا — الذي يسمى العصر الإنساني أو الأنثروبولوجي نظرًا لاتجاه بحثه نحو الإنسان، وتمييزًا له عن العصر الذي قبله — عصر النظر إلى العالم ظهرت مبادئ القضايا الأخلاقية والمنطقية والنفسية «السيكولوجية»، ومن رجال هذا العصر: سقراط، والسوفسطائيون الذين من أشهرهم: بروتاغوراس وهبياس وبروديكوس، وقد وافق سقراط السوفسطائيين في توجيه بحثه نحو الإنسان، وخالفهم بقولهم: إن حقائق الأشياء ثابتة؛ إذ كانوا ينكرون ذلك، وحاول — بالبحث العلمي — تقرير مبادئ ثابتة يؤسس عليها سلوك الناس ومعاملتهم الأخلاقية. وقد أسست على مبادئ سقراط مذاهب ظهرت بعدُ أشهرها مذهب الميغاريين٢ أسسه إقليدس ومذهب الكلبيين٣ أسسه أنتسثنيس، ومذهب القورينائيين٤ أو مذهب السعادة أسسه أَرِسْطِبس.
وقد كان هذان النوعان من البحث الفلسفي — أعني البحث في العالم والبحث في الإنسان — مقدمة لأعظم رقي للفكر اليوناني، وقد ظهر ذلك الرقي في عصر البحث المنظم، وبلغ أوجه في النظم الفلسفية التي وضعها ديمقريطس وأفلاطون وأرسطو، ففي الدورين الأولين — دوري البحث في الكون والإنسان — كان مدار بحث الفلاسفة مقصورًا على عدد محدود من المسائل، أما في دور البحث المنظم فقد كان مدار البحث أوسع، وشمل القضايا الطبيعية والنفسية، وقد استعمل عظماء هذا الدور مثل ديمقريطس وأفلاطون وأرسطو — ولا سيما الأخير — معارف من قبلهم، وبحثوا الأشياء من جميع جهاتها بحثًا علميًّا، ووجهوا نظرهم إلى البحث في كل المسائل العلمية، فأخرجوا للناس علمًا منظمًا شاملًا كاملًا، قال فندلبند: إن تنظيم العلم وتوسيع نطاقه حتى يشمل كل النظريات الفلسفية منزلة أمكن لديمقريطس وأفلاطون وأرسطو أن ينجحوا في الوصول إليها، وكان الأخير منهم أول من قسم العلوم وجعل لكل علم دائرة بحث خاصة، ومن أجل هذا يعد أرسطو خاتمة عصر نشوء الفلسفة اليونانية، وفاتحة عصر العلوم المتميزة،٥ وأرسطو هو الذي لخص الأفكار اليونانية وصفَّاها، وأخرج للناس نظامًا للفلسفة كاملًا، وبحث في كل فروعها — أعني ما وراء المادة والمنطق وعلم النفس والأخلاق والسياسة والجمال.
العصر الثاني العظيم من عصور الفلسفة عصر الفلسفة الرومانية اليونانية،٦ وبهذا العصر انتهى دور البحث المنظم، وابتدأ الميل إلى وضع الشروح المطولة، وأهم مميزات هذا العصر أنه عصر تحصيل للعلوم وسعة في الاطلاع أكثر منه عصر بحث ونظر، وأنه عصر إقبال على العلوم المتميزة، وإذا كانت الفلسفة فيه قد اتخذت شكلًا جديدًا استمرت فيه بضعة قرون، فذلك ناشئ من حالة الرقي العامة ومن التغير الذي أحدثته الحياة السياسية والاجتماعية اليونانية.
كان اليونان قد نضجت عندهم الآداب والفنون لما أن وصل الإسكندر الأكبر الشرق بالغرب، وأزاح الفواصل بينهما، وأقام جسرًا عبرت عليه المدنية والعلوم والمعارف من بلاد اليونان إلى آسيا وانتشرت فيها، ولكي يخلد اسمه أنشأ مدينة (الإسكندرية)، واختار لها ببُعد نظره الفائق موضعًا على أحد شواطئ النيل٧ أصبح لحسن موقعه الجغرافي محطة بين آسيا وأوروبا، ومركزًا للتجارة بين الأمم، كما كان مركزًا كذلك للعلوم والمعارف.

انتشرت المدنية والفلسفة اليونانية في كل العالم، وصارت أثينا وبعض بلدان أخرى في مملكة الإسكندر — وفي الإمبراطورية الرومانية من بعد — مركزًا للمدنية والعلوم والمعارف.

بعد سقوط بلاد اليونان في أيدي الرومان اعترى البلاد تغير تامٌّ لا في السياسة وحدها بل في السياسة والعلوم معًا؛ فإن الفتح الروماني الذي أزال كل الفروق السياسية ومحا الخلافات القومية، ووحد الأمم المختلفة بإخضاعها للحكم الروماني، وأتم بذلك العمل الذي بدأ به الفاتح المقدوني — لم يخلُ من تأثير في الأفكار والعقول، فالنظام السياسي للحياة اليونانية أخذ ينهار، وأدرك الوهن تلك المبادئ الأخلاقية التي وضعت لهداية الناس، والتي كان يمدها بالحياة الشعور بالواجبات الوطنية وحب الجمهورية، وخُلِّيَ الإنسان ونفسه يبحث عن مبادئ لنفسه يتبعها في سلوكه، واهتزت الديانة اليونانية والأخلاق القومية من أساسهما، وتقوض أساس الاعتقاد بالآلهة الأولى وبالدين، فقامت الفلسفة تحاول أن تحوز المكان الذي خلا بسقوط دين الأمة، وابتدأ الإنسان يبحث عما يهديه في حياته فاعتقد — أو تخيل — أن الفلسفة هي الهادي الأمين، فكانت مهمة الفلسفة كما قال «فندلبند»:٨ «أن تسد مسد الاعتقاد الديني»، وأصبحت القضية الهامة التي يدور حولها البحث الفلسفي سلوك الإنسان للإنسان، وبذلك تشكلت الفلسفة بشكل عملي؛ إذ أصبح مقصدها وضع فن للحياة، وغلب عليها البحث الأخلاقي، وصارت بعدُ منافِسةً للدين ومعارضة له، ويتجلى لك هذا في ميول الرواقيين والأبيقوريين، وشجعت الدولة الرومانية هذه الأفكار؛ ذلك لأن الرومان كانوا أمة عملية لا تأبه للقضايا النظرية المحضة ولا تعيرها التفاتًا، وإنما كانت تتطلب العلوم العملية أبحاث الفلسفة التي تهدي الناس في الحياة، وبهذا يظهر أن الميل إلى الحكمة العملية في هذا الزمن جعل البحث الفلسفي يتجه جهة خاصة.

