الفصل السادس

اكتشاف

وكذلك لم يغب أنكسجوراس عن ذكر سقراط الذي لم يعرفه قط تمام المعرفة، فإن الرجل الذي يستطيع أن يقول: إنه لم يولد للمتعة أو الشهرة، وإنما وُلِدَ لدراسة الشمس والقمر والسموات لا بُدَّ أن يكون لديه شيء من العظمة، وليس من شك في أن المعرفة كانت لها أهميتها القصوى كما ذكر صانع الفخار العجوز ذات مرة، ولكي تعرف لا بُدَّ أن تدرس، ولا يكفي أن تتعجب؛ ولذا فقد انغمس سقراط في حماسة شديدة في دراسة ما كان يتناقله الحكماء عن صورة العالم، وكان بالأرض والشمس والسماء أقل اهتمامًا منه بالناس، ولكن إن كانت للأشياء صور، فقد كانت بالتأكيد لها جميعًا صورة واحدة، ولو عرف القوانين التي جعلت من الدنيا ما هي عليه؛ لاستطاع أن يأمل في تفسير الرجال والنساء كذلك.

ومِن ثَمَّ أقبل على الدرس سقراط، استمع إلى حديث العلماء الذين تجمعوا في غرفة الملابس في الملاعب، أو ساروا بين الأعمدة، ومن بينهم تلميذ لأنكسجوراس يُدْعَى أركيلوس، أطلق عليه فيما بعد اسم أستاذه، وآخرون من أمثال سمياس وسيبيز، من الأجانب الذين تشبعوا بنظريات العالِم الرياضي فيثاغورس، أصبحوا أصدقاءً له حميمين.

ولما كان لسقراط ذهن خاطف وعقل متطلع وذاكرة قوية، فسرعان ما عُرِفَ هو نفسه بالحكمة، وبات من المقرر أن يلتقي بأيِّ عالم يهبط إلى المدينة، ولما كان من دلائل التقدم أن تكون هذه الأمور مما يهتم به المرء، فقد كان سقراط يُدْعَى لحفلات العشاء في بيوت لا ترحب بأكثر من يعملون بأيديهم، بَيْد أن هذا لم يُغيِّر من سقراط شيئًا، كان يهمه أن يتعرَّف إلى كلِّ قادم جديد يلاقيه، وكان يهتم بمعرفة الناس أجمعين، غير أنه كان يقيسهم بأفكارهم لا بأكياسهم، أو كان لا يقدرهم البتة أي قدر، فإن ما وجده لديهم من علم أو مهارة لا يمكن أن يُقاس إلى الحكمة التي كان يبحث عنها، كان يبحث عن حكمة تُفسِّر له السبب في وجود الأشياء كما هي، كما أن معرفة صانع الفخار الخبير بنموذج الجرَّة يُفسر له شكل كل جرة يقوم بصنعها.

وذهل سقراط حينما عرف عدد الرجال الذين حاولوا من قبل أن يكشفوا عن نماذج الأشياء، فقد لبث الناس يتساءلون لأكثر من قرون من الزمان: مِمَّ صُنِعَ العالم؟ وكيف بلغ ما صار إليه؟ هذه الأسئلة كان يتساءل عنها أبناء الشرق والغرب من الإغريق، ولا تخطر على بال الأثينيين؛ لأنهم أشد جمودًا، ولم يكن أنكسجوراس جديدًا في زعمه، مثيرًا في تفكيره للأقوام الآخرين، كما بدا للأثينيين الذين كانوا يجابهون الآراء العلمية لأول مرة.

وقد أظهرت المقترحات التي صادفت سقراط عن الدنيا ونشأتها أن العلماء — كغيرهم من الناس — يمكن أن يتعجلوا في التفكير، مثال ذلك فكرة أمباذقليس الصقلي الحديث عن الأسماك، فقد حسب أمباذقليس أن الأحياء المائية يتألف أكثر أجسامها من الماء، كما أن الأحياء الأرضية تتألف غالبًا من التراب، والطيور التي تحلِّق في الهواء من النار، ولكن الأسماء استثناء من القاعدة، فهي مليئة بالنار وتهرب إلى الماء للتبريد، وفهم سقراط — عندما سمع بهذا — أن أمباذقليس كان يحاول أن يُفسر شيئًا شهده بعينه، لا بُدَّ أن يكون قد قصد المرفأ ذات صباح، ورأى الأسماك في زوارق السماكين، راقدة وهي تلهث طلبًا للماء، ولكن لماذا لم يتناول قط سمكة لكي يتأكد من حرارتها؟ ومع ذلك فإن هذا العالم نفسه قد وصف دورة الدم في جسم الإنسان وعملية التنفس، وصفًا يثبت ما لديه من ملاحظة دقيقة.

