نيويورك ٨٠

١

هو : من فضلك يا مدام، بالمناسبة … أهذه هي الطريقة الصحيحة في الحديث إلى السيدات، أم يجب أن أقول يا «مام»؟

(نظرة مفاجئة منها، ثُمَّ دهشة، ثُمَّ امتعاض قليل.)

هي : ولماذا لا؟ فليكن، قلها سيدتي إن شئت أو «مام» إن شئت … لِمَ لا؟ هذه طريقة شائعة جِدًّا هنا.
هو : سيدتي، من الواضح أنك … أنك …
هي : أجل، أجل، لأختصر وقتي ووقتك، أنا Call Girl أتعرف معنى هذا؟ لأختصر وقتي أكثر، أنا ممن يسمُّونهم «المومسات».

(رغم أن الإجابة لم تكن مفاجأة له، إلا أن الطريقة كانت منقضة سريعة، وعقله يعمل بسرعة البرق، يردد السؤال أو الإجابة عدة مرات، لا ليتأكد بل ليستوعب، بعدما استوعب وأنب نفسه على أنه هو الذي خجل، رفع رأسه وواجهها، كان وجهها يصنع زاوية ٤٥ أفقيًّا ورأسيًّا، أمَّا عيناه فقد كانتا في مَحْجرَيْهما، هذا صحيح، ولكن زاويتهما كانت في وضع المسقط الرأسي حيث الحدقة إلى أعلى، ولكنه كان كمن أصبح يرى ببياض عينيه.)

هو (مونولوج داخلي) : مومس؟! لماذا يُسَمَّى كل شيء هنا باسمه تمامًا وعلى حقيقته؟ ألا يخجلون؟ على أية حال نحن أكثر أدبًا، سموه نفاقًا أو ادعاءً، ولكنه أرحم من الحقيقة الصارخة، والأسماء التي بالضبط على مسماها، مومس! الكلمة بشعة بأية لغة تُقال حتى لو كانت الفرنسية، ومومس سارترها الفاضلة، مومس، وابل من «التابوهات» والتابلوهات والمناظر يتساقط متوحشًا كمطر نيويورك.

(ولكن هناك حق.

والحق يجب أن يُقال.

سيدته تلك التي خاطبها لا تمت إلى البغي شكلًا أو موضوعًا بأية صلة، ترتدي منظارًا غير شمسي (نظارة نظر) على آخر صيحة، وهو يعبد مرتديات النظارات؛ عيون مرتدياتها في العادة تتضح وتدق وتفصح عن مكنونها من أخمص القدم إلى أدق شعيرات النوازع التي غالبًا ما تتعلق بنيَّتها نحو الرجل.

مومس!

جديدة في الكار حتمًا، يبدو وكأنها لم تبدأ احترافها إلا منذ الأمس فقط، ولكن المحدد والمؤكد أن هذه فتاة داخلها مغناطيس قوي غير محترف يشدها إلى جنس الرجل، حتى قبل أن يشد الرجل إليها.)

هو (مونولوج خارجي) : سيدتي، أوْ ما تنطقونه بالأمريكية «مام»؟ أريد أن أقول لك شيئًا واضحًا قويًّا ومنذ الآن: أنا جالس هنا قبلك، وقد لاحظتُ أنك حين جئتِ فتشتِ المكان بناظرَيْك ورغم خلو معظم المقاعد اخترتِ الكنبة التي أجلس على طرف منها لتجلسي على الطرف الآخر، ثُمَّ لاحظت ثلاثة رجال على التوالي تركوا جلساتهم الانفرادية على البار وحاولوا التودد إليك. عن عمد كنت ألاحظك، بل بلغ من ملاحظتي أني رثيتُ لك وحمدتُ الله أنه لم يخلقني أنثى، ولم أختر من أنوثتي أن أكون نديمة رجال؛ فقد كان الرجل الأخير سمينًا، مجعلصًا، لا يصلح إلا للضرب على القفا، وقد لاحظتُ أيضًا أنه يغريكِ ويذكر اسم الشركة ذات السمعة العالمية الرهيبة التي يعمل بها.
هي (مقاطعة) : وكانت له رائحة.
هو : شيء مؤسف ومقزز. ولكنك حرة، وأنت اخترت أن يختارك الرجال أو يفرضوا عليك اختيارهم. وأنت أيضًا حرة، ولكن حريتك لا بد أن تتوقف هنا حيث أقول لك. إني أيضًا لاحظت أنك رفضت الرجال وكان أغلبهم منتفخي المحافظ والأوداج؛ لأنك وضعت عينك عليَّ، بل اختلست أكثر من نظرة لي أو ناحيتي. وأنا أحب أن أكون صريحًا معك إلى آخر حدود الصراحة. أنا أحتقر تمامًا نوعك، ولا أستطيع أن أتصور أن إنسانة تبيع جسدها مهما بلغت حاجتها إلى النقود، وأنتِ لا يبدو أنك تتضورين جوعًا، بالعكس في أصبعك خاتم من البلاتين لا يقل ثمنه عن الألف دولار. نوعك أشمئز منه، أحتقره، أتقيؤه وأنا أنظر إليه. وبصراحة أكثر، أنا لا أنتظر أحدًا، لا صديقًا ولا صديقةً، ولكني متعب تمامًا وجلسَتي على طرف الكنبة مريحة وغير مستعد أبدًا لتغييرها.

(عجيب أمرها؛ تسمع، تستوعب، لا تغضب، وكأن الكلام تمامًا غير موجه إليها. خذي إذن.)

هو (مواصلًا) : أحتقر نوعك إلى الحد الذي لا يمكن أن يتصوره عقل كعقلك لا ينفعل حتى بالشتائم. وبلا لف أو دوران. لقد رفضتِ المتقدمين السابقين لك لأنك — لا أعرف لماذا؟ — واضعة عينك عليَّ. وبكل وضوح أقول لك إني مستعد أن أصحب غوريللا ولا أصحبك أو حتى أكلمك، فالمسألة عندي مسألة مبدأ، وأنت وأمثالك أعتبرهن أعداءً. لو كنتُ مجرمًا بالسليقة لقتلتهن. لست زبونك إذن ولن أكون، فإما أن تغادري المكان، وإمَّا ابحثي لك عن زبون، فأنا يضايقني أن أكون السبب في خديعة حتى ولو كانت لمخلوقة مثلك.

(استدارت ناحيته تمامًا، شُدِهَ، المحترفات عنده كائنات ملطخات الوجوه بالماكياج المبالغ فيه، والشعر لا بد باروكة أو مصفف بطريقة تلفت النظر، هكذا كان يراهن ومن على بعد كيلو يتعرف على سحناتهن في القاهرة أو في أي عاصمة دنيوية أخرى. هذه الجالسة بجواره لا تضع إلا القليل جِدًّا من الماكياج. وجهها طبيعي تمامًا أو يكاد، منظارها في استدارة أنثوية صارخة ولكنها غير مقصودة. لو صادفتها في مكان آخر لحسبتها نائبة رئيس العلاقات العامة في هيئة الأمم المتحدة (نائبة وليست رئيسة، فهي أبدًا لا يمكن أن تكون إلا بين الخامسة والعشرين والثلاثين). لا ابتسامة دعوة صريحة لزبون. لا اهتمام صارخ بما يفعل أو يقول. أنفة وكبرياء دون افتعال. محترمة وكأنها تقدس عملها المحترم.)

(بشبح ابتسامة أرجوانية تتواءم تواؤمًا أنيقًا مع «روجها» غير اللامع، تقول):

هي : أفهم من هذا أنك تريدني أن أغادر مكاني؟
هو : أبدًا أنا لم أقل هذا.
هي : إذن لماذا لا تغادر أنت كنبتي؟
هو : هذه ليست لكِ وليست لي، إنها ملك الكافتيريا، البار، وليس في نيتي أن أغير أبدًا مقعدي.
هي : المسألة إذن أنك لا تحب البغايا.
هو : لا هن ولا أشباههن ولا حتى التي تقبل الحب لقاء عشاء أو هدية. إنه لشيء بغيض بغيض، وحتى لا يمت إلى الحيوانية نفسها.

(أدرك أنها تستعمل طرف لسانها الناعم، لا، لا يمكن أن تكون قد بدأت الاحتراف من أمس، إنها أستاذة احتراف. الجملة التالية ستسحب الإجابة من لسانه مهما قاوم وعصلج. ماذا يفعل؟ هذه أول مرة في حياته يجلس فيها كتفًا في كتف إلى محترفة، بله يبادلها الحديث. في إقامته في عاصمته وأسفاره تعرَّض للكثيرات، للهاويات بهدايا وللمحترفات بنقود، ولكنهن كن دائمًا خجولات، حساسات، ما إن يُشِيح بوجهه، أو تبدو عليه سيماء الامتعاض حتى ينصرفن عنه، إمَّا بالنظر إلى الجهة الأخرى أو البحث بقرون الاستشعار الخفية عن زبون آخر، أو في أحيانٍ بمغادرة الجلسة أو المكان. هذه نوع جديد، إمَّا أنها واثقة من نفسها ولا ثقة «نيرون»، وإمَّا أنه النوع الذي لا يخجل، ولكنه يخفف وطء التحايل، أو ربما لديها وقت تريد إزجاءه … أو … وهذا هو الاحتمال الذي يُرضي الغرور حقيقة، فضلته أو تريد تفضيله، لا تداعب غرورك (أنت وليست هي) يا ولد.)

هي : حقيقة لماذا لا تحب المحترفات؟!
هو : لأني أومن أن الحب — حتى الجسدي — لا يُشترى بمقابل.

(ضحكة طويلة، فورية جِدًّا، لا تشبه أبدًا حتى ضحكات نساء نادي الجزيرة، أكثر تحفُّظًا بكثير، على الأقل نابعة من القلب، يعقبها مباشرة، نفس جملته السابقة):

هو : لأني أومن أن الحب — حتى الجسدي — لا يُشترى بمقابل.

(ضحكة أخرى، كمية السخرية فيها أوضح، وموضوع تحتها خط من رموش عينيها وكأنها تضحك على عبيط، أو على الأقل كلام عبيط.)

هو : أفندم (بالعربي)؟
هي : نعم، ماذا تقول؟
هو : أفندم؟
هي : أية لغة هذه؟
هو : لغة.
هي : جريكي؟
هو : لا.
هي : بولندي؟
هو : لا.
هي : من أي بلد أنت؟

(لا أريد أن أنساق، طرف لسانها يتندَّي وكأنما بسائل معطر منزلق، خشونة لسانه، بدأ ريقها يزداد تمهيدًا لما هو أخطر وأفدح، أن يجف تمامًا، لا يمكن أن يحدث هذا، تلك امرأة تبيع أعز ما تملك المرأة بنقود، تعامل جسدها على أنه كومة بطاطس، أو حزمة فجل. الاحتقار يتصاعد من جوفه ليملأ حلقه، حتى رائحتها (برفانها) ورائحته استحالتا إلى رائحة كرائحة سوق الخضار واللحمة في باريس «معدة باريس»، بل تهدد بأن تتحول إلى رائحة كرائحة رصيف الجلود على امتداد الطريق الخلفي لميناء الإسكندرية.)

هو : أفندم؟
هي : من أي بلد أنت؟

(جاوبها يا خجول بغلظة لكي تجلو.)

هو : من مكان ما في العالم.
هي : وماذا تعمل؟
هو : أي عمل.
هي : ماذا تعني أي عمل؟ كل إنسان لا بد له من عمل، ما عملك أنت؟
هو : عمل من الأعمال التي يقوم بها هؤلاء الأنيقون الحليقون المكومون أمامك على مناضد الكافتيريا البار.
هي : بزنس مان؟
هو : مان من غير بزنس.
هي : تحاول أن تبدو غامضًا، لماذا؟
هو : لأني لا آتَمِنُك.
هي : حتى على نوع عملك؟
هو : حتى على نوع عملي.

(واجهتْه تمامًا، يا ألطاف الله! أجمل أنثى، ليس في الكافتيريا البار فقط، ولكن منذ وقت طويل لم يلمح (بله أن يتحدث ويجاور ويحاور ويترازل على فتاة بهذا الجمال)، لا ليست عيونًا خضراء وشعرًا ذهبيًّا وفمًا كفم برجيت باردو: لونها قمحي فاتح أحمر، ملامحها صاغها عقل حساس قاذِف لاقِط. ذلك الجمال الذي صاغه الله بحلاوة، وصاغتْه صاحبتُه وشكلتْ ملامحه بأَحَدِّ ما يكون الذكاءُ بحيثُ مَغْنَطَتْهُ؛ تراه فتنجذب عيناك ولا تريم. فتاة كان تمامًا لا بد يحبها، بل من أجلها يترك أدق مهامه؛ فمن أجلها وأجل أمثالها يُستضاع العمل ويضيع الرجل.

