الفصل الثالث

مسائل علم الأخلاق

من بين المسائل الأخلاقية التي اجتهد فلاسفة كل عصر في حلها، وخصصوا أفكارهم للبحث فيها المسائل الآتية:
  • (١)

    أصل شعورنا الأخلاقي.

  • (٢)

    الباعث الباطني الذي يحملنا على إطاعة ما يمليه علينا شعورنا الأخلاقي، والذي يشكل سلوكنا بشكل خاص.

  • (٣)

    المقاصد أو الأغراض أو النتيجة الأخيرة التي نحاول أن نصل إليها بأعمالنا الأخلاقية.

  • (٤)

    المقياس الذي به نقيس أعمالنا فنحكم عليها بأنها خير أو شر.

المسألة الأولى: أصل الشعور الأخلاقي؛ أعني كيف نعرف أن عملًا من الأعمال أخلاقي وآخر غير أخلاقي؟ كيف يدرك وجدان الإنسان الخير والشر، أو الحق والباطل ويميز بينهما؟ ألسنا نرى العمل الذي يعده بعض الناس خيرًا وحقًّا وأخلاقيًّا في عصر من العصور أو عند بعض الأمم، قد يعد هو بنفسه في عصر آخر أو عند أمة أخرى شرًّا وباطلًا وغير أخلاقي؟! فما أصل ذلك؟ انقسم الفلاسفة في الإجابة عن هذا إلى قسمين: ففريق يرى أن في كل إنسان قوة غريزية يميز بها بين الحق والباطل، والخير والشر، والأخلاقي وغير الأخلاقي، وقد تختلف هذه القوة اختلافًا قليلًا باختلاف العصور والبيئات «الأوساط»، ولكنها متأصلة في كل إنسان، فكلٌّ يحصل عنده نوع من الإلهام يعرفه قيمة الأشياء؛ خيرها وشرها، وهذا الإلهام يحصل للإنسان بمجرد النظر، ولهذا نشعر — ولو لم نعلم — بأن شيئًا خير وشيئًا شر، ويسمى هذا المذهب «مذهب اللقانة»،١ وكان «كارليل» من أتباع هذا المبدأ لقوله: «إن الشعور بالواجب — وهو معنًى أبدي — جزء من طبيعتنا، ونقطة المركز في نفوسنا الفانية، ومثل ذلك مثل الأبدية الخالدة؛ فإنها معنًى أبدي مظاهره الليل والنهار، والنعيم والشقاء، والموت والحياة، وهي أشياء فانية.» وهذه القوة ليست نتيجة بيئة ولا زمان ولا تربية، بل هي غريزية لا مكتسبة، وهي جزء من طبيعتنا مُنحناها لنميز بها الخير من الشر، كما مُنحنا العين لنبصر بها، والأذن لنسمع بها، وكان «بطلر» يعد الوجدان جزءًا أساسيًّا من طبيعتنا، ويعرفه بأنه «قوة بها نستحسن العمل أو نستقبحه»، فهو إذن من أتباع هذا المذهب. وممن ذهب هذا المذهب من الجرمان «فخته» و«كانت» وهو أكبرهم.
وفريق آخر من الفلاسفة خالف الأولين ورأى أن معرفتنا بالخير والشر مثل معرفتنا بأي شيء آخر تعتمد على التجربة، وتنمو بتقدم الزمان وترقِّي الفكر، ويقول أصحابه: إن الشعور الأخلاقي ليس غريزيًّا في الإنسان، بل هو نتيجة التجربة، وهي التي علمته الحكم على بعض الأعمال بأنه خير أو حق، وعلى بعضها بأنه شر أو باطل، ويسمى هذا المذهب مذهب التجربة، وأشهر من ذلك تسميته باسم النشوء والارتقاء Evolution، وقد أسس هذا المذهب على نظرية النشوء التي وضعها «دارون» و«والاس» القائلة بأن الأجسام الحية العالية «نشأت» وترقَّت من الأجسام الحية السافلة، وأن عقل الإنسان «نشأ» وترقى من أبسط نوع من الإدراك، فأخذ فلاسفة كثيرون نظرية دارون هذه في النشوء وطبقوا عليها قانون الأخلاق وعلم الأخلاق، وقد كان «كارنري» و«مل» و«بين» وخاصة «هربرت سبنسر» من معلمي هذا المذهب، قال أهل هذا المذهب: كما أن الجسم العضوي نتيجة الوراثة ونتيجة عملية انتخاب ورفض دامت مدة عصور، كذلك عقل الإنسان تدرج في الرقي من أحط الأحوال، وليست القوة الأخلاقية التي نعرف بها الخير والشر إلا التجربة، فمنها نستخرج الحكم على الأشياء بأنها خير أو شر، واستمرار الأمة في التجارب يفضي إلى تعديل الآراء في الأخلاق من وقت لآخر. ويرى هذا المذهب أن ليس عند الإنسان قوة أخلاقية خاصة، ولسنا نحتاج للاهتداء في أعمالنا إلا إلى إعمال عقولنا، وأن أحكامنا على الأعمال تصدر بملاحظة الغاية التي نقصدها من أعمالنا والباعث عليها، لا بملاحظة ملكة فينا أو قوة أخلاقية في نفوسنا، وليس الشعور الأخلاقي إلا نتيجة من خير نتائج «النشوء والارتقاء»، وقد تدرج في الرقي من تخيل المتوحشين إلى آراء المتمدنين المهذبين، ولا يزال إلى الآن يرقى بترقي الأمم.