وهكذا سارت الأمور سنوات عديدة، كما كشف سقراط الملاحظة والحدس، الطيب منها والخبيث، يختلط بعضه ببعض في ارتباط واضطراب، وكان التقدم بطيئًا في بعض الأوقات، وكان من اليسير أن يثبط بالطريقة التي كان يعارض بها كل عالم غيره من العلماء، ولكن وراء هذا كله لمح سقراط الفكرة السامية عند هؤلاء العلماء التي جعلت حتى من حماقتهم ضربًا من ضروب الحكمة، كانوا جميعًا يبحثون عن قانون، قانون متوافق لا يتغير، يقسر جميع الأشياء.

فظنَّ أحدهم أن الماء مصدر كل شيء، إذ رأى المخلوقات المولودة حديثًا تزحف من الطين في مصر، بعد أن فاض النيل على شاطئيه، وظنَّ الآخر أن العالم المادي مصدره البخار منتشرًا أو مضغوطًا، وربما رأى البخار يتكاثف ويتحول إلى ماء والماء يتجمد فيصبح جليدًا، وقال ثالث: إن الدنيا لا بُدَّ أن تكون مصنوعة من النار التي تأتي إلى الوجود ثم تذهب، وثمت فكرة أخرى شاعت بصفة خاصة بين الأطباء في ذلك الحين، وهي فكرة أمباذقليس، الذي ارتأى أربعة عناصر — التراب والهواء والنار والماء، تمتزج بالشوق وتفترق بالنزاع، وهي في خلال ذلك تكوِّن الدنيا والأجسام البشرية.

وفي كلِّ هذه الأفكار عن مادة دنيوية أساسية مأخذ مشترك، وذلك أنه من العسير على أيِّ امرئ أن يُفسر كيف ولماذا تتحول هذه المادة — أيًّا كانت — إلى الأشياء التي نراها، وقررت — في الواقع — جماعة من الإغريق الغربيين أنه من المستحيل أن تقول: إن أيَّ شيءٍ من الأشياء يتحرك أو يتحول.

وكانوا يدلون بكلِّ ضروب الحجج القوية، ومنها الحجة التالية: تصور سلحفاة، وهي أبطأ المخلوقات، وتصور البطل أخيل العدَّاء السريع يتابعها جريًا، فهل نستطيع أن نتخيل أن أخيل يمكن أن يلحق بالسلحفاة؟ إنه لن يستطيع لو فكرنا في الأمر مليًّا؛ لأننا لو فرضنا أن أخيل يبدأ وراء السلحفاة ويعدو حتى يبلغ النقطة التي بدأت منها السلحفاة، فإنه سيجد أن السلحفاة قد تحرَّكت أصغر ما يمكن من مسافة، ولكن أخيل لم يلحق بها بعد، وقد تمر برهة قصيرة — قد تبلغ جزءًا من مائة من الثانية — حتى يصل أخيل إلى النقطة التي كانت بها السلحفاة أخيرًا، ولكن السلحفاة قد استغرقت تلك الفرصة من الزمن وتحركت إلى الأمام قليلًا، ويمكن أن يتكرر ذلك في المخيلة ولا يلحق أخيل بالسلحفاة مطلقًا، وهي فكرة تثير الضحك من غير شك، ولكن لما سخر منها الناس أجابهم زينون — وهو مؤلف اللغز — بأنه من الطبيعي أن يضطرب الأمر في أذهانهم لو اعتقدوا في الأمور المستحيلة مثل التغير والحركة.

