مسألة الرُّوح

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.١

مسألة الروح أعضل مسائل العلم والفلسفة ومذاهب التفكير على التعميم منذ فكر الإنسان في حقائق الأشياء، بين أصحاب النحل والآراء في جميع العصور.

وسواء فهمنا من الروح أنها جوهر مجرد تقوم به حياة الأجساد، أو فهمنا كما يفهم الماديون أنها ظاهرة الحياة في تركيبة من تراكيب المادة — فلا يزال العلم بحقيقتها قليلًا أو أقل من القليل.

لأن الماديين الذين يعتبرونها قوة من قوة المادة لم يخرجوا بها عن تسجيل الحس كما يرونه، ولم يستطيعوا قط تعليل الفارق بين الخلية المادية والخلية الحية بعلة من العلل المادية نفسها فضلًا عن العلل التي تتجاوز المادة إلى ما وراءها، ولم ينكروا أن الفارق عظيم وأنه أبعد فارق بين شيئين من هذه الأشياء التي تقع في الكون المحسوس أو الكون المعقول.

فمن معجزات القرآن أنه وضعها هذا الموضع الصحيح من الفلسفة والعلم، وجعلها أعضل المعضلات التي يتساءل عنها الناس بغير استثناء.

ويزيد في تقدير هذه المعجزة أن القرآن لم يستكثر على الفكر الإنساني أن يخوض في المسألة الإلهية، وأن يصل إلى الإيمان بالله من طريق البحث والاستدلال والنظر في آيات الخلق وعجائب الطبيعة.

فالعقل يهتدي إلى وجود الله من النظر في وجود الأشياء ووجود الأحياء.

ولكنه لا يهتدي إلى حقيقة الروح من هذا الطريق، ولا يذهب فيها مذهبًا أبعدَ ولا أعمقَ من الإحالة إلى مصدر الموجودات جميعًا؛ وهي إرادة الله، أو أمر الله.

وقد عجب بعض المفسرين لذلك وراحوا يتساءلون: أتكون مسألة الروح أكبر من المسألة الإلهية وهي غاية الغايات في سبح العقول؟!

ولكنهم في الواقع يرجعون بالعجب إلى غير مرجعه الأصيل؛ لأن المعضلة الفكرية لا تبلغ مبلغ الإعضال بمقدار عظمتها واتساعها، بل بمقدار دقتها وخفائها … وقد تكون عوارض الشمس أوضح في رأي العلماء من عوارض الذرة الخفية، وبينهما من التفاوت في القدر ذلك الأمد البعيد.

وقد أجمل الإمام الرازي أسباب هذا الإعضال في مسألة الروح فقال: «… إنهم سألوا عن الروح وإنه صلوات الله عليه وسلامه أجاب عنه على أحسن الوجوه، وبيانه أن المذكور في الآية أنهم سألوه عن الروح والسؤال يقع على وجوه»:
  • أحدها: أن يقال: ما ماهيته؟ هل هو متحيز، أو حال في المتحيز، أو موجود غير متحيز ولا حال فيه؟
  • وثانيها: أن يقال: أهو قديم، أو حادث؟
  • وثالثها: أن يقال: هل هو يبقى بعد فناء الأجسام، أو يفنى؟
  • ورابعها: أن يقال: ما حقيقة سعادة الأرواح وشقاوتها؟
«وبالجملة»: فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة، وليست في الآية دلالة على أنهم عن أي هذه المسائل سألوا، إلا أنه تعالى ذكر في الجواب: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وهذا الجواب لا يليق إلا بمسألتين:
  • إحداهما: السؤال عن الماهية؛ أهو عبارة عن أجسام موجودة في داخل البدن متولدة عن امتزاج الطبائع والأخلاط؟ أو عبارة عن نفس هذا المزاج والتركيب، أو عن عرض آخر قائم بهذه الأجسام، أو عن موجود يغاير هذه الأشياء؟ فأجاب الله تعالى بأنه موجود مغاير لهذه الأشياء، بل هو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث؛ قوله: كن، فيكون، فهو موجود يحدث من أمر الله وتكوينه وتأثيره في إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه مطلقًا؛ وهو المقصود من قوله: وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.
  • وثانيتهما: السؤال عن قدمها وحدوثها؛ فإن لفظ الأمر قد جاء بمعنى الفعل كقوله تعالى: وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، فقوله: مِنْ أَمْرِ رَبِّي، معناه: من فعل ربي، فهذا الجواب يدل على أنهم سألوه عن قدمه وحدوثه فقال: بل هو حادث، وإنما حصل بفعل الله وتكوينه، ثم احتج على حدوثه بقوله: وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، يعني أن الأرواح في مبدأ الفطرة خالية من العلوم كلها، ثم تحصل فيها المعارف والعلوم، فهي لا تزال متغيرة من حال إلى حال، والتغير من أمارات الحدوث.