المسألة الثانية من المسائل التي وجه إليها فلاسفة الأخلاق نظرهم، وذهبوا في الإجابة عنها مذاهب: مسألة الغاية أو الغرض من أعمال الإنسان الأخلاقية؛ إن الأعمال الاختيارية يعملها الإنسان وأمام نظره غاية من أجلها يعمل العمل؛ وذلك أن الإنسان لما كان حيوانًا ناطقًا (مفكرًا) قد مُنح قوة الفكر — بها يستطيع أن يدرك العلاقة بين الأعمال وبين ما تؤدي إليه من النتائج — لم يكن مُلْجَأ إلى العمل بمجرد الدوافع (كما هو الشأن في الحيوان)، وإنما هو منقاد ومتأثر برغبة في غاية يريد تحصيلها، فالأعمال الأخلاقية أو السلوك الأخلاقي إذن وسيلة يحاول بها الإنسان أن يصل إلى غاية؛ فما هذه الغاية الأخيرة والخير النهائي الذي يشتاق الإنسان للوصول إليه، ويجدُّ في البحث عنه؟

ذهب فلاسفة اليونان الأقدمون كسقراط وأفلاطون إلى أن كل إنسان بطبيعته وبالضرورة إنما يبحث وراء خيره، فالخير الأخير وغاية الغايات هو السعادة أو اللذة، وتسمى هذه النظرية نظرية السعادة. وقد نشر هذه النظرية فلاسفة اليونان، وظهرت في تاريخ البحث الأخلاقي لابسة أثوابًا مختلفة، ونظرية السعادة هذه تضاد نظرية اللقانية وتقول: إن الإنسان إنما صار أخلاقيًّا بعقله وتجاربه وبحثه وراء سعادة يريد تحصيلها، وقد حللها وشرحها في العصور الحديثة جمع من فلاسفة الإنجليز أشهرُهم بالي وجرمي بنتام ومل، ويعرف المذهب الآن «بمذهب المنفعة»٢ وإن كان مؤسسًا على نظرية السعادة.

قال «جون ستوارت ميل» في رسالته في مذهب المنفعة: «إن جميع القائلين بمذهب المنفعة من أبيقور إلى بنتام لم يريدوا بالمنفعة شيئًا يخالف اللذة، بل أرادوا اللذة نفسها والخلو من الألم، وإنهم لم يقولوا: إن الشيء النافع يضاد اللذيذ وما هو حلية وزينة، بل قالوا: إنه يشملهما ويشمل غيرهما.» وعرف مذهب المنفعة بقوله: «إن المذهب الذي يتخذ أساس الأخلاق المنفعة أو أكبر سعادة مذهبٌ يرى أن الأعمال خير بقدر ما تدعو إلى الزيادة في السعادة، وشر بقدر ما تدعو إلى الزيادة في ضدها، والمراد بالسعادة اللذة والخلو من الألم، وبضدها الألم والخلو من اللذة.» من هذا نستنتج أن هذه النظرية القائلة «بأن الأعمال ليست لها قيمة ذاتية وإنما قيمتها بقدر ما تحصل من السعادة» تسمى نظرية المنفعة.