هكذا قامت المشكلة، وكلَّما أمعن سقراط في التفكير اشتدَّت الأمور تعقيدًا، وبدأت الأمور — التي كانت تبدو من قبل يسيرة — تظهر عسيرة لديه كالنمو وإضافة الواحد إلى الواحد، وكأن هذا الجدل بين العلماء لا يؤدي إلى نهاية، وربما كان من الأسباب أنهم يعيرون قليلًا من الالتفات لما كان يحدث في الدنيا فعلًا، ويصوغون بدلًا من ذلك النظريات التي تقوم على غيرها من النظريات، ووجد سقراط أن الأطباء وحدهم هم الذين كانوا يحاولون فعلًا أن يمعنوا في الملاحظة، وحتى هؤلاء كانوا يضطربون أحيانًا عندما يحاولون أن يدخلوا كلَّ شيءٍ تحت نظرية العناصر الأربعة التي أخذ بها العلماء.

والعلماء أنفسهم في تلك الأيام كانوا يهتمون بما يهتم به الأطباء؛ أعني جسم الإنسان، تعجب العلماء من جسم الإنسان كما تعجَّب بركليز وصحبه الذين حسبوا الإنسان مخلوقًا عجيبًا، يكاد يفعل كل شيء تقريبًا، وقالوا: ما أعجب الإنسان من مخلوق! إن له عينين يستطيع أن يتلفت بهما إلى أيِّ اتجاه، ويستطيع أن يغلقهما لينام، لهما أهداب لتنقية الهواء، وحاجبان ليبعد بهما العرق، وله أسنان أمامية يقطع بها الطعام، وأسنان خلفية ليطحنه بها، وفمه قريب قربًا ملائمًا لأنفه وعينيه التي ينتقي بها ما يأكله.

ولما فكَّر أمباذقليس في كل هذا، بدا له أن مخلوقًا عجيبًا كالإنسان لا يمكن إلا أن يكون قد تطور بعد كثير من المحاولة والخطأ، ولا بُدَّ أن يكون قد مرَّت بالعالم في الأجيال السابقة مخلوقات عجيبة نجهلها اليوم: مخلوقات لها رءوس وصدور في مختلف الاتجاهات، ثيران لها وجوه الرجال، ورجال لهم وجوه الثيران، وقد اختفوا جميعًا عن الأرض وتردوا في هوة النسيان؛ لأنهم لم يصلحوا للبقاء، ولكن لما حدث أن الحيوان الذي كان ظهره من قطعة واحدة — كما كانت الحيوانات جميعًا في أول الأمر — قد التوى منه الظهر وانكسر كان هذا التطور مفيدًا فاستمر، وظن أمباذقليس أن هذا يُفسر لنا لماذا صارت السلسلة الظهرية عند الإنسان اليوم مركبة من قطع صغيرة متكسرة.

ووجد سقراط أن هذا الضرب من ضروب العلم شديد الجاذبية، وبخاصة عندما أخذ العلماء يتحدَّثون عن عقل الإنسان، كيف يفكر الناس؟ كانت للعلماء في ذلك عدة إجابات، كل منهم يحسب العقل عادة مصنوعًا من المادة التي يعتقد أنها المادة الكونية الأساسية، فكان العقل أنقى البخار أو أجمل النار، أو ربما كان الدم الذي يحوط القلب يحمل صورًا مما يرى وما يسمع، وذلك هو التفكير، وأمست الفكرة القديمة التي تقول بأن الناس يفكرون بالحجاب الحاجز فكرة بالية، وربما كان للذهن شأن به كما يقول بعض الأطباء.

وبعد ذلك بعدة سنوات، حينما كان سقراط يتحدَّث إلى بعض الشبان من أصدقائه الذين كانوا يحاولون أن يجدوا حلًّا لإحدى المشكلات، وقد أخفقوا في المحاولة مرة بعد أخرى، حذرهم من أن يكونوا من «الكارهين للتعليل»، وهو تعبير اخترعه ليصف به الشخص الذي تثبط همته كلما استخدم عقله، فيصبح «كارهًا للتعليل»، وقال: إن الحال مع مثل هذا الشخص تشبه إلى حدٍّ كبير ما يحدث للرجل الذي يبالغ في ثقته بالآخرين ثم يخيب فيهم رجاؤه، «من المؤسف أن الرجل الذي يلجأ إلى التعليل، فيجده صادقًا مرة وكاذبًا مرة أخرى، لا يلوم نفسه وعجزه، وإنما ينحي باللائمة في ثورة من الغضب على التعليل ذاته، ومن ثم فإنه يمقت التعليل ما دام حيًّا، ويسيء إليه في الحديث»، وذلك من أسوأ ما يحدث للمرء فيما كان يزعم سقراط، فكان يحث أصدقاءه ألا يقعوا في حبائله: «دعنا لا نُدْخِل إلى نفوسنا هذه الفكرة، وهي أنه ربما كان التعليل غير سليم، بل لنعتقد — بدلًا من ذلك — أننا نحن أنفسنا لسنا سليمين حتى الآن، ولنجاهد كما يجاهد الرجال في سبيل السلامة.»