وتلخيص الإمام الرازي للمعضلة شامل لجوانبها المتعددة: كما بدت للمفكرين من الفلاسفة الأقدمين، وبخاصة علماء الكلام.

ولا نظن أن المحدثين جاءوا بفرض من الفروض في تفسير الروح لم يسبقهم إليه الأقدمون، مع ملاحظة الفارق في بحوث علم الحياة ووظائف الأعضاء بين علماء اليوم وعلماء الزمن القديم.

فمن المفكرين الأقدمين من قال: إن الروح أجسام لطيفة سارية في البدن سريانَ ماء الورد في الورد، باقية من أول العمر إلى آخره لا يتطرق إليه تخلل ولا تبدل، حتى إذا قطع عضو من البدن انقبض ما فيه من تلك الأجزاء إلى سائر الأعضاء.

ومنهم من قال: إنه جزء لا يتجزأ في القلب، أو قال: إنه جسم هوائي في القلب، أو قال: إنه جسم هوائي في الدماغ، أو قال: إنه قوة في الدماغ وهو مبدأ الحس والحركة، أو قال: إنه أجزاء نارية وهي المسماة بالحرارة الغريزية، أو قال: إنه الدم المعتدل تقوى الحياة باعتداله وتفنى بفنائه، أو قال: إنه جسم بخاري يتكون من لطافة الأخلاط وبخاريتها كتكون الأخلاط من كثافتها، وهو الحامل للقوى الثلاث؛ وهي: قوة الروح الحيواني، وقوة الروح النفساني، وقوة الروح الطبيعي، ومنهم من قال بأن الروح جوهر مجرد يتفاوت في التجرد والصفاء: فهو في العارفين الخالصين أصفى منه في غيرهم من ذوي الأرواح.

ومنهم من قال غير ذلك ولم يخرج عن فحوى فرض من تلك الفروض كما أحصاها صاحب كشاف إصطلاحات الفنون في مادة الروح.

•••

أما المفكرون المحدثون فهم في الجملة بين قولين: قول بنشوء الحياة من جوهر مجرد، وقول بنشوئها من استعداد في المادة يظهر مع التطور والتركيب.

وليس بين القائلين بالجوهر المجرد من الأقدمين والمحدثين اختلاف كبير في غير أسلوب التعبير.

فالمحدثون يقولون: إن الجسم لا ينشئ الحياة، ولا طاقة للمادة بتوليد القوة الحيوية، ولكنها إذا بلغت مبلغًا معلومًا من الاستعداد صلحت لحلول الروح فيها وتهيأت لخدمتها، مثلها في ذلك مثل الجهاز الذي يصلح بالتركيب لقبول الكهرباء؛ فإن أجزاءه المتفرقة لا تتحرك ولا تقبل العمل الكهربائي إذا بقيت على تفرقها، أو اجتمعت على نحو غير النحو الصالح لاستقبال التيار وتلبية حركاته، وكذلك الأعضاء الجسدية لا تخلق الحياة ولكنها تصلح لاستقبالها وتلبية حركاتها متى تم تركيبها على النحو المعروف.

والأقدمون يقولون بمثل ذلك، ولكنهم يعبرون عنه بأسلوبهم المنطقي الذي يستخدمونه للتمييز بين الصور والأجسام؛ فالروح عندهم «كمال أول لجسم طبيعي آلي».