أتى بعد ذلك حينٌ تملَّك الناس فيه إحساس بالسخط ملأ قلوبهم، وكان ذلك أيام مجد الدولة الرومانية؛ فإن تلك الدولة مع اتساعها والتحام أجزائها حتى تكونت منها مملكة واحدة قوية لم تستطع أن تعوض على الناس ما أفقدتهم من استقلال، ولم يكن في قدرتها إرضاؤهم باطنًا ولا إسعادهم ظاهرًا، وكانت مدنية العالم الروماني اليوناني إذ ذاك متنافرة غير ملتئمة، فكنت ترى تناقضًا تامًّا في الحياة الاجتماعية، فترف ورخاء بجانب سغب وشقاء، وكنت ترى ملايين من الناس قد حرموا حتى ما يحفظ حياتهم بين جُنُوبهم، فاستولى على الناس إحساس بظلم جائر وشعور بوجوب ثورة على النظام الاجتماعي الذي لا يسوي بين الناس، وظهر عليهم إذ ذاك أيضًا أمل في حياة مستقبلة — آخرة — يجزى فيها الإنسان جزاءً عادلًا، ويُعوِّض عمَّا لقي من ظلم، فوجهت تلك الملايين التي حرمت كل شيء في العالم وجهتها نحو عالم أعلى، وتحولت الأفكار — بشوق — إلى عالم وراء عالمنا، إلى العالم العلوي لا العالم السفلي — إلى الحياة الأخرى لا الحياة الدنيا — وعجزت الفلسفة عن أن ترضي الناس، واعترف الإنسان بعجزه التام عن معرفة نفسه إذا هو اعتمد على قواه فحسب، ويئس من تحصيله هذه المعرفة إذا لم تعنه قوة علوية، وأعتقد أن السعادة الأبدية لا توجد في هذا العالم المحسوس، بل في عالم آخر وراء حياتنا الأولى، ولم يعد في وسع الفلسفة إقناع الرجل المهذب بما تقدمه من نموذج أخلاقي للحياة، كلا ولا بما تتعهد به من سعادة، فحولت وجهها نحو الدين تستمده المعونة.

غير أن الناس في ذلك العهد أظلمت أفكارهم، واشتد شعورهم بنقصان ما عندهم من العلم وحاجتهم إليه، فطمع الدين أن يكون مقنعًا لهم في شعورهم وعقولهم معًا، وطمح أن يحول الحياة كلها إلى عقيدة دينية؛ لذلك نرى أنه بينما كانت الفلسفة تحاول حل مسائلها وقضاياها بمعونة الدين، وهي مع ذلك لا تهتدي إلى حل، كان الدين يبحث عن الفلسفة ونظمها ليجد له أساسًا علميًّا يبني عليه عقائده، ويجعلها أكثر قبولًا لقوم راقين، قال «فندلبند»: «إن الفلسفة استخدمت نظريات علوم اليونان لتهذب الآراء الدينية وترتبها، ولتقدم إلى الشعور الديني اللجوج فكرة في العالم تقنعه، فأُوجِدَتْ نظمٌ دينية من قبيل ما وراء المادة تتفق مع الأديان المتضادة اتفاقًا يختلف قلة وكثرة» (ص١٥٨).

لهذا كان امتزاج الدين بالفلسفة — الذي هو من خصائص التطور العقلي قبيل النصرانية وبعدها — ملموحًا في الرأي العام وفي المدنية أيام الحكم الروماني؛ وكان من جراء هذا الامتزاج انحلال أخلاقي يشعر بالحاجة إلى الإصلاح.

كان الانقلاب في النظم السياسية والاجتماعية واختلاط الأمم المختلفة الأصل، والتغيرات التي شملت العوائد والدين سببًا في ظهور روح جديد تغلب على الفلسفة ووجهها وجهة جديدة؛ ذلك أن أفكار اليونان ومدنيتهم لما عَدَت قوميتهم وتخطت حدود بلادهم أصبحت تميل إلى عدِّ كل العالم — لا اليونان وحدها — وطنًا لها، وصارت الفلسفة اليونانية — من جهة — تحاول أن ترضي الإنسان وتقنعه، لا من حيث إنه عضو في مجتمع أو أحد أفراد حكومة جمهورية، بل من حيث إنه فرد ما، يونانيًّا كان أو شرقيًّا أو رومانيًّا، وثنيًّا أو يهوديًّا، ومن جهة أخرى تحاول أن تملأ المكان الذي أخلاه دين الأمة بعد أن فقد بِرُقِيِّ الناس ما كان له من قوة.

كانت نتيجة تلك الحالة العامة أن صارت الحكمة الرومانية اليونانية تنظر إلى الإنسان في سلوكه ومعاملاته كأنه فرد مستقل عن غيره،٩ وكانت الفلسفة التي تبحث في هذا السلوك مطبوعة بطابع أخلاقي أو ديني، ولم يكن للمسائل السياسية العامة شأن يذكر، إنما كان الشأن للقضايا التي تتعلق بالإنسان نفسه، ويتجلى هذا الميل في مذهب الرواقيين والأبيقوريين والشُّكاك ومحدثي الأفلاطونيين، وفي الفلسفة اليونانية اليهودية وفي الغنوسطية.١٠

وكانت الإسكندرية هي المركز الجغرافي لمزج الدين بالفلسفة، فبعد أن كانت مدينة المتحف والمكتبة، والمدينة المعروف عن أهلها النقد وسعة الاطلاع، أصبحت مجمع المذاهب الفلسفية والطوائف الدينية، فسهل الاتصال والامتزاج، والتقى على ضفاف النيل رجال مختلفة آراؤهم، متباينة مذاهبهم، تبادلوا فيها الآراء كما كانت تتبادل فيها السلع، فاتسعت دائرة الفكر وقورن بين الآراء المختلفة، وكان من نتيجة ذلك ظهور روح جديد أسس على مبدأين متناقضين ممتزجين؛ أحدهما: الشك والنقد، والثاني: سرعة التصديق بالأشياء على علاتها. تقابلت في الإسكندرية آراء الشرقيين والغربيين (اليونان) فامتزجت روح اليونان بروح المشارقة، فأنتجتا عقائد ونظمًا دينية متأثرة بتأمل الأولين وإلهام الآخرين، بما لليونان من علم وما للمشارقة من أساطير. جاءت الروح اليونانية بما لها من ذكاء ودقة وقدرة على الشرح المبين فأصابتها شرارة من الشرق أشعلتها وأحيتها، كذلك أخرجت الروح الشرقية التي من خصائصها الطموح إلى ما وراء عالم الشهادة نظامًا ملتئمًا ونظريات مرتبة لم تكن لتخرجها لولا مساعدة العلم اليوناني لها؛ فإنه رتب مأثور الشرقيين وحل من عقدة لسانهم، فاستخرجوا العقائد الدينية والنظم الفلسفية التي بلغت الذروة في مذاهب الغنوسطية والأفلاطونية الحديثة ويهودية «فيلون» ومذهب الإشراك الذي وضعه يولبان الصابي.