ولكنها تبيع جسدها، هذه التحفة معروضة للبيع.

فجأة ينبثق من داخله حب استطلاع ذئبي تاجر، كالسيدات المصريات المتجولات في أكسفورد استريت يحببن في التو أن يعرفن كم الثمن، وآخر ما يفكرن فيه الشراء.)

هو : كم ثمنك؟!
هي : لمرة أو لساعة أو لليلة أو لشهر؟
هو : يا نهار أبوك أسود!
هي : أنت تتكلم الإنجليزية بطلاقة، فلماذا هذه اللغة الغريبة؟ أأنت خائف أن تواجهني أيها … اﻟ… رجل الذي لا يحتمل فكرة أن تعرض عليه سيدة نفسها بمنتهى الصراحة والمواجهة والوضوح.
هو : كنت أسبك.

(بمنتهى بذل الجهد قالها.)

هي (بمنتهى البساطة والتفتح) : أي نوع من السباب، لدينا في نيويورك أشهر أنواع السباب. (بول شيت) — أي تبويلة الثور — إلى كافة أنواع الإفرازات والفتحات والنتوءات.
هو (مكملًا) : وأجساد الأمهات والآباء والأخوات.
هي : لا أفهمك.
هو (مهاجمًا) : وهل تبويلة الثور مفهومة؟! كل الشتائم أصلها غير مفهوم، وحبذا لو لم تكن مفهومة؛ لأنها حينئذٍ تصبح أقذع أنواع الشتائم.
هي : وهل كنت تشتمني؟
هو : كنت أندهش شاتمًا.

(وقرر أن يصمت، مهما حاولت لن يتكلم، استدار إلى الكافتيريا البار. معظم النساء الحاضرات لا تعرف إن كن محترفات أو غير محترفات. (لم يعد ثمة فارق على الأقل في هذا المكان الغاص.) أحتقر النساء الحاضرات والغائبات والجميلات والقبيحات.

كل منهن استعار منها (أو أعارها هو) قناعًا منها، فقد كان من الواضح أنها تملك سبعين قناعًا.

نظرت ناحيته، أطالت النظر، الابتسامة تحولت إلى ابتسامة «شغل» أو «شبه شغل».)

هي : كنت تسأل عن ثمني؟

(احتار، يجيب ويفتح باب حديثٍ وارَبَه تمهيدًا لإغلاقه؟! شيطان داخلي صغير جِدًّا من حب الاستطلاع ينقر كتكوتيًّا قشرة إرادته التي لا تزال رقيقة كقشرة بيضة نيئة.

صمت.

أجابت بابتسامة أدركت بذكائها أنها حملتها أكثر مما ينبغي الموقف من «بيزنس»، رغم النور الخافت والمخفت والمصوَّب لمح في عينيها شيئًا دقيقًا جِدًّا، واهنًا جِدًّا، ولكنه قطعًا وبالتأكيد يَمُتُّ إليه.

رئيس الجرسونات، بدلة سوداء أنيقة خليقة بسير مايلز لاميسون آخر مندوب سامٍ لبريطانيا في مصر، ولكنه أكثر منه وسامة ونحافة واستقامة. وجهه صخري وكأنه كبير القضاة في محكمة نقض، جاد، أقبل عليها، ظنه على طريقة زملائه في عواصمنا جاء يطردها أو يستدعيها، فقد لمح أجمل شعر فضي — أجمل من شعر عمر الشريف — يهمس له من مقعده العالي في زاوية البار البعيدة. كان قفاه وشعره الخلفي المفضض المفلفل هو الذي يواجهه، إذ بعد همسته ﻟﻟ «ميتر دي بلاس» استدار مواجهًا رجلًا سمينًا بيضاويًّا أسمر يضع فوق رأسه غطاءً آسيويًّا.

جاء الكونت جرسون، بوجهه الجاد الدءوب، انحنى على أذنها، بضع كلمات، استمعت، ابتسمت، هزت رأسها رافضة، ببطء، ونظرات موجهة إلى مقعد الداعي البعيد ومؤدبة أيضًا ومبتسمة رفضت.

من الواضح أن اختيارها تم، وأنها استقرت عليه — نقبكِ على شونة — يا سيدتي المومس المحترمة.

ناحيته، بلا ابتسام.)

هي : كنت تسأل عن ثمني؟

(كسر الكتكوت المستطلع قشر البيضة وأطل برأسه إطلالة مرعبة، إطلالة أول مرة تتفتح عليها عين كتكوت ما رأى العالم ولا رأى شيئًا أبدًا، وفجأة عليه أن يسأل ويعرف ثمن البغي الجالسة في بار الكافتيريا النيويوركية أكثر احترامًا واحتشامًا من — على الأقل — جاكلين أوناسيس، بل وأكثر جاذبية وجمالًا. من ذلك النوع الذي يتحول فيه كتكوته المدهوش إلى ذئب كازانوفي جيجولي مستعد لكسر القشرة الأرضية كلها والدخول في الحال إلى منطقة فقدان الوزن والجاذبية الأرضية والشمسية والقمرية والمجرية حتى.)

هو : نعم، كم ثمنك؟
هي : للمرة مائة دولار، لليلة ثلاثمائة.
هو (مواصلًا وكأنه عادل إمام أو فؤاد المهندس، فالريحاني رحمه الله كانت ستفر من عينه دموع المسكنة) : وثمنك لشهر بأكمله؟
هي : إذا أعجبتُك ثلاثة آلاف (السعر هنا مخفض لأنه كما ترى بمعدل مائة دولار في الليلة الكاملة الواحدة).
هو : وإذا لم تعجبيني؟
هي : أعتقد أني أتحدث إلى رجل ذكي، كيف لا أعجبك لليلة وتريد السؤال عن ثمن شهر؟

(نبتت نقطة عرق باردة واحدة في أخدود رقبته من الخلف، وكأن شعر قفاه أمطرها، رذة صيف.

إنه أمام امرأة ذكية جِدًّا، هذا ليس حوار بغايا. أول مرة رآهن كان طالبًا في الجامعة، وكان زميله في الشقة يغواهن مثل أبيه، بل أحيانًا كان الأب والابن يشتركان معًا، واشتهر هو بحجرته واشتهرت كذلك شقتهم بين بغايا شارع قصر العيني والمنيرة وحتى المدبح، وكان فتيات آخر الليل، على الأقل أولئك اللاتي لم يظفرن بزبائن، قصيرات نحيفات متواضعات الملابس والهيئة، معظمهن فيما كان يعتقد يعانين من أمراض سرية، بل إنه عالج واحدة منهن من الجرب، وظلت الشقة تحفل برائحة الكبريت زمنًا. كن يأتين، ثلاثًا، أربعًا وربما خمسًا ينمن في الصالة، على البلاط، بلا غطاء، على الأقل هذا مأوى أحسن من الشارع وعمود النور، ما إن يضعن رءوسهن على البلاط حتى يذهبن في نوم عميق. واحدة منهن كانت تستيقظ وتوقظهن فزِعة تصرخ من كابوس مزعج، فسرتْه لهم في لحظة رعب أنه عمها الذي رباها واعتاد أن يضربها وينالها، ولماذا الصراخ؟ لأني اعتدت على أن أنام مضروبة معتدى عليها، ولماذا الفزع؟ لأن النوم العادي يسبب لي الكوابيس، العادي يسبب الكوابيس؟ أجل، كابوس أن أموت؛ فالضرب يشعرني أني حية، والاعتداء يجعلني أهفو وأحلم وأعيش على أمل ليلة أخرى.

لك الله يا عوض، دفعه حب الاستطلاع ذات مرة لتفتيش كيس نقود واحدة منهن (فلم يكن لأيهن سوى واحدة — اسمها تحية — حقيبة يد) في الكيسة خمسة قروش وتعويذة زرقاء، وبضع «بنسات شعر» وخطاب قديم جِدًّا من أخيها ليس فيه سوى إهداء السلام. أمَّا المحير فهو زجاجة صغيرة مملوءة لآخرها بصبغة يود مركزة، حسبها تستعملها للتطهير بعد مزاولة الشغل، ولكن في الصباح كان حب الاستطلاع أقوى، فصبغة اليود كاوية لاهبة، اعترف لها بتفتيش الكيس، وسألها عن صبغة اليود الزجاجة، بلا دراما مستقاة من الأفلام، وبلا انفعال قالت: هذه لأشربها إذا أمسكوني.)

– مَن؟!

– بوليس الآداب.

– ولماذا تشربينها؟ إن هي إلا بضعة أيام حبس ولا تستدعي الانتحار.

قالت: معظمنا لدينا زجاجات مثلها، ومن علمتني الكار علمتني احتياطيًّا حمل الزجاجة.

– لتنتحري؟

– وإيه يعني!

– تموتين؟!

– إني أعيش كالكلبة، ولا يجري ورائي سوى كلاب الصائدين (تقصد أفقر صائدين، أفقر من الكلاب الضالة.)

– إذن لماذا لا تزالين تعيشين، ولماذا لم تشربيها إلى الآن؟

– الروح حلوة، وهذه آخر ملجأ.

– هل استعملتها؟

– لا، واحدة زميلتي عملتها.

– وأفاقت؟!

– لا تزال بالمستشفى، وعلى العموم ماذا يحدث؟ سيحدث واحد من اثنين إذا انزنقت: إمَّا أن أشربها وأموت وأستريح من لف الشوارع ونوم البلاط والكي بأعقاب السجائر جلبًا للمتع الجنسية الشاذة، وإمَّا ألا أموت ويأخذوني إلى المستشفى، بوليس آداب القسم غصب عنه يأخذني إلى المستشفى، ورغم ما يصورونه من دخول أنبوبة غسيل المعدة فهو كله أنابيب وكله سائل وإدخال وغسيل، إنما المهم أني سأضمن أن أقضي عدة أيام بالمستشفى، أكل وشرب ونوم، ولا توجد رائحة رجال.

– ولكنك ستخرجين مرة أخرى للكلاب الصائدين.

– أي نعم، ولكني أنتهز فرصة وجودي بالمستشفى وأعبئ زجاجة أخرى من صبغة اليود المركزة.

– من يعبئها لك؟

– التومرجي.

– ببلاش؟

– لا شيء ببلاش. خمس دقائق مع التومرجي في مرحاض من مراحيض قصر العيني الكثيرة.

هي : إنك تبدو ذكيًّا جِدًّا، فراستك لم أرها في إنسان، ولكنك أحيانًا تقول أشياء … آه … أشياء لا تتفق مع ذكائك، آه فهمت، أنت عالم، أستاذ جامعة أنت، لا، أنت أصغر من أستاذ، مخرج مسرح، كنت سأقول إنك ممثل. ولكني لم ألحظ أنك أديت معي لحظة واحدة من التمثيل، من أنت بالضبط؟ ومن أي بلد؟ وماذا تعمل؟

(مصرة هي أن ينزلق.)

هو : وماذا يهمك يا سيدتي من أكون أو ماذا أعمل؟ لم أصبح بعد، ولن أصبح زبونًا ينزلق، فماذا يفيدك أن تعرفي من أكون؟
هي : لأننا نتحدث، إننا تحدثنا الآن نصف ساعة بأكملها، ولقد عرفت أنت من أنا، وللآن أنا لم أعرف من أنت، وهذا … وهذا …
هو : قلة ذوق.
هي : لا، اسمح لي هناك كلمة أليق … الخوف، أنت خائف مني إلى غضاريف مفاصلك، أشعر بمشدات ركبك الداخلية ترتجف، ماذا يُرعِبك؟
هو : صبغة اليود المركزة.
هي : صبغة اليود المركزة؟
هو : نعم، في حقيبة مومس مثلك.
هي : حقيبتي ليس فيها من سوائل غير رائحة «الأستيلويدر» أحدث وأروع بارفان في العالم اليوم. شم.

(فتحت الحقيبة، أخرجت زجاجة البارفان، فتحتها. أمسكت يده فجأة، صبت على ظهر يده نقطة، اشتعلت النار في الجلد وكاد يُطلق صرخة تعبر الأطلنطي على متن كونكورد، بدا الألم المروع واضحًا على معالمه.)

هي : شمها، إنها أعظم بارفان اكتشفته سونيا ماجدلينا، شم.

