موازنة بين الدراما المصرية والدراما اليونانية

يلاحظ القارئ من دراستنا السابقة أنه يوجد بين المتون المصرية ثلاثة مؤلفات يمكن نعتها على وجه التحقيق بأنها «درامات»: اثنتان منها أقدم من أية دراما إغريقية، أما الثالثة — وأعني بها تمثيلية «إدفو» — فإنه يحتمل جدًّا انتسابها إلى عصر أوائل الأسرة الثالثة، وإن كانت النسخة التي وصلت إلينا منها ترجع إلى عصر البطالسة، وحتى في هذه النسخة الأخيرة نجد أدلة على أنها ترجع إلى نسخة من عهد أواخر الدولة الحديثة، وعلى ذلك يمكننا أن نقول بلا تردد: إن الإغريق لا يمكنهم بعد الآن أن ينسبوا هذا الشرف لأنفسهم فيدعوا أن بلادهم مهد «الدراما»، بل إن مصر هي الجديرة بهذا الشرف؛ لأن لها القدم السابقة في هذا الفن. يضاف إلى ذلك أنه يمكننا تتبُّع الخطوات التي درجت فيها «الدراما» الإغريقية من أول نشأتها وليدة حتى نضجها. أما في مصر فإن أقدم «دراما» عُثر عليها كانت ناضجة كاملة. وقد وضعت في صورة تقرب من التمثيليات التي نجدها في مسارحنا الحالية. وذلك ما لا نشاهده في «الدراما الإغريقية»؛ فقد كانت في كل عصورها محافظة على فرق المغنين التي كانت تعوق سلاسة سير الحوادث في التمثيلية. والتي كانت تعمد إلى حذف تمثيل الحوادث الجسام في أهم تمثيلياتها.

أما «الدراما المصرية» فعلى قدر ما نفهم من المتون والرسوم نرى أنها كانت خالية من تلك النقائص، ولا أدلَّ على ذلك من «تمثيلية إدفو» التي تضارع الدراما الحديثة من حيث تمثيل حوادثها وحوارها اللطيف، وتضحية فرقة المغنين في سبيل إظهار شخصيات الممثلين. هذا إلى أن كل التمثيليات المصرية كانت على ما يظهر تحتوي على تعليمات مسرحية وقوائم بمعدات المسرح.

ومع ذلك فإنه يوجد بعض نقط تشابه بين المدرسة الإغريقية والمدرسة المصرية في «التمثيل الدراماتيكي»، وقد يكون من المفيد أن نفحص هذه النقط المختلفة في كلٍّ لنرى أين تتلاقيان وأين تختلفان، وسنتكلم أولًا عن الموضوع والهدف؛ فنجد في كلتيهما الموضوع مقتبسًا من تاريخ القوم المقدس، أما الشخصيات فإنها مأخوذة من الآلهة وأنصاف الآلهة والأبطال والمخلوقات التي فوق البشر مع فارق هو أن الآلهة في مصر كانوا هم العنصر السائد في الدراما.

وكذلك نجد في كلتا الحالتين أن هذه «الدرامات» كانت تمثل في مناسبات الأعياد الدينية. ونجد في كل من الدراما المصرية والإغريقية أن الموضوع يحتوي على حوادث محزنة كقتل «أوزير» في الدراما المصرية، أو موت الملك وتمثيل موته كما حدث لأوزير في «تمثيلية التتويج»، ومثال ذلك في «الدراما الإغريقية» قتل بطل التمثيلية كما في دراما «أجممنون» التي ألَّفها «إيسكلس». غير أنه في كلتا الحالتين لا يحق لنا أن نعد أية واحدة من الاثنتين «تراجدي» بالمعنى الحديث الذي نفهمه الآن؛ أي (مأساة)؛ وذلك لأن نهاية التمثيلية في كل منهما لا تنتهي بحادث مفجع، بل تختتم بحادث يدعو إلى الرضا والارتياح. وفي هذه النقطة أيضًا خلاف بين الدرامتين؛ ففي الدراما المصرية نجد كل تمثيلية وحدة قائمة بذاتها، وبدايتها تحرِّك عواطف النظارة وتقودهم إلى البكاء لقتل «أوزير» مثلًا، وللآلام التي قاساها كل من «إزيس» و«حور»، ولكن نهايتها فرح وسرور، كبطل القصة عندما ينتصر الحق على الباطل والطيب على الخبيث، وفي «الدراما المنفية» نجد كذلك المتخاصميْن يتصالحان في نهاية الأمر، كما تنتهي «تمثيلية التتويج» بفوز «حور» وتتويجه ملكًا على البلاد، و«حور» هنا يمثله الملك «سنوسرت الأول» الذي خلف والده «أمنمحات الأول» بعد أن قتله المتآمرون حسب أحدث الآراء.