إن الشرقي بما له من ميل إلى الغيب وخوارق العادات، وما في طبيعته من تصوف وتدين، واليوناني بما له من فحص دقيق وبحث عميق، وإن شئت فقل: إن ما للأول من شعور، وما للثاني من تحليل منطقي امتزجا ونتج منهما فكر خاص انتشر في الإسكندرية في القرون الأولى للميلاد، وقد صبغ ذلك الفكر بصبغتين مختلفتين: صبغة الكماليين والصوفيين، وصبغة أهل البحث العلمي؛ ولذا امتاز هذا العصر بميل الفلسفة إلى الدين، وميل الدين إلى الفلسفة.

قال «بلدوين» في كتابه (معجم الفلسفة) عند كلامه على مادتي «فن» و«مدرسة الإسكندرية»: إن الشرق والغرب اختلطا في الإسكندرية، وامتزجت آراء رومة واليونان والشام في المدنية والعلوم والدين بآراء الشرق الأقصى في ذلك، فنشأت قضية جديدة عمل على إيجادها بحث الغرب وإلهام الشرق، واتصل الدين بالفلسفة اتصالًا وثيقًا كان من نتائجه ظهور عقائد لا هي من الفلسفة المحضة ولا من الدين الخالص، بل أخذت بطرف من كل، وجاء ذلك من عاملين:
  • أحدهما: ميل اليهود إلى التوفيق بين معتقداتهم الدينية والعلم الغربي الذي كان متأثرًا بالعلم اليوناني.
  • وثانيهما: أن المفكرين الذين استمدوا آراءهم من الفلسفة اليونانية رأوا أن يوفقوا بين معتقداتهم الفلسفية والقضايا الدينية المحضة التي جاء بها المشارقة، ومن أي الجهتين نظرنا رأينا أن النتيجة كانت فلسفية دينية، لا هي فلسفة محضة ولا هي دين خالص.

العصر الثالث من عصور الفلسفة عصر القرون الوسطى، وبعبارةٍ أدقَّ الفلسفة النصرانية.

سقطت الدولة الرومانية في أيدي أمم الشمال المتبربرة فقوَّضت الحضارة الرومانية اليونانية القديمة، وطغى سيل القوط والبرجنديين والوندال والسويفيين والألنيين والكلتيين والسكسونيين، ولا سيما قبائل المغول والهون على الدولة الرومانية العتيقة الواسعة، وكانت قد بلغت من ضعفها الناتج من انحلالها الأخلاقي وانحطاطها الاجتماعي حدًّا أصبحت لا تستطيع معه مقاومة هذه الأمم القوية المتبدية.

وجاءت هذه الأمم المتبربرة بخصائص قوميةٍ وأفكارٍ ونظمٍ كانت شريفة راقية — وإن صدرت عن قوم بدو — استطاعت فيما بعدُ أن تنافس المدنية الراقية، وتسير معها جنبًا إلى جنب، غير أنهم ما برحوا جفاة غلاظًا سُذَّجًا، ومضت قرون طويلة قبل أن يأخذوا عن اليونان والرومان مدنيتهم ويمزجوها بأفكارهم ويكوِّنوا منها المدنية الحديثة، لم يكن لهم لأول عهدهم علم بفنون اليونان ونظمها الفلسفية المحكمة، فكان عصرهم الأول عصر جهل وخشونة، أعقب عصر المدنية والحضارة والآداب ونضارة الفنون والعلوم التي كانت من مميزات العقول أيام الدولة اليونانية الرومانية، وقد كادت آثار العقل الإغريقي تضيع لولا أفراد قليلون من العلماء المسيحيين حفظوا بقايا المدنية القديمة — مع محاربة الكنيسة لهم — حتى وصل هؤلاء المتبربرون إلى درجة من الرقي العقلي أمكنهم معها أن ينتفعوا بتلك البقايا شاكرين لمن حفظها لهم.

كانت الكنيسة على العموم تضطهد آداب اليونان والرومان وعلومها، وتحارب من اشتغل بها، وتعارض نشر الحياة العقلية والمدنية القديمتين، وتحدد دائرة يجول فيها الفكر؛ ذلك لأنها اعتقدت أن الحقيقة قد وصلت إليها من الوحي المعصوم، فلا معنى بعدُ أن تسمح للناس بالبحث عنها؛ لذلك كانت الكنيسة عدوة الفلسفة والعلم فجمَّدت الحياة العقلية، ولم تسترد نشاطها إلا بعناء لما أن انبعثت أشعة «النهضة» ممتزجة بأشعة من الشرق؛ فأضاءت سماء القرون الوسطى المظلمة.

وإذا كان قد بقي شيء من الاحترام للعلم نشأ عنه المحافظة على شيء من الفلسفة القديمة، فإنما كان ذلك مقصورًا على الجزء من المدنية القديمة الذي يندمج في تعاليم النصرانية، أما ما عدا هذا، وخصوصًا ما يعارض النصرانية، فقد كان ينبذ نبذًا؛ وبذلك ظلت الفلسفة الغربية خادمة للدين جملة قرون، وكان غرضها الرئيسي تأييد العقائد الدينية وتحديدها وتنظيمها، وإظهار أن تلك العقائد التي نزلت من السماء تتفق أيضًا مع العقل.

ويمكننا تقسيم سبيل النشوء الذي سلكته الفلسفة المسيحية إلى عصرين كبيرين؛ أولهما: ابتدأ من العصور المسيحية الأولى، وفيه كان كثير من آباء الكنيسة فلاسفة قبل أن يكونوا رجال دين، فرأوا من الضروري أن يؤيدوا أنفسهم وعقائدهم أمام الوثنيين، وقد ختم هذا العصر عمليًّا في الحقيقة بالأب أوغسطينوس ٣٥٤–٤٣٠م، غير أن بعض الكتاب الكنائسيين — الذين هم في المرتبة الثانية بعد الأولين — ساروا على هذا النمط إلى القرن التاسع، ويلقب هذا العصر «بعصر الآباء»، والعصر الثاني: يمتد من القرن التاسع إلى القرن الخامس عشر، ويلقب «بالعصر المدرسي»؛ لأن التعليم كان يقوم به جمعية الرهبان في مدارس الكنائس — وقد أنشأ شارلمان كثيرًا من هذه المدارس في جميع أنحاء فرنسا — وكان مدرسوها من رجال الكنيسة، وكانوا يرمون إلى إلباس مآرب الكنيسة لباسًا فلسفيًّا، ويطلق هذا الاسم على ذلك العصر من القرون الوسطى الذي كانت الفلسفة فيه تدرس تحت سلطان الدين، وكان القصد من دراستها تطبيق التعاليم المسيحية على العقل، وقد استمر هذا العصر من القرن التاسع إلى ظهور النهضة في القرن الخامس عشر.