والكمال عندهم هو الذي تتحقق به ماهية الشيء؛ وهو قسمان: قسم يصدر منه الفعل؛ وهو الكمال الأول، وقسم الفعل نفسه وهو الكمال الثاني.

والإنسان جسم آلي لا تتحقق له الإنسانية إلا بحلول الروح فيه، فلا تتحقق له الإنسانية بمجرد وجود الأعضاء فيه بل باستقبال هذه الأعضاء لمصدر فعلها وحركتها، وهو الروح، فالروح إذن هي الكمال الأول لتركيب جسم الإنسان.

ودليل الأقدمين على أن الروح جوهر مجرد يلخصه الشهرستاني في كتاب «نهاية الإقدام في علم الكلام»؛ إذ يقول: «إن العلم المجرد الكلي لا يجوز أن يحل في جسم، وكل ما لا يجوز أن يحل في جسم، فإذا حل ففي غير جسم، فالعلم المجرد الكلي إذا حل حل في غير جسم» ويؤيد ذلك أنه غير قابل للانقسام.

ويوشك الأقدمون والمحدثون أن يتلاقوا في توضيح المشكلة التي تنجم عن القول بتجرد الروح ثم القول بتأثيرها في الأجسام.

فالأقدمون يجعلون الجواهر المجردة درجات في التلبس بالمادة وقابلية الاشتراك معها في عملها، فلا يؤثر الجوهر المجرد في المادة مباشرة بل يؤثر فيها بواسطة جوهر يقاربه من جهة، ويقارب المادة من جهة أخرى.

والمحدثون يقيمون هذه القنطرة بين العالَمين — عالم الروح وعالم المادة — بفروض كثيرة؛ منها: أن الغدة الصنوبرية في الدماغ هي ملتقى الروح بالجسد، ومنها: أن يرتفعوا بالمادة الجسدية إلى غايتها من الصفاء؛ لكي تتقبل الأثر من عالم الروح، ومنها: أن يزيلوا العجب من تأثير الأرواح في الأجسام بقولهم: إن تأثير الروح في الجسد ليس بأعجبَ من هذه المؤثرات التي نراها تقع من الأجسام، فلا داعي للجزم بامتناع أثر الجوهر المجرد في صور المادة على اختلافها بين الجوامد والأحياء.

وكل فرض من هذه الفروض لا يزعم صاحبه أنه قال في معضلة الروح قولًا يغنيه عن التمثل في هذه المعضلة بالآية القرآنية الكريمة: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.

•••

والماديون الذين يقولون بنشأة الحياة من المادة لا ينيبون — بطبيعة الحال — إلى علم الله في معضلة من المعضلات، ولكنهم ينيبون على الرغم منهم إلى رأي في تعليل الحياة هو أعجز وأبلغ في التسليم من إنابة المؤمنين؛ لأن قصارى ما ذهبوا إليه أن الحياة حصلت؛ لأنها حصلت، أو لأنها قابلة للحصول!

فهم يعترفون بالفارق البعيد بين الذرة المادية والخلية الحية، ولكنهم يقولون: إن الخلية الحية قد تترقى بالتطور والتركيب المتلاحق إلى اكتساب خصائص الحياة.

ويمثلون لذلك بالعناصر التي تتركب فتظهر فيها بعد التركيب خصائص لم تكن لعنصر من عناصرها على انفراد.

وهكذا يترقى التركيب بالمادة إلى مرتبة النبات فالحيوان فالإنسان العاقل، فما فوق الإنسان مع تطاول الزمان.

ولكنهم لا يذكرون دليلًا واحدًا على حدوث الحياة من مثل هذا التركيب … ولا يذكرون سببًا ماديًّا معقولًا لالتزام المادة سلم الارتقاء طبقة فوق طبقة منذ الأزل الذي لا يعرف له ابتداء، ولا يذكرون سببًا ماديًّا واحدًا يوجب أن تنفرد بعض الذرات المادية بهذا التطور دون بعضها وهي سواء في الكنه والحركة وقوانين الوجود، ولا يشعرون بقصور هذا الفرض عن تفسير الخصائص التي تتوزع بين ألوف الخلايا التي تتولد منها الأنواع الحية، وفي كل خلية منها قدرة على التجدد والتعويض ونقل طبائع النوع كله، وهي في دقتها أخفى من أن تتراءى الألوف منها للعين بغير منظار.

