وجه البابا القديم

سمعت الطلقات بأذني ورأيت الإمام يسقط. وجهه كان معلَّقًا في السماء يعكس شعاع الشمس. دوَّى الصوت كالرعد وتحوَّل الضوء إلى إشعاعٍ نووي. أصبح وجهه ناحية الأرض بلون التراب. فوق المنصة كان وجهه مُضيئًا كوجه الله. انقلب عند السقوط وأصبح داكن اللون كوجه الشيطان. لم أكُن رأيت الشيطان من قبلُ وجهًا لوجه، لكني رأيته في الحلم وحكايات الجدة العجوز. نتجمع حولها في الليل قبل جرس النوم. تحكي لنا عن الشياطين وأرواح الجان. كنت لا أزال في بيت الأطفال، لا أعرف وجه أمي ولا أبي. وجه الله أراه في النوم مزدوج الوجه، ناعمًا كصدر الأم من ناحية، ومن ناحية الأخرى مُخيفًا يُغطيه الشعر. يتجسد لي دائمًا على شكل رجل؛ أول رجلٍ رأيته في حياتي. كان الأطفال يُسمونه «البابا». يظهر فجأةً. لا أراه داخلًا أو خارجًا من الباب الخارجي. يقف وسط الفناء فاتحًا ساقَيه كأنما انشقَّت عنه الأرض أو سقط من السماء. عضلات وجهه لا تتحرك. رأسه بغير شعر يلمع تحت الضوء، وجهه يُغطيه الشعر ولحيته طويلة. يرتدي قميصًا أبيض مفتوحًا عند الصدر. يُطل من فتحة العنق شعرٌ كثيف أسود. عظام صدره كبيرة، والثدي عريض مشدود العضلات بغير لحم. فوق كل ثدي نقطةٌ سوداء كالحلمة الضامرة، يشفُّ سوادها من تحت القميص الخفيف. حول خصره حزامٌ عريض من الجلد، يضغط بطنه في عظام الظهر. ردفان ضامران داخل سروال من الجلد. عظام ساقَيه بارزةٌ مقوَّسة تحت الركبة. فخذاه مُتقلصان كفخذَي النمر، يلتقيان أسفل بطنه في ورمٍ صغير بحجم الليمونة.

لم تكن يده اليمنى تخلو من العصا، واليد اليسرى تقبض على ذراع طفل أو طفلة. يجرُّها خلفه إلى غرفة التأديب. يُغلق عليها الباب ثم يعود إلى الفناء. يجلس على الكرسي الخيزران ويُنادي على الأطفال. نتجمع من حوله فوق الدكك الخشبية، وتبدأ حصة الدين. يقرأ بصوتٍ بطيء غليظ. يدٌ تُمسك العصا، واليد الثانية تُمسك كتاب الله: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ. أُغمض عيني وأنام. أرى النفاثات في الحلم على شكل نسور سوداء تحلِّق في الجو. أصحو على صوته كهدير الطائرة النفاثة، يسأل: ما عقاب السرقة؟ ويهتف الأطفال في نفسٍ واحد: قطع الذراع. وما عقاب الزنا؟ ويرنُّ صوتنا في الفناء: الرجم بالحجارة حتى الموت. ويدبُّ الصمت حتى يسمع كل منا أنفاس الآخر. نعمة الله جالسة إلى جواري، ترمقني بعينَين تتَّسعان لذعر العالم: ما هو الزنا؟ وأُغمض عيني كاتمةً أنفاسي هاربة في النوم، ثم أصحو على صوته يقرأ مرةً أخرى: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ …. وتقترب مني نعمة الله حتى يلتصق رأسها برأسي، وتهمس في أذني: ألم يلد الله المسيح؟

صوتها كان خافتًا كزفيرٍ يخرج من الصدر، لكن عينه الغائرة اتجهت نحونا، وارتفع صوته في الجو: من التي تكلَّمت؟ ولم أعد أسمع شيئًا إلا صوت العصا تلسع الهواء، ورأيت خروف العيد مربوطًا من ساقه الأمامية بحبل في الأرض. يشدُّ ساقه مُحاولًا الخلاص ويُمأمئ بصوتٍ عالٍ. عيون الأطفال تتَّجه خلسةً ناحية الخروف. آذانهم تُتابع الصوت البطيء الغليظ يقرأ القصة. في النوم زار الله الأب وأمره أن يذبح ابنه. أمسك الأب عنق الابن ووضع فوقه السكين.