قال «هِجِل» في كتابه المسمى (محاضرات في تاريخ الفلسفة): «إن الفلسفة المدرسية — في العصر المدرسي — لم تكن مذهبًا محدودًا كمذهب الأفلاطونيين أو الشكاك، بل كانت مجرد اسم مبهم يطلق على كل مباحث المسيحيين الفلسفية في أكثر من خمسمائة عام.» «فليست الفلسفة في العصر المدرسي إلا لاهوتًا، ولا اللاهوت إلا فلسفة، والفيلسوف المدرسي هو من يبحث في اللاهوت بحثًا علميًّا منظمًا.» ففلسفة العصر المدرسي هي فلسفة أوروبا التي انتشرت بين الكنائس في شكل لاهوتي، وكانت الفلسفة والدين فيه شيئًا واحدًا، وانفصال أحدهما عن الآخر إنما كان عند انتقال الناس إلى العصور الحديثة لما رأوا أن بعض ما قد يراه العقل حقًّا قد يراه الدين باطلًا، وكانوا من قبل يرون أن ليس هناك إلا حق واحد؛ وهو ما أقره الدين، قال «هجل» في ذلك الكتاب: «إن اللاهوت في العصر المدرسي لم يكن مقصورًا على ما يختص الله من العقائد — كما هو الشأن عندنا — بل كان يشمل أدق الأفكار في فلسفة أرسطو والأفلاطونية الحديثة.» كانت الفلسفة في العصر المدرسي توفق بين العقل والدين، بين الطبيعة وقدرة الله، من قبلُ كانت هذه الأشياء متعادية، ومؤسس هذه الفلسفة «سكوتس إريجينا»، وأكبر ممثليها القديس أنسلمس وأبيلرد والقديس توماس ودنس سكوتس. وتنقسم الفلسفة في العصر المدرسي إلى قسمين: أفلاطونية، وأرسططاليسية أو مشَّائية، فكانت أولًا متأثرة بآراء أفلاطون، ثم أخذت تخضع لنفوذ أرسطو في القرن الثالث عشر، وقد نشأت آراء آباء الكنيسة — العصر الأول — من آراء اليونان والرومان، أما فلسفة العصر المدرسي فنبتت في أرض الجرمان والعالم اللاتيني الحديث، وكانت ثمرة حضارة جديدة.

العصر الرابع من عصور الفلسفة عصر الفلسفة الحديثة، وهو يبتدئ «بالنهضة» ويستمر إلى يومنا هذا.

يرجع قيام الفلسفة الحديثة إلى حركتين تاريخيتين عظيمتين:
  • إحداهما: النهضة أو إحياء العلوم وآثار اليونان والرومان في الفنون والعلوم.
  • والثانية: الإصلاح الديني، ففي نحو منتصف القرن الخامس عشر ابتدأت المدنية اليونانية تؤثر في عقول الغربيين، وانبعثت من إيطاليا لغة اليونانيين القدماء وشعرهم وفلسفتهم، وسارت سير الفاتح الفائز إلى أن شمل فتحها أوروبا بأجمعها.
نعم، إن الأسباب التي أنتجت هذه الحركات العظيمة كانت تعمل من قبل هذا التاريخ، ولكن لم يتم تكوين النهضة إلا في النصف الأخير من القرن الخامس عشر، عندما سقطت المملكة الشرقية وعاصمتها القسطنطينية في يد الأتراك، فهجر علماء اليونان بلادهم والتجئوا إلى إيطاليا؛ ابتدأت تلك الأسباب تعمل على إيجاد النهضة من أيام الحروب الصليبية — إن لم يكن قبل ذلك — ولم تكن النهضة طفرة، ولا كانت روح العلم القديم ميتة أو في سبات عميق فانتبهت دفعة واحدة، فجداول المدنية والعلم الثلاثة؛ وهي: اليونانية والسامية والرومانية كانت قد تقابلت في الإسكندرية وامتزجت وتكوَّن منها مجرًى واحد جديد، ثم عاد ذلك المجرى فتفرَّع إلى ثلاثة جداول سارت في سبل متفرِّقة لتمنح العالم خصبًا، وهي النصرانية اليونانية، والنصرانية الرومانية، والعربية، ويزاد عليها ما يعد كرافد لها وهو اليهودية، واستمرت هذه الجداول تفيض بهدوء مدة قرون من غير أن تتقابل، وكانت مراكزها العقلية على الترتيب: القسطنطينية، وباريس، وبغداد، ومدارس الأندلس، وقد تقابلت هذه الجداول في بلاط فردريك الثاني،١١ وظهر من اجتماعها مدنية وثنية تكوَّنت من امتزاج هذه المدنيات الثلاث بعضها ببعض، وابتدأت روح الثورة والاستقلال تظهر من ذلك الحين، ولكنها كانت قبل أوانها، فالكنيسة كان لها السلطان الأكبر، وكانت العقول لا تزال تخضع للدين خضوعًا تامًّا، فكانت النتيجة أن تحولت هذه الحركة إلى التيار الديني ثانية، حتى أتت سنة ١٤٥٣م فكملت النهضة ووصلت بعد السير البطيء المستمر إلى الذروة، وقدر للجداول الثلاثة التي ترفعت في أرض مصر الخصبة أن تتقابل ثانية في رياض الأسرة الميديسية١٢ في فلورنسا، ولكن مضى عليها عدة قرون من يوم أن فارقت مدينة النيل (الإسكندرية) وهي تسير في ثلاث شعب متوازية إلى أن صبَّت مياهها الزاخرة كلها في مدينة نهر الأر (فلورنسا) مركز النهضة، فهناك تقابلت الروح الغربية والبيزنطية والمدنيات اللاتينية النصرانية، وسال بها الوادي ففاض على أوروبا بأجمعها.
قال ج. ب. أدمس في كتابه (المدنية في القرون الوسطى): «إن الأحوال السيئة التي سادت في أوروبا في القرون الوسطى الأولى من جراء غارات التيوتونيين فأخمدت نور العلم الذي كان عند الأقدمين صارت إلى الزوال … وجرت حوادث عظيمة وظهرت أفكار جديدة في التجارة والاستكشاف وفي السياسة انتشرت بين الناس بالعدوى، فكانت تزيد في نمو العقل البشري يومًا بعد يوم.» وابتدأ الإنسان يتحقق من أن وراءه تاريخًا هامًّا يستطيع أن يتعلم منه مسائل كثيرة؛ وذلك أن العقل لما أدركه الإعياء من التقاليد الجافة التي كانت في القرون الوسطى، وأحس بثقل أغلال الكنيسة التي كانت تمنعه من أن يفكر لنفسه، ولَّى وجهه شطر الأفكار والعلوم اليونانية يدرسها، وفعل ما فعله المشارقة في الإسكندرية لما أن شغفوا بالآداب اليونانية، وابتهج المتعلم في القرون الوسطى برفع النقاب عن عالم الفكر اليوناني لما رأى فيه من غنًى وجمال، فجاء عصر جديد وثني أكثر منه نصرانيًّا يناهض المدنية النصرانية في القرون الوسطى، حييت فيه المذاهب الفلسفية القديمة، وعادت الفلسفة الأفلاطونية فبزغت في سماء إيطاليا بعد أن مر على غروبها في الإسكندرية عدة قرون وهي محتجبة في خبايا الأديرة، وبعثت أكاديمية أثينا١٣ في رياض فلورنسا (انظر: «دريبر» في كتابه الرقي العقلي)، وأخذ الفلاسفة ينظرون بشوق إلى الأزمان الوثنية الجليلة!