فإن الناسلات التي تنشئ النوع الإنساني كله يمكن أن تجمع في قمع صغير من أقماع الخياطة، وفي هذا القمع الصغير تكمن جميع الخصائص التي يختلف بها ملايين البشر في الأفكار والعادات والأعضاء والألوان، وتكمن جميع الموروثات التي تلقاها سكان الكرة الأرضية عن آبائهم وأجدادهم منذ مئات الألوف من السنين، وجميع الموروثات التي يخلفونها لأعقابهم إلى مئات ألوف أخرى بغير انتهاء.

فإذا كانت الحياة معاني تقوم على الوعي الذي لا يوجد في المادة ويكفيها مثل هذا الحيز من الامتداد وهو أقرب إلى المعقولات منه إلى المحسوسات، فماذا أبطل الماديون من القول بقوة الروح المعنوية؟ أو ماذا أبطلوا من القول بتوسط هذه المعاني بين الوجود المجرد والوجود المحسوس؟

إذا كانت الحياة لا توجد في كل مادة، وكانت المادة الخاصة التي توجد فيها تتلقاها معاني لا يحصرها الحس، وتأخذ منها كل هذه الأجسام التي تملأ فضاء الكرة الأرضية، فهل هذا هو تفسير السر المغلق، أو هذا هو السر المغلق الذي يدق عن العقول؟

وأي أجسام بل أي آكام من الأجسام؟ أهي أجسام وكفى تتساوى في جميع الأشكال والأحجام؟

كلا، بل هي أجسام تختلف كل ذرة منها عن كل ذرة، ولا تنوب واحدة منها عن الأخرى أو تختلط شخصية منها بشخصية سواها، فأين يبتدئ التَّلَغُّز والتخمين إذا كان هذا نهاية التفسير والتبيين؟

•••

وإذا كان الماديون قد بلغوا بتجريد قوة الحياة أقصى ما يستطيعه المادي من صفات التجريد، فإن القول بالتجريد المطلق لا يقطع الكلام في مسألة الروح ولا يتركه بغير بقية طويلة تستتبع الأسئلة الكثيرة بغير جواب.

فهل الجوهر المجرد البسيط يقبل الفناء؟ وهل كان معدومًا قبل أن يوجد؟

إن فريقًا من الفلاسفة يقول: إن الجوهر البسيط لا يتغير ولا يفنى؛ لأن الانحلال إنما يأتي من جهة التركيب وليس في الجوهر البسيط مركب، وما ليس بقابل للفناء غير قابل للإيجاد بعد عدم، وليس له ابتداء ولا انتهاء.

وبعض المتدينين يقول بقدم العالم كله؛ لأنه لا يخلق في زمان، والجواهر البسيطة من باب أولى قديمة على هذا الاعتبار، وقد يستشهد هؤلاء على قدم الروح بأنها من روح الله ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ.٢

فالروح من روح الله، وهو أزلي وأبدي بلا أول ولا آخر ولا زمان ولا مكان، ومنهم من يقول بحدوث الروح، ويعني بذلك أنها غير قديمة، وينكر قدم العالم على الإجمال.

وهنا يرد على الخاطر سؤال عن تساوي الأرواح في القدم أو تساويها في الحدوث.

