كلمة المترجم

بقلم  محمود محمود

هذا كتاب عن رجل بلغت به الشجاعة الأدبية أن يستقل برأيه في زمن كان الناس فيه يجلُّون القديم ويُقدِّسون التقاليد، وقد احتمل الموت صابرًا في سبيل دفاعه عن حرية الفكر.

وضعت هذا الكتاب بالإنجليزية الكاتبة الأمريكية الدكتورة كورا ميسن أستاذة الآداب الكلاسيكية، وقد رحلت إلى بلاد اليونان وارتادت أرجاءها ودرست عن كثب مدينة أثينا وما جاورها من الريف؛ فكانت الآداب الإغريقية والفلسفة اليونانية حية في ذهنها.

وقد قصدت بهذا الكتاب أن ترسم صورة لسقراط لا باعتباره معلمًا عظيمًا أولًا، ولكن باعتباره بشرًا ينمو ويتطور كما بدا لأصحابه الذين عاصروه، فعرضت علينا الرجل وهو عند صانع الأواني الفخارية، وعرضته علينا وهو يأخذ عن أبيه حرفة نحت الحجارة، وعرضته علينا إنسانًا حيًّا يتنفس، يتساءل عن الحق، ويبحث عن الحقيقة، وصوَّرت لنا أثينا في عصره وكبار الأشخاص في زمنه.

عرضت علينا ذلك كله في أسلوب قصصي، وقدَّمت لنا مأساة عاطفية تنتهي بموت البطل وبالحزن العميق، وبطل المأساة رجل لا يخشى السؤال، ولا يخاف البحث، يخضع للقانون ولكنه يفكر في صحته، لا يتملق الجماهير ولا يسير في ركبها، فيرتاب الناس في أمره ويصبح موضعًا للشك والظنون، هي قصة الصراع القائم بين جمود الرأي وحرية الفكر على مدى الأيام والدهور.

وقد توجَّهت مؤلفة الكتاب بحديثها إلى الشباب المراهق خاصة كي تدربهم على الطريقة السقراطية في البحث، وتقدِّم لهم طرفًا من الثقافة اليونانية وموضوعات الفلسفة الكبرى، وبابًا للموازنة بين الحياة في أثينا القديمة وأمريكا الحديثة.

ماذا نفعل بالأفراد الذين يتحدون النظام القائم والرأي السائد؟ هذه مشكلة نلمسها في كلِّ عصر من عصور التاريخ، وعلى كل مجتمع وكل جيل أن يلتمس منها مخرجًا، هل نحكم على المعارضين بالموت؟ هل نصمهم بالزندقة؟ هل نُبعدهم عن أوطانهم؟ هل نُلقي بهم في السجون؟ أم نعطيهم حرية التعبير والكلام؟ هذه جميعًا حلول مختلفة لتلك المشكلة الأدبية الأزلية.

وكتاب «سقراط: الرجل الذي جرؤ على السؤال» قصة صادقة قوية لرجل واحد استطاع أن يجد للمشكلة حلًّا بمفرده.

وقد رأيت أن أُقدِّمه لقُراء العربية لكي أنهض بشبابهم خاصة نحو المثل العليا الرفيعة التي ضحى من أجلها سقراط بحياته.

والله ولي التوفيق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