سار الإصلاح الديني جنبًا لجنب مع الحمية لمدنية اليونان والرومان في الفنون والعلوم، وجاء المجرى الجديد الذي سال من بيزنطية — القسطنطينية — فمر بإيطاليا، ثم غمر أوروبا كلها فحوَّل مجرى الأفكار الغربية، ولم تقتصر نهضة الإنسان على إحيائه علوم الأولين واستكشاف ما كانوا يعرفونه، بل تهيجت فيه عواطف وقوًى طال زمن إهمالها، واستيقظ من غفلته فشعر شعورًا جديدًا بالحياة وبالعالم الذي فيه يعيش، وبما يعرض له من المسائل التي تتطلب حلًّا، وأحس بقدرة عقله على اكتناه أسرار الطبيعة، وحل ما يعرض عليه من هذه المسائل (أدمس ص٣٦٥).

قال «برك هارت» في كتابه الممتع (مدنية إيطاليا أيام النهضة ص١٣١): في القرون الوسطى كان النظر إلى باطن الإنسان وما حوله من الأشياء الخارجية بين النوم واليقظة قد سدل عليه ستار نسجه الدين والوهم والتعصب الأعمى، منع الإنسان أن يرى العالم على ما هو عليه، وما كان يحس الإنسان بنفسه إلا كفرد من جيل أو شعب أو حزب أو أسرة أو طائفة، وما كان يحس لنفسه بشيء من الشخصية، ورفع ذلك الستار أيام النهضة فرأى من الممكن أن يفكر فيما حوله من الأشياء سواء كان حكومة أو أي شيء في العالم، كما رأى من الممكن أن يفكر في نفسه، وأعتقد أنه فرد ذو روح حساسة. وامتاز ذلك العصر بشعور الإنسان فيه بشخصيته المطلقة، وبمعارضته للسلطة وذويها، وذهابه شوطًا بعيدًا في اعتبار العالم كله وطنًا له، وهذه دلائل أعظم رقي يصل إليه الناس في تقدمهم العقلي. وقد أعلت النهضة شأن الطبيعة الإنسانية والحياة الدنيوية مخالفة في ذلك طريقة التفكير في القرون الوسطى، ولذلك يسمى العلماء الذين خصصوا أنفسهم لدراسة آداب اليونان والرومان والعلوم عند القدماء «الإنسانيين»، كما تسمى عقائدهم ومُثُلهم العليا «الإنسانية». وكان من خير ما أحدثه هؤلاء الإنسانيون «نمو الفردية» — أعني الرأي القائل بأن الإنسان ينبغي أن يفكر بنفسه لنفسه، وهو رأي كان قد أهمل في عصر عبودية العقل، وهذا الرأي هو ما كان يجدُّ وراءه علماء إيطاليا منذ زمان.

وأول ما بدت بشائر تقرير ما للإنسان من شخصية كان زمن النهضة، وتم ذلك على يد «العلماء المتبحرين» الذين جاءوا بعدُ فرددوا تعاليم النهضة وأيدوها، أمثال: ديديرو، وروسو، وفنكلمان، وهامان، وهردر.

قال فندلبند: «إن الفلسفة في أيام النهضة لم تعد من عمل الجماعات — كما كانت في القرون الوسطى — بل أصبحت من عمل أفراد أحرار مستقلين.» وقد كان من أهم أغراض النهضة تقرير الحرية الفردية، وبعبارة أخرى إنماء الشخصية، وجاء الإصلاح الديني فساعدها على ذلك.

فهم الناس على عهد الإصلاح الديني أن لهم حقَّ الحكم الشخصي على الأشياء، وتحررت أفكارهم من قيود قيدها بها رجال الدين، وقد كان هذا كامنًا في نفوس الناس من قبل، ولأن يُعَدَّ هذا سببًا في حركة الإصلاح أقرب من أن يعدَّ نتيجة. (انظر فندت ص١٧٦). فمبادئ الإصلاح الديني كانت الثورة على سلطة الكنيسة، وإعطاء الإنسان حق الحكم الشخصي، وكان من آثار هذا الإصلاح تحرير العقول من العبودية التي وضع نيرها رجال اللاهوت، وفصل الفلسفة عن الدين وجعلها علمًا دنيويًّا مستقلًّا،١٤ وهاتان الحركتان — أعني النهضة العلمية والإصلاح الديني — بتعاونهما أنتجا عاملًا ثالثًا كان له أثر في تلوين الأفكار الحديثة بلون جديد، وتحويل فلسفة القرون الوسطى إلى الفلسفة الحديثة، وذلك العامل هو «العلوم الطبيعية»، فالعلوم الطبيعية هي التي هدت الفلسفة إلى الاستقلال في العمل، ودليلنا على ذلك أن الاستكشافات العظيمة الحديثة التي وسعت نطاق الجغرافيا — من رِحل كولمبس وفاسكوده جاما وماجلَّان، وما أبانه كوبرنيكُس من نظام العالم، والبحث العلمي الذي بحثه ستيفينس وتيكوده براهي وجليلو وكبلر وجلبرت لمَّا كانت تصحب رقي الفلسفة الحديثة، كان لا بد من أن يكون للعلوم الطبيعية — التي تختلف اختلافًا كبيرًا عما كانت عليه في العصور القديمة — أثر كبير في هداية الفكر في العصور الحديثة.

قال فندلبند: «كلما انفصلت الفلسفة عن الدين وكانت علمًا كونيًّا مستقلًّا كانت مهمتها التي يجب أن تؤديها هي أن تبحث في علوم الطبيعة، وإلى هذه الغاية كانت تتجه كل أبحاث الفلسفة زمن النهضة حتى إن شعارها كان «لتكونَنَّ الفلسفة علمًا طبيعيًّا».»

من هذا نرى أن النهضة والإصلاح الديني أطلعا فجر الفلسفة الحديثة، وهي — مع مخالفتها لفلسفة القرون الوسطى مخالفة كبرى — تشبه تاريخ تطور العقل عند القدماء مشابهة كبرى، وتسير في نفس الطريق الذي سلكه؛ فإن الفلسفة الحديثة من أيام النهضة فما بعدُ تتبع سنة النشوء والارتقاء، وتنتقل من طور الإيمان والاعتقاد إلى طور التعقل، وذلك كان الشأن عند القدماء.