فهل وجدت أرواح الآباء والأبناء والأحفاد في وقت واحد؟ أو وجدت على تفاوت في الترتيب؟ وهل تنقطع صلة الأبوة بين الأرواح؟ أو هناك أرواح توصف بالأبوة وأرواح توصف بالبنوة على النحو الذي نشهده في الحياة؟ وما الفارق بين أرواح الآباء والأمهات وأرواح الذكور والإناث؟

ويرد على الخاطر سؤال آخر عن علاقة الروح بالجسد بعد دخوله والامتزاج بأعضائه: هل تأتي بالمعرفة معها من عالم الأرواح، أو هي تتلقى المعرفة من ملامسة الأعضاء وحس الحواس التي تتألف من البصر والسمع واللمس والشم والذوق وما إليها؟ وهل تحمل معرفتها معها بعد فراق الجسد أو تتركها وراءها بعد انقطاع الصلة بينها وبين الإحساس بالحواس؟

ويرد على الخاطر سؤال غير هذين السؤالين في مسألة الثواب والعقاب؛ فهل تخلص الروح من الجسد كما دخلته مبرأة من الذنوب؟ وهل يلصق شيء من الجسد بشيء من الروح؟ وإذا كانت قبل نزولها فيه وخروجها منه خالصة من تلك الذنوب؛ فكيف يكون العقاب؟ أو كيف تعاقب الأجساد بمعزل عن الأرواح؟ أو كيف تعاقب الأرواح بمعزل عن الأجساد؟

والذين قالوا بدخول الروح في الأجساد أكثر من مرة يسألون: لماذا ينسى الروح حياته الأولى في الجسد القديم بعد دخوله في الجسد الجديد؟ وهل يعود إلى التذكر بعد التجرد من الحياة الجسدية؟ أو هو في كل مرة يرجع إلى ما كان عليه قبل الحياة الجسدية كأنه لم يتلبس قط بالأجساد! وماذا تفيد الروح من تكرر الحياة إذا كانت تبقى بعد موت كل جسد كما كانت قبل حياتها فيه؟

ولا يقل عن هذه الأسئلة في الإعضال سؤال السائلين: هل الروح والنفس والعقل شيء واحد، أو هي أشياء مختلفات؟ وهل هي فردية، أو عامة في جميع الأحياء العاقلة؟

فمنهم من يقول: إن العقل والروح والجسد كلها هي قوام العنصر المجرد في الإنسان، وإن ما عداها عنصر جسدي قابل للانحلال.

ومنهم من يقول: إن العقل وحده هو العنصر المجرد، وإن النفس درجات والروح في أعلى هذه الدرجات، ثم تنحدر درجات النفس فتلتقي بالجسد في الحياة الحيوانية، ولا يختلف شأنها في هذه الحالة عن شأن الدم الذي تنبعث منه حركة الأعضاء، أو شأن الأبخرة اللطيفة التي تتخلل تلك الأعضاء.

والقائلون بذلك يقولون: إن العقل عام في جميع العقلاء، وإنه غير متوقف على الأفراد؛ لأن أحكامه واحدة في جميع العقول، وقضاياه ثابتة في جميع الأحوال.

وذلك على خلاف النفس التي تختلف بأذواقها ومشتهياتها بين فرد وفرد، وبين حال وحال.

فالعقل إذن هو الخالد الباقي الذي لا يفنى بفناء أجساد الأحياء، أما النفس فشأنها شأن الجسد في التميز والتحيز وقبول الفناء.

•••

ومن الماديين من يأتي وسطًا بين المجردين والمجسدين؛ فعندهم أن وجود الروح لاحق لوجود الجسد، وأن الجسد إذا ترقى في التركيب نشأت من تركيبه وحدة معنوية أو شخصية مستقلة صالحة للبقاء بمعزل عنه، وكانت وجودًا جديدًا لا ينعدم؛ لأن الموجود لا يقبل العدم، ولا فرق في ذلك بين وجود الكيفية ووجود الكم أو المقدار.

وأقرب ما يمثلون به لذلك وجود القصيدة في قريحة الشاعر، أو وجود اللحن الموسيقي في قريحة الموسيقار، أو وجود الفكرة في قريحة الفيلسوف.

فهذه الوحدات المعنوية من عمل الشاعر والموسيقار والفيلسوف، ولكنها استقلت بوجود قابل للبقاء بعد زوال من خلقوها وانفردوا بخلقها بين أصحاب القرائح التي لا تحصى.

