لقاء الزوجة الأخيرة والابنة غير الشرعية

لم أكُن أتعجَّل رحيله داخل الصندوق؛ فهو رغم الموت يُضيف إلى حياتي نوعًا من «الحوار»، وكان لا «يُحاورني» في حياته، ويكتب عن «الحوار» المقال وراء المقال. صامت طول الوقت، أو يتكلم طول الوقت ولا شيء بينهما. لا يسمع إلا نفسه، ولا يرى إلا صورته داخل البرواز فوق مقبرة من الرخام، ويُمارس الكتابة بحكم العادة. يُمسك القلم بيده اليمنى، ورأسه يُمسكه بيده اليسرى كأنما يحمي عقله، وتمتنع عنه الكتابة بألم ودون ألم كالمرض الشهري. ويجلس في الصيف يرشف الخمر مع حبَّات الفول، وفي الشتاء يتمطَّى تحت الشمس، ويتثاءب المرة وراء المرة يطرد الهواء الفاسد من رأسه ويستردُّ وعيه الغائب. في الدور العُلوي في أكبر بناية يجلس إلى مكتبه ينظر إلى الأوراق والصور. يرى صورته إلى جوار الإمام في اجتماعات القمة، ومجالس البرلمان والشورى، وحفلات الأعياد والأفراح، واختيار ملكات الجمال وعارضات الأزياء والشهيدات المثاليات، وتوزيع الجوائز في عيد الأدب والفن على أعضاء حزب الله وحزب الشيطان، وهو واقف في الصف الأول تُطل عليه من شرفة الحريم عيون الزوجات المُحصَنات، وأرامل الشهداء والأمهات المثاليات ونساء البر والإحسان، تتوسطهن زوجة الإمام. تمدُّ يدها الصغيرة الناعمة تلمع في أصابعها فصوص الماس كالإشعاع، تقدِّم إليه جائزة الأدب الرفيع وحسن السير والسلوك، وترتفع الأكفُّ السمينة البضَّة بالتصفيق، والأجسام المربَّعة داخل ملابس الحداد مُنتصبة فوق الكعوب الرفيعة، وقلوبهن تخفق داخل الصدور يهتفن في نفسٍ واحد: «الله. الوطن. الإمام.»

ولا يكفُّ جرس التليفون عن الرنين فوق مكتبه، يرفع السماعة ويُعطيني ظهره، وفي الأسلاك يهمس الساعة وراء الساعة، وبعد أن ينتهي يقول لي: لا يجوز للزوجة الشرعية أن تُفاجئ زوجها في مكتبه كرئيس الأمن. وأضحك وأقهقه بصوتٍ عالٍ وأقول: ليست مفاجأة، ولكن لا يجوز للمرأة ألا تمرَّ على زوجها الشرعي في طريقها إلى موعد الحب. ويرفع رأسه إليَّ ويستدير بكل جسمه في المقعد نحوي، عيناه تلمعان بالشبق، يرغبني أكثر كلما رغبت غيره، وينظر إليَّ بكل وجهه وأنا أنظر إلى الناحية الأخرى. وفي الليل يُحاول امتلاكي دون جدوى، ويُمسك القلم ليكتب فلا يكتب شيئًا. وفي الصباح يرى المقال نفسه منشورًا للمرة المائة أو الألف، ووجهه داخل البرواز قديمًا أقدم من وجه آدم عليه السلام، ويغزوه الفشل كالعرق من جميع مسام الجسم، وأراه يُغالب الهزيمة كذبابةٍ سقطت في صحن العسل. يمسح وجهه بالمنديل ويبتسم فجأةً، كأنما غلبه الحزن بغتةً، ويقول: أنا مريض بالكتابة، والكتابة كالحب تقتل. وأقول: الكتابة لا تقتل، ولا يقتل إلا غياب الوعي. والحب لا يقتل، ولا يقتل إلا غياب الحب. ويرمقني بعينَين مليئتين بالغيرة، يودُّ لو عاد إليه الوعي لتعود إليه الكتابة، يودُّ لو عرف الحب كما أعرف فأحياه الحب بعد الموت، وتظل الابتسامة فوق وجهه ثابتة، وأدرك أنه أخفى الحزن في قلبه حتى الموت. وكنت أسمعه يضحك ويُقهقه، وأظن أنه غير قادر على الحزن. أتركه في الغرفة يكتب وهو لا يكتب. وفي الصباح أرى المقال يملأ الصفحة وصورته داخل البرواز، وأظن أنه وجهه الجديد، فإذا به الوجه القديم.