(شم رائحة تحت الإبط لسيدة لم تعتد النظافة، ورغم هذا فالجو يحفل خارج — نقطة جلده — ببارفان تسكر رائحته وتعم جو الكافتيريا البار، وتحيل رائحة المشروبات «وفواكه البحر» والدخان المتصاعد من السجائر والسيجار إلى بخور في معبد هندي لا يدخله إلا الرهبان، ليستعينوا بما تشيعه الرائحة من قِدم ضارب في أعماق الكهنوت والأسرار، القِدم جنبًا إلى جنب مع حداثة حملت الإنسان إلى القمر وأطلقته أثيرًا في أثير، ولكن بقعة جلده (يعيد شمها) مصدر هذا كله فلا يجد سوى رائحة تحت الإبط الحامض بالعرق، وينتقل البواخ المتصاعد منه يجعد ملامح وجهه ويغلق طاقَتَيْ أنفه ويحس بالمعدة وصلت للهاة اللسان.

تنظر هي إلى ملامحه مرة، تتحسس بفمها شمًّا رائحة المكان، تضعه على ظهر يدها وتستسلم للرائحة تدغدغ وتخدر خياشيمها الفراشية، يستحيل وجهها هو الآخر إلى أثير، ثُمَّ يندك فجأة إلى سابع أرض إثر لمحة إلى ملامحه.)

هي : إنه أغلى عطر في العالم، ألا تعرف هذا؟
هو : أعرف.
هي : أتعرف كم ثمنه؟
هو : أجل.
هي : كم؟
هو : خمس دقائق في مرحاض من مراحيض قصر العيني.

٢

هي : أنت «معقد» يا عزيزي عقدة خطيرة، أتعرف لماذا تكره تمامًا أن تزاول الحب مع امرأة محترفة؟

(أن تتحدث مع شخص، حتى لو كنت تكرهه، وتمضي في الحديث فإنه يحدث رغمًا عنك وعنه نوع من المعرفة، والمعرفة تقلل رغمًا عنكما العداوة، أو بالأصح تدفع بها إلى مناطق عدم الانفعال المباشر، يعرف لماذا يكره المحترفات، ولا حاجة به أن يعرف المزيد.)

هو : لأني أقدس الجسم البشري وبالتالي روح الإنسان.
هي : ماذا تعني بتقديس الجسم البشري؟ أم تقصد الجنس البشري.
هو (لنفسه) : يا بنت الحرام وربيبة الحرام، كفِّي عن تدقيق المعاني، فلا أنت برتراند رسل ولا رئيس المجمع اللغوي للتعبيرات السكس جسدية. نعم لأني أقدس الجنس البشري، وبالتالي أقدس الجنس نفسه والعقل نفسه والإحساس البشري نفسه، فأنا لست ثورًا، والمرأة ليست معزة أو بقرة، ولأني لست كلبًا ضالًّا والمرأة ليست كلبة مُصابة بسعار.
هو (لها) : أفهمتِ ما لم أنطقه؟
هي : أنت نصف مثقف، رغم أني أعرف الآن عنك على الأقل ثلاثة أشياء!
أوَّلًا: أنت كاتب.

ثانيًا: أنت لا زلت طفلًا عاطفيًّا ونفسيًّا.

ثالثًا: ويبدو أن السبب الحقيقي أنك استكثرت ثمني.
هو : تريدين أن تزاولي طريقتكم المحببة: الهجوم والاتهام، لأقف أنا موقف المدافع قليل الحيلة.
هي : لا أريد أن أثبت لك أني أنا المرأة المحترفة أفهم في الطبيعة البشرية أضعاف ما فهمتَ أنت بكل خبرتك ودراستك وموهبتك.
هو : أنت المرأة المحترفة بيع جسدها! (قالها باشمئزاز من تخيل أنها تعرض لحمها الحي في فترينة (ديب فريزر) في سوبر ماركت حديث، ولحمها ملفوف في ورق نايلون ومقطع قطعًا، الساعة بمائة دولار والليلة بثلاثمائة وهكذا.) مرة أخرى أقول لك: المرأة المحترفة بيع جسدها.
هي : تسمونها هكذا في بلادكم، من أي البلاد أنتَ؟ ملامحك لا شرقية ولا غربية ولكنها مسَّت فيَّ شيئًا.
هو : لن أقول لك أبدًا من أنا وماذا أعمل، وحديثنا طال، ولكن الغريب أني لم أزهده، مع أني بصراحة محتقر مبدأ الحديث.
هي : أنت لم تزهده لأنك تحس أنه يقترب بسرعة كبيرة من تعريفك من تكون أنت بالضبط.
هو : أنا إنسان هذا العالم وهذا العصر.
هي : أنت إنسان أمك وأبيك وعائلتك ومجتمعك، وتَوَقَّفَ نموك العاطفي والوجودي.

(أهو يحلم؟ «مومس» بكل معنى الكلمة، تتكلم بكل معنى ومنطق وحتى مصطلحات، ليست مثقفة عادية، ولا حتى طبيبة نفسية، ولكن هذا فوق الاحتمال.)

هو (وكأنه أُهين) : تقولين توقف نموي العاطفي النفسي؟ (لم تقل هذا التعبير ولكنه إضافة من عنده ليكون فوق كل ذي علم عليم.)
هي : أجل، أنت مكسح.

(علَّمه المجتمع الأوروبي الأمريكي الغربي، بل ربما كافة المجتمعات، أنك إذا لم تهاجم هُوجمت، وإذا ملكتَ فصاحة وحدَّة الهجوم كسبت القضية، أدبنا الزائد ومعاملتنا الدمثة اكتسبناها من كثرة ما تحدثنا بصوت خافت جِدًّا، لا نسمعه حتى لا يسمعه طغاتنا. في الحقيقة غاظته كلمة توقف نموك.)

هو : هل ترينني قزمًا؟
هي : جسدك فارع، وقد لمست فخذك عن غير قصد، عضلاتك ليست لينة يكسوها دهن الحياة اللينة التي يبدو أنك أصبحت تحياها، عضلاتك — كل عضلاتك — هي الرَّجُل الناضج الوحيد فيك.
هو : أنا كاتب أيتها اﻟ…

(التردد هنا معناه أنه بدأ يشك في الوصف والصفة.)

هي : قلها. أتحسب أني أخجل منها؟ الجميع هنا يعرفون أني مومس. أنا أقدم نفسي هكذا. ولماذا أخجل؟ أنا هكذا، فعلًا مومس، وهل يخجل أحد من وظيفته؟
هو : ولكن مهنتك مخجلة؛ فاللص يعمل لصًّا، ولكنه لا يفخر بعمله إلى درجة تقديمه لنفسه على أنه لص.
هي : لأن اللص كلمة لا يطلقها على نفسه، وإنما الناس هم الذي يصفونه بها. ثُمَّ إن اللص يسرق ما لا يملك، وأنا أعطي ما أملك. الحقيقة أن الناس هم الذين يسرقون مني وليس العكس، وحتى معظم الناس يعتبرونها أحيانًا مجرد تعبير آخر لمهنة «رجل أعمال»، وأنا أيضًا «سيدة أعمال» بطريقتي، وأنت الآخر «رجل أعمال».

(كالأمطار الهادرة الغزيرة تكاثرت عليه الخواطر، فجأة دوَّى في الخارج أعنف انفجار سمعه في حياته، خُيِّلَ إليه أن الكرة الأرضية نفسها اصطدمت بكوكب ضالٍّ في الفضاء. ولم يكن الأمر سوى رعد نيويورك والساحل الشرقي. رعد يزلزل طبول الآذان، فتدق دقات الرعب والهلع. رعد لم يسمع بمثله في حيته، وبرق حقيقي لم يره إلا في أفلام السينما. هو لأول مرة بخلفية وأمامية من رعد وبرق يقف مجرَّدًا من كل هالاته أمام امرأة عملها أن تتعرى، ومع هذا فهي أمامه في كامل ملامحها وملابسها، وهو الذي يرتجف بردًا ورعدًا، وبصراحة رعبًا وخوفًا، في بلده يكفي أن يقول فلان حتى تنحني الأفكار وتنطق النظرات بآيات التمجيد والتسليم. خلال عشرات الأعوام تكونت له قلعة من أفكاره وشخصيته وعقله وفراسته وذكائه وموهبته. يخجل حين تنحني النظرات أمام قلعته، ولكن حين يصبح الخجل عادة والتسليم هو القاعدة، يستحيل إلى نوع من الجبروت المطلق والفرعنة، وفيه وفي كل إنسان فرعون محبوس ينتهز الفرصة ليتسيد.

هذه امرأة عرفته تمامًا ولم تعرفه أبدًا، حادثها وكان الحديث محاكمة واضح أنه فيها المتهم. هو دائمًا حين يتكلم تنبع الكلمات من مصدر في داخله يعرفه تمامًا، مصدر التلقائية والصدق، هذه المرة، الكلمات ردًّا على صراحتها، موضوعيتها، وقاحتها، تخرج كالعادة تلقائية وصادقة، ولكن المصدر، المصدر الذي كان دائمًا متأكدًا من صادق وجوده وصفاء صدقه، بدأ يهتز إيمانه به، اختلطت الكلمات بعروق الصدق والكذب، لم يعد بالضبط يدرك، الارتباك يهدد بأن يصبح شبه تام.

فليمسح هذه المرأة من على ظهر الوجود، وجوده على الأقل، بل فليمسح المكان نفسه من الوجود.)

هو (بصوت مبحوح بالغيظ ومشروع جريمة) : اسمعي يا بروفسيرة.
هي : نعم أيها، أيها الطالب. (ضحكة ذات ذيل.)
هو : دَعْكِ من هذا العبث الذي ضيع وقتي ووقتك. لقد جئت إلى هذا المكان متعبًا بعد يوم حافل شاق أريد ساندويتشًا و«جنجرايل»، وقلت لك مرارًا وتكرارًا إني لست ولن أكون زبونًا لك أو لأي ممن هن على شاكلتك، حتى لو قالوا لي إنك في الأصل ملكة أو ابنة ملك، حتى لو قالوا إن لم تفعلها فستنتحري. اسمعي، أنا بالتأكيد أعرف أنك أضعت وقتي، ولكنني لست متأكدًا تمامًا أني أضعت وقتك. ورغم هذا، ولوجود هذا الاحتمال، فإني سأقدم لك مشروبًا أعوضك به عن الوقت الضائع.
هي : أنت غير مضطر لهذا أبدًا، وأنا أرفض، أنا لم أكن معك في «بيزنس» أو عمل، لقد كنت أزاول حديثًا مع صديق أو شبه صديق، لا ثمن له.
هو : تريدين أن تقنعيني أنه لا تزال لديكم بعض الاعتبارات؟ إن ما أزعجني في كلامك أني تبينت منه، بل وضعت أصبعي على نوع من التحلُّل المروع. لا أقول حضارتكم، ولكن أخطر ما في هذه الحضارة، وأي حضارة، المرأة فيكم. أنتن نساء مخربات روحيًّا وعقليًّا وفلسفةً. والذي يذهلني أنكن تستطعن وجود الزبائن من الرجال، رجال نشئوا في مجتمع مفروض أنه راقٍ وأنه غادر تلك المرحلة البدائية التجارية الحريمية من علاقة الرجل بالمرأة، كيف يقبل رجل يعيش في أرقى بلاد العالم في النصف الثاني من القرن العشرين أن يحصل على امرأة، جسد امرأة، بصرف النظر عن أي إحساس آخر لديها، مقابل بضعة دولارات ينقدها إياها ثمنًا لأنها قبلت أن تتعرى له من داخلها وخارجها؟! إني لمشمئز من حضارة تصعد بسمو علمها إلى القمر ولا زالت تنحط بجسدها إلى مدارك الرقيق الأبيض والأسود، مشمئز لامرأة مثلك. وأنت لست سوى واحدة من جيش عرمرم، امرأة ذكية مثقفة، واسعة الاطلاع والخبرة، جميلة، أجمل من ممثلات أي سينما، أن تزاول عملًا يمكن أن تفعله أي متخلفة عقليًّا، فهو لا يحتاج إلا … طبعًا أنت تدركين ما أعني. كيف تقبلين أنت التي تبدو حساسة ومرهفة الحس، أن يحتويك بكلكله وربما بكرشه وعرقه ولزوجته ورائحة فمه المخمور في مقابل، في مقابل ماذا؟ إن أي مبلغ من المال لا يساوي لحظة واحدة يسقط الإنسان فيها روحه إلى هذه المجاري الشعورية النتنة.
تتحدثين بمنطق وذكاء وخبرة، ولكنها أشياء جمعتِها من فوق ملاءات الأسِرة القذرة، جمعتِها مما لحقك ولحق روحك من كدمات وجروح، ذكاء من باع نفسه ليشتري عقلًا يقتل به البقية الباقية من روحه وجسده. لقد بدأت حديثي معك مشمئزًّا منك، والآن أحس أني مشمئز من نفسي، مشمئز أني أضعت كل هذا الوقت مع إنسانة نظيفة الخارج تمامًا، موبوءة الداخل، وأقذر شيء ليس هو أن يبدو الإنسان قذرًا من خارجه، فربما نظافته الداخلية تُضفي على روحه إشعاعًا يغفر له بقع الخارج.
هي : اسمع، سأقضي معك الليلة كلها لقاء مائة دولار.