وانكمش الأطفال متكوِّرين بعضهم داخل البعض فوق الدكة الخشبية. امتدَّت العصا طويلةً لامعة كالسكين، واستقرَّت فوق عنق فضل الله، جالس إلى جواري مُتكور حول نفسه كالجنين. يده في يدي باردة مثلجة وأظافره زرقاء. ركبتاه مرفوعتان فوق الدكة عاريتان، يشدُّ عليهما طرف جلبابه الدمور. وجهه خالٍ من الدم. الدكة الخشبية من تحته تهتز. صوت الصرير كالأسنان تصطكُّ بالبرد. أمسكت يده في يدي وتساءلت بصوتٍ غير مسموع: ماذا فعل الابن ولماذا يذبحه أبوه؟ لكنه سمعني. كان يسمعنا قبل أن ننطلق ويرانا دون أن نراه، وصاح بصوته العالي: الأب لا يسأل الله لماذا، والابن لا يسال الأب لماذا، طاعة الله واجبة، وطاعة الأب أو الزوج من طاعة الله.

رفع العصا من فوق عنق فضل الله، وأشار بطرفها المدبَّب إلى الخروف المربوط، وقال: هذا هو ضحية العيد الكبير نذبحه ونأكل لحمه؛ لأن سيدنا إبراهيم أطاع الله، ولأن إسماعيل أطاع أباه. وانتهت حصة الدين، واختفى من الفناء كما ظهر، ولم ينهض فضل الله من مكانه فوق الدكة. ساقاه مشلولتان. رأسه بين ركبتَيه.

دق جرس النوم. نهضت من فوق الدكة ونهض معي فضل الله. جلبابه من الخلف مُلتصق بجسمه، ومكانه فوق الخشب مبلَّل. مسحته بكفي قبل أن يراه أحد. فاحت رائحة البول في أنفي. جفَّفت يدي في جلبابي واختبأت في دورة المياه. من النافذة رأيت من بعيدٍ غرفة التأديب، ومن خلفها تُطل قبة الكنيسة ومنارة الجامع. شجرةٌ كبيرة تحجبها عن الضوء، وتُلقي عليها غلالةً سوداء تُخفي معالم الجدران، وتُضفي عليها مسحةً غامضة، شبه إلهية كأنها في العالم الآخر. بابها خشبي أصفر اللون، مقبضه معدني أبيض تعلوه بُقعٌ سوداء كالدم القديم.

عيناي ثابتتان فوق المقبض، لم يتحرك ولم تخرج نعمة الله. أغمضت عيني ونِمت ثم صحوت. لا زال الباب مغلقًا. إلى جواري فضل الله. أخرج الرغيف من تحت جلبابه. نفذت رائحة الخبر إلى أنفي. لم آكل منذ حصة الدين. جلسنا فوق النافذة مُتعانقين. جلبابي يفوح برائحة بوله، وفي جلبابه رائحة عرقي. نعمة الله لم تخرج من غرفة التأديب. همست بصوتٍ غير مسموع: سأقتله حين أكبر.

كأنما كانت تسمعنا أذناه. انشقَّت عنه الأرض وظهر أمامنا طويلًا عريضًا كالمارد. عضلات وجهه مُتقلصة. الشعر يُطل من فتحة القميص مُنتصبًا. عضلات الصدر مشدودة، وحلمة الثدي نافرة. ساقاه مفتوحتان كفكَّي المقص. عيناه ثابتتان علينا، ونحن راقدان فوق النافذة. أنفه يتشمم الرائحة، والفتحتان الكبيرتان تتَّسعان داخلهما الشعر الأسود.

وجاء دوري وأسلمت له نفسي كأنه الله، يقودني حيث شاء إلى قدري المحتوم، ثم صحوت من النوم. وجدت نفسي في السرير من تحتي البلولة، وخيط دافئ يسري ناعمًا فوق ساقي كالعرق. تحسَّسته بإصبعي من تحت الغطاء، ثم قرَّبت يدي إلى عيني تحت الضوء، كان إصبعي مبلَّلًا بالدم الأحمر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١