وخالف في هذا القول بعض الفلاسفة فقالوا: إن الأعمال الأخلاقية، ليست وسائل (كما يقول مذهب السعادة) بل هي أنفسها غايات، وبسيرنا على مقتضى قانون الأخلاق نؤدي الغرض الذي من أجله خلقنا، وبسلوكنا الأخلاقي نرقي قوانا التي مُنحناها؛ لنحصل بها العلم، ونعرف ما هو حق وما هو خير، وبسلوكنا الأخلاقي أيضًا نستعمل قوانا الأخلاقية ونرقيها، وبترقيتنا لقوانا العقلية والأخلاقية نصل إلى كمالنا، وهو مقصدنا في الحياة، وهذا الرأي هو أساس الأخلاقية المسيحية.

ولكن على مذهب السعادة، سعادة من نقصد؟ قال قوم: إننا نقصد تحصيل سعادتنا الشخصية، وقال آخرون: نقصد تحصيل السعادة لغيرنا أو السعادة لأكبر عدد، ولخص «جرمي بنتام» رأيه في ذلك في قوله: «أكبر سعادة لأكبر عدد.»

ويتصل بمسألة الغاية والمقصد البحث في الباعث النفسي على العمل أو منبع السلوك الأخلاقي، وبيان ذلك أن الإنسان لم يمنح العقل والفكر فقط، بل منح أيضًا الشعور، وللشعور سلطان على طريقته في التفكير، وبواسطة ذلك يكون للشعور أيضًا سلطان على أعماله، فكثيرًا ما نرى الإنسان يتجه — اتجاهًا ينطبق على العقل — نحو سلوك أخلاقي ثم يتغلب عليه طبعه؛ أعني دوافع ليست دائمًا متفقة مع العقل، بل كثيرًا ما تحيد بالإنسان عن الصواب في الحكم، فالشعور بما له من التأثير الشديد في عزمنا الاختياري يجعلنا نميل إلى عمل أكثر مما نميل إلى آخر؛ فحالة العقل الباطنة مع تأثيرها في العامل تعتمد — إلى درجة كبيرة — على الطبع والمزاج والبيئة، وأيضًا قد يكون الدافع فينا أقوى من العقل، فيتغلب على عقلنا في لحظة ما من لحظات الحياة، ويقودنا إلى أعمال نراها فيما بعد على خلاف ما نراها وقت الدافع، ويجعلنا نتردد في الإتيان بعمل، ونسرع إلى الإتيان بآخر، فظهر من هذا أن غرضنا الاختياري وسلوكنا الأخلاقي وإن كانا وسيلة لتحصيل غاية إلا أنهما كذلك يعتمدان على الدافع الطبيعي، وعلى باعث يستميلنا للسعي وراء هذه الغاية، وليس الغاية متفقة مع الباعث فحسب، بل هي إلى درجة كبيرة تعتمد عليه أيضًا، ولسنا نعرف بعقولنا فحسب أنه ينبغي أن نسير في طريق خاص دون غيره، بل نشعر بذلك أيضًا، وليس نظرنا إلى المصلحة أو المنفعة وحده هو الذي يوجهنا وجهة خاصة، ويشكل أعمالنا بشكل خاص، بل العاطفة والشعور أيضًا يعملان ذلك.