•••

رفعت رأسي إلى فوق، ورأيت وجهها الشاحب النحيل وعينَيها السوداوين تلمعان في الليل كالنجمين. قلت: من أنت؟ قالت: أنا ابنته. قلت: أنا زوجته الشرعية، ولم تكن له ابنة. قالت: هرب من أمي وأنكرني وأنا طفلة. قلت: أنت ابنته غير الشرعية؟ قالت: نعم. وارتدَّت عيناي إلى الوراء عن عينَيها، وفي ارتدادة العين عن العين ارتجَّ الجسد، وفي ارتجاجة الجسد ارتجَّ العقل، وعاد إلى الوعي، وأدركت أنه ميتٌ داخل الصندوق، وأنها شابةٌ عذراء مثلي، تقف على ساقَين اثنتين وليست من ذوات الأربع، ولها ذراعان ويدان، وفي كل يد أصابع خمس، ويدها ممدودةٌ نحوي بلا خوف، وصدرها مكشوف. ومددت يدي نحوها وفي قلبي رعدة، والتقت أيادينا فوق جسده الممدود في الصندوق. أمسكتْ يدي في يدها بقوة، وأمسكتُ يدها في يدي صغيرة الكف كالطفلة بحجم كفي. وملمسها دافئ بحرارة جسمي. وامتدَّت الأذرع الأربع بعد امتداد الأيدي وتعانقت، ومن بعدها تعانق الجسم مع الجسم، وقلت: أين كنت؟ ومتى وُلدت؟ وهل أنت على قيد الحياة؟ وظلَّت صامتة لا ترد، تنظر إليَّ بعينَين تتَّسعان لحزن العالم، وسارت نحو النافذة بخُطًى بطيئة. أطلَّت على الكون تفرد ذراعَيها كأنما تنشد الله أو الأم أو الأب، وتعلَّقت عيناها بالصورة داخل البرواز المحفور على الصندوق، ثم ارتفعت إلى السماء وأقواس النصر وقباب الكنائس ومنارات الجوامع، ثم هبطت إلى الأرض والشوارع والبيوت والدكاكين، والناس يشربون العصير، والأطفال بملابس العيد يُطيرون البالونات، وترتفع البالونات في السماء تحت الشمس مع صيحات الأطفال ومع هواء النهر وهواء البحر، يسري صوت الأطفال في جسدها يرجُّه كالضحك، وتُفرد ذراعَيها تحتضن الصوت، وتحتضن معه الشمس كأنها الأم.

•••

كنت واقفةً أشهدها وهي تُطل من النافذة، وسمعت أنفاسها تلهث كالنشيج المكتوم، أو الضحك المُتقطع كالشهقات، ولهاثها لا يهدأ كمن كانت تجري دون توقُّف، وقلبها يدق بصوتٍ مسموع في أذني، ويدها فوق قلبها تحت الثدي الأيسر فوق الجرح الغائر في اللحم، ووجهها شاحبٌ بغير دم، وعيناها جافتان بغير دموع، والنني أسود لامع كعين السماء في الليل. سمعتها تقول بصوتٍ هامس كحفيف الشجر: لم أكن أبكي حين تُصيبني الضربة من الخلف. أستدير وأتلفَّت حولي باحثةً من أين جاءت الطعنة، وأنهض واقفةً ويدي فوق الجرح أوقف نزيف الدم، وأسير رافعةً ظهري ووجهي نحو الشمس. أجتاز الشوارع والبيوت والنوافذ المغلقة والأبواب المغلقة، وأتوقَّف عند الباب الوحيد المفتوح، يعلوه الاسم: «بيت السعادة.» وأقول إنه الباب إلى الله. لم أكن رأيت أمي منذ ولدتني. قالوا: إن الله أخذها. وقلت: إذا وجدت الله وجدت أمي. في النوم أمشي وذراعاي ممدودتان أمامي في الظلمة باحثةً عن أمي، ولم أكن رأيت الله وجهًا لوجه إلا في الحلم، وفي بيت الأطفال كانوا يُنادونني «بنت الله». ومن فوق السور العالي أرى قبة الكنيسة ومنارة الجامع. وقال حارس المنارة: إن الله ليس له بنت ولا ولد. وقال حارس القبة: إن الله هو الأب والابن والروح القدس. ولم يسمع أحد عن بنت الله، ولم أكن رأيت أبي منذ وُلدت. تصوَّرت أنه الله، لكنني سمعت أنه كاتبٌ كبير في بلاد الإمام، وله مال وبنون، وسمعةٌ طيبة، وليس له أعداء في حزب الله أو حزب الشيطان، ويُحبه الجميع أصدقاء وأعداء، ويعيش مع زوجته الأخيرة حياة الزهد كالمسيح، لا يقربها إلا ليلة الخميس. وصباح الجمعة يخرج إلى الصلاة وراء الإمام بغير وضوء. وبعد الصلاة وهو راكعٌ يهزُّ رأسه ناحية اليمين يقدِّم فروض الطاعة والولاء لحزب الله، ثم يهزُّ رأسه ناحية اليسار يُلقي التحية على أعضاء حزب الشيطان. ويستغفر الله ثلاث مرات قبل السجود وبعد السجود، ثم ينهض خفيف الجسم كالمولود الجديد طاهرًا من كل الذنوب. يُغادر غرفة العبادة وراء الإمام. يسير الهوينى مُطرِق الرأس بخطواتٍ بطيئة يُتمتم بآيات الله. يردِّد أسماءه الحسنى على حبَّات المسبحة. يجتاز السرداب الرفيع كالصراط المستقيم بين غرفة العبادة وغرفة الخمر في الدور الأرضي بالقصر. يسبقه الإمام بخطوةٍ يدخل أمامه، وهو من خلفه يدخل. يشربان نخب الصداقة القديمة، ويسترجعان ذكريات الصِّبا في بيت السعادة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١