وتمثيلهم هذا تمثيل تقريب وليس بتمثيل تحقيق؛ لأنهم يقصدون أن «الشخصية الروحية» التي يتمخض عنها تركيب الجسد أو تركيب الدماغ خاصة هي كيان قائم بذاته وليس بالكيان الذي يتوقف على غيره كقصيدة الشاعر ولحن الموسيقار وفكرة الفيلسوف، وكل منها لا يقوم إلا بسامع أو معين.

•••

وإذا أردنا أن نشمل بالكلام في الروح أحاديث القائلين بتحضير الأرواح؛ فالأسئلة هنا تتوارد من أصحاب الدين كما تتوارد من أصحاب العلم وأصحاب الفلسفة.

فلك أن تسأل: هل السيطرة على الأرواح مسألة قدسية إلهية؟ أو هي مسألة آلية صناعية؟

إن كانت قدسية إلهية فما هذه الآلات والأشعة والمصورات والمحركات؟ وما هذا الارتباط بين تحضير الأرواح الحديث والمخترعات الحديثة؟ وما هذه السيطرة على الأرواح بسلطان تلك الآلات والمخترعات في أيدي قوم لم تعرف عنهم قداسة ضمير أو رياضة نسك وصلاح؟

وإن كانت صناعية فأي تغليب للمادة على الروح أقوى من هذا التغليب الذي ينوط كشف الأرواح بتقدم الصناعات والمخترعات؟ ويجعل عالم الروح كعالم المادة تابعًا لآلة تدار أو مخترع جديد لم يكن معروفًا قبل القرن العشرين؟ وكيف نفسر أن عالم الروح كله لم يستطع بجهوده وبواعثه أن ينفذ إلى عالم المادة، وأن عالم المادة استطاع ببعض الأجهزة أن ينفذ إلى عالم الروح؟ وهل سعت الأرواح إلينا فعجزت في مسعاها؟ أو هي لم تَسْعَ قط ونحن الذين أرغمناها على الظهور لنا والتحدث إلينا؟ وما معنى قدرتنا وعجزها في هذه الجهود التي لا قوة لنا فيها لغير أدوات التحضير؟

•••

وإلى هنا خصصنا الروح بالمعنى الذي يقصد به قوام الحياة — أو قوام الحياة والعقل — في الشخصية الإنسانية.

ولكن الروح عممت في القرآن لغير هذا المعنى، فسمي جبريل بالروح الأمين، ونسبت إلى الله روح بمعنى الرحمة تارة وبمعنى القوة أو الحياة تارة، وبمعنى العلم القدسي في غير هذه المواضع: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ،٣  وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا.٤

وبهذه المعاني كلها ترتفع الروح من الوجود المادي إلى الوجود المنزه عن المادة وخصائصها، وقد تلحق بالوجود الإلهي الذي لا شبيه له في الموجودات.

ولكن الاصطلاح الذي لا يتعرض أصحابه للحصر والتحقيق يطلق الروح أحيانًا على معنى الحياة في كل ذي حياة فيقولون: «كل ذي روح» ويقصدون به عالم الحيوان، ويجمعون بين الروح والنفس في معنى واحد، ثم ينحلون النبات نفسًا ويفرقون بينها وبين نفس الحيوان ونفس الإنسان ببعض الخصائص التي تجعل معنى الكائنات «النفسية» أحيانًا بمعنى الكائنات العضوية في اصطلاح العلم الحديث.

والذين يطلقون الاصطلاح هذا الإطلاق فيهم المؤمنون بالدين، وفيهم من تقدم الأديان الكتابية، وفيهم من ظهر بعدها وأنكرها كما ينكرها الدهريون الذين قالوا: إنها حياتنا الدنيا نموت فيها ونحيا!

فصاحب الهدية السعيدية المولوي محمد فضل الماتريدي يلخص معاني النفس فيقول: «إن المركب الذي له مزاج وليس من المعدنيات يكون ذا نفس أرضية، والنفس الأرضية إما نفس نباتية أو نفس حيوانية أو نفس ناطقة … وعرفوا النفس النباتية بأنها كمال أول لجسم طبيعي آلي من حيث يتغذى وينمو.»