أما «الدراما الإغريقية» فإن كل تمثيلية مع استقلالها بذاتها كانت في الوقت نفسه جزءًا من مجموعة ثلاث تمثيليات أو أربع. وكانت إذا مثلت متتابعة وصلت بالنظارة إلى خاتمة منسجمة مرضية؛ مثال ذلك ما نشاهده في مجموعة تمثيلية «أجممنون» السابقة الذكر؛ ففي الجزء الأول منها نجد أن بطل الرواية قد قُتل على يد الملكة الحقود الخائنة زوجه، وقد انتحلت عذرًا لفعلتها الشنعاء أن «أجممنون» قد ضحَّى فيما سبق بابنتهما قربانًا للآلهة. وفي التمثيلية الثانية «حاملات القرابين» نجد أن «أورستس» بن «أجممنون» يقتل والدته انتقامًا منها لقتلها والده.

أما في التمثيلية الثالثة من المجموعة المسماة «يومنيديز»،١ فنجد أن «أورستس» تتبعه «الفيوريز» (وهن إلهات القدر والانتقام)، وهي أرواح خبيثة تعذب القاتل، ويحتمل أنها رمز للضمير المذنب، في حين أن آخرين ينظرون إليهن بأنهن يُمثلن اللعن، وقد تعقبوا «أورستس» من أرض إلى أرض إلى أن أعياه التعب حتى سلَّم نفسه في النهاية إلى «محكمة الحكماء المسنين» في «أثينا»، وقد كان هذا التسليم وفقًا لنصيحة الإله «أبولو»، فحكموا ببراءته، وذلك حسب إرشاد إلهتهم «أثينا»، وبذلك أصبح هادئ النفس مرتاح الضمير.

وتجد في كل من «الدراما المصرية» و«الدراما الإغريقية»، أن العواطف التي تمثَّل فيها عواطف سامية راقية في هدفها؛ ففي التمثيلية المصرية، نشاهد دائمًا أن الطيب يفوز على الخبيث. أما عند الإغريق فنجد أن الانتقام الإلهي يناهض فاعل السوء إلى أن يتمم القدر أخيرًا عمله، وينتهي في خاتمة المطاف إلى نهاية مريحة كما شاهدنا من قبل في تمثيليات «أجممنون» الثلاث.

غير أن طريقة التعبير عن هذه العواطف السامية تختلف في كلا البلدين؛ فنجد الإغريق بما وهبوا من قوة الخيال وغزارة الأساليب المعنوية يضعون حوارهم في جمل مطولة خصبة في ألفاظها وتشبيهاتها، ولكن الحوار المصري كان يدور في جمل قصيرة مقتضبة. ولا يمكننا هنا أن نقطع بهذا الرأي عن التعبير المصري؛ لأن معلوماتنا عن الدراما المصرية لا تزال ناقصة في بعض نواحيها.

وفي الوقت نفسه يجب أن نلاحظ أن هذه التمثيليات إنما وضعت لتمثل «خبايا دينية»، وأن كل كلمة فيها قد تحمل في ثناياها قصة يفهمها المتفرج العالم بها. وقد حدا هذا الاختصار في التعبير بعض الكتاب إلى الاعتقاد بأن هذه الوثائق التي نطلق عليها اسم «دراما» ليست «دراما» حقيقية، بل إنها كتب ملقن على المسرح. وأعظم مثال لدينا في هذا الصدد ما نجده في المسيحية عندما يشير المسيح إلى نفسه بقول: «إني أنا الحمل.» فهذه الجملة عند من يفهمونها تحمل في ثناياها تاريخ تضحية المسيح بنفسه. يضاف إلى ذلك أن أقدم «دراما مصرية» لدينا رغم ما سبقت الإشارة إليه من أنها كانت ناضجة التكوين والوضع الفني، نلمح فيها ظهور بعض إصلاحات فنية بين «الدراما المنفية» و«دراما إدفو»؛ إذ نجد أن الأخيرة أغنى في حوادثها ومحاوراتها عن سابقتها.

أما في تركيب التمثيليات فإننا نجد كذلك الاختلاف بين المصرية والإغريقية؛ ففي «الدراما المصرية» يسرد الحوادث واحد؛ فمثلًا في «مسرحية إدفو» نجد الملقن «هو الكاهن المرتل» واحدًا. أما عند الإغريق فنجد أن الحوادث تغنِّيها فرقة المغنين. وإذا اتفق أن وجدت فرقة المغنين في «الدراما المصرية» فإنها تكون في المرتبة الثانية بالنسبة للممثلين، وتستعمل فقط كما في التمثيليات الحديثة لتسبغ جوًّا على الحادثة التي تمثل. أما عند الإغريق فالحال على العكس.