(دون أن يُجيب، وبوجه يعرف أنه إذا تجمد بدا قاسيًا مرعبًا من قسوته، بدأ يجمع أشياءه وهو يحس باشمئزاز للجنس البشري كله، للصناعة والنهضة والفلاسفة والفن وصناع الأخلاق، فما فائدة هذا كله؟ وإنسانة مثلها يبدو أنها قرأتهم جميعًا، ومع هذا فلم يفلح أيٌّ منهم، وربما لم يكن أيٌّ منهم صادقًا إلى الدرجة التي كان لا بد أن تقنع إنسانة مثلها أن الإنسان شيء آخر غير عربات الرش والمراحيض.)

هو : أوَّلًا إن كل ما معي عشرون دولارًا، ولو كان معي عشرون ألفًا أو عشرون مليونًا وطلبتِ أنت دولارًا واحدًا لقاء ليلة لآثرت أن ألمع به حذائي، فعلى الأقل سأنظف به شيئًا ولو كان حذاءً.
هي : اسمع، دعنا نتكلم «بيزنس»، جرِّب، من أجلك سآخذ عشرين دولارًا فقط، على شرط إذا أمتعتك تعطيني مائة.
هو : أنت قطعًا متخلفة عقليًّا، ألم تفهمي بعدُ أن المسألة الجسدية المحضة لا تعني أية متعة بالنسبة لإنسان مثلي؟!
هي : ولكنك لا تستمتع بها لأنك لم تنضج بعد للمتعة بها، وأنا التي سوف أُنضِجك.
هو : لم أنضج بعد للمتعة بها؟! إن الذي يستمتع بهذا الشيء الجسدي المحض هو المراهق وحده، ولكن إنسانًا في قمة تفتحه العاطفي والوجداني والإحساسي لا يمكن أن تمتعه مجرد تجربة جسدية لا علاقة لها بالشعور المتبادل أو الإحساس.
هي : ذلك لأنك كما قلتُ لك لم تنضج بعد، إن العاطفية والإحساس المتبادل وما تسمونه الحب قبل التلامس كلها أعراض طفولة الرجل أو المرأة، والنضج الحقيقي هو المزاولة الحسية والاستمتاع بها دون أي مقدمات.
هو : اسمعي أيتها البروفسيرة، آراؤك تلك احتفظي بها لنفسك؛ فأنت في رأيي إنسانة فعلًا محترفة لا علاقة لها بالإحساس أو بالشعور أو حتى بالإنسانية.
هي : اسمح لي.
هو : لن أسمح أو أسمع لك. أنا صحيح أومن بمبدأ، ولكني إنسان عادل، وكان ممكنًا أن تكسبي مع غيري في المدة التي استغرقها هذا الحديث، ولكن تقديري أنا لوقتك وما أضعتِه من وقتي، يجعلني أحس أن العشرين دولارًا كرم مني زائد عن الحد. ها هي ذي، وإلى غير لقاء.

٣

(في الفندق تعليمات تقضي بأن «تتربس» باب الحجرة جَيِّدًا ولا تفتح لطارق إلا بعد مكالمة تليفونية من الاستقبال، وإذا فتحت الباب أن تبقيه «مشنكلًا» بحيث يسمح لك برؤية الطارق من خلال الباب الموارب، كل هذا لم يكن موجودًا في الستينيات، في السبعينيات والثمانينيات، مع موجات العنف وجرائم العدوان حتى على رواد الفنادق، جاءت هذه التعليمات.)

(طرْق على باب حجرته.)

هو : من الطارق؟
صوت : أنا
هو : من أنت؟
صوت : المدير الليلي للفندق.
هو : ولكنك سيدة.
الصوت : أنا المديرة السيدة.
هو : لا يا سيدتي المديرة، أنت هي، ولا داعي للكذب الساذج، أنا بملابس النوم وقد سئمت المطاردة، وإذا لم تتركيني فسأنادي المدير الليلي للفندق فعلًا، وسأستعين بالأمن وربما البوليس أيضًا.
هي : أرجوك، أنا لم آتِ كمحترفة، لقد جئتُ كصاحبة رسالة، وأنت رجل مهم، مسألة حيوية تمامًا أن تقتنع برسالتي. أنا أخاطب، وأرجو، الفنان الذي فيك.
هو : لست فنانًا، أنا الآن حيوان غاضب، فاحذري غضبي.
هي : عليك أنت أن تحذر رضاي، فكما قلت لك إني صاحبة رسالة، ورسالتي أهم لديَّ من أية كرامة شخصية.
هو : من فضلك، صبري نفد، ورسالتك مهما كانت فإنها لا تهمني في شيء.
هي : بل تهمك جِدًّا.
هو : قلت لك صبري نفد.
هي : بل شجاعتك هي التي نفدت، أتخاف من امرأة صاحبة رسالة؟!
هو : إذا كانت امرأة رسالتها التجارة في جسدها فهي قطعًا تخيف.
هي : ولكني لست كذلك، أنا رسالتي تضميد جروح الرجال، أنا طبيبة.
هو : طبيبة بيطرية.
هي : بل طبيبة ومعالجة نفسية، وأرجوك، هذه بطاقتي، اقرأها بسرعة فثمة أناس قادمون، وأنا لا أريد مشاكل لي أو لك.

((تدفع بالبطاقة، البطاقة لا يمكن تزويرها، عليها صورتها بالألوان، مستشفى سنترال بارك، باميللا جراهام، سيكولوجست معالجة نفسية) المستشفى واحد من أكبر مستشفيات نيويورك، بل أمريكا، البطاقة حقيقية. المرأة هي امرأة الكافتيريا البار فعلًا، مجرد وجود البطاقة قَلَبَ الأمور رأسًا على عقب، ما كان يبدو تبذُّلًا خفيًّا في ملامحها أصبح له عمق ثقافي. الاحتقار الهائل توقف وانتفضت الحيرة كنافورة مياه ساخنة طال اختزانها تحت سطح الأرض.

أول خاطر داهمه أن حديثها معه الليلة لم يكن وليد الصدفة المحضة، وأنها مسائل مرتبة، ووجود إنسان من العالم الثالث في مثل تلك المجتمعات المتقدمة، حتى في جرائمها متقدمة، يجعله طوال الوقت يعيش حالة التوجس القصوى.

إذن هي مسلطة عليه، أو ربما اخْتِيرَت خصيصًا لاغتياله؛ فهم بارعون حقًّا يعرفون أن نصف عقل الرجل الشرقي يطير لمجرد أن هذه امرأة، وأن النصف الآخر من السهل إلغاؤه إذا داعبتْ، حتى بأصبعها الخنصر، جلده.

أمَّا أن كونها امرأة فيعني أنها وسيلة غير مضمونة للقتل أو لما هو أدهى، فتلك أيضًا خدعة أخرى؛ فالمرأة، في مثل هذا المجتمع الشرس المتقدم، تعلمت من الرجل الشراسة، بل أصبحت هي التي تسقيه إياها.

فجأة يضحك ضحكة، نصفها حقيقي صادر من القلب، ونصفها كذب مبالغ فيه يغطي به خوفه.)

هو (محدِّثًا نفسه) : ولماذا يفكر أحد في قتلي هنا؟ ولماذا يلجئون إلى طبيبة نفسية متنكرة على هيئة فتاة ليل، أو فتاة ليل متنكرة على هيئة طبيبة نفسية، لتنفيذ مؤامرة اغتياله، وقد كان هناك ما هو أبسط؟

(ثُمَّ لماذا يقتلونه أصلًا؟!

ومن هم الذين يهمهم قتله؟

بل حتى إذا كان السبب السرقة فهو لا يملك الآن سوى سبعة دولارات وبعض أرباع الدولار، ثُمَّ «شيكات سياحية» لا يستطيع أحد صرفها سواه.

فعلًا، إنسان قادم من العالم الثالث بكل هواجسه ووساوسه، وله كل الحق، تجاه عالم أول متقدم، وأكثر وأعظم علامات تقدمه سهولة ارتكاب الجرائم فيه، رغم كل احتياطات الأمن ونعيق بوم عربات البوليس والإسعاف والمطافي. كلما نعق البوليس ازدادت المطاوي والمسدسات وكثر قطاع الطرق. الإنسان العادي، والغريب بالذات، مشدود العقل والأعصاب بين بوليس ينعق بلا فائدة، وجرائم تُرتكب في صمت وبيد مجهول، وهكذا المهزلة، البوليس معروف ينعق، والمجرم كامن يَنْقَضُّ لا يعرف أحد متى ولا كيف يظهر.

أو أحيانًا إذا ظهر، ظهر على هيئة … هيئة بطاقة، تنكُّر آخر، لِمَ لا يكون طبيبًا أو طبيبة أو إمعانًا في التنكر معالجة سيكولوجية؟

لحظة، جزء من لحظة، فاصل حاد كنصل الموسى، بين طفل كان مدرس العربي يخبطه على رأسه المحلوقة ويقول له: اقعد يا أصفر يابو علة. ومدرس الرسم يعلق رسوماته في الفصل شهرًا ليسخر من بشاعتها التلامذة والمدرسون وحتى عم رجب الفراش. تلميذ كانت تقول عنه امرأة أبيه: لو نفعت أبقى أحلق مقصوصي. من بذور حشائشه تنمو هلعًا ورعبًا وخوفًا من الأشجار العالية المنقبة الباسقة، فتتسلل متخفية تحت الأرض، وإذا واتتها نوبة جرأة عاتية وتغلبت على خجلها وترددها تظل ترتعش من الحشرات والديدان وأبو قردان، وإذا كبرت حصدها الموت المبكر أو حفر قنال السويس، أو حرب يُساقون إليها بلا محاولة واحدة لشرح كنهها أو أحيانًا بمجرد الجري وراء الأوتوبيس، حشائش كانت أجياله وأجيالنا، مجرد مرعى للثيران، مزود للأحصنة والحمير، وطعام للخرفان والديكة التركية المنفوخة.

وهو وحده مع امرأة كهذه من «حضارات متقدمة كونية» تفخر أنها بغي، لا ذرة واحدة من الخجل أو التأنيب. هو الخجول؛ لأنها لا تخجل لا منه ولا من مهنتها ولا مما فعلته معه، ولا حتى لكونها في النهاية تفعل هذا كله وهي طبيبة معالجة، يسمونها في بلاده قلة أدب، وعيب وعيون فاجرة يندب فيها الرصاص، يسمونها كذا وكذا وكذا …

ولكن للقواعد شواذها، وهو الذي بدأ حشيشًا متخفيًا في الأرض تجاسر ورفع ذرات التراب وأكوام الطين، وشق برأسه السطح، قاوم الشجر السامق واعتلى جذوره ثُمَّ سيقانه ثُمَّ استقل لتصبح له أساساته ويستقيم وتستطيل جذوعه، ولا يمضي طويل وقت حتى يصبح أطول من الكافور وأشد استقامة وأوراقه أحد من أوراق الصنوبر.

وفي الرحلة من تحت الأرض إلى فوقها، إلى متسع السماء، إلى الهيمنة على الغابة ركبته الأمراض والعلل، وكادت الجذوع الضخمة تقتله خنقًا؛ فإذا نجا منها نالته الأعشاب المحلية المتطفلة، وهزم السامق والمتطفل والزاحف والقاهر والظافر، وحفر الأرض وشق الهواء وأصبح أطول سارٍ لأكبر سفينة، وعدَّى البحر وخاض المعارك وأفرج عن الأسرى واحتجز السبايا من الملكات إلى الجاريات ليصبحن حريمه. بقوة خارقة كامنة فيه فعل هذا كله، بساعده الأيسر والأيمن والأوسط والأعلى والأسفل، أتخيفه بعد هذا امرأة؟!

ولكنه فعلًا خائف، لأول مرة خائف.

حتى لو كانت مومسًا بكارنيه طبيبة، أو طبيبة بكارنيه ضابط بوليس آداب.

فهو خائف.

فهم لم يأتوه هذه المرة بمن على شاكلته أو هواه.

ولكنهم جاءوا له بنقيض.

بنقيضته.