ثم يقول عن النفس الإنسانية: «إن النفس جوهر مجرد واحد ولها وجه إلى البدن، ويجب أن يكون هذا الوجه غير قابل لأثر من جنس مقتضى طبيعة البدن، ووجه إلى المبادئ العالية، ويجب أن يكون دائم القبول عما هناك والتأثير منه — فمن الجهة السفلية يتولد الأخلاق؛ لأنها تؤثر في البدن الموضوع لِتَصَرُّفِهَا مكملة إياه تأثيرًا اختياريًّا وتسمى قوة عملية وعقلًا عمليًّا، ومن الجهة الفوقانية يتولد العلوم؛ لأنها تتأثر عما فوقها مستكملة في جوهرها بحسب استعدادها وتسمى قوة نظرية وعقلًا نظريًّا، فالقوة النظرية من شأنها أن تنطبع بالصورة الكلية المجردة من المادة، فإن كانت مجردة فلا يحتاج في أخذها إلى تجريدها، وإن لم تكن فتصير النفس مجردة بتجريدها حتى لا يبقى فيها من علائق المادة …»

فإذا أغضينا عن فوارق الأسلوب ففي هذا الكلام مواطن اتفاق كثيرة بين الأقدمين والمحدثين، وبين الفلاسفة والعلماء، وبين أصحاب الدين وغيرهم من المفكرين.

فجميع هؤلاء متفقون على التفرقة بين الجسد العضوي، والجسد الذي لا تعضي فيه.

وجميع هؤلاء متفقون على إلحاق النبات بعالم الحياة في خصائصها التي تميزها من المادة على الإطلاق.

وجميع هؤلاء متفقون على أن «النطق» أو «العقل» خاصة إنسانية تميز الإنسان من الحيوان.

ولكنهم إذا جاءوا إلى الصفة التي تكسب الحي قدرة المعرفة وقع بينهم أكبر اختلاف يقع بين مختلفين.

فتوزع القوى المدركة في النفس على حسب الاتجاه العلوي أو السفلي كلام يسيغه بعض الفلاسفة وبعض المتكلمين، ولا يسيغه الآخرون.

وتدرج القوة العاقلة من الحيوان إلى الإنسان كلام ينكره الدينيون، ولا يتفق عليه علماء الطبيعة الذين يجعلون العقل من عنصر غير عنصر الغريزة أو البداهة الحيوانية.

وينتهون جميعًا إلى «علم قليل» في هذا المبحث العويص الذي لا يدانيه في اعتياصه مبحث آخر من مباحث الطبيعة أو ما وراء الطبيعة.

ولسنا نسرد هذه الخلافات لنقطع فيها بقول فصل لا خلاف عليه، فليس إلى ذلك من سبيل.

ولسنا كذلك نسردها لنعود فيها إلى تلخيص القول في الخالق والمخلوقات ومكان الروح والحياة من تلك المخلوقات، فهذا بحث عرضنا له عند الكلام على وجود الله بما اتسع له المقام.

ولكننا نسردها ونكتفي بمجرد سردها؛ لأن مجرد السرد كافٍ لبيان إعجاز القرآن في وضع هذه المعضلة موضعها الصحيح بين معضلات الفلسفة الكبرى في جميع الأزمان.

فالرجل الأمي الذي تعلم من البادية كلها غاية علمها، أو تعلم من عصره كله غاية علمه، لا يتأتى له أن يبسط أمامه مشكلات العقل في حقائق القوة التي تقوم بها حياة الشخصية الإنسانية أو يقوم بها تفكيرها، ثم يحيط بما فيها من العقد وما يرد عليها من الأشكال والاستدراك، وما تنفرد به من المغلقات بين مسألة كالمسألة الإلهية أو كمسألة الوجود بجملته في السر والعلانية.

فإذا تتبع معضلة الروح إلى مداها، وعلم غاية ما يتاح للإنسان أن يستقصيه من حقيقتها، فما يعلم ذلك بوحي البادية أو بوحي القرن السادس أو السابع للميلاد، وإنما يعلمه بوحي من الله.

١  الإسراء: ٨٥.
٢  السجدة: ٦–٩.
٣  غافر: ١٥.
٤  الشورى: ٥٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١