أول ما أخذ الفكر يفيق من سباته الطويل بدأ يعرِّض الدينَ والنظمَ التي بنيت عليه للبحث والنقد الهادم، ومن مميزات عصور الانتقال حدوث النزاع بين الآراء المتنوعة والنظريات المختلفة بين القديم والجديد، ويتلو ذلك عادة عدم الرضاء عن الماضي لفساده، والرغبة في نظام جديد خير مما سبقه، فبينما ترى القديم آخذًا في التداعي إذا بالجديد لا يزال في طور التكون ولم يستقر بعدُ على شكل، وإذ ذاك ترى العقل يتراوح بين تعطش لمثُل جديدة وآراء جديدة ووضع نظريات للعالم جديدة، وبين البحث في القديم يتخذ منه دعامة للجديد، وترى العقل — إذا قوي شعوره بقوته ونزع إلى الثورة — يتحرر من قيود الدين، ويُبعث من نوم عميق سببه الدين؛ لأنه ظل يستدرج الإنسان بما يهمسه في أذنه همسًا خفيفًا حتى نام واستغرق، ويبتدئ نمطًا في الحياة جديدًا، وهو مع كل هذا لا يزال يتعلق بالماضي ويتشبث به، فتتمشى الآراء القديمة مع النظام الجديد، وتستخدم الأشكال القديمة في البناء الجديد.

وهذا بعينه ما كان عندما انبثق فجر الفلسفة الحديثة؛ فقد كانت وجهة الفكر في القرون الوسطى دينية محضة، وكان الدين هو الذي يحدد أغراض العلم، ويسن نظم البحث، ولم يكن عنوان الرقي العقلي إلا صلاة طويلة مستمرة، وكان البحث الفلسفي إنما يدور حول الآخرة وعالم الغيب، حتى إذا كانت الأسباب التي ذكرنا من قبل دعا داعي الثورة والانقلاب، فاشتد الهياج على النظام الموجود والمبادئ القائمة، وزاد سخط الناس على ما لديهم من عقائد عتيقةٍ، «فأعلنت الحرب على كل نوع من أنواع السلطات وطولب بحرية الفكر»،١٥ وكان موقف الفلسفة الحديثة في عالم الفكر كموقف البروتستانتية في عالم الدين «كلٌّ طَالَب بالإصلاح وكلٌّ دعا إلى التغيير»، «وأصبح الحق في نظر الناس ليس ما اعتبر حقًّا منذ قرون، ولا ما قال عليه فلان: إنَّه حق، سواء كان القائل أرسطو أو توماس أكويناس أو غيرهما؛ إنما الحق ما بُرهن لي عليه واقتنعت بكونه حقًّا.»١٦
ويتميز هذا العصر بحرية الفكر واستقلاله، وبكسر القيود التي غله بها رجال الدين١٧ فتداعت عقائد القرون الوسطى الجافة، ونبذت آراؤها، وأهمل الجدال في عالم الغيب، ولكن لم تكن الآراء الجديدة قد استقرت بعدُ، بل كانت في طور التكون. وقد كانت الفلسفة في طور تكونها تنظر إلى الماضي، ولست أعني ذلك الماضي القريب الذي كانت هي على وشك أن تفارقه، وإنما أعني الماضي البعيد وعهده القديم — عهد الإغريق والرومان — واعتاضت بما وجدته في ذلك العهد من عقائد القرون الوسطى، «وبذلك جرت الفلسفة في مجرى النهضة ومذهب الإنسانية، وسار ذلك المجرى من إيطاليا فعمَّ العالم المتمدن كله»١٨ وقد ذكرنا قبل أن الفلسفة الحديثة من عهد النهضة كانت أميل إلى الاتجاه نحو الطبيعة، وكان الفكر الحديث — بدافع الروح اليونانية — منصرفًا إلى الطبيعة وعلومها ينظر فيها نظرًا غير متحيزٍ، كما كانت الحال عند الإغريق، وبعثت الأفكار اليونانية على الرغبة في تعرف العالم من جديد، وحقٌّ ما قيل: «إن الذي يقصد إلى الفلسفة الطبيعية أو الفنون والآداب كذلك لا بد أن يعرِّج على اليونان.» هذا ولم تكن الفلسفة الحديثة طبيعية فحسب، بل كانت فردية أيضًا؛ فقد كان من خواصها لفت عقل الفرد وتحريره من رِقِّ الإيمان، وكان من أغراض الحركة الحديثة تقرير حق الأفراد في الحكم على الأشياء، والترخيص لكل فرد أن يبحث أي شيء وينتقده، غير مقيد في ذلك بأية سلطة خارجية، وعلى الجملة فقد تقرر أن يكون لعقل الفرد القول الفصل في الحكم على الأشياء، وبذلك فشا الاعتقاد بأن العقل قادر أن يحل كل ألغاز العالم ويصل إلى أبعد أسرارها، وعلى هذا الأساس بنى ديكارت وسبينوزا وليبنتز نظمهم الكبرى «فيما بعد الطبيعة»، ويسمى مذهبهم مذهب «العقليين».

وهذا الميل إلى إخضاع كل شيء لبحث العقل أدَّى إلى وضع العقل نفسه تحت البحث، فصار كل من العالم المادي والعقلي خاضعًا للنظر والامتحان، وكان الشأن في العصور الحديثة كالشأن عند اليونان؛ ففي كليهما جاء أولًا عصر النظر في الكون، ثم شفعه عصر النظر في الإنسان نفسه، فتوجه النظر في البحث في أصل معرفة الأشياء، وتحول مجرى الفكر إلى الأبحاث النفسية — السيكولوجية — وأخذ الإنسان يسأل: ما أصل المعرفة والإدراك؟ وما منبعهما؟ آلعقل أم التجربة؟ بحث في هذه المسائل وأمثالها «جون لوك» الذي نهج منهج «ديكارت» واختار كسلفه «بيكون» أن أصل المعرفة التجربة لا العقل، وانتشرت نظرية «التجريبيين» القائلة بأن المعرفة مستقاة من التجربة في إنجلترا، كما انتشرت نظرية «العقليين» القائلة بأن أساس المعرفة العقل فيما عدا إنجلترا من ممالك أوروبا.

وقد قارن «فلكنبرج» بين خصائص العقل في الممالك الثلاث الكبرى التي كان لها الحظ في الفلسفة من عهد «ديكارت» إلى عهد «كانت» فقال: «إن الفرنسي تغلب عليه حدة الذهن، والإنجليزي البساطة والوضوح، والألماني التعمق والتفكير، ففرنسا منبت الرياضيين، وإنجلترا منبت العمليين، وألمانيا منبت المفكرين النظريين، فالأولى موطن الشكاك المرتابين، كما أنها موطن المتحمسين، والثانية موطن العمليين الواقعيين، والثالثة معهد المثاليين.»