واستكشاف الدافع العام للناس جميعًا، والمحرك العالم للسلوك الإنساني، والعاطفة الأخلاقية أو الشعور الأخلاقي الذي هو بمعزل عن العقل، والذي يؤثر في عزمنا، والذي هو متأصل في أعماق أعمالنا — مسألة من المسائل الهامة التي اجتهد فلاسفة الأخلاق في حلها، واختلفوا في الإجابة عنها، فذهب قوم مثل «هوبز» إلى أن الإنسان إنما يعنى بسعادته هو، وأن كل إنسان إنما يحارب من أجل نفسه، وأن أساس أعماله الأثرة — الأنانية — وقاعدة سلوكه رغبته في نفع نفسه، وليس حبه الظاهري لجاره إلا ضربًا خفيًّا من ضروب حب نفسه. نعم، إنه قد يفعل خيرًا لغيره، ولكن ليس إلا لأن فعله يسبب له لذة أو يوصله إلى غرض له، والسبب النهائي في إطاعة الإنسان للقوانين الأخلاقية من صدق وكرم ونحوهما ليس إلا أنانيته، وكل ما يسمى إيثارًا أو عملًا ليس فيه مصلحة شخصية تجده بعد الفحص الدقيق نتيجة رغبة في منفعة شخصية يراد تحصيلها عاجلًا أو آجلًا.

وذهب آخرون مثل «هيوم» و«آدم سمث» إلى أن في الإنسان أيضًا عاطفة حب للناس، وأن في نفس الإنسان عاطفة تدعوه للإتيان بأعمال يريد بها أن يزيد في سعادة بني جنسه، وأن سعادة الناس وبؤسهم لا حب النفس ومراعاة لذتنا نحن هو المتأصل في طبيعتنا، وهو الأساس العام لسلوكنا الأخلاقي، أعني أنه هو الأساس الذي ينبني عليه المدح والذم، وتسمى هذه النظرية نظرية الإيثار، وهي ضد نظرية الأثرة، ومن أتباعها آدم سمث وهيوم، وهي تقول: إن في طبيعتنا شيئًا نقومه أكثر من تقويمنا لسعادتنا الشخصية، وذلك الشيء هو ما يحس به العامل عملًا أخلاقيًّا من مشاركته لمن ينالهم بره في السرور والعواطف والسعادة، وذلك الشيء أيضًا هو العنصر الأخير الذي نحلل فيه عواطفنا وانفعالاتنا. إن نفوسنا لتهتز عطفًا على الناس ورحمة بالمنكوبين وغضبًا على الخاطئين، وإنا لنحس رغبة شديدة تنبعث من نفوسنا تحملنا على العمل لخير الناس وسعادتهم، وهذا الشعور بأنواعه التي ذكرنا يكون قوة كبيرة صادرة من طبيعتنا، ومؤثرة في سلوكنا الأخلاقي، تارة يحملنا على بعض الأعمال، وطورًا يمنعنا من ارتكاب بعض آخر. وإلى المذهب الأول؛ أعني مذهب الأثرة، ذهب فلاسفة اليونان الأقدمون والفلاسفة الذين كانوا في عصر الثورة الفرنسية، وذهب هذا المذهب في العصور الحديثة «ماكس سترنر» و«نيتشه»، وإلى المذهب الثاني؛ أعني مذهب الإيثار، ذهب «كانت» و«فخته» و«شوبنهور»، وذهب «آدم سمث» و«جون ستوارت ميل» إلى أكثر من ذلك؛ فطلبا من العامل الأخلاقي تضحية النفس، «ولكن لا تبذل هذه التضحية ما لم تكن سببًا في سعادة الآخرين.»

قال «ميل»: «إن من نقص الدنيا واختلال نظامها أن أحسن طريق يمكن للإنسان أن يسلكه في مساعدة غيره على تحصيل السعادة هو تضحية سعادته تضحية تامة، ولكن ما دامت الدنيا على هذا الحال من النقص؛ فإنني أقر أن الاستعداد لتلك التضحية أكبر فضيلة يمكن أن يتصف بها الإنسان.» «إن أصحاب مذهب المنفعة يقولون: إن النوع الإنساني يمكنه أن يضحي أكبر خيراته من أجل خير الآخرين، ولكن لا يقولون بأن هذه التضحية في نفسها خير، بل يقولون: إن كل تضحية لا تزيد فعلًا في مقدار الخير في العالم، ولا تدعو إلى ذلك، ولا يعتد بها وتذهب هباء، وليس عندهم تعفف محمود إلا ما كان موصلًا إلى خير الآخرين، ويشترط أن يزيد في مقدار الخير العام أكثر مما ينقص منه.»