ويلاحظ في «الدراما المصرية» أن المحاورة تعلو على الغناء، وفي الحق لا تستطيع أن نقطع بأنه كانت هناك أجزاء تغنَّى في «الدراما المنفية» أو «دراما التتويج»، ولكن يظهر أنه كانت توجد فرقة مغنين (كورس) في «تمثيلية إدفو». وإذا كانت الأمور تقاس بأشباهها فإن إقامة العمود المقدس «زد»، وهو من الحوادث الهامة التي مُثِّلت في «دراما التتويج» برهان قاطع على وجود الغناء والرقص في التمثيلية المصرية؛ لأنه قد عثر حديثًا في قبر «خيروف» على مناظر تمثل هذا الحادث، ومن أهم ممثليه المغنون والمغنيات، والراقصون والراقصات. أما عند الإغريق فكان الغناء يعتبر روح التمثيلية.

وفي مصر نجد كل الحوادث الدراماتيكية الهامة تحدث على المسرح أمام النظَّارة، فنجد مثلًا في الدراما المنفية «إزيس» و«نفتيس» تنقذان جثة «أوزير» من الماء، وفي «تمثيلية التتويج» نشاهد المبارزة بين «حور» و«ست» على المسرح أمام المتفرجين، وكذلك نشاهد الحرب بين «حور» و«ست» في صورة فرس البحر تمثل على المسرح، وكذلك ذبح «ست» وتمزيق أوصاله في آخر فصل من «تمثيلية إدفو». أما عند الإغريق فلم نجد شيئًا يماثل هذا؛ ففي تمثيلية «أجممنون» الثلاثية نجد أن تضحية ابنة بطلها للآلهة قد وصفتها فرقة المغنين ولم تزد، وكذلك نشاهد أن موت «أجممنون» قد حدث وراء أبواب مغلقة، ونسمعه فقط يصيح قائلًا إنه قد ضرب ضربة مميتة.

أما فظاعة هذا العمل وانتظار المتفرجين للوصول إلى حقيقته، فلا نعلمه من المغنين الذين تلكئوا وساد بينهم الاضطراب في تقرير ماذا يفعلون. وكذلك نشاهد أن موت «كليتمنسترا» وحبيبها في تمثيلية «حاملات القرابين» لم يحدث على المسرح، فمصر إذن من هذه الناحية أقرب إلى التمثيل الحديث من اليونان في تصوير الحوادث الجسام وتمثيلها على المسرح.

أما الرقص فالظاهر أنه كان موجودًا في «الدراما المصرية»؛ ففي «تمثيلية التتويج» قد ذكر أن «تحوت» كان راقصًا، ونعرف من الرسوم التي على الجدران أن الرقص كان يلعب دورًا عظيمًا في الأعياد والاحتفالات الدينية المختلفة كما ذكرنا من قبل، وعند الإغريق كان رقص الفرقة (كورس) من الأمور التي لا غِنَى عنها في الدراما.

ومن الفروق بين الدرامتين أن بعض ممثلي مصر، وهم الذين يقومون بدور إله في صورة حيوان كانوا يلبسون وجوهًا مستعارة. وإذا لم نجد ذلك مذكورًا بصراحة في التعليمات المسرحية فإننا نشاهده في الرسوم التي على جدران معبد إدفو، وهي التي قد وضعت لتكون بمثابة إيضاحات للتمثيلية، فنرى فيها آلهة برءوس حيوان يمثلون في الواقع شخصيات في الرواية، يضاف إلى ذلك أننا قد عثرنا على وجوه مستعارة لبنات آوى وأسود حقيقية، وهي موجودة الآن في المتحف المصري وغيره من متاحف العالم، وكذلك نعلم أن الوجوه المستعارة كانت تستعمل في الاحتفالات الدينية الأخرى (راجع Melanges Maspero Vol I b. 251). ويلاحظ في التعليمات المسرحية التي في «تمثيلية التتويج» أن بعض الحيوانات المقدسة كانت تتقمَّصها بعض الآلهة. وكذلك بعض الطيور (راجع Der Dramatische Texte p. 99. ff).