وقد جاء بعد «لوك» «دافيد هيوم» — وهو من أكبر من يتجلى فيه مظهر الفكر الإنجليزي من حيث العمق والثبات — فرقَّى ما قاله «لوك» في التجربة، وأوصله إلى فلسفة الشك١٩ والفلسفة الوضعية،٢٠ وهذا النحو من التطور يشبه التطور العقلي عند اليونان، ونظرية الشك هذه التي أسسها «هيوم» أثارت في إسكتلندا الميل إلى استعمال العقل في البحث، «كما أنها ساعدت عالمًا ألمانيًّا يشبه «هيوم» بل أعظم منه نفسًا على الخلاص من قيود الاستسلام، ومن قبول المسائل من غير بحث، وشجعته على وضع نظامه الانتقادي، وذلك العالم هو «عمانويل كانت».»
من ذلك نرى أن الفلسفة الحديثة اتبعت في تطورها الطريقة التي جرى عليها الفكر عند اليونان، فالفلسفة اليونانية كانت أيام طفولتها فلسفة طبيعية تبحث في عالم الطبيعة، ثم تحول البحث إلى الإنسان وقواه الباطنة، فبعد أن كانت الفلسفة فلسفة نظر في الكون صارت فلسفة إنسان (فلسفة أنثروبولوجية)، ثم آلت الحركة التي قام بها السوفسطائيون إلى الشك في الحقائق، وهذا بعينه هو الطريق الذي سلكه الفكر الحديث؛ فقد كان مجرى الفكر متجهًا نحو الطبيعيات عندما فارق منبع النهضة، ثم اتجه نحو الإنسان عند اجتيازه هولندا وألمانيا وفرنسا، ثم ارتقى فاتجه إلى البحث في «نظرية المعرفة» عند وصوله إلى إنجلترا، ثم وصل في النهاية إلى الشك والارتياب، وكما مهد السوفسطائيون بشكهم الطريق للإصلاح الذي قام به سقراط ولنظام أفلاطون «المثالي»، فكذلك الشك الذي أسسه «هيوم» مهد السبيل للإصلاح الذي قام به «كانت»، والذي كان منه «مذهب المثال الألماني»،٢١ وحقًّا إن «هيوم» قوَّض ما قاله «لوك» من أساسه.
وانبعثت من أقوال «هيوم» شرارة كادت تشعل ما حولها لو أنه قدر لها أن تقع على مادة سريعة الالتهاب، ولو أنه رُوِّح على ما أصابت، وكان لأقواله أثر في «كانت»؛ فإنها جعلته ينتبه من سِنَته وينبذ طريقة التسليم من غير بحث.٢٢ وقد سار مذهب العقليين مع مذهب التجريبيين جنبًا إلى جنب، وإن كانت كل فرقة منقسمة على نفسها وهي في حرب عوان مع الأخرى، حتى جاء «كانت» فحاول أن يوفق بين المذهبين ويزيل الخلاف بينهما بتحديد دائرة لكل من العقل والتجربة، وتقويم كلٍّ باعتبار ما يوصل إليه من الحقائق. وقد بحث كل من العقليين والتجريبيين في أصل المعرفة، ولكنهما كليهما وثقا بالعقل البشري، واعتقدا بقدرته على معرفة الأشياء، فلم يتعرض أحد منهما لموضوع «إمكان معرفة الأشياء»٢٣ حتى أتى «كانت» فوجه بحثه نحو المعرفة نفسها، وأثار البحث في إمكان المعرفة، وأخضع العقل البشري نفسه للبحث، وقد سمي النظام الذي وضعه هذا العالم «بالنظام الانتقادي» تمييزًا له عن الطريقة التي كانت متبعة من قبل، والتي لقبها هو «بطريقة التسليم». بحث «كانت» في أصل المعرفة وفي وجودها، في منبعها وحدودها، في أساسها وفي صحتها، وبعد أبحاث «كانت» في منبع المعرفة وشرح شروطها استطاع الإنسان أن يحدد دائرتها ومجالها، وما كان يستطيع ذلك من قبل، وبذلك وجه «كانت» الفلسفة الحديثة وجهة جديدة ظلت متجهة إليها إلى اليوم، وإليه يرجع الفضل في مذهب المثال الألماني الذي وضعه «فِخته» و«شِلنج» و«هِجِل». وقد أضاف التقدُّمُ الحديث في العلوم الطبيعية إلى تعاليم «كانت» ومذهب المثال الألماني مسائل كثيرة جديدة، وكان هذا المذهب يوجه أكبر اهتمامه للبحث في أعمال العقل، ولكن ما لبث أن التفت الإنسان ثانية — ولا سيما في إنجلترا — للبحث في تاريخ الإنسانية وفي الأشياء الخارجية والعلوم الطبيعية، وأصبح أهم نظريات العصر الجديد نظرية النشوء والارتقاء التي تشغل الآن أنظار أكبر الباحثين.