نقيضة تثمله من أول الرجل الشرقي الكامن فيه يسحره البنطلون الطويل والقصير والبنطلون الأقصر الساخن، يسحره المايوه ترتديه أنثى بيضاء، ذات جسد وكأنما عبقري المقاييس، تلبس قبقاب الزحلقة على العجلات، وبرقصات باليرينا تتأرجح وسط الشارع الخامس والسادس والثالث. تتراقص ذات اليمين وذات اليسار، تتمايل مع موسيقى لا يسمعها أحد، فهي تتلقاها من راديو ترانزستور خفي لا تظهر منه سوى سماعات ستريو فونيك تضعها فوق أذنيها، تمنع عنها ضجيج الشارع وتسري بموسيقاها خلال «القد الملبني المياس»، فترى أنت المار أو الواقف الموسيقي، تراها معزوفة فوق الجسد ذي المايوه والقبقاب الراقص، تراها واقفًا فتسير، وسائرًا فتقف؛ فالجسد الراقص قد تحول إلى إشارات مرور حمراء وصفراء وخضراء تُوقِف المرور وتُسَيِّر المرور، وتُوقف شعر الرأس وتدير الرأس، ويل للأعين وهي ترى السيقان تتباعد لتعود تنحسر وتضيق، تراها تتقدم باليمين وتتأخر باليسار، ويميل الجذع إلى الأمام ليعود يتقوس إلى الخلف ليتقوس العالم حتى لا تفوته انحناءة من انحناءات قوس الجسد.

وبكامل خوفه ورغبته فتح الباب، ودخلت.)

هي : أممكن أن أخلع معطفي؟!

(حتى لو كانت قاتلة، وسلطوها عليك لتقتلك، أليس هناك ميتة أبدع وأروع من هذه؟ هذا إذا كنت ستموت، والتي أمامك ليست قاتلة، بل هي فيما يبدو طالبة هوى مهما كان الثمن.

ولكن ما أنت متأكد منه تمامًا أنها قد تقتلك وقد تفعل أي شيء، ولكن المحال المحال أن تنالك كرجل، فهذا هو الأبشع من الموت قتلًا أو ذبحًا.

يتأملها بعيون مليئة بألف احتمال.)

هو : إذن أنت لا تزالين مصرة؟!
هي : على ماذا؟
هو : أتتساذجين؟
هي : أعذرك تمامًا، وأنا فعلًا لا أزال مصرة، ولكن الهدف تغير نهائيًّا.
هو : أأكون على حق إذا فهمت أنك صرفت النظر عني كزبون؟
هي : ضعها كما تشاء، فمشكلتك ومشكلتي معك أننا لا نتحدث نفس اللغة، ولكن على أية حال تغير هدفي.
هو : وأنا الآخر لم أصدق بطاقة تحقيق شخصيتك وحكاية أنك أخصائية علاج نفسي، أي جهة … (هَمَّ بأن يقول: أي مخابرات زوَّرت لك هذه البطاقة ذلك التزوير المتقن، ولكنه آثر أن يمثل وكأن اللعبة قد انطلت عليه، فإذا كانت تمثل مخابرات ما، سي آي إيه، أو إف بي آي، أو الموساد (المخابرات الإسرائيلية) أو اﻟ ك. ج. بي الروسية، فالذكاء يحتم عليه أن يتجنب كشف أوراقها وإفهامها أنه فاهم …)
هي : جهة ماذا؟! أنت تشك في … عيونك رغم خضرتها البحرية الهائجة تقول هذا، أستطيع قراءتها إلى القاع كما ترى قطعة النقود خلال ماء البحيرة المستتب تمامًا، ماذا بالضبط يدور في عقلك تجاهي؟
هو : اقرئيه، أنتِ تقولين إنك تخترقين عيوني إلى قاعها السحيق، فلماذا السؤال؟
هي : لأتأكد فقط من صدق إحساسي.
هو : وماذا يقول إحساسك؟
هي : إنك في بادئ لقائنا كنت ضيقًا بي ورافضًا مجرد مناقشتي، الآن أرى أنك بدأت تخاف مني.

(يضحك ضحكة يدرك هو نفسه أنها أعلى مما يجب، وجوفاء تمامًا.)

هو : أنا! أخاف من امرأة؟! وتحت رحمتي وأخاف منها؟ ها ها ها.

(بدأ فعلًا يخاف.)

هو : ما الحكاية؟
هي : أممكن أن أجلس هكذا …
(تضع ساقًا فوق ساق، فيكشف ثوبها عن كل فخذها الأعلى وساقها.)
هو : تفضلي، تفضلي. (ثُمَّ مواصلًا) ما دمت تقولين إن الهدف تغير، وإنك لم تحضري لتتمي الصفقة، ثُمَّ إظهارك هذه البطاقة، ما هو هدفك من المجيء بالضبط إذن؟

(هي تتمدد إلى الوراء في مقعدها، وفقط وهي تأخذ وضعها المريح فوق «الفوتيه» يكتشف أنها، مع حقيبة اليد، تحمل كتابًا ضخمًا مجلَّدًا بأناقة شديدة.

مع جلوسها يبدأ سكون وكأنما السؤال هو: من أين يبدأ؟ وكأنما السؤال عندها: فعلًا لماذا أنا مهتمة جِدًّا بهذا الرجل؟

أخيرًا تنطق.

بسرعة المختلس المتلصص يمد يده إلى حيث وضعت حقيبة يدها والكتاب وبضعة كتيبات، الكتاب كرسائل الدكتوراه المطبوعة والمعدة للتداول. مكتوب على الآلة الكاتبة ومجلد، عنوانه غريب: السلوك الإنساني عند الحيوان، والمؤلفة: باميللا جراهام، قائمة بأسماء الشهادات تحت الاسم لم يفهم من اختصاراتها إلا B A وهي الشهادة المعادلة لليسانس الآداب عندنا.)
هي : عرفت الآن فقط جنسيتك.
هو (مشغول بمشكلة أن يلقي نظرة على حقيبة يدها، ضمير الرجال يعترض بشدة. يُسقط الحقيبة من يده، تنفتح، تَجمع هي وهو محتوياتها) : عرفت ماذا؟!
هي : جنسيتك.
هو : ما هي؟
هي : لن أقول لك.

(مونولوج طويل منها، لم يفهم منه حرفًا، فقد كان الصراع في نفسه يتزايد ثُمَّ يُحْسَم.

يتأمل ساقَيْها الطويلَتَيْن، هذا القوام الفارع نحن غير معتادين عليه في بلادنا، فتياتنا ونساؤنا الجميلات غالبًا صغيرات الحجم، أمَّا هذه الأرجل الطويلة، هذه الأفخاذ المسحوبة وكأنها لفرس عربي أصيل، وكأنها منحوتة مشدودة، لا انبعاجة دهن، لا حبيبة شباب حتى، القوام الفارع جعل جاكتة بيجامته التي استعارتها تبدو قصيرة لا تخفي إلا ما ليس هناك فائدة من إخفائه.

رائعة، هكذا بدت وهي واضعة ساقًا عارية فوق ساعد مغطاة.

نيويورك مدينة تعدت مرحلة الأساطير، ناطحات سحاباتها ترعب، يسمونها الغابة المتوحشة الحديثة، والمرعب فيها أن الإنسان ضئيل ضئيل، والأجهزة قوية ومخيفة، والغنى فاحش، والفقر أيضًا فاحش. إنك لا يمكن أن ترى هذا العدد من البغايا في أي عاصمة من عواصم العالم.

ولا تجد في أي عاصمة من عواصم العالم هذا العدد الوافر من بيوت التدليك وما يُسَمَّى بحمامات السونا، والفتيات يُعلَن عنهن وكأن المدينة تحولت إلى ماخور كبير؛ لهذا كان من المحتم على بطل هذه الرواية أن يلتقي بواحدة منهن، ورغم كل عقائده واستنكاراته تفرض عليه نفسها إلى هذه الدرجة.

ولكن، هل المسألة مجرد بغاء وبغي؟ أم أنها عميلة لجهة ما؟

مرة أخرى يدق الخاطر في رأسه.)

هو : هل من الممكن أن أسألك سؤالًا وقحًا؟
هي : أنت لا تفعل سوى هذا من أول لحظة.
هو : هل أنت عميلة لجهة ما؟

(على ملامحها ارتسمت علامات وكأنما أعجبها السؤال، استملحته واستعذبته، بل وأخذت عضلات وجهها تستطعمه على مهل.)

هي : ولو فُرض أني عميلة، أتعتقد أني وصلت في عشقك إلى الدرجة التي أعترف لك فيها أني مدسوسة عليك؟! ثُمَّ أحب أن أقولك لك: أنا ليس لديَّ مانع مطلقًا أن أعمل مع أي جهة تدفع بسخاء، فالنقود أصبحت هي الولاء الأعظم، وحياة الترف حلم أي امرأة مسحوقة هنا في نيويورك وأي رجل، حتى لو كان الكرسي الكهربائي في نهايتها. ثُمَّ … هل أنت مهم إلى هذه الدرجة؟
هو (سائلًا نفسه) : صحيح! ما أهميتي حقًّا حتى يوكلوا أمري إلى عميلة تتنكر على أبشع صورة أراها للمرأة، صورة المومس؟ (ثُمَّ لها) كل إنسان يبدو لنفسه على الأقل مهمًّا.
هي : أعني هل لديك أسرار هامة؟ لا أعتقد هذا.
هو (لنفسه) : صحيح! ماذا لديه من أسرار تستحق عناء المحاولة؟ إن كل أسراره مكتوبة ومنشورة ويعرفها الجميع.
هي : أتقول شيئًا؟
هو : لا أهمية لما أغمغم به، فكثيرًا ما أغمغم لنفسي كالمجانين، لا تُلقي بالًا.
هي : أنا أيضًا أفعل هذا في أحيان، أتعرف أني اكتشفت أن الناس متشابهون إلى حدود لا يمكن أن يتصوروها هم أنفسهم؟
هو (كأنما تذكر فجأة أمرًا مخيفًا) : اسمك فعلًا … باميللا جراهام.
هي (بدهشة) : ما الغريب في هذا؟ إنه اسمي فعلًا.
هو : إذن هذا الكتاب؟!
هي : آه، تقصد هذه المخطوطة، لقد كانت أطروحة، ولكني عدَّلت فيها وأضفت لها وأحاول نشرها.
هو : وهي جزء أيضًا من «عدة الشغل»؟
هي : ماذا تقصد؟
هو : كانت البغايا في الزمن الغابر يحاولن أن يبالغن في مكياجهن وبهرجة ملابسهن ليظهرن مختلفات عن ربات البيوت. المودة الآن أن تبدو البغي مثقفة وتحمل وهي قادمة إلى البار أو مكان العمل مسودة كتاب.
هي : لست من الغباء بحيث أغضب لكلامك، ولن تصدق أبدًا أن المسألة حدثت بطريق الصدفة المحضة، فقد تركت هذه (مشيرة إلى المخطوطة والمطبوعات) عند صديقي البارمان من عدة أيام؛ لأن «شغلًا» جاءني وأنا على غير استعداد بالمرة؛ إذ كنت في طريقي إلى حجرتي بعد مقابلتي لوكيلتي الأدبية، ولم أشأ الرفض، وخجلت أن آخذ الأشياء معي فتركتها عند «جو»، والليلة هو الذي ذكرني بها.

(لم يكن يبدو عليها مطلقًا أنها تكذب.)

هو : إذن ارتدي ملابسك فورًا، ولنهبط إلى الكافتيريا البار.

(فجأة ينتصب الرجل الذي فيه وكأنه المارد قد خرج من القمقم، وكأن مسودة الكتاب هي الأنثى. الدكتورة المجلدة المكتوبة فقرة وراءها فقرة وجدولًا في إثر جدول، العالمة فيها هيجت العالم فيه، وأيقظ العالم الرجل، فالتهبت عيون الذكر. ولم يعرف بالضبط أهي العالمة هي التي قرأت بعقلها الرسالة ثُمَّ ترجمتها إلى لغة الإحساس والجسد، أم أن الجسد فيها هو الذي رفع متأخرًا كثيرًا فحوى العيون الملتهبة إلى مستوى الإدراك. طويلة باسقة ترتدي جاكتة البيجاما دون بنطلون حين وقفت تبحث عن ثقاب تشعل به سيجارتها لمس كتفها كتفه، ولأول مرة وهو الطويل يحس بكتف امرأة في مثل طول كتفه، بنصفه الأعلى عارٍ بدون جاكتة، وبنصفها الأسفل عارٍ بدون بنطلون. أفلت الزمام تمامًا على الأقل من يده، أمَّا هي فقد انهار الزمام وهوت بركبتَيها على الأرض تحيط خصره بيديها مقبلة كل ما يستطيع فمها أن يصل إليه من جسده، مغمغمة وكأنما تحلم متكلمة أو تتكلم حالمة قائلةً):

هي : حسنًا! لقد سحقتني تمامًا وأنسيتني عملي، وأنا التي سأدفع، كم تأخذ؟

(الرجل الخائر الغائر فيه تجمد وكأنما بجملتها حولت أعماقه بضغطة من زر إلى لوح من الثلج، كم يأخذ؟ تبدأ الليلة بكم تأخذ هي، وتنتهي بكم يأخذ هو.