وهناك مسألة أخرى شغلت عقول فلاسفة الأخلاق، وهي مسألة المقياس الأخلاقي وما له من سلطان، وبعبارة أخرى: مسألة أساس الأخلاق وعلاقته بإرادة الإنسان، أي القانون الأخلاقي وما له من قوة ملزمة تحمل الإرادة على العمل بموجبه.٣

قال «ميل» في رسالته «مذهب المنفعة»: «إنني أشعر بأنني ملزم بألا أسرق ولا أقتل، وبألا أخون ولا أخدع، ولكن لِمَ ألزم بالعمل للسعادة العامة؟ وإذا كانت سعادتي الشخصية في شيء؛ فلماذا لا أفضله على غيره؟» وأيضًا إن الواجبات على الناس والأحكام التي تصدر على الأعمال لتختلف باختلاف الأشخاص وأخلاقهم، وإن ما نحمِّل الأشخاص من المسئولية ليختلف باختلاف الأحوال، أليس من الجائز إذًا أن نكون في أحكامنا مخطئين؟ أوليس من المحتمل أن نكون في عملنا مبطلين ونحن نظن أنَّا محقون؟ فأين نجد مقياس الأخلاق؟ وما الذي له من سلطان؟ على هذا السؤال أجيب بجوابين:

فقال قوم: إن المقياس الأخلاقي في أنفسنا، وإنه لصوت فينا يخبرنا كيف نميز بين الحق والباطل، وإن القانون الأخلاقي مستمد من نفوسنا تشرعه قوة فينا، وهو مقيم في أعماق نفوسنا — يساعدان على إزاحة حجب المظاهر حتى نصل إلى إدراك الواجب، وهذا القانون الأخلاقي — المقياس — يهدينا في أعمالنا، وله سلطان قوي على كل مصادر السلطان الأخرى، وتسمى هذه النظرية نظرية «القانون الذاتي» Autonomous؛ لقولها بوجود القانون الأخلاقي في طبيعة الإنسان، وبعض هؤلاء الفلاسفة اعتبر هذا الصوت الباطني هو صوت العقل، ويسمون بالعقليين. وقد كان قدماء الفلاسفة والفلاسفة الذين في عصر الثورة الفرنسية الكبرى عقليين بهذا المعنى، وهم يجعلون للعقل القول الفصل في الحكم على الأعمال، وله سلطان قوي على سلوك الإنسان، وفي طليعة القائلين بهذه النظرية «كانت».
وقال قوم: يجب أن يفسح العقل مجالًا للشعور، وأن السلطان الذي يحمل على إطاعة القانون الأخلاقي إنما هو في أنفسنا كما قال «هيوم» و«شوبنهور» و«آدم سمث» وغيرهم، ولكن ليس مركزه العقل بل الشعور، فسلطان القانون الأخلاقي شعور باطني مغروس في نفوسنا، «وهذا الشعور ألم مختلف الشدة يعقب مخالفة الواجب، ويحمل — في الأحوال الهامة عند من صلحت تربيتهم — على النفور من المخالفة حتى يخيل لهم أنها مستحيلة.»٤
وعلى الضد من نظرية «القانون الذاتي» نظرية «القانون الخارجي» Heteronomous، وهي تضع المقياس الأخلاقي وسلطانه في يد سلطة خارجية، فهي تقول: إن الخوف من الله رب العالمين والخوف من المخلوقين، والرغبة في تحصيل الثواب من الله والاستحسان من الناس هي أساس الواجبات الأخلاقية، وهي السلطان الحامل على إطاعة القانون الأخلاقي، وإن القانون الأخلاقي والقواعد التي تبين السلوك الأخلاقي (المقياس) تستمد من قوة خارجية لا من قوة فينا كإرادة الله أو الملك أو قانون المجتمع.