هوامش

(١) الإيليون نسبة إلى إيليا؛ وهي مستعمرة كانت إغريقية في جنوب إيطاليا.
(٢) الميغاريون نسبة إلى ميغاري Megaris مقاطعة كثيرة الجبال في بلاد اليونان، فتح فيها إقليدس مدرسة لتعليم الفلسفة، واشتهرت مدرسته بكثرة الجدال والسفسطة التي كانت المدرسة تخترعها لتمرين تلاميذها، وكان إقليدس نفسه سوفسطائيًّا ماهرًا، وسميت شيعته بالميغاريين، وإقليدس الميغاري مؤسس هذا المذهب ولد سنة ٤٤٠ق.م، وهو غير إقليدس الرياضي المشهور (المعرِّب).
(٣) الكلبيون Cenic كانوا يرون أن الآلهة منزهة عن الاحتياج، وخير الناس من تخلق بأخلاق الله فقلل من حاجاته جهد الطاقة، وقنع بالقليل، وتحمل الآلام واستهان بها، واحتقر الغنى وزهد في اللذائذ، وأن الفقر والعمل الشاق المؤلم وسوء السمعة أمور نافعة تسهل للإنسان تحصيل الفضيلة، وتعينه على نيل الحرية، ومن أجل ذلك زهدوا في اللذائذ ولم يحترموا عرف الناس وما تواضعوا عليه ولا قوانين البلاد، إنما يحترمون ما تمليه عليه الحكمة والعقل. ولمَّا كانوا لا يحترمون عوائد الناس ويرتكبون ما يتحرج الناس من فعله من غير خشية ولا احتشام، وكانوا في ذلك كالكلاب؛ أطلق عليهم أهل زمانهم اسم الكلبيين (المعرِّب).
(٤) القورينائيون Syrenaic نسبة إلى قورينا (مدينةٌ شمال إفريقية من مدن برقة) كان اسمها عند اليونان سيرين Syrene فعرَّبها العرب قورينا، ولد بها مؤسس المذهب أرسطبس فنسب المذهب إليها، وقد سماهم البستاني في دائرة المعارف: القيروانيون؛ ظنًّا منه أن القيروان اسم لسيرين، وهذا خطأ؛ فإن القيروان مدينة في تونس بعيدة جدًّا عن سيرين، وورد الاسم صحيحًا في أخبار الحكماء للقفطي؛ فقد قال: «وأما الفرقة المسماة من اسم البلد الذي كان فيه الفيلسوف فشيعة أرسطبس من أهل قورينا.» وقال في موضع آخر: «وكان أصحابه يعرفون بالقورينائيين نسبة إلى البلد.» ومذهبهم على الضد من الكلبيين؛ فإنهم يرون أن اللذة والخلو من الألم هما الغاية الوحيدة الصحيحة للحياة، وليس العاقل مَن يُميت شهوته بل من يحييها وينيل نفسه ما تتمنى من الملذات ما لم تستتبع ألمًا (المعرِّب).
(٥) نعني بالعلوم المتميزة العلوم التي خصص كل علم منها لبحث خاص، ولم يكن هذا هو الشأن عند اليونان في العصور الأولى، بل كانت موضوعات العلوم ممزوجًا بعضها ببعض (المعرِّب).
(٦) سمي العصر بذلك لأن فيه امتزاج اليونان بالرومان، وصار اليونان جزءًا من المملكة الرومانية، وكان استيلاء الرومانيين على مقدونية وجميع بلدان اليونان سنة ١٤٦ق.م، وانتقل بذلك كثير من الفلسفة اليونانية إلى الرومان (المعرِّب).
(٧) كانت الإسكندرية تقع إلى الغرب من فرع النيل القديم المسمى (فرع كانوب)، وتبعد عنه بنحو اثني عشر ميلًا، وكان يصل المدينة بذلك الفرع قناة (المعرِّب).
(٨) فندلبند الذي يرد ذكره كثيرًا في هذا الفصل أستاذ ألماني يدرس الفلسفة في جامعة ستراسبورج، ألف كتابًا ضخمًا في تاريخ الفلسفة يقع في ٧٢٦ صفحة من القطع الكبير، وتُرجم إلى اللغة الإنجليزية، ومنه يقتبس مؤلف هذا الكتاب (المعرِّب).
(٩) لتوضيح ذلك نقول: إن الغالب على البحث الأخلاقي في القرون النصرانية الأولى أيام اضطهادها وتعذيب أتباعها كان النظر إلى الإنسان كأنه مستقل عن غيره، وكانت الأخلاق تتطلب من الإنسان أن يعمل لتخليص نفسه، وأن يفر من أخيه وأمه وأبيه وكل قريب له ليسير وراء غايته، وغايته هي التخلق بأخلاق الله، وحببت إلى الناس العزلة وأن يعيشوا في العالم كأنهم ليسوا من أهله، فلما أصبحت النصرانية ذات سلطان بعد القرون الأولى من حياتها غلب عليها النظر إلى الإنسان كأنه عضو في مجتمع، وطلبت منه أن يحسن علاقته مع الله ومع الناس (المعرِّب).
(١٠) يعني بالرواقيين والأبيقوريين هنا رواقيي الرومانيين وأبيقورييهم؛ فقد انتقل هذان المذهبان إليهم وطبعوهما بطابع خاص. والأفلاطونية الحديثة مذهب سنشرحه عند الكلام على فلسفة العرب. والغنوسطية Gonsticism ويصح أن يسموا بالأدرية (ضد اللاأدرية): ضرب من الفلسفة ظهر في القرون الأولى للميلاد كان مذهبهم مزج الفلسفة الشرقية والفلسفة اليونانية بالنصرانية، وإخراج مزيج من ذلك، وهم في هذا كمحدثي الأفلاطونيين كما ستعلم (المعرِّب).
(١١) فردريك الثاني ملك جرمانيا، ولد سنة ١١٩٤، ومات سنة ١٢٥٠، حارب في الحروب الصليبية وتُوِّجَ إمبراطورًا على إيطاليا في رومة سنة ١٢٢٠، وأنشأ جامعة نابُلي وشجع العلوم والآداب، وتُوِّجَ ملكًا على بيت المقدس في الحروب الصليبية سنة ١٢٢٩.
(١٢) الأسرة الميديسية أسرة من فلورنسا بإيطاليا تقلدت زمام الأحكام في فلورنسا في القرن الخامس عشر لما حازته من الغنى بواسطة التجارة (المعرِّب).
(١٣) الأكاديمية Academy: بستان قرب أثينا كان في الأصل لبطل شهير يسمى «أكاديموس»، وكان يجتمع فيه أفلاطون ومن أتى بعده يتدارسون الفلسفة (المعرِّب).
(١٤) ليلاحظ القارئ أن المؤلف إنما يتكلم على ما كان للكنيسة في أوروبا من السلطان، وهو يختلف اختلافًا كبيرًا عن الحالة في الشرق، فشتان بين سلطة رجال الدين في الشرق وسلطانهم العظيم في القرون الوسطى في أوروبا (المعرِّب).
(١٥) فلكنبرج.
(١٦) فلكنبرج.
(١٧) لم يرد المؤلف من كلامه الماضي ولا مما قاله هنا طرح الأديان والخلاص من كل دين، إنما يريد أن يكون الدين دينًا مصحوبًا بعقل، دينًا لا يمنع الإنسان من النظر والفكر، دين اجتهاد لا دين تقليد؛ فإن كان كذلك فلست أعرف أي ضرب من ضروب الفلسفة يستنكره ولا يرضاه؛ بالدين يحيا القلب، وبالفلسفة يحيا العقل، ولا بد للإنسان من قلب وعقل، فإذا اجتمع للإنسان دين راقٍ يحيي قلبه ولا يقيد عقله، وفلسفة متواضعة لا تعدو طورها ولا تقصر إيمانها على ما ترى بعينها، وتترك القلب مجاله، فذلك هو الخير كل الخير (المعرِّب).
(١٨) فلكنبرج.
(١٩) فلسفة الشك: ضرب من الفلسفة يعرض كل حقيقة للشك، ويشك في كل المبادئ فلسفية كانت أو دينية.
(٢٠) الفلسفة الوضعية: Posivitism مذهب من الفلسفة يقول: «إن العلم الذي يمكن تحصيله هو العلم بالظواهر لا غير» (المعرِّب).
(٢١) ترجمنا كلمة Idealism في علم الجمال بمذهب الكماليين وفيما وراء الطبيعة — كما هنا — بالمثاليين مراعاة للمعنى، ومذهب المثال الألماني هذا يرى أن مثال الأشياء في الذهن، وبعبارة أخرى صورة الشيء الذهنية تخالف الأشياء نفسها في الواقع. ولهذا المذهب أشكال مختلفة، فمذهب يرى أن ليس للأشياء إلا مثالها الذهني وليس لها وجود خارجي، ومذهب يرى الوجودين الذهني والخارجي ولكن يقول: إنهما ليسا متطابقين (المعرِّب).
(٢٢) تصرفنا في هذه الجملة لأنا رأينا الأصل لا يتفق مع سياق الكلام، واعتمدنا في تغييرها على ما ذكره فندلبند في هذا المعنى ص٥٣٧ (المعرِّب).
(٢٣) ربما كان في هذا الموضوع غموض، وسيأتي في آخر فصل في الكتاب شرح يزيل غموضه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١