مودعًا جسدها الطويل الفارع وصدرها النافر، في تحدٍّ وكأنما هو مفارقهما إلى الأبد، بلوعة الوداع ودموع المرارة وحسرة الأسف أمسكها بكل ما يملك من قوة من إبطَيْها وأنهضها، وبكلمات كلكمات حبذا لو كانت رجلًا لتتلقاها فعلًا لكمات، قال):

هو : في لحظة واحدة، ارتدي ثيابك فورًا.
هي : ماذا؟ ماذا حدث؟ ماذا أغضبك؟ سأدفع لك كثيرًا جِدًّا، كل ما تطلب، وليس الليلة فقط، كل ليلة لو أردت، لقد ملكتني، سمها أحببتك، أحببتك، أرجوك، أرجوك …

(وفتحت حقيبة يدها تخرج حافظة نقودها الداخلية، ورُوِّعَت فعلًا وهي ترى نية القتل في عينَيه، وشحبت تمامًا وكأنما تحولت إلى تمثال من الشمع لا يرتدي ملابسه، ولكنه يغطي نفسه بهلع، وكأنما ثانية عري واحدة ستكون فيها نهايته.

مشدوهًا، مشدوهةً إلى درجة الخوف أن يفترقا، مرة أخرى إلى مقعدَيْهما في الكافتيريا البار.

فلا بد — حتى لا يُجن — أن يعود الحديث إلى الاتصال.)

(الآن هما قد هبطا إلى البار الكافتيريا والصمت مطبق ومشحون، مخطوف الخواطر والهواجس لا يزال، حين يجلسان.)

هو : طبعًا أنت تتوقعين أني كالعادة سأكذبك في أن ما تحملينه هو رسالة دكتوراه حصلت عليها من وقت قصير، أو على أقل تقدير ستحصلين عليها حالًا. تتوقعين أني لا أصدق أنك سيكولوجست معالجة نفسية حاملة دكتوراه. لا أنا أصدقك فعلًا، ولكن أرجوك، أرجوك، حتى لا أُجن، أعطني جوابًا مقنعًا عن هذا السؤال البسيط.
هي : عن السلوك الإنساني عند الحيوان (موضوع رسالتها)؟
هو (بانفجار) : بالعكس، عن السلوك الحيواني لدى الإنسان، سلوك إنسانة مثلك، دارسة وعارفة ومدركة ومثقفة ولا تتضور جوعًا وتقبل، بل وبإرادة راغبة تمامًا أن تعمل مومسًا، وحتى إذا رغبت مَوْمَسَتْ من ترغبه.

(اندهاشته طازجة ودائمًا طازجة وغريبة وبريئة، وكأنه لأول مرة يدرك أو يستنكر في بعض الروايات والأفلام المصرية. كان يفتح فم عقله مذهولًا أن تقبل، بل تفخر إنسانة أنها مومس، وأبدًا أبدًا لا يستطيع أن يهضم أن يرضى رجل أن يعاشر، بل مجرد أن يلمس إنسانة يعرف أنها كالخرقة طوال يومها تتداولها الأيدي والأفواه والأبدان بطريقة تَفْقِد فيها، لا بد أن تفقد فيها، خصوصيتها التي تصنع إنسانيتها، وبالتالي أنوثتها وآدميتها. دستوفسكي البغايا عنده ضحايا ومريمات، مريمات مجدليات داهمتهن الظروف وأرغمتهن إرغامًا على بيع الجسد، هو مستعد أن يقبل هذا ويغفره. أمَّا أن تفخر بكونها بغيًّا وتُوغِل في فخرها بمهنتها إلى حد أن تتباهى بها على الأخريات وعلى الناس وعلى رءوس الأشهاد، أمَّا أن تتحول عاطفتها نفسها إذا استبدت إلى مومسة، فمسألة أبدًا أبدًا ما تصور إمكان حدوثها أو وجود نساء على نحو كهذا. بل أن يفسد خلق المرأة أو الرجل ويخون أو تخون، وحتى يفعل هذا ليل نهار، جريمة هذا صحيح، ولكن عملية البيع، بيع الجسد، بمقابل نقدي فوري مدفوع مسألة أخرى تمامًا.

وهذه ليست فتاة مضحوكًا عليها في فيلم مصري، أو ضحية من ضحايا ذئاب دستوفسكي البشرية، هذه حاملة دكتوراه، مؤلفة، كاتبة، واضح حتى من عنوان كتابها أنها مكتشفة، وأنها ممكن أن تُوضع في مصاف فرويد ومدام كوري.)

هو (مردِّدًا وبصوت أعلى) : كيف؟! كيف؟!
هي (معدة نفسها لجلسة استرخاء تامة تجلس على «الفوتيه» ناقلة ساقها العليا السامقة كأصابع الموز الأمريكي الهائلة التناسق والطول، فوق الساق الأخرى محدقة ناحيته وقد قبلت التحدي) : ماذا أقول لك؟ نكبر ومع هذا نظل نفكر وكأننا أطفال لا نزال. لا تستنكر فقط أن أعمل بغيًّا، ولكن تستنكر أي عمل آخر قد يعن لي أو لغيري أن يقوم به، وكأنني أمك التي سوف تراها خاطئة. منذ فجر التاريخ يا عزيزي والعلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة صفقة، ولا بد أن تكون صفقة. من الذي يدفع، غير مهم. في أزمان كانت المرأة هي التي تدفع للرجل الثمن، وفي أزمان أخرى كزماننا ينقلب الوضع. الدوطة وما تسمونه عندكم المهر والشبكة والهدايا، في حقيقتها الواضحة جِدًّا، ما هي؟ أليست ثمنًا؟ لقد درست شرائع الزواج في كل الأديان السماوية والوضعية، في كل منها يُوجد مقابل مادي لكي يكون الزواج حقيقيًّا ورسميًّا.
هو : إنها كذلك ولكنها صفقة العمر، اتفاق الأزل، فارق كبير بينه وبين …
هي : وبين ماذا؟
هو : أن تصبح المسألة حرفة وتجارة.
هي : إذن المسألة ليست مبدأ، المسألة عدد مرات البيع والشراء، فقد سلمت بالمبدأ.
هو : لم أسلم تمامًا.
هي : حسن، فلنأخذك حسب رومانسيتك التي من الواضح أنها تؤرقك، لنفترض المسألة حبًّا، عاطفة ملتهبة وغرام روميو بجولييت وبيرتون بإليزابث تايلور.
أنت تدعو الحبيبة للعشاء والرقص والنادي الليلي، وبيرتون يقدم لها خاتمًا ماسيًّا بمليون دولار، أليس كذلك؟
هو : أدعوها وتدعوني، أو بالطريقة الإنجليزية نقتسم.
هي : وتقتسمون ولا أحد يشتري أحدًا، ولكنك في نهاية الأمر تفكر في إسعادها وحتمًا تفكر في شراء هدية. بالضبط ما معناها؟ معناها أنك تقول: في مقابل ما منحتنيه أيتها العزيزة من متعة، هاك. أو خذ أيها الحبيب مقابل حبك.
هو : هدية.
هي : ثمنًا، اسمه العلمي ثمن. ولكل متعة ثمن، ولكل سعادة تُمنح مقابل؛ فالمبدأ إذن قائم وموجود.
هو : ولكن هذه علاقات خاصة، مصحوبة بعواطف خاصة جِدًّا. فرق كبير بين أن أكتب لحبيبتي قصيدة غرام وبين أن أصنع منها نسخًا بالفوتوكوبي وأوزعها على العشرات.
هي : أبدًا، لا فرق، المسألة مسألة وقت.
هو : وقت؟!
هي : كانت قصة الحب تستغرق رواية بأكملها، والرواية تستغرق عمرًا بأكمله، قصرت قصص الحب، وصلت عند فرنسوا ساجان إلى ستة أشهر، عندي أطولها تأخذ ليلة.
هو : ولكنك لا تحبين، أنت تتاجرين.
هي : أبدًا، معلوماتك عن البغايا قديمة جِدًّا، نحن في عصر البغايا «الألترا مودرن» أنت بنفسك رأيت أنني رفضت ثلاثة عروض، وكان ممكنًا أن أرفض أكثر. ولولا مفهومك المتأخر، لكنت أنت قد استمتعت كما لم تستمع في حياتك.
أنا أنتقي من يروقني.
هو : تنتقين؟
هي : طبعًا، فهدفي هو أوَّلًا متعتي.
هو : الإنسان يا آنسة أو يا مدام أو يا دكتورة، هو في النهاية بعض القيم، خلاص … انتهت عندكم القيمة تمامًا في نيويورك حتى لم يبقَ إلا الدولار قيمة والمتعة الأنانية الذاتية هي الهدف.
هي : الدولار قيمة هذا صحيح. أمَّا المتعة فما الضرر أن أستمتع طالما أني أمتع طرفًا آخر ولا أضر أحدًا؟
هو : ألم تفكري أبدًا وأنت الحاصلة على دكتوراه ثقافة، في هذا المدعو الجنس البشري؟ لو فعلت كل النساء ما تفعلين أليس في هذا بداية النهاية لهذا الجنس؟
هي : أبدًا، أبدًا، ربما بداية النهاية لكثير جِدًّا من النفاق الذي يعوق تقدم البشرية، فإذا كان تكويني النفسي كما شرحت لك، وأرغمني الجنس البشري أن أتزوج وأنجب و«أخلص» لزوجي، فالنتيجة أني سأرتكب عددًا من الخيانات الزوجية أكثر من شعر رأس زوجي، وسأنجب أبناءً لا أريدهم ولن يريدوني، وبالتالي سنُضيف أسرة تعيسة أخرى تنتج أجيالًا تعيسة أخرى لهذا المحترم الجنس البشري.
المسألة اختيارية تمامًا، وذاتية جِدًّا، بعض النساء يحببن أن يكن زوجات وأمهات، ومثلك لا يتصورن أبدًا تعدد العلاقات، حسن جِدًّا، هؤلاء هن الزوجات الصالحات فعلًا اللائي حين يتزوجن ويخلفن يضفن لجنس الإنسان أطفالًا أصحاء مرغوبين، يضفن فعلًا للجنس البشري نوعًا وكمًّا. لماذا هو محتم أن كل النساء يتزوجن كل الرجال، وكل النساء والرجال يخلفون أطفالًا؟ ما الذي وضع هذا النموذج الواحد للوجود الإنساني؟ لماذا لا يوجد نموذج آخر يفضل كلٌّ فيه ما يشاء. الذي يحب النساء يحب النساء، والذي يحب نفس جنسه يحب نفس الجنس، والتي لا تريد الزواج نتركها لرغبتها، والتي تستمع بوحدانية العلاقة والرغبة في الأمومة نتركها تزاول هذا في سلام.

لماذا هذا الهوس غير البشري وغير الإنساني بتطبيق طريقة حياة واحدة على أربعة آلاف مليون كائن لا يتشابه منها اثنان، مجرد اثنين.

(هذه الدعوات الزاعقة إلى الحرية الشخصية للرجل والمرأة ليست غريبة عليه منذ الستينيات، وهو يخوضها مناقشات ومساجلات وخناقات في أوروبا وأمريكا وحتى في روسيا نفسها بل وفي بعض بلاد الجزيرة العربية، ولكن إطلاق الحريات الشخصية إلى نهاياتها شيء وقبض أثمان للحرية الشخصية شيء آخر.

هو ترجم لها المونولوج العربي الداخلي بإنجليزية عالية باهرة.)