أما في الدراما الإغريقية فنجد أن كل الشخصيات تلبس وجوهًا مستعارة، وكلٌّ منها يمثل هيئة الشخص الذي ينتحله ودوره جديًّا أو هزليًّا. والظاهر أن الدراما المصرية — على قدر ما وصلت إليه معلوماتنا — كانت تمثَّل إما في المعبد أو بالقرب منه، وكان يمثَّل جزء منها على الأقل في سفينة أو سفن عائمة على رقعة من الماء؛ ففي تمثيلية التتويج يظهر أن الدراما كانت تمثل في أكثر من مدينة. وربما كان ذلك هو السبب في أن جزءًا كبيرًا كان يمثل على سفينة. يضاف إلى ذلك أن الحوادث الهامة — مثل موت «أوزير» في الدراما المنفية والموقعة التي نشبت بين «حور» و«ست» في تمثيلية إدفو — قد حدثت فعلًا في الماء. ولكن لا نعلم إذا كان تمثيل الدراما المنفية في عدة مدن قد حدث في وقت واحد أو في أوقات متتابعة. أما عند الإغريق فكان التمثيل المسرحي يؤدَّى على مسرح كان في الأصل بناءً مؤقتًا من الخشب، ثم أصبح فيما بعد بناءً ثابتًا مشيَّدًا من الأحجار.

ونعلم فيما يختص بعدد المرات التي كانت تمثَّل فيها الدراما في مصر أن كلًّا من تمثيلية إدفو والدراما المنفية كانت تمثل سنويًّا. أما تمثيلية التتويج فيظهر أنها كانت قد ألفت لتتويج «سنوسرت الأول» بخاصة دعاية له، ولا ندري أكان يعاد تمثيلها كل سنة أم لا يعاد.٢

أما عند الإغريق فكان من النادر جدًّا أن تمثل الدراما أكثر من مرة أو مرتين. والسبب في ذلك يرجع إلى أنه كانت تعقد منافسة لأحسن الإنتاج من هذا النوع؛ ولذلك كان الكتَّاب ينتجون باستمرار أحسن ما تجود به عقولهم؛ لينالوا قصب السبق على مناظريهم.

ويظهر أن الممثلين كانوا في مصر ينتخبون من بين رجال الدين، وأن الملك نفسه وأفراد الأسرة المالكة كانوا يلعبون دورًا في هذا التمثيل في مناسبات خاصة، ويظهر ذلك جليًّا في تمثيلية التتويج وتمثيلية إدفو، ولكن بطبيعة الحال كان يقوم بدور الملك نائب عنه، وقد كشفت لوحة جنازية في إدفو سنة ١٩٢٢، ويرجع تاريخها إلى الألف الثانية قبل الميلاد، وهي تبيِّن لنا بجلاء أنه كان يوجد بمصر أشخاص يحترفون مهنة التمثيل، وكانوا يجولون في البلاد ويقومون بتمثيل أدوارهم، وأن اثنين منهم كان أحدهما يقوم بدور الملك والآخر بدور الإله. وهاك الجملة التي تشير إلى ذلك في هذه اللوحة: «لقد رافقت سيدي في جولاته دون أن أخفق في الخطابة؛ ولقد جاوبت سيدي على كل خطبة: فإذا كان هو إلهًا كنت أنا ملكًا، وإذا كان يقتل كنت أحيي»،٣ ولا شك أن هذا يدل ضمنًا على وجود مسرح في مصر ثابت أو جائل.
أما عند الإغريق فكان هناك جماعات يحترفون التمثيل تحت إشراف رئيس «الكورس»؛ أي فرقة المغنين. وقد كانت تكاليف تعليمهم وغيرها يقوم بدفعها رجال من أهل اليسار يطلق عليهم اسم «كوريجي»،٤ وكان كل ما تصبو إليه نفوسهم وتتطلع إليه كبرياؤهم وحب الظهور الذي يتغلغل في نفوسهم أن ينالوا أحسن جائزة لأحسن إنتاج.

والظاهر أن المصري كان يعتمد في تمثيل مناظره على المناظر الخلقية الطبيعية لبحيرة المعبد. هذا إلى أننا نشاهد من القوائم والتفسيرات التي نجدها في تمثيلية التتويج وفي رسوم الدراما المنفية أنهم كانوا يستعملون أمتعة أخرى لخلق جو المنظر الذي كانوا يريدون تمثيله، أما عند الإغريق فنعلم أنهم كانوا يستعملون المناظر الملونة لتمثيل الجو الذي يريدونه.

١  هذه اللفظة معناها الأرواح الخيرة، وهي تسمية من الأضداد، فتمثل كذلك الضمير الخبيث؛ إذ يتقمصها وخز الضمير وآلامه.
٢  المرجَّح أن هذه الدراما ترجع إلى أصل قديم جدًّا، بل ربما تشارك الملكية المصرية في عمرها.
٣  راجع: Ce Que l’on sait du Theatre Egyptien. B. 15.
٤  راجع ما كتب عن الدراما اليونانية: Glotz History of Greece Vol VIII B28 etc.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