وأدرك سقراط الخطر الذي يكمن وراء «كراهية التعليل»؛ لأنه هو نفسه قد تعرض لهذا الخطر، وقد استعاد في ذهنه خلال هذه السنوات كلَّ ما ورد على ألسنة الحكماء من ألفاظ: الجدال والتناقض والتفسير والتصحيح، وبدأ سقراط يتساءل إن كان يملك العقل الملائم لهذا الضرب من ضروب البحث، وقد ظن الناس أنه حكيم، ومع ذلك فبرغم كل ما كان يعرفه، فأي شيء هام كان يعلمه؟ إن التفسيرات التي كانت تقنع الآخرين لم تكن لتقنعه، وبدا له أنه أبعد عن الحكمة من أي وقت مضى.

ثم استمع ذات يومٍ إلى رجلٍ يقرأ من كتاب أنكسجوراس.

ولم يذكر فيما بعد ما كان يكتنف هذا الموقف من ظروف، هل كان ذلك في يوم عطلة ذات مساء بالملعب، أو في حفل عشاء في بيت أحد الأثرياء ممن يهتمون بالمعرفة؟

وأيًّا كان الظرف، فإن هناك مَنْ كان يقرأ ويستمع إليه سقراط، وكان سقراط يحسب أنه أعلم في تلك الأيام من أن تأتيه المعرفة من أيِّ إنسان، غير أن هذا الكتاب كان جديدًا، وصل إلى أثينا منذ عهد قريب، وكأنه كتاب غزير المادة، وكانت أكثر من لفافة من أوراق البردي ملقاة بجانب القارئ، وسُرَّ سقراط لما عرف بأن ذلك العالم الذي كرس حياته للعلم، والذي نفته أثينا بجهلها من المدينة، ما زال يواصل التفكير والعمل، وتساءل: أي كشوف جديدة عن النجوم يا ترى قد تمت؟

والكتاب مستهل بعبارة منسقة عن العناصر الأولى وأصل الأشياء، وقد ذكر أنكسجوراس أن كل الأشياء التي نشاهدها خليط، فهناك حرارة حتى في الشيء البارد، وإنما نسميه باردًا؛ لأن فيه من البرودة أكثر مما فيه من الحرارة، يقول أنكسجوراس: «هناك سواد حتى في الشيء الأبيض»، فأطرق سقراط رأسه؛ لأنه شاهد في الثلج بقعًا سوداء، كما أن بياض الثلج يختفي عندما يذوب، إن ذلك شديد الاحتمال.

واستمر القارئ يقول: «إن الأشياء الأخرى فيها جزء من كلِّ شيء، أما العقل فهو غير محدود ويتحكم في نفسه ولا يختلط بشيء، وإنما هو قائم بذاته، له سلطة عليا، ويسود كل شيء فيه حياة، صغيرًا كان أو كبيرًا، وكل ما قُدِّرَ وجوده، وكل ما وُجِدَ، وكل ما لا يوجد الآن، أو ما يوجد … كل ذلك رتبه العقل …»

وقيل كثير غير ذلك، ولكن سقراط لم يستمع إليه، ولو أن الآلهة أرسلت إلى قلبه ضياءً خاطفًا، لما بهره الضوء مثلما أحس الآن، إذ كان لهذا الكلام في النهاية معنى لديه، فلقد وجد أنكسجوراس الحل الوحيد الذي يُفسر كلَّ شيء، فإن في العالم فكرًا واحدًا يعمل، يرتب كل شيء على أحسن ما يكون الترتيب، ومن المؤكد أن العقل يعمل بهذه الطريقة، ينظر دائمًا إلى ما هو خير كالصانع الماهر، ولا يصنع الأواني الرديئة إلا صانع الأواني الجاهل.