ومما يتصل أشد اتصال بهذه المسائل الأخلاقية مسألة حرية الإرادة، ولتوضيح ذلك نقول: هل إرادتنا حرة فنحن نطيع القانون الأخلاقي ونخضع له اختيارًا؟ وهل إطاعتنا للقانون الأخلاقي تشعر بأن لنا اختيارًا، وأن العامل حر في اختيار العمل، وحر في تشكيل عمله بما يشاء، وحر في استعمال القانون الأخلاقي حسب ما يحيط به من الظروف؟ أو أنا مضطرون بمقتضى الطبيعة أن نعمل في الحالة المعينة عملًا خاصًّا بحيث لا نستطيع أن نعمل غيره، وأن إرادتنا معلولة بعلل، فإذا حصلت العلل حصل المعلول، وأن عزمنا على إتيان عمل وإن كنا نشعر بأننا أحرار فيه ليس إلا نتيجة لازمة لأسباب تسبقه وتستلزمه؟

انقسم الفلاسفة في الإجابة على هذا إلى قسمين تحاجَّا ولا يزالان يتحاجان إلى اليوم؛ فمذهب يرى أن الإرادة حرة حرية مطلقة لا يضطرها أي سبب ولا أية علة، ويعرف هذا المذهب بمذهب الاختيار، ومذهب يرى أن إرادة العامل واختياره نتيجة لازمة لأسباب سابقة، ويسمى مذهب الجبر، ومسألة الجبر والاختيار من المسائل الهامة التي حاول حلها كل من الدين والفلسفة.

هوامش

(١) جاء في لسان العرب: «غلام لقن: سريع الفهم، ولقن الشيء والكلام: فهمه، والاسم اللقانة.» فآثرنا أخذها ووضعها لكلمة Intiution كما فعل الفرنج؛ فإن هذه الكلمة عندهم كان معناها في الأصل: النظر إلى الشيء، ثم أخذوها واستعملوها في المعنى الجديد؛ وهو «القوة الباطنية التي تدرك حقيقة الشيء بمجرد النظر إليه من غير إعمال عقل في نتائجه»، فلنصطلح على تسمية هذه القوة (اللقانة)، لا سيما أني بعد البحث الطويل لم أجد العرب المتقدمين استعملوا كلمة في هذا المعنى (المعرِّب).
(٢) يظهر من كلام المؤلف أنه يريد أن يستعمل كلمة مذهب المنفعة Utlitarianism مرادفًا لمذهب السعادة Hedonism مع أن مذهب المنفعة إنما يفهم منه المذهب القائل بأن غاية الإنسان سعادة النوع الإنساني أو كل حساس، وأن مقياس الخير والشر هو سعادة الناس كلهم لا العامل وحده؛ فهو إذًا أخص من مذهب السعادة؛ لأن مذهب السعادة يشمل هذا ويشمل المذهب القائل بأن مقياس الخير والشر هو سعادة العامل نفسه، فانظر (المعرِّب).
(٣) موضوع هذه المسألة المقياسالأخلاقي Standard أي المقياس الذي نقيس به الخير والشروسلطانه Sanction أو جزاؤه؛ أي ما للمقياس من قوة ملزمة، ولتوضيح ذلك أقول: إنني إذا قلت مثلًا: إن أساس الخير والشر هو سعادة الناس كلهم. كان هذا هو المقياس؛ فالعمل يكون خيرًا بقدر ما يسبب سعادة للناس، وشرًّا بقدر ما يسبب من شقائهم؛ ولكن ما الذي يحمل الناس على العمل بهذا المقياس؟ وما الذي له من القوة حتى يطيعه الناس فلا يعملون إلا ما يسبب السعادة؟ هذا بحث في سلطان المقياس، فإذا قلت مثلًا: إنه يحملهم على إطاعته خوف الناس والله، والرغبة في مثوبتهما، أو يحملهم على إطاعته دافع نفسي هو الوجدان، كان ذلك هو سلطان القانون، فسنتكلم في هذه المسألة عن المقياس وسلطانه (المعرِّب).
(٤) من رسالة «ميل» في مذهب المنفعة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١