هي : أنت أخلاقي جِدًّا.
هو : وهذا منتهى التحضر في رأي، فالأخلاق، قمة الأخلاق، قمة التحضر، هي الصدق مع النفس.
هي : وعلى هذا المقياس نفسه فأنا الأخرى أخلاقية جِدًّا.
هو : كيف وأنت …؟
هي : لا أنا ولا أنت، المسألة يا عزيزي أن عملي كما عرفت الآن يسمونه معالجة نفسية، طبعًا تعرف ماذا تعني معالجة نفسية.
هو : أكاد أخمن أنها التي تتولى تطبيق العلاج اليومي الذي يُشير به الطبيب النفسي …
هي : شيء كهذا، وكان تخصصي ولا يزال هو علاج «عدم القدرة» عند الرجال.
هو : عدم القدرة؟!
هي : أجل، في السنوات الأخيرة كثرت هذه الحالات جِدًّا، حتى لقد تخصصت فيها عيادات بأكملها؛ إذ يبدو أنه مع تحرر المرأة الغربية، وربما المرأة في كل مكان، وأخذها الإرادة الأعلى فوق إرادة الرجل، قد بدأ يعمل عمله في قدرة الرجال الجنسية إذ أخذت في الانحدار؛ فكان عملي كمعالجة نفسية أن أساعد هؤلاء الرجال على استرداد قدراتهم.
هو (بحب استطلاع فهو لأول مرة يسمع أن هناك عيادات بأكملها مخصصة لهذا النوع من العلاج النفسي، ولأول مرة يعرف أن طبيبات ومعالجات يقمن بهذا العمل) : وكيف كنت تساعدينهم؟
هي : أوَّلًا هناك بعض حقائق لا أعرف إذا كنتَ على علم بها، ولكن لا يوجد مرض اسمه عدم القدرة عند الرجل إلا إذا كان مريضًا عُضويًّا، فعدم القدرة هو مسألة نفسية بحتة، إذ علميًّا يستطيع الرجل أن يزاول الجنس طالما هو حي، طبعًا تقل القدرات والمرات، ولكنها أبدًا لا تنعدم. نحن كُنَّا نتولى علاجًا نفسيًّا و«فزيكيًّا» يعيد لكثير جِدًّا منهم القدرة. وكان عملي أنا أن أقوم بالجانب الجسدي باعتباره تخصصي. ولا تتصور مقدار السعادة التي كنت أحس بها كلما استعاد مريض من مرضاي قدرته مرة أخرى، لقد كان امتنانهم يصل إلى حد دعوتي في احتفالاتهم الثلاثينية وأحيانًا الخمسينية بزواجهم وإغراقي بالعواطف والهدايا.
هو : ولكن هذا يُعتبر عملًا علميًّا إنسانيًّا رائعًا جِدًّا ومفيدًا تمامًا.
هي : وهل تجد فارقًا كبيرًا بين عملي الآن الذي تسميه مومس وبين ما كنت أقوم به في العيادة النفسية؟
هو : طبعًا، ذلك كان علمًا وعلاجًا.
هي : وماذا أفعل الآن؟ أليس ما أقوم به في أحيان كثيرة، بل في معظم الأحيان علمًا وعلاجًا؟ معك حق، هناك فرق واحد بين العملَين، ذلك الفرق الذي دفعني لتفضيل عملي الحالي.
هو : أي فرق؟!
هي : كان أجري في العيادة يعادل بالضبط خمسة دولارات في الساعة، الآن الساعة عندي بمائة دولار وربما أكثر.

(قالت هذا وضحكت.

ويندهش هو برهة وكأنما داهمه ضوء كاشف مفاجئ، ثُمَّ لا يلبث أن ينفجر ضاحكًا. يقهقه وكأنه سيموت ضحكًا ويخبط فخذيه ويتلوى ويضحك وبكل ما يملك من قوة وعصبية واكتشاف يضحك، حتى لقد بدأت منضدتهما تسترعي الانتباه رغم ازدحام المكان.

أخيرًا يسكت، ثُمَّ بهدوء شديد.)

هو : فعلًا، ما الفارق؟ أو بالأحرى، الفارق كبير، كبير جِدًّا (ثُمَّ يصمت … يصمت طويلًا … في الحقيقة يعم الصمت بينهما حتى ليصمت المكان المكتظ والمدينة الماردة الكبيرة في الخارج، وكأن كل شيء مات فجأة وصمت، ثُمَّ على مهل شديد يبدأ ينطق).
ولكن فعلًا، هناك فارق، أن تعالجي بهدف العلاج شيء وبهدف النقود شيء آخر، ذلك يسمونه العمل، وهذا يسمونه البغاء.
هي : اختلاف في التسمية، هه … (بول شيت).
هو (مواصلًا كلامه الذي لم يعد مجرد كلام، ولكنه فعلًا ما يؤمن به في الحياة) : الأنثى التي كلفت الحياة ملايين السنين من الإيغار في التعديل والتبديل حتى أصبحت قمة الكون النامية، الأنثوية الإنسانية أرقى إبداع للخالق. بقرار أحمق ليس طفليًّا بل تافهًا وحقيرًا، فالأطفال أعظم بكثير وأكثر براءة ونظافة، بقرار كهذا تلغي ملايين السنين من التطور وتقذف نفسها ساقطة هاوية إلى حيث توقف التطور بالقطط والكلاب والفئران، بل حتى هذه الحيوانات تحظى بالجسم ببطولة، بمعركة تدور بين الذكرين حول القطة وهي الهدية، هي الوسام، والفائز هو من فعلًا يستحقها. إنها أبدًا لا تطلب مقدَّمًا أو مؤخرًا أو «تأخذ» أي شيء. إنها بكل الدلال والسخاء تمنح، تعطي ما نقيسه بالثمن وبالساعة نحن، لا تتحول إلى بضاعة ذات سعر، وتفخرين أنت بهذا باعتبارها مهنة كسب أكبر قدر من النقود في أقصر وقت. تكسبين الدولارات هذا صحيح، ولكن الحسبة مغلوطة تمامًا، فأنت حتى لو أوغلنا في التشبيه رأس مال، تكسبين مائة عاجلة وتخسرين مئات وآلافًا من رأسمالك. «وطريقة» سهلة جِدًّا لكسب النقود، ولكنها كمهنة من امتهن احتساء وجرع ماء النار: في دقيقة يأخذ مائة دولار، ولكن الكارثة هي كم ما يحدثه الداخل في أحشائه من تهرؤ وتآكل في صميم روحه وذاته، بل وفي جسده.
بل لا أقول إنك تخسرين كميات من نفسك رأسمالك، أنت تخسرين كل شيء، تمامًا كل شيء، تخسرين نوعك نفسه.
هي : آه، جئنا للخطب والمواعظ! ماذا تقصد بقولك أخسر نوعي؟ هل أتحول إلى رجل مثلًا؟
هو : ولكن الرجل أيضًا يَمُتُّ إلى نفس النوع، أقول تخسرين نوعك نفسه.
هي : أصبح حيوانة تريد أن تقول؟
هو : ولكن هذا الحيوان لا يفعل ما تفعلين، لا شيء في الحياة أو الطبيعة يُخلَق ليكون معروضًا للبيع، إننا نُخلَق لأن من صفاتنا كحياة أن نتطور دائمًا وباستمرار للأسمى والأرقى.
هي : الأسمى والأرقى كلمات أعرفها تمامًا، مجرد كلمات، كلماتك وكلمات خالي وعمي وجيراني، دائمًا تُقال من وراء الظهر وكأنها تخدش الحياء، الأسمى والأرقى، كائنات متطورة عليا، لماذا لا يكون التطور من وجهة نظر سعادتك فقط؟ لماذا لا يكون التطور يحدث من وجهة نظري أنا؟
هو : وما هي وجهة نظرك يا سيدة داروين؟
هي : الأرقى عندي هو الأكثر نقودًا بأقل جهد.
هو : أنا الذي سيقول لك هذه المرة كلمات، مجرد كلمات، دعوة عظيمة كدعوة الحرية والتحرر تصبح تبريرًا للتصرف في جسم الإنسان بطريقة غير إنسانية. هل هذا هو التحرر؟
هي : طبعًا، حريتي أن أبيع نفسي.
هو : هذه ليست حرية، حرية أن يبيع الإنسان جسده! إنها أوَّلًا تحويل الإنسان إلى تجارة، إلى تاجر رقيق أبيض، ثُمَّ حتى تحويل هذا التاجر المفروض أن يتاجر في أجساد الآخرين إلى تاجر يتاجر في نفسه هو، يطرحها كأي سلعة عليها بطاقة السعر، ومن يدفع يشترِ ويحصل، هل تتصورين هذا؟ يحصل عليك، عليك كلك، على روحك بأدق خلجاتها، إذ هو يدخل سر أسرارك.
هي : إنه يتوهم هذا ولكني لا أسمح لهم إلا بما أريد أنا أن أسمح لهم به.
هو : أتستطيعين إذن أن توقفي الصفقة في منتصفها وتلغيها؟
هي : إلى الآن لم أفعل، ولكني لحظةَ أريد قطعًا سأفعلها.
هو : لا يا سيدتي، أبدًا لن تفعليها، فهذه خطوة لا تأخذها إنسانة تحولت إلى بضاعة، هذه خطوة لكي تأخذها امرأة ما فلابد أن تكون أبية حرة، إنسانة لها كيان وإرادة، وأبدًا ليست إنسانة باعت روحها لكل من هبَّ ودب.
هي : ولكن كل مِنَّا في عمله بضاعة، وهذا عمل مثل غيره من الأعمال.
هو : مطلقًا ليس هذا مجرد عمل آخر يمارسه الإنسان ليأكل به عيشه. إنه جريمة يرتكبها إنسان في حق نفسه يهدر بها آدميته وقيمه، ويظل سادرًا في ارتكاب جريمته خالقًا لها آلاف المعاذير. هذا أبدًا ليس عملًا، إنه تبرير لسلوك إنسان، وتبرير غير مستقيم حتى الطفل نفسه لا يقتنع به، فالعواطف أبدًا ليست للتجارة. ما سمعنا عن إنسان يبكي بأجر أو يفرح بمقاولة أو يغضب بالساعة. هذا إنسان وليس دمية. نحن أمام الإنسان الذي حوله عالمكم، الذي يسمونه للأسف الأوَّل، إلى بضاعة، إلى ترس، إلى سلعة، إلى جزء من آلة إنتاج واستهلاك كبرى اسمها المجتمع. وما دامت كل الأعمال تتشابه في رفض الإنسان أصلًا لها، فيصبح الانتقال من عمل إلى عمل مسألة لا تزعج أحدًا. ولكنك لم تنتقلي من إنسانة تعمل معالجة نفسية إلى إنسانة تعمل بغيًّا. أنت انتقلت من عمل عظيم يبني روحك لأنك تساعدين أرواحًا معذبة إلى عمل يخرب روحك، إلى عمل يميتك حية. حية أسكنت روحها جسدًا تستغله صاحبته شققًا مفروشةً مع عشرة في المائة خدمة. جسد الخدمة فيه ممتازة جِدًّا، فالفام دي شامبر مثقفة معالجة متعلمة قطعًا يفضل أي زبون السكن في شققها.
أنت — سأستعمل أخف تعبير ممكن — مريضة فعلًا، تدَّعي لنفسها أنها تعالج وهي أكثر من زبائنها مرضًا، فهي الشقة الفارغة الباحثة عن العواطف عبثًا في أحضان زبائن، لا يفعلون سوى إشعارها بالحرمان أكثر.
هي : المريضة! أتسمي الحب مرضًا؟
هو : أتسمين هذا الذي نتحدث عنه حبًّا؟
هي : إذن لماذا اخترته ولا أزال حريصة عليه؟
هو : لأنك مريضة فعلًا، فالإنسان الصحيح أبدًا لا يقبل أن يلمسه، مجرد اللمس، أحد إلا حين يسمح له بذلك. أمَّا أنت فحين تقولين إنك مومس أو حتى مومس لبعض الوقت، فمعنى هذا أنك علقت لافتة تقول: ممكن لمس وجس واختبار المعروضات، شرفوا تجدوا ما يسركم … إنسانة تفعل هذا بنفسها لا بد أنها أُصيبت بمرض في عقلها جعلها تفعل أشياء لا يقبلها أي عقل بشري سَوِي.
هي (مبتسمة في سخرية راثية) : أنا إذن مريضة يا طبيبي، السؤال هو في الحقيقة من فينا المريض؟ لماذا لا تكون أنت المريض بهذه الأفكار التي تزحم بها رأسك، مريض بقيمك ومُثُلك، وأكون أنا الطبيبة؟ لماذا لا يكون الوضع فعلًا هكذا؟
هو : أنا يا مدام (قالها هذه المرة قاصدًا) متحضر جِدًّا، لإيماني أن الإنسان ليس فقط أرقى الكائنات، ولكنه أخطرها على الإطلاق، أخطرها حتى على نفسه، وأنه ما لم يزود هذا الإنسان أو بالأصح يُنَقَّى من ذرات الغبار، حتى ذرات الغبار التي تعلق بهذا الشيء المخبأ خلف جبهته، لاستحال من أرقى إلى أخطر وأحط كائن في الوجود؛ لأنه في هذه الحالة يستعمل أرقى ما وصل إليه التطور الخلاق في عكس اتجاه التطور الخلاق، يدمر، بادئًا أو منتهيًا بنفسه ومن حوله، وكل أولئك الذين كان من الممكن أن يكونوا أحباءه وأصدقاءه وحتى معارفه.
هي : ولكني سعيدة، وأُسعِد كل من تلقيه الصدفة في طريقي.
هو : تكذبين على نفسك! فقطعًا أنت تعانين من اشمئزاز تلمحينه في كل وجه يلقاك، ولا يمكن أن نسعد والناس يشمئزون مِنَّا.
هي : أنا أمارس الحب فأنا موجودة.
هو : للأسف أنت موجودة وإنما ليس لأنك تمارسين الحب، في الحقيقة أنت موجودة، مجرد موجودة لأنك لا تمارسين أحلى وأروع أنواع الوجود، الوجود المحبوب المرغوب. أنا أمارس الحب فأنا موجودة؟!
هل تقبل الطفلة منطق الطفلة أن يُدفع لها مقابل نقدي لقاء حبها لعروستها أو لقطتها؟ هل لا تحس بوجودها إلا وهي فقط تبيع الحب وتمتهن الجسد وتعتدي على كبريائها هي وكرامتها؟ هي المعتدية، والكبرياء المحطم كبرياؤها، هي قطعًا أمًّا عمياء، لا ترى شيئًا بالمرة، أقصد عمياء سلوكيًّا، أو مفتحة الأعين، وإنما لا ترى من الكون إلا حافظة الرجل وأجر الساعة، هذه هي النهاية المحتمة لتقييم الرجل أو المرأة لنفسه ولغيره بحساب (الدولار-ساعة)، ما دام قد وضعناها على أول الطريق — دولار — ساعة، فالبغاء هو النهاية المحتمة.