وهكذا فإن العقل قد صنع — ولا زال يصنع — كلَّ شيء على خير ما يكون! إن تفصيل ذلك كله لا بُدَّ أن يكون في ذلك الكتاب، وسوف لا يكفي أنكسجوراس أن يذكر أن الأرض مسطحة أو مستديرة، بل إنه ليذكر أنه من الخير للأرض أن تكون كذلك، كما يذكر الأسباب، وسوف يذكر أية فكرة طيبة كانت في العقل الذي شكَّل كل شيء، وكاد سقراط أن يذهل عجبًا واهتمامًا بهذا الكشف العظيم، لن يكون بعد اليوم نزاع، ولن يكون عبث بذكر التراب والهواء والنار والماء كأسباب ما أتفهها من أشياء إن هي قورنت بهذا العقل الكبير المتحكم الذي يعمل طبقًا لمبدأ الخير!

وأثنى المستمعون على القارئ، وصاحوا قائلين: «ما أمتع هذا! وما أبرع أنكسجوراس!» وكان بعضهم لا يصغي إلا لأن الاهتمام بالعلوم كان واجبًا من الواجبات، ولما ألقى بالكتاب جانبًا تنفسوا الصعداء، ونقلوا الحديث إلى شيء يستطيعون إدراكه، فتناول سقراط الكتاب وحمله إلى حيث يستطيع أن يدرسه بنفسه.

وأسرع في القراءة بمقدار ما سمحت له طريقة الكتابة المضطربة التي كانت تُسْتَخْدَم في تلك الأيام، إذ كانت الكلمات كلها تتشابك بغير انفصال، وطالع الكتاب بأجمعه وإن كان قد أحس بعدم الجدوى من القراءة قبل أن ينتهي من الكتاب بوقت طويل؛ لأنه بعدما ألقى الكتاب جانبًا عرف دون أدنى أمل في الشك أن أنكسجوراس كان — بعد هذا كله — كغيره من الناس، فقد فسر العالم حقيقة كما فسره غيره بالتراب والهواء والنار والماء، ولم يزج بالعقل إلا لكي يشتت الخليط ويدفع بالأشياء إلى الحركة.

وليس الأمر إلا كأنك تضع يدك في حوض من الماء به أوراق من الشجر وأعواد وريش، كلها طاف فوق سطحه، وتستطيع أن تُحْدِثَ بيدك دوامة فتتفرق الأشياء على صور مختلفة، بعضها يقذف إلى حافة الدوامة، وبعضها ينجذب إلى مركزها، وليس «عقل» أنكسجوراس سوى اليد التي تحرِّك الدوامة، وإنما تفعل الدوامة ما بقي.

وأعاد سقراط الكتاب إلى صاحبه، وأخذ يتدبر ما فيه، وأحس بفراغ النفس لأن نشوته إنما كانت لكشف عظيم لم يتحقق، ورأى الآن في هدأته ذلك الحق الذي كان يزحف عليه خلال هذه السنوات التي قضاها في الدرس، إن العلماء قد يكونون محقين فيما يقولون عن التراب والهواء والنار والماء، وقد يجدون الجواب عن «كيف» كانت الأشياء و«كيف» صارت، بَيْدَ أن ذلك هو كل ما يستطيعون أن يجدوا، ولن يتبين لهم أبدًا «لماذا».

إن السبب (لماذا) لا يتعلق بمادة الأشياء، وإنما يتعلق بالغرض في الذهن، وقد عرف سقراط ذلك منذ اليوم الذي قضاه في محل ماوس، بَيْد أنه لم يعرفه حق المعرفة إلا في هذه اللحظة، والغرض الثابت في الذهن هو ما يراه المرء خيرًا، وسأل سقراط نفسه لكي يختبر هذه الفكرة «لماذا» أجلس هنا؟ و«لماذا» لست في الخارج مع أقريطون والآخرين، أقضي وقتًا طيبًا، ومحاولًا أن أنسي خيبتي وجهلي؟ هل ذلك لأن لي عظامًا متصلة تحت الجلد واللحم وعضلات تجذبها إلى هذا الوضع من الجلوس؟ أم هل ذلك لأني أعرف أنه من «الخير» لي ألا أنسى، وأنه من «الخير» لي أن ألبث هنا وأفكر، وأستخرج الحقيقة حيثما قادتني؟ وكان الجواب الصحيح على ذلك واضحًا.

