خيانة مشروعة

منذ ماتت أختي بالحب تذكَّرت أنني لم أرَ وجه أمي منذ ولدتني، والجدة العجوز نُناديها ستنا الحاجة. نتجمع حولها في بيت الأطفال تحكي لنا عن أرواح الجان. جنية البحر تمشي في الليل على حافة البحر. رأسها امرأة، وذيلها سمكة. يتحول الرجل بين يدَيها إلى مخلوقٍ آخر، تسحره أو تسخطه فيصبح قرموط سمك أو عجلًا صغيرًا أو خروفًا. يُمأمئ بصوتٍ خافت ويتمسح بساق امرأة أخرى قادرة على السحر، تفكُّ طلسم المرأة الأولى وتُعيده بشرًا. يصبح رجلًا من جديد. يسير مُختالًا برجولته ناسيًا المرأة التي خلقته. يسعى إلى امرأةٍ أخرى تسخطه من جديد قردًا أو جروًا صغيرًا مقطوع الذنَب. يمسح برأسه بين قدمَي امرأة جديدة ساحرة. وتدور حكايات ستنا الحاجة، الليلة وراء الليلة، ألف ليلة وليلة تذوب البداية في النهاية كما يذوب النهار في الليل، وصوتها لا ينقطع، وحكاياتها لا تنتهي حتى تبدأ من جديد، تخشى الانقطاع، كأنما انقطاع الحكاية يعني انقطاع حياتها مثل شهرزاد. من هي شهرزاد يا ستي الحاجة؟ وتبدأ الحكاية من جديد. ترك الزوج امرأته إلى امرأةٍ أخرى، وحين عاد وجد امرأته بين أحضان العبد الأسود. قتل الزوجة وأقسم أن يقتل كل ليلة عذراء. كان الزوج أبيض البشرة من سلالة الملوك يجلس على عرش الأرض، وفي كل ليلة يمتطي سيفه ويسأل الله: كيف تُفضل المرأة عبدًا أسود على الملك شهريار؟ ويأتيه صوتٌ من أعماقه يُشبه صوت أبيه: لأن النساء خائنات بالطبيعة مثل أمهن حواء.

وقاطعتها وهي لا تكفُّ عن الحكاية: لكن الملك كان يخون الملكة مع جاريةٍ سوداء. وقالت: وما له يا بت؟ خيانة الرجل مشروعة بأمر الله، لكن خيانة المرأة من الشيطان.

تساءلت وأنا طفلة: لماذا كانت بشرة الملوك دائمًا بيضاء، وبشرة العبيد سوداء؟ كانت بشرتي سمراء، فهل أنا من سلالة العبيد؟ بصقت ستي الحاجة في فتحة جلبابها وصاحت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الشر بره وبعيد، أنت من سلالة الأسياد.

منذ فتحت عيني على الحياة في بيت الأطفال وأنا أسمعهم يُنادونني بنت الله، ومنذ ماتت ستي الحاجة وأنا أنظر إلى بشرتي السمراء في المرآة، وفي أحلامي أرى وجه أبي أبيض كوجه الملك شهريار. من أين جاءتني البشرة القاتمة؟ هل خانت أمي أبي مع عبدٍ أسود؟ هل أنا بنت الشيطان ولست بنت الله؟

وأرى نفسي أجري هاربةً في الظلمة وليس معي إلا كلبي مرزوق، ومن خلفي رجالٌ كثيرون يجرون ورائي فوق رءوسهم قبعاتٌ عسكرية، ومن خلفهم كلابٌ تلهث، وأكاد أفلت حين أصعد الهضبة بين البحر والنهر. يملأ صدري هواء المكان. في صدري حنين منذ الطفولة لهذا الهواء ورائحة أمي قبل أن تموت، وقدم أبي محفورٌ فوق المكان قبل أن يهرب. كان يمكن أن أفلت منهم وأنجو، لكني تذكَّرت وتوقَّفت، وفي الوقفة أصابتني الطفلة في ظهري. كانوا يضربون من الخلف وأبدًا لا يُواجهونني وجهًا لوجه، وقبل أن أنسى الحروف وتتلاشى الذاكرة سمعتهم يقولون: ثمرة الخطيئة، ولمن يقتلها جائزة في الدنيا والجنة في الآخرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١