إنسانة مثلك لا ترى أبدًا وجه رجل يضع يده في حنان على كتفها وبرفق يضمها، وينظر معها إلى صورتهما معًا في مرآتها. رجل هي التي اختارته، وانتقت ملامحه، وحتى ما كان لا يعجبها فيه أصبحت تحبه أكثر. رجل اختارها هو الآخر وانتقاها لأنه يعتبرها أسمى وأثمن إنسانة عرفها. رجل ترضيه ويرضيها وليس لها أو له من عمل إلا إرضاء أنفسهما. رجل تحترمه وهو الآخر يكن لها أعظم احترام وإلا ما رضي أن يقتسما اسمًا. رجل بجذوره، بأرضه، بسمائه، بالهالة الكونية الكاملة المحيطة به.

أبدًا، أنتِ لا ترين وجه الطفل أو الطفلة، طفلكما إذا تسلل إلى المرآة محتضنًا سيقانكما، ملامحه منكما بعيونكما لو فتحا عيونه. حدة طبعه منك، والشقاوة من ذكاء أبيه، معًا عرفتماه، معًا انسجمتما وانسجم معكما الكون والطبيعة فكانت الشرارة، وكانت اللحظة التي تتجسد الآن بينكما، لا ترين أشياء كثيرة جِدًّا، لا ترين نفسك أنت نفسك.
هي : إنك أيها الأستاذ العالم تخاطبني وكأنما تخاطب العالم من فوق برج إيفيل، الشرف والصدق والإنسان المتحضر الراقي، أين؟ على سطح كرة أرضية مكونة من وحل وطين؟ ماذا أفعل أنا التي وُلدت في غابة لم أصنعها أنا ولكنها كائنة وموجودة، أحافظ على بقائي وأظفر بالمأوى والطعام والمتعة، وإن لم أجد أسرقها، وإن لم أستطع أقتل وأغتصبها؟ أنت تملك ترف أن تعيش شريفًا، ولكن غيرك حتى لو أراد لا يملك هذا الترف.
هو : أنت تكذبين على نفسك. إن في أصبعك خاتمًا يعول عائلة بأكملها في بلادي لثلاثة أعوام. أنت لست جائعة إلى هذه الدرجة.
هي : لأن جوعكم هو أبسط أنواع الجوع، جوع الحيوان إلى الطعام، ولكن جوعي هو جوع الإنسان إلى حياة الإنسان، جوع الحياة بمتعة، فالحياة لمجرد البقاء هي حياة حيوانات متخلفة. إني جوعى للسفر والرحلة والحياة اللذيذة. الفرق أنكم حيوانات جوعى، بَيْنَا جوعي أنا وجوع غيري هنا هو جوع الإنسان، أبشع أنواع الجوع؛ لأنه ليس جوع معدات، إنه جوع مراكز عليا وخيالات وأحلام، جوع النوازع العليا يا أستاذ.
هو : ومن أجل تلك النوازع العليا تَنْحَطِّين بجسدك إلى ما هو أدنى من مراتب الحيوان.
هي : فليكن، إني أغوص بالحيوان فيَّ، لأمتع كل ما يجعل مني إنسانًا.
هو : وتفقدين بهذا الحيوان والإنسان معًا، فالإنسان لا يرتفع فوق حيوان هابط. الإنسان يصبح إنسانًا حين يشبع فيه الحيوان، ويحترم فيه الحيوان حيوانيته لكي يستطيع الإنسان فيه بعد هذا أن يفخر ويزهو بإنسانيته. إن الوحل لا يصنع أساسًا لناطحة سحاب مهما حفلت أدوارها العليا بالديكورات والتحف والزينات.
هي : تقصد أساسًا مما تسميه بلغتك القيم العليا.
هو : وما تسمينه أنت خصائص الحيوان.
أي حياة لذيذة تلك التي تدفعين فيها الثمن — كدين شيلوك — من لحمك ودمك! إنها إذن تصبح كمدمن الهيرويين الذي يبيع كل يوم أصبعًا من أصابعه ليظفر بالجرعة. اسمحي لي سيدتي أنت مريضة جِدًّا. هيأ لك مرضك اقتناعًا كاملًا بحياة تعرفين من أعمق أعماقك أنها ملفقة وكاذبة ومليئة بخداع النفس.
هي : لقد بدأت أمل حديثك.
هو : لأنه اقترب من نقطة جنونك الحساسة. لقد صغت لنفسك كما تقولين الحياة المثلى، تحبين الرجال وتغيير الرجال، وفوق هذا تكسبين نقودًا وسهرات، وكل يوم وجه وجسد جديد، ولكنك ستستيقظين ذات صباح لتجدي أنه لا جديد بالمرة، لا وجه ولا جسد ولا حتى إنسان يقول لك: صباح الخير. أنت كما تبدين في الثلاثين، ترى كم إنسانًا سيحضر عيد ميلادك الخامس والأربعين، بل حتى الأربعين؟
هي : لقد بدأت تصبح مملًّا جِدًّا. ماذا تريد مني؟ ماذا تأخذه عليَّ؟
هو : نفس ما تفخرين به، أنك مومس.
هي : ولكنك أنت الآخر مومس، وكل هؤلاء الحليقين المبتسمين المتحدثين في همس مؤدب خافت، كل من ترى من الرجال والنساء حولك مومسات ومومسون.
هو : أنا مومس؟
هي : بالتأكيد مومس، ماذا تفعل؟ آه، نسيت، قلت إنك كاتب، وقطعًا تعمل في مؤسسة، أو تعيش في مجتمع يعولك ويدفع لك أجرك. هل تقول الحقيقة، كل ما تعتقد أنه الحقيقة لهذا المجتمع، أم تقول أشياء وتخفي أشياء؟ أليس هذا مَوْمَسة؟ المحامي الذي يترافع عن إنسان يعلم تمامًا أنه سارق أو قاتل لينال أجره وأتعابه، ماذا تُسَمِّي هذا؟ السياسي الذي يعرف أنه يبيع بلده أو يُغمض عينًا عن مصالحها، ماذا تسميه؟ القاضي التاجر، الزوجة التي لا تطيق رؤية زوجها وتتأوه حُبًّا حين يلمسها، الابن الذي يكره أباه ويحييه كل صباح: هاللو، دادي! ماذا تُسَمِّي هذا كله؟ ماذا تُسَمِّي ما يقوم به العلماء الذين يخترعون قنابل الفناء، والسياسيون الذين يخوضون الحروب، والمثقفون والكتاب الذين يعرفون الحقيقة ويخافون الجهر بها؟ أليس كل هذا مومسة؟ كلكم، كلهن، بغايا، وبأجر فاحش مدفوع، ولكني أنا الوحيدة المصلوبة بينكم، أنا الوحيدة التي بخطيئة، وأنتم فقط قذاف الأحجار.
هو : كل هذا كذب على النفس، هذا صحيح، ولكن بيع الجسد شيء آخر.
هي : إنه أخف أنواعها، فما دمنا كلنا مومسين ومومسات، فأحسننا هو أقلنا ضررًا، وأنا على الأقل لا أضر إلا نفسي، إذا سميت ما أفعله بنفسي ضررًا. أمَّا المومس الذي يخدع الملايين، ويفتك بقيم الملايين، ويسرق الملايين، ويقتل الملايين.

(فترة صمت … ثُمَّ تبدأ ببطء وصوت منخفض يظل يعلو.)

هي : لقد أضعتُ ليلتي في نقاش لا جدوى منه، فأنا لا يغير حياتي نقاش رجل ألقاه ذات ليلة أو ذات صدفة. أنا قررت حياتي، وأنا للأسف أضعت الليلة معك.
هو : ربما ضاعت الليلة، ولكن من يدري، ربما أنقذنا بها عمرًا.
هي : عُدنا إلى المواعظ.
هو : لم نعد ولن نعود، ولكني متأكد أنك ستفكرين فيما قلت.
هي : لا يهمني كلامك أبدًا. أنا قررت حياتي. أنا مومس، ولكني نظيفة. فأنا لا أقول أنا مدام فلان أو صديقة علان أو أرملة تلتان. أنا نظيفة أقولها لك وللجميع: أنا مومس. وبقولي هذا على الملأ أصبح أنظف منكم جميعًا، فأنا لا أكذب عليكم ولا على نفسي. أنتم الكذابون والكذب أخدش للشرف من النفاق، إنه المَوْمَسة فعلًا، وما أفعله مومسة ولكني نظيفة.
هو : لا يا سيدتي، لا تخدعي نفسك. فأنت تفخرين أنك الوحيدة التي لا تخدعين نفسك. قولي أنا مومس، وأن بيع الجسد أحقر شيء يرتكبه بشر. ولكني لا أعرف لماذا أنا أفعله، ولا تهربي خلف رداء العموميات، قولي لنفسك أنك ستخربين نفسك وأنك بحاجة إلى من يعالجك أو يأخذ بيدك.
هي (محذرة) : أنا نظيفة، نظيفة!

(صوتها العالي يجذب الانتباه، وبالذات انتباه «الميتر». يقبل بقامته الفارعة ووجهه المكتئب الصارم، يبطئ الخطى حين يقترب من منضدتها ثُمَّ فجأة يبتسم ابتسامة تبدو بلهاء تمامًا ولا علاقة لها بصرامة ملامحه.)

الميتر : يبدو يا دكتورة إنك الليلة عصبية.
هي : أنا نظيفة (بصوت لا يزال عاليًا جِدًّا).
الميتر : أعرف تمامًا أن أبخس أجور هي تلك التي يدفعونها في العيادات والمستشفيات الجامعية، لماذا لا تتفرغين للعمل كل الوقت هنا مثلًا أو حسبما تشائين؟ إن مزاولة عملَيْن في وقت واحد أمرٌ دائمًا مزعج، ألستَ معي يا سيدي؟
هو : أأنتِ؟! (سائلا إياها).
هي : أنا سأتفرغ فعلًا، سأتفرغ للنظافة، فأنا نظيفة، أنظف منكم جميعًا.

(والميتر مشدوه تمامًا ومشلول، هو أيضًا بدأ يضطرب. صوتها تحول إلى صراخ، تقف فجأة وبعصبية شديدة تلم حقيبتها وكتابها وأوراقها وتصرخ بأعلى صوتها.)

هي : أنا نظيفة، نظيفة، بل أنا قذرة، قذرة جِدًّا، ولكني أقولها، ها أنا ذا أصرخ بها، أنا نظيفة جِدًّا لأني قذرة جِدًّا جِدًّا. أنا أنظف قذرة، أنظف منكم كلكم. (بول شيت) عليكم جميعًا.

(القاعة يخيم عليها سكون مشلول تام. الذهول لبرهة طويلة على الوجوه. دبدبة خطواتها المسرعة إلى الخارج هي وحدها المسموعة. بخفوت شديد يبدأ شيء وكأنه الهمس، يظل يرتفع ويرتفع وتنفك دهشته الشديدة، وتعود الوجوه تبتسم بل وتضحك، وتمتلئ القاعة بنفس الضجة التي كانت عليها، وكأن شيئًا ما كان.

يصنع من كفيه كأسًا يملؤها بذقنه ويحدق إلى أبعد نقطة في الكون ويقول):

هو : متى يا إلهي تعطي بعض الرجال شجاعة بعض البغايا.
القاهرة
في يونيو ١٩٨٠

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١