هذه الحقيقة التي جابهها سقراط كانت حقيقة جليلة، وكانت كذلك حقيقة مزعجة من ناحية ما، وقبل أن يبعدها عن ذهنه فحصها من كل نواحيها ورأى كل جوانبها، وماذا عساها تدفعه إلى أدائه، رأى أنْ ليس في العالم بأجمعه بعجائبه ومشاهده وأصواته ما يبلغ في أهميته معرفة «الخير»، وما يظنه الناس خيرًا هو السبب (لماذا) في كلِّ شيء يفعلون، وهم مرغمون على أداء ما يرونه خيرًا، ولو أن رجلًا سرق من جاره وانقلب لصًّا وكاذبًا فإنما ذلك لأنه يتوقع أن يجد في هذا العمل خيرًا، وليس هناك من يسير وراء الشر وهو عالم بذلك.

ثم ما أفظع أن يكون المرء جاهلًا، وأن يخدع فيما هو خير، لا يهم المرء حسن تكوين جسده، ولا صفاء ذهنه؛ لأن حياته كلها تسير في اتجاه خاطئ لو كان «بالخير» جاهلًا، لقد كان سقراط دائمًا يمقت الجهل، ولكنه الآن رأى قبحه أوضح من أيِّ وقتٍ سلف، وأزعجه من التفكير في مدينة أثينا هذه العظيمة، بكلِّ مَنْ فيها من أفراد أذكياء عاملين يسيرون وراء ما يظنونه خيرًا، ولكنه قد يتبين كذلك أنه شر، إنهم لم يفتحوا أعينهم أبدًا حقًّا لكي يروا ويدركوا.

لقد عاش الناس وفقًا لقواعد يسيرة صدقوها وهم خاملون لا يفكرون، «لا تفر من المعركة.» أو «لا تعط المال للشحاذين.» أو «كوِّن لك أصدقاء، فقد تحتاج إليهم ذات يوم.» أو «استخرج المتعة من الحياة بقدر ما تستطيع.» ولكن مَنْ ذا الذي اكترث بالبحث عن «الخير»، وهو الغرض الحقيقي من الحياة، الذي ينبغي أن يتحكم في كلِّ عمل، وصاغ كل دقائق الحياة طبقًا للنموذج الحق، كالجرة يصنعها الخبير؟

وعرف سقراط عندئذٍ أن هذا البحث هو عمله الحق، إن معرفة «الخير» لها من قوة الجذب ما ليس للعضلات والعظام، وما رآه سقراط من أهمية معرفة الخير سوف يصوغ حياته، وسوف يقرر له كل ما يقوم به من عمل.

وأمكنه أن يرى أن أمامه طريقًا شاقًّا، ولسبب ما سِيق سقراط إلى البحث عن أعمق المعارف وأشدها عسرًا، وهو النحات الذي أحس أنه أشد الأثينيين جهلًا، ولا يستطيع حقًّا أن يفهم علم العلماء أو صناعات الصناع، وكأن عقله أصغر جدًّا من أن يبحث عن هذا الأمر الجليل.

ولم يستطع العلماء أن يعينوه أكثر مما فعلوا، وأدرك ذلك الآن في جلاء ووضوح، فقد كانوا يعملون في مشكلة أخرى، وخير وسائلهم وأدقها هي دراسة الأشياء التي يمكن أن تُرَى وأن تُمَسَّ، ولكن لكي يفهم المرء السبب (لماذا) لا بُدَّ من إيجاد طريقة جديدة، وليست ملاحظة مسير الشمس والقمر، فقد انتهى سقراط من ذلك إلى الأبد، بل وليست دراسة جسم الإنسان العجيب.

لم تكن مشكلة سقراط هي الإنسان ممثلًا في عضلاته وعظامه وإنما هي مشكلة الإنسان كذات مفكرة راغبة حية، تهتم بالخير والشر، الإنسان الذي يمكن أن لا تقيسه العضلات والعظام وشق على سقراط أن يجد لهذه «الأنا» من الإنسان اسمًا فاستعار لفظة كانت لها معانٍ أخرى، وتشجَّع فأطلق عليها «النفس».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